البدعة بين النصيحة والخدعة
النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: البدعة بين النصيحة والخدعة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    14

    افتراضي البدعة بين النصيحة والخدعة

    خدعوك فقالوا دي نصيحة (البدعة بين النصيحة والخدعة)


    إن الحمد لله نحمَده ونستعينه ونستغفِره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مُضل له ومن يُضلِل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
    أما بعد : فإنَّ خيرَ الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بِدعة وكلّ بِدعة ضلالة وكل ضلالة في النار .

    فهذا رد على ما أذاعته قناة اقرأ في برنامج الجمعة ضمن حلقة بعنوان " خدعوك فقالوا دي بدعة " أي خدعوك بقولهم هذه بدعة
    من تقديم شاب مصري يدعى مصطفى حسني
    نازع فيها من يخالفونه في موضوع البدعة ، وبدأ منازعته لهم للأسف باتهامهم بالخداع عَبْر هذا العنوان العريض ، وأكّد مراده منه منذ مطلع الحلقة
    وإن الدارس لهذا الباب ( باب البدعة في العبادات ) يعلم أن أصول هذا الباب ، من حدّ البدعة وضابطها ، وشمولها لكل حَدَث ولو كان إضافيا أو نسبيا هو من المسائل التي لا يسوغ فيها الاجتهاد ، لاتفاق السلف عليها
    كيف لا وهو جانب مهم من معنى شهادة أن محمدا رسول الله ، إذ قد عدّ النبي صلى الله عليه وسلم المخالف في هذا الباب راغبا عن سنته كما سيأتي في الحديث ، فلا متبوع بحق إلا رسول الله
    كيف لا وهو مرتبط بأحد شرطي قبول العبادة اللذَين لا تقبل العبادة إلا بهما وهو المتابعة والموافقة لما كان عليه النبي وصحابته ، والآخر هو الإخلاص كما هو معروف
    كيف لا وهو مرتبط بأصل هام وضروري من أصول الشرع ألا وهو
    ( الأصل في العبادات التوقيف والمنع ) فلا يعبد الله إلا بترخيص وتشريع من المشرع

    أخي الكريم أود أن أنبهك أننا أمام حقائق جلية تتعلق بحلقتي الأستاذ مصطفى ( خدعوك فقالوا ) لا أظن والله من سمعهما متتبعا يخالفني في هذه الحقائق ، وهي والله مما لا يكاد يصدق عاقل صدورها عن شخص ، لما اشتملت عليه من تناقضات صريحة يعجب منها الإنسان ، والله بصورة تدهش وتذهل ولذلك سأذكر هنا بعضها مجملا ثم أبسط الكلام فيها موثِّقا كلامه بحروفه ما استطعت .
    وأرجو أخي الكريم أن تركز في قراءتك وتصبر على ما سأذكره إن كان فيه شيء من الطول فالمراد مهم للغاية .

    1ـ تكلم الأستاذ في الحلقة الأولى بصورة واضحة على أن مفهوم البدعة الذي ذكره من تعريفٍ للبدعة وذكرِ ضابطها وما يدل عليه من تطبيق هو مذهب العلماء والسلف وكل الأئمة باتفاق منذ أكثر من ألف ومائتي سنة وحتى قبل أربعمائة سنة .
    فقد قال بالحرف الواحد عن مفهومه هو للبدعة وضابطها والذي طرحه في الحلقة فقال وكلامه بالعامية في الغالب :
    ( حنتكلم عن المفهوم اللي السلف والصحابة فهموه عن البدعة واللي تكلموا عنه في كتبهم وفي كتب أهل العلم من لدن الصحابة لغاية واسمحوا لي إنا نحنا بعد إذنكم مش حنستخدم كلام الناس اللي عايشين ...) كذا
    ثم عاد بعد أن صور أن مخالفه ليس له من سلف إلا كلام المشايخ في الأشرطة فقال عن مذهبه الذي طرحه في مقام الدعاية له :
    ( لكن الأقوى أن يكون ابن حجر متفق مع الشافعي متفقين مع الصحابة وكل الأئمة من السلف )
    ثم قال متابعا دون فصل للكلام :
    ( على أنا نحنا بقى دي الوقت كبرنا أو صغرنا عندنا مشكلة في البدعة [ يعني كما يزعم المخالف ] وهم [ يعني مخالفيه ] عرفوها بطريقة مختلفة ، خاصة وحانشوف دي الوقت في الكتب اللي أنا حاطط إيدي عليها وعايز أحط جواها في قلبي )
    ثم كرر نحوا من هذا قائلا عن التطبيقات التي نقلها :
    ( وهل التطبيقات اللي حانشوفها ونحن ماشيين مع بعض في السلف الصالح في الألف سنة الأولانية [ ولوح بيده ]من أيام النبي صلى الله عليه وسلم لغاية أربعمائة سنة...هل علماء السلف الصالح [ ووضع يده على الكتب ] كانوا بيفتوا بأي تعالوا ...)
    وتعدد منه الادعاء بأن ما طرحه هو مذهب الأئمة ويخص منهم الأربعة بالذكر وتعددت أساليبه غير أن أسلوبه الكلامي أحيانا يجعل من العسر نقله حرفيا ، للعامية في الكلام ولقطعه الكلام فجائيا وانتقاله إلى معنى آخر ، بحيث نقلُه يحتاج إلى ربط وهذا يسبب في إطالة فاحشة لو نُقل وسأحرص في الأيام القادمة على نقل لقطات منه على ملف فيديو وسأنزله على اليوتيوب ففيه ما يجلي حقيقته
    ثم جاء في آخر الحلقة في آخر كلمات له وأكد ما سبق ، قائلا عما قرره من مذهبه وأنه عين مذهب السلف فقال :
    ( وهذي السلف أهم )
    وفي المقابل صور مذهب مخالفه الذي نقله على سبيل الرد بأنه لا يوجد في أقوال السابقين ولا في الكتب ولم يرِد عن العلماء وذلك بأساليب متنوعة أكثرها تعريضية ( يا ترى العلماء قالوا كده ) ثم ينفي ( هل العلماء عرفوا البدعة كده ) ثم ينفي وتارة ( أوعى أقول لك قال ابن تيمية .. الشافعي .. مالك بتقول بس أنا سمعت في الشريط الشيخ قال كده ) وكررها مرارا مرسخا في أذهان المشاهدين أن مخالفيه لا يملكون إلا كلاما في أشرطة يعني معاصرين فقط ، وتارة ينادي بالتلقي عن العلماء ويصور أن انعدام هذا عند مخالفه هو مشكلة المخالف ويستدل بأنه ( حتى النبي أخذ عن جبريل ) مستنكرا هذا المذهب المجرّد من التلقي عن العلماء ، بل صرح أكثر من مرة بظهوره مؤخرا ووصفه بالاختراع من قبل بعض الشباب وأن قائليه ( هم الصحفيون ) وسبب ظهوره ( الجهل من هؤلاء وقلة العلم ) ( وهو غلط في نفسه ) ( وغلط على السلف ) ( وينافي تعريفات العلماء وتطبيقاتهم ) ( ومش علمي أصلا ) ( وكلام من لم يطلب العلم على المشايخ ) ( وسببه عدم العلم ) ( وهم لا يرجعون إلى السلف ) ( وما يعرفوش السلف بيعملوا أي ) ( وما يعرفوش معنى البدعة ) وبالتالي هو الذي يصدق عليه أنه بدعة ، ( ولو أصر عليه صاحبه سيضيع دين النبي ) وسبَّ أصحابه سبا عجيبا كما سيأتي .
    وكل ما بين الأقواس هنا من كلامه بقريب من حروفه
    وإضافة إلى هذا أكد مرارا ومرارا أن مخالفه لا يتبع العلماء السابقين بأساليب تعريضية كثيرة جدا
    حتى أنه قال مصورا حجم المخالفة عند مخالفيه :
    ( يعني مش مسألة أنه قرر عن حاجة بدعة في حاجة السلف ما تكلموش فيها ؟
    دا هو الأئمة تكلموا أن دي مش بدعة وهو قال بدعة )
    فانظر إلى تصويره مذهب مخالفه
    وقال متكلما على لسان مخالفه محاولا أن يصور قدر جهله :
    ( دا ، اللي خلاني ما اعرفش يبقى عندي الآلة أو المفتاح اللي يخليني أعرف أن دي بدعة ولا مش بدعة )

