ظاهرة النقاد الصحويينكتبه/ عبد المنعم الشحات
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد عرف التاريخ الإسلامي الكثير من صور الجهد الجماعي على هيئة مدارس فقهية أو حديثية أو تربوية أو على هيئة جماعات للحسبة، إلا أن الأمر في عصور ما بعد سقوط آخر خلافة إسلامية كان أظهر وأوضح فيما عرف بالجماعات الإسلامية؛ والتي تنوعت رؤيتها في الخروج من المأزق؛ الذي وجدت الأمة فيه نفسها بعد سقوط الخلافة وتعطيل تطبيق الشريعة ليس في القضاء فحسب؛ بل في كثير من نواحي الحياة، وفي حملات الغزو الفكري والعسكري التي تعرض لها العالم الإسلامي وما زال يتعرض لها حتى الآن.
وكان للاختلاف بين هذه الاتجاهات أثر سيء ولا شك، وتمت عدة محاولات لوضع أسس للحوار وميثاق للتعامل كان منها كتاب (فقه الخلاف) للشيخ ياسر برهامي.
بيد أن الواقع في النهاية يظل هو الواقع من وجود الخلاف؛ والذي ينتمي بعضه إلى نوعية الخلاف السائغ المقبول، وينتمي الكثير منه إلى الخلاف غير السائغ، كما يمكن أن تجد ذلك مفصلا في كتاب (فقه الخلاف) المشار إليه آنفًا.
وكنتيجة لذلك ظهرت فكرة تبناها عدد لا بأس به من المهتمين بالشأن الإسلامي، وهو أنهم نأوا بأنفسهم عن الدخول في غمار أي جماعة من الجماعات ليكسبوا ثقة الجميع، وبدءوا المساهمة في العمل الإسلامي بكتابات عن الأزمة التي تعيشها الأمة والمواجهة مع الغرب ومع أذنابه في بلاد المسلمين من علمانيين وغيرهم، وباختصار: كتب هؤلاء في الموضوعات التي تمثل المساحة المشتركة بين الإسلاميين؛ بما في ذلك الاتجاهات شديدة الغلو كالتكفير والتوقف.
وحاز بعض هؤلاء المفكرين القبول العام الذي كانوا يرجونه؛ ومن ثمَّ انطلقوا إلى الخطوة التالية وهي قيادة عملية توحيد الجماعات الإسلامية، وحيث إن عملية التوحيد عبر المناظرات كانت قد قُتلت بحثًا ومحاولة، فقد لجأ كثير من هؤلاء المفكرين إلى تبني وجهة نظر في مسائل الخلاف تميل إلى اعتبار كل الأطروحات مقبولة بما في ذلك المواجهة المسلحة -وكان ذلك في فترة التسعينات التي شهدت صعودًا في منحنى العمليات المسلحة-؛ بل وقبل بعضهم أفكار التكفير المعدلة كالقول بعدم العذر بالجهل في مسائل التوحيد وكالتوقف والتبين.
وبالجملة فقد اتبع هؤلاء طريقة في تقدير الخلاف السائغ من غيره تعتمد على موازين حركية في المقام الأول، ومن ثمَّ أخذ معظم هؤلاء موقفًا متحفظًا تجاه السلفيين؛ لكونهم من أكثر الناس رفضًا لفكرة الموائمة، ما لم يكن الأمر بالفعل خلافًا سائغًا وفقًا للموازين الشرعية، لا الموازين الحركية.
والعجيب أن معظم هؤلاء قد غيَّر موقفه من المواجهة المسلحة، وأدخلها نطاق الخلاف غير السائغ بعد مراجعات الجماعة الإسلامية ومراجعات سيد إمام، موافقين بذلك ما سبق أن انتقدوه على السلفيين، إلا أنهم -وفي ذات الوقت- بدؤوا حملة أخرى ضد السلفيين؛ لكي يقبلوا بالاتجاه العقلاني المسمى بالاتجاه الوسطي، وليس هذا مقام تفصيل ذلك، وإنما المقصود بيان أنه وُجد في وسط الصحوة مفكرون إسلاميون لا ينتمون لجماعة إسلامية، ورغم أن لكل واحد من هؤلاء رؤيته في الإصلاح؛ إلا أنها كلها في الأعم الأغلب تدور حول توحيد الجماعات الإسلامية بصورة أو بأخرى.
ومما لا شك فيه أن بُعد هؤلاء عن ممارسة العمل الدعوي واستيعاب صعوباته كان له أكبر الأثر في أن يكون كلامهم نظريًّا؛ لا سيما فيما يتعلق بأوراق العمل التي اقترحوها على فصائل الصحوة الإسلامية. ومن الكتب التي تمثل رؤية هذه المدرسة في مرحلتها الأولى بغض النظر عن انتماء أصحابها: (الثوابت والمتغيرات) للدكتور صلاح الصاوي، و(فقه الحركة) و(فقه الخلاف) لجمال سلطان. وهناك عدد من المنابر التي تمثل رؤية هذه المدرسة في مرحلتها الجديدة منها (مجلة المنار).
