وأخيراً.. السلام مقابل الاقتصاد
زياد بن عابد المشوخي


شكل مفهوم الأرض مقابل السلام الأساس لما سمي بـ "إستراتيجية التفاوض" مع الكيان الصهيوني، وكلما جاءت حكومة نقضت ما عقدته الحكومة السابقة من اتفاقيات فرئيس وزراء العدو الصهيوني "شارون" استبدل مفهوم الأرض مقابل السلام واصفا هذا المفهوم بأنه باطل فلسفيا وساذج سياسيا بفكرة الأمن مقابل الاستقلال.
الحلقة الجديدة من حلقات النقض الصهيوني جاءت خلال خطاب بنيامين نتنياهو الأخير الذي ألقاه رداً على خطاب أوباما في القاهرة، الخطاب تميز بالمراوغة في اختيار الألفاظ واستخدام عبارات محتملة تؤدي في النهاية للتهرب من الاستحقاقات الدولية، كما حرص على بقاء الائتلاف الحكومي اليميني دون أن يبالي بالضغوط الأمريكية - المعلنة على الأقل ـ وكانت نتيجة الخطاب ارتفاع شعبيه نتنياهو وفقاً لاستفتاء أجرته صحيفة هآرتس حيث وصلت نسبة تأييده في الشارع الصهيوني إلى 44%، في حين أنها كانت قبل الخطاب 28% في مؤشر واضح على مستوى التطرف والإرهاب والعنصرية في الكيان الصهيوني.
أبرز نقاط الخطاب هي:
1- اعتراف فلسطيني عربي بـ"إسرائيل" دولة للشعب اليهودي، مما يعني تهجير فلسطينيي 48 إلى الدولة الفلسطينية في إطار تبادل للأراضي والسكان. المؤرخ " الإسرائيلي" شلومو زانت أستاذ الدراسات التاريخية بجامعة تل أبيب وصف في مقابلة أجرتها معه صحيفة فرانكفورتر روند شاو الألمانية إصرار "إسرائيل" على مطالبة الفلسطينيين بالاعتراف بها كدولة يهودية أنه يمثل تطورا خطيرا, بل ونفى وجود ما يسمى بالشعب اليهودي معتبرا أن اليهودية ديانة وليست أمة، وأشار إلى أن إصرار الحكومة "الإسرائيلية" على التمسك بمصطلح الدولة اليهودية يرتبط بالمخاوف التاريخية العميقة الموجودة في المجتمع "الإسرائيلي" بشأن الهوية ولا يستند إلى حقوق تاريخية.
2- رفض حاسم لعودة اللاجئين الفلسطينيين بل وحل القضية خارج حدود دولة "إسرائيل", فالكيان يقوم بالتشريد والقتل والتدمير وتتحمل الدول العربية حل هذه المشاكل.
3- الإصرار على القدس موحدة تحت السيادة اليهودية مع حرية ممارسة الشعائر الدينية للمسلمين واليهود والمسيحيين، ويبدو من خلال الممارسات اليومية للاحتلال الصهيوني في القدس ملامح الحرية التي يتحدث عنها اليهود في مدينة السلام.
4- ترتيبات أمنية خاصة للدولة الفلسطينية الموعودة، فهي: منزوعة السلاح خاضعة للسيطرة الصهيونية الكاملة (براً وجواً وبحراً) ومنتهكة السيادة بل بلا سيادة، ولا يسمح لها بعقد تحالفات مع أي أطراف أخرى.
5- الاستعداد للقاء الرؤساء العرب في أي دولة يريدون من أجل إحلال السلام الاقتصادي. بل ومطالبة المستثمرين العرب بالمجيء لـ" إسرائيل" للعمل على تطوير المناطق الصناعية والسياحية لتكون مصب اهتمام الملايين.
من يتأمل الخطاب السياسي الصهيوني والممارسات على الأرض يدرك أن التطرف والإرهاب في الكيان الصهيوني وصل إلى درجة متقدمة يصعب معها الحديث عن السلام أو التسوية, لم يبق مجال للحديث عن السلام أمام تهويد القدس, ولم يبق مجال للحديث عن السلام مع الحديث عن ضرورة الاعتراف بـ " يهودية " الكيان الصهيوني، ولم يبق مجال للحديث عن السلام بعد الحرب التي شنت على غزة وحصارها المستمر.
الترحيب الرسمي في أميركا وأوروبا بخطاب نتنياهو يفتح الأبواب أمام تساؤلات حقيقية عن جدية هؤلاء القوم في تحقيق السلام، كيف يتحدث عن السلام من يريد دولة يهودية في فلسطين تلغي الشعب الفلسطيني وحقوقه ودولته وعاصمته وترفض عودة اللاجئين؟.
لقد كان الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر أكثر وضوحاً وواقعية عندما قال خلال لقاء عقده في القدس - بعد خطاب نتنياهو - مع رئيس "الكنيست" الصهيوني رؤوفين ريفلين: "إن نتنياهو وضع في خطابه عراقيل لم يطرحها أسلافه".
لقد قصفت الطائرات الحربية الصهيونية منطقة الحدود بين غزة ومصر قبل خطاب رئيس الحكومة العنصرية الإرهابية "بنيامين نتنياهو" بساعات في إشارة لا يخطئها عقل إلى أن "إسرائيل" فعلا لا تريد السلام بل تختلق الأزمات وتشن الاعتداءات جوا وبرا وبحرا للتهرب من أية التزامات تضطر لقبولها, وهي ماضية في تنفيذ مخططات التوسع الاستيطانية وصبغ القدس المحتلة بالشخصية اليهودية مستخدمة آلتها العسكرية المدعمة أمريكيا في إرهاب الفلسطينيين والدول العربية.
يحدث هذا كله فيما توقعت "وزارة المالية الصهيونية" أن يبلغ العجز في الميزانية العامة إلى حوالي (100) مليار "شيكل" في العامين القادمين وذلك بسبب الهبوط المتوقع في دخل الدولة من الضرائب( والازدياد في مصروفات الحكومة خاصة بعد الحرب على غزة, ومن المتوقع أن يبلغ العجز في الميزانية ذروته عام 2010م في سابقة لم تكن من قبل حسب ما نقلته صحيفة "معاريف" العبرية .
أما التقرير السنوي الاستراتيجي لمركز مدار للدراسات الصهيونية لعام 2009م فقد كشف أن دولة "إسرائيل" لم تعد الملاذ الآمن الذي وعدت به يهود العالم بعد إقامتها، بل إنها الآن وبعد ستة عقود تظهر أقل الأماكن أمنا لليهود مقارنة مع أي مكان آخر تتواجد فيه الجالية اليهودية في العالم .
إن كان الصهاينة يتكلمون بهذا المنطق, وهم يمرون بأزمة وجود، وأزمة اقتصادية خانقة، انعكست آثارها على المجتمع الصهيوني في كافة جوانبه، فكيف سيتكلمون في حال القوة الاقتصادية؟!.
مهما حاولنا الهرب من المواجهة, أو عدم الدخول في حرب مع الصهاينة, ومهما قدمنا من تنازلات, فإنهم بأفعالهم وجرائمهم ومخازيهم يقودون أنفسهم للهلاك, وحالهم كحال أسلافهم من قبل: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَار}.