    هل تصدق أخي الكريم أنه جاء في الحلقة الثانية بعد أسبوع وبعد أن رد عليه بعض الأفاضل فقال كلاما مناقضا لما سبق تماما ، وكأنه لم يتكلم في قناة شاهدها ألوف مألفة وهذا موطن العجب فقال :
    ( ما حبيتش تأخذ برأيي وعندك إمام ثاني أنت حلو وأنا مش غلط ، أنت ماشي صح وأنا ماشي صح .
    أنا أصلا ما نقلتش الأقوال الأخرى لأنها مشهورة مش محتاجة تنقل ) ا.هـ كلامه
    وقال : ( أنت صح معاك قول إمام وأنا صح معاي قول إمام )
    وقال في هذه الحلقة مقررا الخلاف : ( نحن كذا مختلفين مع بعض وذا اسمه رحمة )
    وقال بأنه أراد فقط أن يعرف المشاهد أن هناك قولا آخر في المسألة غير الذي يقوله مخالفه ، فقط هذا المراد من الحلقة
    فهل يكون بيان أن هناك قول آخر وهو قولك يا أستاذ بمجانبة الصدق والقول بما يخالف الحقيقة وبتحريف الواقع ؟
    هذا يذكرني بقصة مشهورة في أحد البلاد العربية :
    يحكى أن رجلين يقود كل منهما سيارته التقيا في الطريق فتخاصما فوقف كل منهما بجانب الطريق إثر المناوشة ، فنزل أحدهما مسرعا وهو غاضب ففتح الصندوق الخلفي وأخرج منه المرفاع اليدوي ( الكريك ) ليضرب به الآخر وكان الآخر قد تباطأ في النزول قليلا فما أن نزل حتى كان صاحب المرفاع قد قاربه وإذا بهذا الذي كان قد تباطأ ضخم الجثة فلما رآه صاحب المرفاع تفاجأ وارتعب فلم يملك إلا أن قال مغيرا موقفه : ( هذا المرفاع لك ؟ )
    الأستاذ فعل ما فعله صاحب المرفاع

    كيف سنتعامل مع من تصدر منه مثل هذه المناقضات ؟
    بالله اسألوا الدكاترة النفسيين عن مثل هذا المثال العلني هل يصدر مثله من شخص بشكل عارض أم عادة لايصدر إلا ممن به خلل متأصل ؟
    وسأختصر عليك الطريق بعشرات الأمثلة للأستاذ نفسه في هذه الحلقة والتي جمع فيها بين الانكار للمشهور والمناقضة المكشوفة والمغالطات العلمية الصريحة والتي سيأتي نقضها تفصيلا

    2ـ قال عن السلف ومن جاء بعدهم : ( هم زمان ما كانوش يقولوا دي سنة ودي بدعة ) ينفي اشتغالهم ببيان السنة من البدعة ؟!!
    وهذا كلام والله سوقه يغني عن الرد عليه .
    فيكفي أن العلماء ألفوا كتبا خاصة في بيان البدع من غيرها حتى أنه يصعب حصر ما كتب فيها خصوصا .
    وأنا أدعوا كل أخ أن يأتي إلى أي مكتبة إلكترونية كالمكتبة الشاملة أو غيرها والتي تحوي أهم الكتب الاسلامية ويكتب في خانة البحث كلمة بدعة ، ثم يضغط على البحث فسيجد نتائج هائلة تتجاوز الآلاف من النتائج وعند متابعتها سيجد الباحث أنها تتكلم عن البدعة وتحذر من الأعمال البدعية في الآلاف منها .
    والله كثير ممن يرضاهم الأستاذ من أهل العلم لا يمكن أن يقولوا بهذا بل يعارضونه .
    بل قال الأستاذ عن مخالفيه في موضوع البدعة مشبها :
    ( صخرة ضخمة اسمها : الغلط والصح ، والبدعة والسنة ، اسمع لهذا وما تسمعش لهذا ، وأحاديث ضعيفة ، وذا على المنهج السليم وذا على المنهج الغلط ، صخرة عظيمة اسمها دي بدعة احنى بنحاول نقتلعها بعد ما ثبتت في قلوب كثير منا )
    فالرجل بلغ مستوى من التفكير خطير يدل على أنه يعيش خللا بالغا ، هو وأمثاله يريدون أن يتكلموا بما شاؤوا ويكيفوا الدين على أمزجتهم دون أن يعترضهم أحد ، وتأمل نفرته من كل أساليب النقد بما فيها تضعيف الأحاديث ولذلك سيأتي غمزه في علم الحديث
    وهذا الكلام منه يضاد دين الإسلام ، ويضاد مذاهب المسلمين كافة لا أقول السلف فحسب ، بل هذا الكلام يضاد حلقة الأستاذ نفسها لأنه كما اعترف في الحلقة يحارب الغلط الذي وقع من مخالفيه
    فهل من يصدر منه هذا يكون خطؤه عارضا ؟

    3ـ نفى في أكثر من مرة استدلال العلماء بمبدإ أن مالم يفعله رسول الله ولم يثبت عن السلف فهو بدعة ولو كان خيرا لسبقونا إليه ، ومن ذلك قوله :
    ( يا ترى النبي ما عملهاش ولو كان خيرا لسبقنا إليه ! ذا كلام العلماء ؟! ولا ذا كلام أصلا مش علمي )
    وقال : ( التبديعيين ... اللي في وسطنا اللي كل شوية يقولك دي بدعة والسلف ما عملوهاش ولو كان خيرا لسبقك إليه النبي
    سبب وجود هؤلاء هو قلة العلم عموما وقلة السعي لطلب العلم ) ا.هـ
    وقال : ( ولا واحد من الأئمة قال : اللي النبي ما عملهاش ولم يكن عليها هدي السلف تكون بدعة )
    بينما هذا الذي أنكره مشهور مستفيض لا خلاف فيه كما سيأتي بيانه
    فمثل هذا الكلام هل يصدر من شخص طبيعي في غلطه ؟
    4ـ قال بأن علم الحديث هو سبب وجود التبديعيين ؟!
    وبرره بعدم الدراسة على الأصوليين الفقهاء ، فما علاقة علم الحديث بالبدعة لولا سوء النظرة لهذا العلم الشريف والبعد عن السوية في التصور ؟!!
    وأنا أنقل له هنا كلاما للإمام إبراهيم الحربي الذي كان يشبهه الدارقطني بأحمد بن حنبل وهو معاصر لأحمد يبين فيه بعد أصحاب الحديث من البدع وأنهم أبعد الناس عن ذلك
    يقول الإمام إبراهيم الحربي رحمه الله :
    " لا أعلم عصابة خيرا من أصحاب الحديث ، إنما يغدو أحدهم ومعه محبرة ، فيقول : كيف فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وكيف صلى ، إياكم أن تجلسوا إلى أهل البدع ، فإن الرجل إذا أقبل ببدعة ليس يفلح ".
    فشتان بين كلام الأئمة وكلام غيرهم ، واستفد أخي القارئ من فلتات ألسنة القوم لينكشف لك ما يخفونه وإلا كيف يجعل علم الحديث الذي هو نصف الدين سببا للانحراف وهل الدين إلا حديث وتفسير

    5ـ ادعى أن ابن تيمية الذي هو سلفي من دماغه إلى أخمص قدميه بأنه في صفّه وضد مخالفيه السلفيين وحاجج به مرارا ومنه قوله :
    ( أوعى أقول لك قال ابن تيمية ... تقول بس سمعت الشيخ في الشريط )
    وكرر نحو هذا واستدل به في التعريف وفي تطبيقين وصوّره ممن يقول بالبدعة الحسنة وبالمفهوم الذي ذكره
    فبالله هل يقبل بهذا حتى من يقول بقوله من العقلاء ؟
    وسيأتي نقل كلام ابن تيمية نفسه الذي يبطل ما نسبه له الأستاذ .
    فهل يصدر هذا من أمين في نقله ؟