وكان بجوار هؤلاء المفكرين الإسلاميين يوجد من يطلق عليهم (باحثون في شئون الجماعات الإسلامية) وهو لقب كان منذ فترة حكرًا على الأكاديميين السياسيين المعنيين بدراسة الحركات الإسلامية دون أن ينتموا إليها واقعًا؛ بل ربما كان من شروطه ألا يكون من المنتمين إلى الحركة الإسلامية كأن يكون علمانيًّا أو على الأقل قوميًّا وكان هؤلاء يقدمون أيضًا أوراق عمل للحركة الإسلامية في صورة نصائح هي في واقع الأمر إملاءات بالقبول بالعلمانية أو القومية على الأقل إذا أرادوا أن يقبلهم المجتمع المدني على المستوى المحلى والنظام العالمي على الصعيد الدولي.
ولكن ومع تطور المساحة الإعلامية المتاحة للإسلاميين وجد جيل جديد ممن يمثلون هجينًا من الفريقين المشار إليهما آنفًا حيث إنهم يحملون لقب باحث في شئون الجماعات الإسلامية؛ ولكنهم في ذات الوقت ينتمون إليها انتماءً عامًّا، وحتى من كان له توجه خاص حرص على إخفائه حتى لا ينتقل من خانة باحث في شئون الجماعات الإسلامية إلى خانة أنه أحد كتاب الاتجاه الفلاني أو العلاني.
واستعار هؤلاء كثيرًا من أساليب النقاد الأدبين والرياضيين ونحوهم في عالم الإعلام؛ حيث يستر الناقد انتماءه ويدعي حيادًا مزعومًا ثم يوزع مدحه وذمه بالتساوي ظاهريًّا؛ وإن كان هذا لا يمنع القراء من اكتشاف الانتماء الحقيقي للناقد من ثنايا كلامه.
وإذا كان كلام فئة المفكرين المستقلين نظريًّا في الأعم الأغلب إلا أنه في النهاية كان يمثل رؤية يمكن أن تقبل منها وتدع؛ بل حتى نصائح الأكاديميين كانت تمثل شروطًا لاندماج الإسلاميين في المجتمع المدني قبلها من قبلها ورفضها من رفضها، وما أحراها بالرفض!
ولكن كلام جيل النقاد لا تكاد تجد فيه فائدة تذكر إلا لمز كل العاملين في الساحة الإسلامية، وإلا تكرار ما يأخذه كل فصيل إسلامي على الآخر؛ علمًا بأن كل فريق إسلامي له رؤيته المتكاملة، فإذا أخذ الإخوان على السلفيين السلبية من وجهة نظرهم فإنهم ينخرطون في أعمال محددة يرونها إيجابية، وهي أعمال يرى السلفيون عدم جدوى معظمها، في حين يرون البعض الآخر من خلاف التنوع الذي يؤيد السلفيون فيه الإخوان؛ بل ويشاركونهم فيه وإن لم يكن بنفس الدرجة كأعمال الإغاثة وغيرها.
وحينما يأخذ السلفيون على الإخوان عدم الاهتمام الكافي بالتأصيل النظري، بل والقبول بالمساومات على الصعيد العملي فإنهم يقدمون مشروعهم العلمي والدعوي والتربوي.
وأما إخواننا النقاد فهم يتناقلون النقد المتبادل بين الاتجاهين، وكأن الإعلام الإسلامي صار صورة من صفحات النقد الأدبي والفني والرياضي في الصحف العامة.
ونحن بدورنا نسأل إخواننا النقاد الصحويين المنتمين إلى الصحوة(1):
هل لكم رؤية محددة في قضايا العمل الإسلامي؟ فإذا كانت الإجابة: لا.. فتلك هي المصيبة العظمى أن ينصح الناصح وهو لا يدرى الوجهة التي يريد أن يوجه المنصوح إليها.
وإنها لكارثة أن يتعامل الإنسان مع قضايا أمته بحياد فلا يرى في ذلك رأيًا. إن الحياد إن ادُّعي من ناقد رياضي ربما تـُصور ذلك منه مع أن معظم الناس لا يصدقون ذلك الحياد المزعوم. وأما أن يُدَّعى من مهتم بأمر أمته فهذا في غاية البعد لا سيما ونحن نتكلم عن أفكار وليس عن عواطف.
وإن كانت الإجابة: بنعم.. فنقول لهم: "لم لا تعلنون رؤيتكم واضحة في كل قضية وإن لم يلزم أن تكون كل رؤاكم موافقة لرؤية فصيل إسلامي معين فقط؟ عندما تتناولون موضوعًا وضِّحوا فيه رؤيتكم بأدلتها ثم عرِّجوا على الرؤى الأخرى بمناقشة أدلتهم؛ بدلا من الوصف المحشو باللمز والذي يضر ولا ينفع".
والخلاصة:
أنه من المتصور وجود كاتب إسلامي له رؤيته الخاصة؛ ولكن من غير المتصور وجود ناقد إسلامي ينقد الجميع دون أن يبين البديل من وجهة نظره؛ مع أن الكتاب الإسلاميين قد لا يكون لكلامهم الأهمية الكبرى؛ لا سيما فيما يتعلق بالحركة والدعوة والتربية إلا إذا خاضوا غمار التجربة العملية.
ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــ
(1) السؤال غير موجه إلى أحد بعينه، وإن كان أكثر المعنيين به مواقع الانترنت التي تـُعنى بشئون الجماعات الإسلامية، والمواقع الإخبارية المعنية بالشأن الإسلامي.

من موقع صوت السلف