    6ـ أيضا مالك بن أنس إمام دار الهجرة ذكره أكثر من مرة محتجا به على أنه معه في الموضوع في مفهوم البدعة وفي التطبيقات مع أنه لم ينقل عنه حرفا واحدا في أية جزئية
    بينما مالك بن أنس لا يوافقه في شيء مما ذكر ، بل يقول ببدعية الدعاء بعد كل صلاة وبدعية التعريف بعرفة وينكر مسح الوجه بعد الدعاء وأيضا قراءة القرآن على القبور والموتى كما نقل عنه شيخ الاسلام والقرافي وهو في منح الجليل شرح مختصر خليل ولم يصح عن مالك سواه
    وكل هذه أمثلة مثّل بها الأستاد لما ليس ببدعة عنده ، ودعا إلى فعلها ونسب لمالك أنه يوافقه في جوازها ، كما دل عليه احتجاجه بمالك عموما ومرارا ، بينما مالك يمنع من هذه الأفعال ويكرهها ويراها محدثة
    بل يمنع مالك أيضا من أمثلة أخرى سوغها الأستاذ على قاعدته وألمح إلى أنها سائغة :
    كقراءة القرآن قراءة جماعية من باب الذكر .
    وكالدعاء بصورة جماعية عقب الفراغ من القراءة .
    وكالاجتماع للختم في ليلة من رمضان تُخصَّص للختم .
    وكتخصيص سورة كالاخلاص بالتكرار في الصلاة .
    وكتخصيص القول عند ذبح الأضحية بقول اللهم منك وإليك . وتخصيص أحد قوائم الثابوت بابتداء الحمل .
    بل والقول ببدعية غسل اليدين قبل الطعام لغير علة .
    وكل هذه أنكرها مالك والأستاذ يسوغها بقاعدته بل يشنع على من يقول ببدعيتها .
    بل مالك كان يبالغ في إنكار المحدثات وأبرز ما يبين هذا ما سيأتي من إنكاره على المؤذن تذكيره الناس بالصلاة فيما يعرف بالتثويب الغير الوارد .
    وسيأتي عزو هذه الأقوال لمالك مفصلة .
    فمن أين جعل الأستاذُ مالكا موافقا لمذهبه ؟
    سلوا الباحثين والدارسين هل يكون صادقا من يقول إن مالكا يجوّز الإحداث في العبادات ما دام أن النصوص العامة قد جاءت بها ومادام أنها لاتخالف أصول الشرع ؟ وأن التخصيص دون دليل هو من البدع الحسنة وأنه ليس كل بدعة مستقبحة ؟
    كيف وأشهب ينقل عنه منعه من البدعة ولو كانت في خير كما هو تعبيره وسيأتي
    كيف وهو القائل : من ابتدع بدعة وزعم أنها حسنة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة
    والله لا خلاف بين المتخصصين جميعا المنصفين أن مالكا بريء من مذهب كهذا .
    إنه والله لخرق لأمانة العلم ومجانبة صارخة أن ينسب الأستاذ مذهبه لمالك
    وأنا أطالبه إن كان واثقا من نفسه أن يذكر لنا لاحقا مستنده فيما نسبه لمالك بعيدا عن الانتقائية ، مع أني أكاد أجزم أنه ولو انتقى ما انتقى فلن يظفر بما ينجيه من تهمة مجانبة الأمانة وليغلطني إن استطاع .

    7ـ وصف أحد الذين ألفوا في جواز المولد في القرن السابع بأنه أحد الصالحين مروجا مقالته ، بينما تكاد كتب التاريخ تتفق على كذبه وفساده وخبثه وسيأتي كلام ابن كثير فيه هو وبعض المؤرخين
    فهل يفعل هذا أمين ؟
    8ـ استدل بحديث صلاة ركعتين بعد الوضوء من بلال فأتى بلفظ ملفق من روايتين وعزاه للبخاري ! بينما شطره الأول ليس في الصحيح أبدا ، فحذف شطر البخاري الأول لأنه يبطل استدلاله وأتى بشطر من رواية أخرى حتى يتم له استدلاله وأبقى على شطر رواية البخاري الثانية وعزاه كاملا للبخاري
    بينما الشطر الذي حذفه يبطل استدلاله أو على الأقل يشوش عليه
    وهذا تفنن في خرق أمانة العلم وسيأتي إيضاحه جليا

    فهذه فقرات مجملة سيأتي إيضاحها وتفصيلها ضمن هذا الرد وهي بعض ما وقع فيه الأستاذ من انتهاكات
    وسيأتي أن الأستاذ ارتكب مخالفات أخرى كثيرة وكبيرة تجلي مقدار الأمانة عنده بصورة واضحة ، من حذف لبعض الكلام ومن خلط في نقل مواقف الأئمة ، وانتقائية فاحشة في اختيار بعض أقوالهم دون بعض ، ومن إلصاق كلام ببعض الأئمة يخالف عين كلامهم الذي لم ينقله وسيأتي كل هذا وغيره
    ولقد حرصت أخي الكريم على أن يكون هذا الرد تأصيليا فجمعت لك من تطبيقات السلف صحابة وتابعين فمن بعدهم من خلال آثارهم ومن خلال تطبيقات الأئمة من كلامهم في هذا الموضوع الخطير ما يشفي صدر كل صادق
    واقتصرت على الواضح منها والإيجابي الذي يحدد البدعة عندهم ويصف الفعل بالبدعة والذي هو تطبيق صريح لمعنى البدعة وهو الأصل في استعمال العلماء وهو الأكثر في التطبيق
    فالعلماء ألفوا في البدع وبيانها وجمعوا ما وقفوا عليه مما يسمى بدعة ،
    ألف ابن وضاح في القرن الثالث وألف الطرطوشي وأبوشامة والشاطبي والسيوطي فلم يكن أصل كلامهم التمثيل لما ليس بدعة كما فعل الأستاذ هداه الله فمثل هذا لا يوضح المراد
    فذكرت لك جملة من التطبيقات الواضحة

    وأشرع الآن مع الأستاذ مصطفى في هذه الجولة مع ما ذكره عن البدعة

    أولا الطرح المشتت والغير هادف :

    ـ الأستاذ هداه الله لم يوضح طول حلقته حتى قوله الذي يقول به .
    لم يوضح ما هي البدعة عنده ، وذلك عندما ساق تعاريف مجملة دون بيان واضح لمعانيها ودون أن يمثل لها بأمثلة ولو بمثال واحد وفق مذهبه وهل تتضح مسألة كهذه دون تمثيل ؟
    فهو لم يقل العمل الفلاني بدعة أو المثال الفلاني نموذج للبدعة التي أُعرّفها وإنما اكتفى بالتمثيل لما ليس ببدعة فقط .
    وما قام به الأستاذ من طرح يوحي بأنه مهتم فقط بإخراج المشاهد من الحلقة مشوشا ، شاكا في هذا الباب من أصله وهذا أقرب إلى الأسلوب الهدمي أو التشويشي ، وذلك عندما حرص في طرحه على نقل تعريفات مجملة دون ربطها بالأمثلة ولا بتطبيقات العلماء لها ، لا الأمثلة المتفق عليها أو الصحيحة التي تنسجم مع التعريفات كما هو المنهج السوي ولا الأمثلة حتى المختلف فيها !!
    و لاخلاف أنه بالمثال يتضح المقال ، فأين التوضيح ؟
    وخاصة في موضوع دقيق وعلمي كهذا ولدقته فانظر ما جاء في فتاوى الأزهر عن مفهوم البدعة :
    " إن تحديد المفاهيم عنصر هام من عناصر البحث فى أي موضوع ، وبدونه تختلف الأحكام وتتضارب الأقوال ، ويحدث التفرق .
    وتحديد مفهوم البدعة التى هى ضلالة فى النار فيه صعوبة.
    .... فإن موضوع البدعة دقيق ، وفيه كلام طويل " ا.هـ
    وضرب الأمثلة من أهم ما يبين المفاهيم ، والأستاذ من أحوج الدعاة لذلك بسبب مستوى المشاهدين لحلقته التي هي مخصصة في الأصل لعامة الشباب ولا تختص بالمثقفين منهم
    فأين الأمثلة على البدعة المذمومة عندك يا أستاذ ؟ أين الصور المعنية في التعريفات التي نقلتها ؟
    لماذا لم تذكر مثالا واحدا طول حلقتك يصح وصفه بأنه بدعة مما تنطبق عليه النصوص الشرعية في وصف البدعة ولو بالمعنى الذي تنادي به ؟
    لماذا ؟
    وإنما اكتفى الأستاذ بعرض بعض الأمثلة لما ليس ببدعة عنده وبطرف من الأقوال التي لا تمثل التطبيق المذكور ، فهي تنفي البدعية ولا تفيد في تصوير البدعة المعنية ، وتتعلق بموقف بعضهم في جزئيات حصل في بعضها خلاف ، وتُمثّل عند قائليها الجانب الخارج عن التعريف لا المعنِيّ والمراد بالتعريف ، وهو من باب ما لا ينقض الوضوء ، كما يُشبّه شيخُ الاسلام أمثالَ هذا الأسلوب ، فمن أراد بيان نواقض الوضوء لا يقول في بيانها مثلا : شرب اللبن لا ينقضه وشرب العصير كذلك والسعال لا ينقضه والعطاس لا ينقضه والقفز لا ينقضه ...إلى ما لا يحصى من الأمور التي هي من قبيل السلب وإنما الإيضاح يكون بذكر الإيجاب ، النوم ناقض والبول ناقض ...
    هكذا تُشرح المسائل ، فحضرة الاستاد شغل المشاهدين بما ليس بدعة في نظره هو ، بناء على ضوء اطلاعه الانتقائي .
    أما ما كان بدعة فلم يهتم به ولو من النافذة التي تناسب مذهبه بحيث أشغل وقت البرنامج وهو ساعة كاملة تقريبا بما يظن أنه ليس بدعة
    فمما لا يليق بالأستاذ الخوض في الموضوع دون هدف نزيه يجلب للمستمع الطمأنينة بضبط المسألة وإحكامها
    فهو هداه الله لا ضبط التعريف ، ولا مثّل ولا بيّن نوع الأمثلة التي يسوغ فيها الخلاف والتي لا يسوغ والذي من شأنه أن يزيل اللبس والإشكال على المشاهد
    ثم أضاف لهذا أنه بما خلص إليه من الحلقتين جعل المشاهد الكريم في حيرة عندما أوهمه أن هذا خلاف بين العلماء معروف حتى أنه صوّر من يقول الشيء الفلاني بدعة فهو من الفريق التبديعي ومن كان يقول ليس ببدعة فهو من الفريق الذي يتوسع في تجويز البدع ثم ترك المشاهد عند هذه النقطة
    لم يبين حقيقة الخلاف ولا الصورة الواضحة لهذا الخلاف فضلا عن بيان وضبط مسائل الاجتهاد السائغة من غيرها
    ولا يدري أن هؤلاء الذين يشاهدونه عندما يسمعون من الفريق الآخر احتجاجهم بنفس العلماء الذين احتج بهم الأستاذ سيتوهون إن كان كلام الأستاذ علق بأذهانهم .
    فهو هداه الله لم يبال في طريقته ما الذي سيؤول إليه تفكيرهم ؟ و أيضا عندما يسمعون من العالم الواحد عن أمر يقول عنه بدعة ثم يقول عن أمر آخر ليس ببدعة كيف سيكيفون قوله ؟
    طبعا الأستاذ بسياسته في الحلقتين تركهم في موطن ليس لهم معه إلا التيه وهذا من أبرز المآخذ على أستاذنا أصلحه الله
    طبعا أنا أُرْجِع هذا الطرح المشتت من الأستاذ إلى عدة أسباب منها أن تجنب هذا التشتيت لا يخدم هدف الأستاذ من الحلقتين بل يصب في مصلحة القول الآخر الذي انبرى الأستاذ لنقده وتتفيهه
    وحتى يكون طرحي مفيدا وصادقا وعلميا أكثر من كونه ناقدا أوضح الجانب العلمي للطرح الواضح بما يدل على ما وراء ذلك التشتيت من إخفاء لحقيقة المسألة وذلك بما يلي :

    عند النظر في المسائل التي حكم عليها علماؤنا بموجب هذا الباب من بدعية أو عدمها نلحظ أنها تكاد تنحصر في الآتي :

    1ـ أفعال اتفق السلف والخلف من العلماء على بدعيتها :
    كالأذان يوم العيد فمع فعل بعض الأمراء له في عهد بني أمية لكن العلماء من السلف فمن بعدهم نصوا على بدعيته حتى نقل الإمام مالك عدم الخلاف في ذلك وسيأتي .
    وكالمداومة على الجماعة في صلاة النفل المطلق وسيأتي النقل في ذلك .
    وكذكر الله تسبيحا وتكبيرا ونحوه بأصوات ملحنة مطربة فإذا أضيف إليه معازف فهو أوضح.
    وكقراءة سورة الأنعام في آخر صلاة التراويح .
    وغيرها كثير وكلها ستأتي منقولة عن العلماء من مصادرهم .

    2ـ أفعال اتفق السلف وجل الخلف على بدعيتها :
    كالجهر بالذكر أثناء تشييع الجنازة ، وكذكر الله تسبيحا وتكبيرا ونحوه بأصوات ملحنة مطربة فإذا أضيف إليه معازف فهو المعروف بالتغبير الذي أغلظ فيه السلف النكير .
    وكدعاء الرجل قائما بعد الصلوات ، وكرفع اليدين من الخطيب على المنبر في الجمعة في غير استسقاء وكمسح الوجه من دعاء القنوت أثناء الصلاة . وغيرها كثير وسيأتي عند الكلام على تطبيقات العلماء توثيق هذه الأقوال

    3ـ أفعال حصل فيها شبه اتفاق والخلاف فيها لايكاد يذكر قليل وشاذ .
    كالدعاء الجماعي دبر كل صلاة وكرفع المؤذن صوته بالصلاة والسلام على النبي عقب أذانه ، وكالرجوع القهقري تعظيما لبيت الله الحرام وكالمصافحة بعد كل صلاة وكالتلفظ بالنية للصلوات وغيرها .
    وهذا حال أكثر الأفعال المبتدعة
    والفرق بين هذه الفقرة والتي قبلها أن التي قبلها ظهر إنكارها عند السلف لحدوثها أيضا في وقتهم خلافا للفقرة الثالثة التي يبدو أن ما ذكر فيها قد حدث بعدهم

    4ـ أفعال اختلف فيها السلف والعلماء لاختلافهم في صحة الحديث أو الأثر أو ضعفه .
    كمسح الوجه بعد الدعاء ، وكقراءة القرآن على القبر ومنها الفاتحة ، وكصلاة الضحى
    من صحح ما ورد رأى أنه سنة ومن ضعف رأى أنه بدعة

    5ـ أفعال اختلف فيها السلف نتيجة بلوغ النص لطرف وغيابه عن الآخر .
    كصلاة الجنازة في المسجد ، وكسجود الشكر ، والسجود على الحجر الأسود
    من بلغه الحديث قال بمشروعية الفعل ومن غاب عنه قال ببدعية الفعل وستأتي في التطبيقات موثقة

    6ـ أفعال اختلف السلف فيها تبعا لاختلافهم في ثبوت ذلك عن النبي من عدمه ولكن من جهة فهم النص
    كالجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية
    فمن فهم من حديث أنس أن النبي وأبابكر وعمر لم يكونوا يجهرون بها رأى أن الجهر بدعة ومن رأى أن الحديث لا يدل على نفي الجهر لم يبدع الجهر
    7ـ أفعال اختلف فيها السلف نتيجة حدوث سبب لم يكن في زمن النبي مما أدى إلى عدم وجود سنة خاصة معمول بها في تلك الصورة
    كانتشار البنيان والتوسع فيه بصورة تؤثر على إعلام الناس بصلاة الجمعة التي لم يكن لأول وقتها ـ وهو الذي تقام فيه الخطبة ـ علامة كونية ظاهرة كالزوال ، فليس أول وقت النداء يوم الجمعة هو أول وقت النداء للظهر فقد ثبت عن بعض الصحابة صلاتها وقت الضحى وهو مذهب الإمام أحمد ، فلم تكن هناك سنة خاصة معمول بها في مثل هذا الظرف حتى يرجع إليها .
    فهذا السبب الحادث بعد النبي وهو انتشار البنيان هو الذي سبب في اختلافهم في إقامة أذان آخر كما فعل عثمان لقناعته بحاجة الناس إليه بعد حدوث ذلك التوسع في البنيان إذ إقامة الخطبة مباشرة بعد الأذان الغير محدد للناس بعلامة كونية ثابتة مع انتشار المساكن وبُعدها يجعل فوات الخطبة وربما الصلاة على الكثير أمرا حتميا
    واعتبر بعض الصحابة هذا العمل بدعة حتى مع هذه المعطيات
    كما سيأتي النقل عنهم
    فانظر إلى حرص بعض الصحابة ولزومهم ما كان عليه عمله ص حتى في مثل هذه الحال

    فهذه سبعة أنواع لمواقف السلف والعلماء من الأفعال التي توارد كلامهم فيها عن بدعيتها من عدمها بما يجلي مذهبهم وضابطهم في البدعة .
    فقد تبين أن الفيصل عندهم والقاطع للنزاع ومربط الحكم عندهم والذي لم يختلفوا فيه هو التركيز على معرفة ورود الفعل عن النبي أو عن صحابته من عدم وروده
    ولذلك نجدهم يحكمون بمشروعية ما ورد ولا يختلفون في هذا عند علمهم بثبوته
    كما نجدهم يحكمون ببدعية ما لم يرد ولا يختلفون في هذا عند علمهم بعدم ثبوته
    وعادة يرفقون أحكامهم بعبارات تدل على هذا كما سيأتي باستفاضة
    وإليك الآن أمثلة على ما ذكرته من تشخيص أكتفي بها هنا والبقية ستأتي ضمن الأمثلة التطبيقية التي جاءت عن السلف والعلماء في هذا الباب
    ففي رواية صحيحة ثابتة عند البيهقي
    أن عائشة وبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن أمرن بجنازة سعد بن مالك رضي الله عنه أن يمر بها عليهن فمر به في المسجد فجعل يوقف على الحجر فيصلين عليه
    ثم بلغ عائشة رضي الله عنها أن بعض الناس عاب ذلك وقال هذه بدعة ما كانت الجنازة تدخل المسجد !
    فقالت ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا مالاعلم لهم به عابوا علينا أن دعونا بجنازة سعد تدخل المسجد وما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل ابن بيضاء الا في جوف المسجد
    والحديث في صحيح مسلم بنفس المعنى وبنفس الدلالة ويحمل نفس الحجة التي أريدها غير أن هذا اللفظ أوضح ولا تستغرب إذا قلت لك إنه أصح
    فعائشة بينت أنهم لعدم علمهم بهذا الدليل صاروا إلى الإنكار والتبديع
    وأما المثال الثاني فعن قنوت الصبح
    فقد روى الطبري عن أبي مجلز ، قال : قلت لابن عمر : الكبر (1) يمنعك من القنوت (2) ؟ قال : « لا أحفظه عن أحد من أصحابي »
    ومن طريق آخر عن أبي مجلز ، قال : قلت لابن عمر وابن عباس : الكبر (1) يمنعكما من القنوت (2) ؟ قالا : « لم نأخذه عن أصحابنا »
    والأثر ثابت صحيح
    بينما ذهب من قال بالقنوت إلى تصحيح روايات وردت في المسألة .
    وأيضا المثال الثالث كما في المغني لابن قدامة :
    " وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْقُنُوتِ فَهَلْ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدِهِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ [ يعني في المذهب ] : إحْدَاهُمَا ، لَا يُفْعَلُ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ بِشَيْءٍ .
    وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ فِي الصَّلَاةِ ، فَلَمْ يُسْتَحَبَّ مَسْحُ وَجْهِهِ فِيهِ ، كَسَائِرِ دُعَائِهَا
    الثَّانِيَةُ : يُسْتَحَبُّ ؛ لِلْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ .
    وَرَوَى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا دَعَا رَفَعَ يَدَيْهِ ، وَمَسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ } .
    وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيهِ ، فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ خَارِجًا عَنْ الصَّلَاةِ ، وَفَارَقَ سَائِرَ الدُّعَاءِ ، فَإِنَّهُ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيهِ ا.هـ
    وتأمل قوله :
    " لَا يُفْعَلُ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ بِشَيْءٍ "
    وقوله : " الثَّانِيَةُ : يُسْتَحَبُّ ؛ لِلْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ "
    فالمنع لعدم وجود دليل ، والإستحباب عند وجود الدليل
    وقال الحافظ في الفتح
    " وَوَقَعَ فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود الْمُشَار إِلَيْهِ زِيَادَة أُخْرَى وَهِيَ " وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّد كَمَا صَلَّيْت وَبَارَكْتَ وَتَرَحَّمْت عَلَى إِبْرَاهِيم " الْحَدِيث ...
    وَبَالَغَ اِبْن الْعَرَبِيّ فِي إِنْكَار ذَلِكَ فَقَالَ : حَذَارِ مِمَّا ذَكَرَهُ اِبْن أَبِي زَيْد مِنْ زِيَادَة " وَتَرَحَّمْ " فَإِنَّهُ قَرِيب مِنْ الْبِدْعَة لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُمْ كَيْفِيَّة الصَّلَاة عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ فَفِي الزِّيَادَة عَلَى ذَلِكَ اِسْتِدْرَاك عَلَيْهِ اِنْتَهَى ... فَإِنْ كَانَ إِنْكَاره لِكَوْنِهِ لَمْ يَصِحّ فَمُسَلَّمٌ ، وَإِلَّا فَدَعْوَى مَنْ اِدَّعَى أَنَّهُ لَا يُقَال اِرْحَمْ مُحَمَّدًا مَرْدُودَة لِثُبُوتِ ذَلِكَ فِي عِدَّة أَحَادِيث ..." ا.هـ
    فتأمل قوله
    " فَإِنْ كَانَ إِنْكَاره لِكَوْنِهِ لَمْ يَصِحّ فَمُسَلَّمٌ " ثم قال : " وَإِلَّا فَدَعْوَى مَنْ اِدَّعَى أَنَّهُ لَا يُقَال اِرْحَمْ مُحَمَّدًا مَرْدُودَة لِثُبُوتِ ذَلِكَ فِي عِدَّة أَحَادِيث ..." ا.هـ
    فالإنكار لأنه لم يصح مسلّم ، وهو مردود لثبوته في أحاديث
    وهكذا كل مسألة اختلف فيها السلف لا تجدها تخرج عما ذكرت أو تعود إليه
    وهذه كتب أهل العلم فانظروا فيها وقارنوا
    ومن هذا نعلم أنهم لا يختلفون في القاعدة التي ينطلقون منها في أحكامهم بالبدعة
    وبعد هذا كونهم يختلفون في المسألة الفلانية تبعا لخلافهم هل ثبت الحديث أم لا أو تبعا لبلوغه لأحدهم وغيابه عن الآخر أو ... أو ... كما هو مذكور في النقاط السابقة فهذا لا يعني أنهم مختلفون في مفهوم البدعة كما يقرر الأستاذ سامحه الله
    بل مفهوم البدعة وضابطها محل اتفاق من السلف ومن سار على خطاهم لم يختلفوا في ذلك
    وهذا الذي دلت عليه تطبيقات السلف في عشرات المسائل وقد تتبعتها بفضل الله ، وسيأتي ذكر جملة منها ليست بالقليلة ، وسبحان الله لم يمر بي مثال واحد يناقض المفهوم الذي أشرت إليه وسيأتي تفصيله ، بينما جل التطبيقات ويكاد كلها تتنافى مع مفهوم الأستاذ وتدل على بطلانه وبعده عن مذهب السلف وأهل العلم
    والمعلوم الذي لا خلاف فيه أنه كلما كان الأصل سليما كانت التطبيقات تابعة له وشاهدة بسلامته وكلما كان الأصل باطلا كانت التطبيقات الصحيحة كاشفة لبطلانه منافرة له
    ومن شدة ظهور المعنى المذكور من خلال تطبيقات السلف وحدها والعلماء من بعدهم كدت أن أكتفي بسردها فقط دون تعليق لتتجلى الحقيقة للقارئ .
    ولكن لاختلاف مستويات الناس وحاجة بعضهم بل كثير منهم لمثل هذا التبسيط ضممت لها هذه التوضيحات وما سيأتي من تعريفات ونحوها .
    وإني أجد نفسي موقنة مطمئنة والله للمفهوم الذي أشرت إليه هنا وسأوضحه بالتعريفات والضوابط التي سأذكرها ، مصحوبة بالأمثلة الجلية والتي استقيتها من كتب الأئمة ، معتمدا على عبارات السلف أنفسهم في توضيحها كمالك وأحمد وغيرهما ، وعبارات الأئمة المعروفين بالتحقيق والتخصص في هذا الباب ، من أمثال الطرطوشي وأبي شامة وابن تيمية والشاطبي ( رائد علم المقاصد ) وابن الحاج صاحب المدخل وابن رجب وابن كثير وغيرهم
    فلا خلاف بين السلف جميعا في مفهوم البدعة وإن اختلفوا في بعض الأمثلة .
    وعلى كل ألخص لإخواني الكرام شيئا مما يضبط التعامل مع المخالف في هذا الباب وأيضا شيئا مما يتعلق بتمييز وتوضيح ما يسوغ فيه الخلاف مما لا يسوغ في هذه المسألة .

    ـ فأولا لابد من التسليم بأن مذهب السلف في البدعة واحد وأصلهم وضابطهم واحد .
    ـ أن المعنى المتفق عليه بين السلف دون خلاف وبإجماع منهم يتمثل في التالي :
    أـ أن كل محدثة في الدين ( البدعة الشرعية وليست اللغوية ) بدعة ضلالة ولا شيء منها حسن ولا ممدوح .
    ب ـ أن تخصيص العبادات بأحد المخصَّصات التالية دون دليل من سنة أو أثر تكون به العبادة بدعة مردودة
    من ( زمن أو كيفية أو مكان أو عدد أو حال يعني سبب أو جنس )
    ج ـ أن البدعة مراتب يختلف الموقف من صاحبها بحسب رتبتها ، وتمييزُ مراتبها إنما هو للمتخصصين من أهل العلم
    وسيأتي توضيح هذا مفصلا بأدلته وأمثلته
    طبعا من قال بهذا الأصل الذي اتفق عليه السلف فلا ينكَر عليه وإن خالف في تطبيق بعض الجزئيات .
    كمن يرى بمسح الوجه بعد الدعاء يظن صحة الحديث ، أو من باب تحسين الظن بالحسن البصري وأنه يغلب على الظن أنه أخذه عن الصحابة
    فهذا الفعل وأمثاله لو صدر من أحد فإنه يبين له دون إنكار إلا إذا صاحب جوابه ما يوجب الإنكار فذلك بحسبه
    ويعامل هذه المعاملة من الاكتفاء ببيان ما يخالف فيه من جزئيات ولو تعددت منه دون الإنكار إلا عند قيام موجبه من أمور أخرى .
    فإن كثرت الجزئيات التي يخالف بها قاعدة السلف بحيث تشير هذه الكثرة في مخالفة الجزئيات إلى مخالفة حقيقية للقاعدة أو استناد إلى هوى سبّب في عدم التقيد بالقاعدة فإنه يكون عندئذ في حكم من خالف القاعدة فيتعين الإنكار
    يقول الإمام الشاطبي رحمه الله :
    " ويجري مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة كما تصير القاعدة الكلية معارضة أيضا وأما الجزئي فبخلاف ذلك بل بعد وقوع ذلك من المبتدع له كالزلة والفلتة وإن كانت زلة العالم مما يهدم الدين حيث قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ثلاث يهدمن الدين : زلة العالم وجدال منافق بالقرآن وأئمة مضلون ولكن إذا قرب موقع الزلة لم يحصل بسببها تفرق في الغالب ولا هدم للدين بخلاف الكليات
    فأنت ترى موقع اتباع المتشابهات كيف هو في الدين إذا كان اتباعا مخلا بالواضحات وهي أم الكتاب وكذلك عدم تفهم القرآن موقع في الإخلال بكلياته وجزئياته " ا.هـ

    فأهل العلم يفرقون بين مَن يوافق على القاعدة التي قررها السلف في مفهوم البدعة الشرعية ، ثم يخطئ في بعض الجزئيات
    كأن يقول بجواز القراءة أحيانا على القبر أو يقول بالسبحة أو التعريف يوم عرفة أو بمسح الوجه بعد الدعاء مع اعتقاده بأن كل بدعة في الدين ضلالة لكنه أخطأ في جزئية من هذه الجزئيات أو أكثر
    فهذا لا يجوز الانكار عليه مادام موافقا للسلف في أصلهم وقاعدتهم ومادام لا ينطلق في هذه الجزئيات وتجويزها من منطلق بدعي وما دام أن تلك الجزئيات لم تكثر منه بصورة تستلزم إعراضه عن تلك القاعدة التي دلت عليها تطبيقات السلف المتواترة ، وهذا منهج أهل العلم من السلف ومن جاء بعدهم من المحققين الذين ساروا على منوالهم .
    هذه هي القاعدة الأصل في التعامل مع من يخالف في هذا الباب وهي التي يرجع إليها عند الاشتباه في معاملة المخالف
    وهناك صور أخرى في التعامل مع المخالف تلحق بهذه القاعدة وتعتبر كالاستثناء
    ومن ذلك ما وجدناه من منهج الأئمة بأن الانكار قد يسوغ حتى في حق من خالف في جزئية واحدة إن كان وجه الاحداث ظاهرا في تلك الجزئية أو كان فعله لها قائما على منهجية تدل على خلل في أصل اتباع السلف وإليك المثال التالي الذي يشهد للتفصيل في حال من يفعل البدعة بنحو ما ذكرت وهو من إمام رفيع وبتوضيح إمام محقق :
    يقول الإمام ابن رجب في مسألة الجهر بالبسملة في الصلاة :
    " وأما الآثار الموقوفة فِي المسألة فكثيرة جداً .
    وإلى ذَلِكَ [ عدم الجهر ] ذهب أكثر أهل العلم من أصْحَاب النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، منهم : أبو بَكْر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم ، ومن بعدهم من التابعين ، وبه يَقُول سُفْيَان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق ...
    وحكاه ابن شاهين عَن عامة أهل السنة ، قَالَ : وهم السواد الأعظم .
    وروى شعبة ، عَن حصين ، عَن أَبِي وائل ، قَالَ : كانوا لا يجهرون بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) .
    وروى الأثرم بإسناده ، عَن عُرْوَةَ بْن الزُّبَيْر ، قَالَ : أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلاّ بـ { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } وعن الأعرج - مثله .
    وعن النخعي ، قَالَ : مَا أدركت أحداً يجهر بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) وعنه ، قَالَ : الجهر بِهَا بدعة .
    وعن عَكْرِمَة ، قَالَ : أنا أعرابي إن جهرت بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) .
    وروى وكيع فِي (( كتابه )) عَن همام ، عَن قتادة ، قَالَ : الجهر بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) أعرابية .
    وعن سُفْيَان ، عَن عَبْد الملك بْن أَبِي بشير ، عَن عَكْرِمَة ، عَن ابن عَبَّاس ، قَالَ : الجهر بـ (( بسم الله الرحمن الرحيم )) قراءة الأعراب ...
    وأكثر هؤلاء يكرهون الجهر ، كما أنكره عَبْد الله بْن مغفل ، وكما أنكره من قَالَ : ذَلِكَ قراءة الأعراب ، ومن قَالَ : هُوَ بدعة ، ونص أحمد عَلَى كراهته . "
    فذكر ابن رجب بعض من خالف في المسألة من السلف ثم قال :
    " وكان سُفْيَان الثوري وغيره من أئمة الأمصار يعدّون الإسرار بالبسملة من جملة مسائل أصول الدين الَّتِيْ يتميز بِهَا أهل السنة عَن غيرهم ، كالمسح عَلَى الخفين ونحوه ، حَتَّى قَالَ سُفْيَان لشعيب بْن حرب : لا ينفعك مَا كتبت حَتَّى ترى أن إخفاء : (( بسم الله الرحمن الرحيم )) أفضل من الجهر بِهَا .
    وَقَالَ وكيع : لا يصلَّى خلف من يجهر بِهَا .
    وَقَالَ أحمد فِي الصلاة خلف من يجهر بِهَا : إن كَانَ يتأول فلا بأس بِهِ ، وإن كَانَ غير ذَلِكَ فلا يصلى خلفه .
    يشير إلى أَنَّهُ يصلي خلف من جهر بِهَا من أهل العلم والحديث ، دون من يجهر بِهَا من أهل الأهواء، فإنهم المعروفون بالجهر بِهَا ... "
    إلى أن قال :
    " وَهُوَ أَنَّهُ إنما يسوغ الخلاف فِي هذه المسألة من مثل هؤلاء العلماءالمجتهدي ن ، دون أهل الأهواء الذين كَانَتْ هذه المسألة مشهورة عنهم ...
    ونقل صالح بْن أحمد ، عَن أَبِيه ، قَالَ : نحن لا نرى الجهر ولا نقنت ؛ فإن جهر رَجُل - وليس بصاحب بدعة ، يتبع مَا روي عَن ابن عَبَّاس وابن عُمَر - فلا بأس بالصلاة خلفه والقنوت هكذا " ا.هـ

    فانظر إلى الإمام أحمد كيف فصّل في حال من يخالف ما كان عليه النبي وكبار أصحابه في هذه الجزئية وجعل هذه المسألة وهي جزئية فيصلا يترك لأجلها الصلاة خلف من يخالف السنة فيها وإنما يستثني من تأول ويريد بذلك من خالف في هذه المسألة مع إعماله لمنهج السلف في الاستدلال وقاعدتهم ، خلافا لمن خالف فيها بسبب منهج بدعي يسير عليه
    ولهذا المسلك أشباه ونظائر من المسائل يقف منها أهل العلم نفس الموقف .
    فمن خالف ولو في جزئيات قليلة من هذا القبيل فلا أقل من باب أولى أن يعامل بمثل ما ذكر أحمد من التفصيل
    ويشهد للإنكار على من خالف ولو في جزئيات ما ذكره ابن مفلح في الفروع عندما قال ناقلا :
    " وقال الفضل بن مهران : سألت يحيى بن معين وأحمد بن حنبل قلت : إن عندنا قوماً يجتمعون ، فيدعون ، ويقرأون القرآن ، ويذكرون الله تعالى ، فما ترى فيهم ؟
    قال : فأما يحيى بن معين فقال : يقرأ في مصحف ، ويدعو بعد الصلاة ويذكر الله في نفسه ، قلت : فأخ لي يفعل ذلك ؟ [ يعني بهيئة جماعية ] . قال ابن معين : انـهه ، قلت : لا يقبل ، قال : عظه . قلت : لا يقبل . أهجره ؟ قال ابن معين : نعم .
    ثم أتيت أحمد فحكيت له نحو هذا الكلام فقال لي أحمد أيضاً : يقرأ في المصحف ويذكر الله في نفسه ويطلب حديث رسول الله .
    قلت : فأنهاه ؟ قال : نعم . قلت : فإن لم يقبل ؟ قال : بلى إن شاء الله ، فإن هذا محدث ، الاجتماع والذي تصف قُلْتُ : فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَهْجُرُهُ ؟ فَتَبَسَّمَ وَسَكَتَ ا.هـ
    فها هو الإمام ابن معين يفتي بهجر من يذكرون الله بصورة جماعية محدثة وكذا أحمد لم يعترض على الهجر وأفتى بالإنكار على من يفعل هذا وهذا إنكار على من خالف في جزئية .
    وبه نعلم أن الجزئية التي يتضح فيها جانب الاحداث والابتداع يتعين فيها الانكار فمن باب أولى من خالف في جزئيات تدل على لا مبالاة من البدع والمحدثات .
    وربما المسألة الواحدة يتنوع فيها حال المخالف بها بناء على اعتبارات عدة
    قال شيخ الإسلام في الفتاوى (1/281) :
    " وتعريف ابن عباس بالبصرة وعمرو بن حريث بالكوفة ، فإن هذا لما لم يكن مما يفعله سائر الصحابة ، ولم يكن النبى شرعه لأمته لم يمكن أن يقال هذا سنة مستحبة ، بل غايته أن يقال هذا مما ساغ فيه اجتهاد الصحابة ، أو مما لا ينكر على فاعله لأنه مما يسوغ فيه الإجتهاد ، لا لأنه سنة مستحبة سنها النبى لأمته .
    أو يقال فى التعريف إنه لا بأس به أحيانا لعارض إذا لم يجعل سنة راتبة وهكذا يقول أئمة العلم فى هذا وأمثاله ، تارة يكرهونه وتارة يسوغون فيه الإجتهاد وتارة يرخصون فيه إذا لم يتخذ سنة ، ولا يقول عالم بالسنة إن هذه سنة مشروعة للمسلمين ، فإن ذلك إنما يقال فيما شرعه رسول الله ، إذ ليس لغيره أن يسن ولا أن يشرع .
    وما سنه خلفاؤه الراشدون فإنما سنوه بأمره فهو من سنته ، ولا يكون فى الدين واجبا إلا ما أوجبه ولا حراما إلا ما حرمه ولا مستحبا إلا ما استحبه ولا مكروها إلاما كرهه ولا مباحا إلا ما أباحه ".ا.هـ

    لكن من أنكر ( بمعنى عنف ) على أحد ممن يوافق السلف في أصل وقاعدة البدعة ويخالفهم في بعض الجزئيات تأولا ولأسباب لا تدل على تسويغ لجنس المحدثات ، من أنكر عليه تعنيفا لوقوعه في بعض البدع التي لا تزيد عن كونها جزئيات فهذا المنكِر هو الذي ينبغي أن ينكَر عليه .
    إذ بعض من يمسح وجهه بعد الدعاء يظن أن الحديث فيه صحيح وكذا من يسبح بالمسبحة يظن صحة ماورد ، أو يظن أن طريقة العد ليست من جنس العبادة فلا بأس أن تكون بأي صورة ، وجملة من البدع وإن كانت قليلة قد تُفعل من قبل بعض من يعظم السلف لعدم ظهور جانب الاحداث فيها ، فمن ينكر على أمثال هؤلاء فهو مخطئ وهو الذي ينكر عليه ولكن وإن أنكرنا عليه لا نعتقد أنه بإنكاره الخاطئ صار بدعيا ولكن يلحقه من الذم بحسب خطئه
    أما من كان مخالفا للسلف في أصلهم وقاعدتهم ، ويزعم أن البدعة شرعا فيها ما هو حسن كما يقول الأستاذ ، وأن البدعة الإضافية ليست من قبيل المذموم ، وبالتالي لزاما يخالف في جل الجزئيات فهذا يتعين الإنكار عليه بعد البيان والنصح ، فإن أصر فيوصف بالبدعة
    وهذا الذي يدل عليه أثر أحمد السابق ، بل آثار السلف في هذا متواترة منها ما سبق وسيأتي الكثير

    ولو اتفق الناس على لزوم قاعدة السلف ومذهبهم في البدعة لزال كثير من الخلاف ولن يبقى خلاف كبير في التطبيق .
    وما يحصل من التردد في بعض الصور الدقيقة فالواجب فيه الاحتياط وعدم القول بالمشروعية
    قال الإمام الكاساني في بدائع الصنائع :
    " وَالْفِعْلُ إذَا تَرَدَّدَ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ تُغَلَّبُ جِهَةُ الْبِدْعَةِ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ عَنْ الْبِدْعَةِ فَرْضٌ وَلَا فَرْضِيَّةَ فِي تَحْصِيلِ السُّنَّةِ "
    قالها عند الخلاف في البسملة .
    فانظر إلى حرص العلماء ليظهر لك خطر الانفلات في البدع
    وإذا علمت ما ذكرته لك هنا من تلخيص لموقف السلف وتوضيح لما يظهر في بعض أحكامهم من خلاف ، تبين لك أنه لم يكن عن خلاف في مفهوم البدعة ، وستتجلى الصورة واضحة لكل من يقارن تطبيقاتهم وسيأتي منها قدر غير قليل
    وإذا علمت كل هذا تبين لك ما حمله طرح الأستاذ من تشتيت وتشويش .
    وتبين لك أن إعراض الأستاذ عن ذِكْرِ ولو مثال واحد للبدعة المنهي عنها لم يكن مصادفة ولا سهوا .
    كيف وهو قد قام بحذف أمثلة العلماء من التعريفات التي نقلها وجردها جميعها من الأمثلة التي ذُكرت مع النعريفات لتوضحها
    بل حذف حتى الأمثلة التي تخص البدعة اللغوية في مواطن حتى لا يشعر المشاهد بأن التعريف عام لا يخص البدعة الشرعية !!
    ومن أوضحها ما قام به في تعريف ابن حزم .
    وسأنقل كلام ابن حزم كاملا ثم أبين المحذوف منه ليتبين لك ما ذكرته لك
    قال الإمام ابن حزم عن معنى البدعة :
    "وهو في الدين كل ما لم يأت في القرآن، ولا عن رسول الله إلا أن منها ما يؤجر عليه صاحبه، ويعذر بما قصد إليه من الخير، ومنها ما يؤجر عليه صاحبه ويكون حسنا، وهو ما كان أصله الاباحة كما روي عن عمر رضي الله عنه، نعمت البدعة هذه وهو ما كان فعل خير جاء النص بعموم استحبابه وإن لم يقرر عمله في النص " ا.هـ
    فحذف الأستاذ قوله : " كما روي عن عمر رضي الله عنه، نعمت البدعة هذه "
    لماذا ؟
    فهي جملة قصيرة ، وتوسطت الكلام ، وذكرها صاحب التعريف يبين بها مراده ، فلماذا الحرص على الحذف ؟
    مع أن الأستاذ كان يقرأ التعريف ويشرحه على مراده فلماذا استكثر قراءة هذه الكليمات ؟
    واحتاج إلى أن يقول: " ثم قال " ليتفادى ركاكة القطع ؟
    لماذا هذا العناء ؟
    ولماذا صادف هذا إعراض الأستاذ في حلقتيه عن ذكر الأمثلة لما هو بدعة عند العلماء ولو الموافِقة له ؟ لماذا ؟
    وهذا العمل منه يؤكد أن الأستاذ كان يفضّل أن يكسو التعريفات كسوة الإجمال وترك التوضيح ، حتى لا ينتبه المشاهد لأنه تعريف شامل للبدعة اللغوية ، لأنه يعكر على الأستاذ بغيته في إقناع الناس أن هؤلاء العلماء يريدون بتعريفاتهم البدع شرعا فقط .
    وقد فعل مع تعريف أبي شامة ما هو أشد من هذا ، حيث حذف الأمثلة بنوعيها ومنها ما ينقض مذهب الأستاذ وسيأتي مفصلا وكذا فعل في تعريف ابن رجب حيث أعرض عنها .
    فالأستاذ لو نقل الأمثلة لتبين للمشاهد أن التعريف لا يختص بالبدعة الشرعية وإنما هو تعريف عام شامل للبدعة اللغوية
    وهذه والله وحدها تكشف حقيقة الأستاذ من حيث الأمانة العلمية

    ـ الأسلوب التشويهي .

    أهل العلم لهم أصول في نقد قول المخالف ، وآداب للنقد لايخرجون عنها ومن أهمها عرض قول الطائفة المخالفة من خلال كلام المعتبرين فيها ممن يمثلونها ، ولا يُعرض مذهب الطائفة بما يصدر عن شواذها وصغارها ، فمن يفعل هذا وينسب للطائفة ما يصدر من شواذها وصغارها يعتبره أهل العلم مخالفا للأمانة في النقد ، بحيث يصور للناس أن ما يعرضه ، هو قول عامة تلك الطائفة
    والخروج عن هذا الأدب في النقد لا يصدر إلا ممن يحرص على تشويه قول مخالفه ، بحيث إنه يحتاج في إسقاط قول مخالفه بأن يعرضه في أسوء صورة وهذا عين ما فعله الأستاذ
    فهو قد ذكر ضمن الأمثلة التي نسبها لمخالفيه قول مَنْ جعَل الوِرد القرآني الذي يحافظ عليه القارئ بدعة ، وهذا لا يقوله مخالفه البتة ، بل مخالفوه أكثرهم لهم أوراد يحافظون عليها ، فنحن إن أحسنا الظن به وقلنا إنه لم يلصقه بنا ظلما ليشوهنا وينفر المشاهد من مذهبنا وهذا غير مستبعد منه لما صدر منه من خروقات في الأمانة العلمية ، فإن أحسنا به الظن فهو قد بلغه من قول من لا يعتد به فكيف لو كان أمينا ينسبه لمخالفيه ؟! وأكثر مخالفيه لهم أوراد قرآنية يحافظون عليها ؟!
    فحسبنا الله ونعم الوكيل
    وأيضا ما نسبه لمخالفيه من تبديع من سبح مائة مرة أو صلى على النبي مائة مرة أو قال لا حول ولا قوة إلا بالله مائة مرة مع أنه لم يوضح المراد من هذه الصورة وكرر الكلام وصار يضرب أمثلة بأرقام بصورة تَندّرية
    وكذلك ما ألصقه بمخالفيه ظلما من قوله بأننا نرى أنه إذا التقى زميلان يتذاكران فدعيا الله قبل المذاكرة فنسب لنا أننا نقول هذا بدعة وهذا والله ظلم عظيم بل مركب
    بل لو تكرر هذا منهما ورأيا الحاجة للدعاء في كل مذاكراتهما لشدة امتحان أو نحوه فدعاؤهما عبادة مشروعة ، بل من أعظم العبادات وهو من فعل العبادة في محلها ولا إشكال
    فإلى الله المشتكى من هذا التشويه وهذا بعض من محاولات كثيرة يطول بيانها حرص فيها على التشويه
    وفي مقابل ما يقوم به من تشويهات قرر تزيينا لقوله أنه اعتمد على كلام الأئمة الأربعة .
    فقال في مقام الدعاية لما سيعرضه ( سأستخدم كلام الأئمة الأربعة ) وقال : ( حانجيب كلام الإمام البخاري ) وكرر أكثر من مرة الاعتماد على الإمام مالك
    ولم يذكر حرفا واحدا ! لا عن مالك ولا عن أبي حنيفة ولا عن البخاري ! بل ولا عن الشافعي غير ما ساقه له من تعريف شرحه
    وفق مراده
    ولا يقول قائل إنه أتى بأقوالهم ونسي نقلها عنهم !
    لأن الأستاذ كان يقرأ من أوراق ، حتى أنه استكمل عرض المسائل التي قرر من أول الحلقة الكلام فيها عندما عرضها في صورة فهرسة لما أعده ، فعرض تلك المسائل وهو يقلب الأوراق في كل مسألة وكلما أنهى ورقة وضعها ، وعندما جاء في آخر مسألة إلى الدبلة أظهر أن الوقت ضاق عن هذه المسألة ، ومع هذا أخذ بعد هذا من الوقت أكثر من خمس دقائق وكانت كافية لعرض أهم ما عنده ، لكنه اشتغل بذكر استدلالات من كيسه ، وبكلام يقطع المشاهد معه أنه قد أتى بما عنده وجاء في الحلقة الثانية يكرر بعض الكلام وأمضى أكثر الحلقة في أمور أكثر من جانبية .
    يتبع

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    17,452

    افتراضي رد: البدعة بين النصيحة والخدعة

    بارك الله فيك وجزاك خيرا.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    المشاركات
    148

    افتراضي رد: البدعة بين النصيحة والخدعة

    جزاك اللة خير
    انصح اى اخ يسمع حلقة شيخنا أبى أسحاق الحوينى محدث الديار المصرية
    وشيخنا مازن السرساوى
    فقد أتوا على قواعدة الوهمية فدمروها
    والعيب ليس فية انم فى عوام الناس التى لا تقراء فكل من قال من نقل عنة يريد ان يقول دى مش بدعة هو نفسة يقول على الباقى بدعة
    وانى للة وانى الية راجعون

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المشاركات
    27

    افتراضي رد: البدعة بين النصيحة والخدعة

    بارك الله فيك وعليك

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •