"التوازن والأعتدال أيها المتشددون"
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: "التوازن والأعتدال أيها المتشددون"

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    10

    Exclamation "التوازن والأعتدال أيها المتشددون"

    "التوازن في حياة المسلم"

    الحمد الله,والصلاة والسلام على رسول الله: أما بعد:
    فإن التوازن والاعتدال أمر مطلوب في حياتنا , والله عز وجل استخلاف هذه الأمة في الأرض بسبب تحقيقهم هذا المبدأ(مبدأ الوسطية و التوازن و الاعتدال) الذي يعم جميع جوانب الحياة الإسلامية فقال عز وجل (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا), ومن يتتبع الآيات يتبين له أن التوازن والاعتدال قانون إلهي وناموس كوني. فمن هذه الآيات قوله تعالى(لا الشمس ينبغي أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكلٌ في فلك يسبحون) فالمجرات فيها توازن وتناسق عجيب يحير الأذهان ويذهل العقول.. فنظراً لأهمية التوازن في حياة المسلم , ولُبعد شباب اليوم عن النظرة المتوازنة للأمور بدون إفراط ولا تفريط ,,كان لابد من الحديث عن هذا الموضوع.
    الموضوع يتكون من خمس عناصر:
    1- معني التوازن. 2- أهمية التوازن في حياة المسلم.3- مشروعية تحقيق التوازن. 4- مجالات التوازن. 5- مظاهر وعلاج اختلال التوازن.
    العنصر الأول/معنى التوازن:
    التوازن هو: إعطاء كل شيء حقه من غير زيادة ولا نقص.
    - والمقصود من التعريف(معرفة الأشياء على ما هي عليه , ومعرفة حدودها وغايتها ومنافعها).
    أو التوازن هو: النظرة المعتدلة للأمور بين أطراف متناقضة.
    - والمقصود من التعريف(البعد عن طرف الإفراط والحماس الزائد والغلو والتشدد والمبالغة ,وكذلك البعد عن الطرف الآخر وهو التفريط والتهاون).
    - ومن التعريفين يتبين لنا أن التوازن يعني:
    أن نتصرف بتوازن في حياتنا.
    وأن نتعود على النظرة المتوازنة في كل شيء.
    وأن نتوخى التوازن في السلوك والمواقف والاتجاهات والأقوال.
    - فنوازن بين أهدافنا,فلا يطغى بعضها على بعض.
    ونوازن بين واجباتنا,فلا يُضخم جانب على الآخر إلا إذا كان فيه تقديم الأولويات.
    ونوازن بين مصالحنا ومصالح الآخرين.
    ونوازن بين العقل والعاطفة.
    ونوازن بين حاجاتنا الروحية وحاجاتنا العقلية حاجاتنا الجسدية. (هذا هو مفهوم أو معنى التوازن في حياة المسلم).
    العنصر الثاني/أهمية التوازن في حياة المسلم:
    أولاً/أن التوازن طريق النجاة والسلامة, والبلوغ إلى المراد, والوصول إلى دار القرار, قال النبي صلى الله عليه وسلم(القصد القصد تبلغوا).
    ثانياً/أن الثبات على الصراط المستقيم لا يتحقق إلا بالاعتدال والتوازن بدون إفراط ولا تفريط,,لأن الزيغ عن الحق يكون بهما, كما هو حال أهل البدع والمعاصي,فلقد قال مجاهد في تفسير قوله تعالى(ولا تتبعوا السُبل)أي:البدع.
    ثالثاً/أن التوازن طريق لنجاة الإنسان من المهلكات النفس و الدين في الدنيا والآخرة,قال النبي صلى الله عليه وسلم(ثلاث مهلكات وثلاث منجيات وثلاث كفارات وثلاث درجات.فأما المهلكات:فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه.....الحديث).
    رابعاً/تظهر أهمية التوازن على مستوى الأمة,ولمن نظر في حالات ضعفها وقواتها, فسيجد أن ضعفها كان بسبب غلوها في جانب وتفريطها في جوانب,فمن ذلك على سبيل المثال لما طغى الجانب التعبدي وتزكية النفس على غيرها من الجوانب العلمية أو الجهادية وحاد عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم ظهرت ما يسمى بالصوفية, وقس على ذلك غيره من الجوانب.
    العنصر الثالث/مشروعية تحقيق التوازن:
    نظراً لأهمية التوازن في حياة المسلم كما ذكرنا وأنه أمر هام ينبغي إدراكه ولما له من علاقة قوية في صحة التربية والتكوين بل وفي معظم المجالات الإنسانية, فكان لابد من تأصيل مشروعيته من الكتاب و السنة وتبين أن التوازن قانون إلهي وناموس كوني,فأهم الأدلة المبينة لهذا التوازن ما يلي:
    أولاً: أدلته من الكتاب:فمن الأدلة الدالة على التوازن:- قولة تعالى(منهم أمةٌ مقتصدةٌ وكثير منهم ساء ما يعملون) وأمة مقتصدة أي معتدلة كما قال القرطبي رحمة الله((الاقتصاد: الاعتدال في العمل)).
    - وقولة تعالى(وعلى الله قُصد السبيل)ومعناها أي على الهداية إلى الطريق المستقيم.
    - وقولة تعالى(وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا)
    - وأيضاً كما بين الله سبحانه وتعالى في النص صريح أن سبب استخلاف هذه الأمة في الأرض كان:تحقيقهم المبدأ الوسطي الذي يعم جميع جوانب الحياة الإسلامي فقال جل وعلا(وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)
    ثانياً: أدلته من السنة النبوية: فمن الأدلة الدالة على التوازن:- قوله صلى الله عليه وسلم(إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا)
    - قوله صلى الله عليه وسلم(هلك المتنطعون)قالها ثلاثاً.
    - قوله صلى الله عليه وسلم(أمراً بين الأمرين وخير الأمور أوسطها)
    فهذه الأدلة تبين لنا أهمية التوازن في جميع الأمور وأنه منهج رباني وأصل أصيل في فهم الشرع.
    ثالثاً: أن التوازن قانون إلهي وناموس كوني:
    - لقد بينت كثير من الآيات عظمة صنع الله في الكون وأمرناً بالتدبر في مخلوقاته فقال سبحانه وتعالى(إن في خلق السموات الأرض واختلاف الليل والنهار الآيات لأولي الألباب)
    - ومن الآيات التي تبين وضوح قانون التوازن التي جاء العلم الحديث مؤيداً لها كقوله تعالى(الذي جعل لكم الأرض مهداً)وقوله تعالى(والأرض وضعها للأنام)والعلم الحديث يبَن لنا جملة من الحقائق التي تؤكد أن الأرض سكن مثالي جداً وفيه من التوازن العجيب ما يذهل العقول ويبهر الألباب.
    - ومن الآيات التي تبين قانون التوازن في العالم قوله تعالى(لا الشمس ينبغي أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكلٌ في فلك يسبحون)فالمجرات فيها توازن وتناسق عجيب يحير الأذهان ويذهل العقول. (فسبحان الله العظيم).
    * من خلال هذا السرد للأدلة القرآنية والنبوية والكونية أن التوازن و فقهه أمر مطلوب على مستوى الفرد والمجتمع لابد من إدراكه والسعي لتحقيقه.
    العنصر الرابع/مجالات التوازن:
    التوازن معنى واسع شامل يشمل كل نشاط الإنسان معنوياته,سوى كان دينياً أو اقتصادياً أو سياسياً أو اجتماعياً, قال الله(وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً) وسطاً في كل شيء متوازنين في كل ما تقومون به من نشاط .
    فنتعود على أن نوازن بين العبادة و الحياة الخاصة , و نوازن بين العمل والدعوة,ونوازن بين الدعوة وصلة الأرحام , و نوازن بين العقل والعاطفة , أيضاً نتعود على النظرة المعتدلة في الحكم على الأشخاص..إلى غير ذلك من مجالات التوازن في الحياة.
    العنصر الخامس/مظاهر وعلاج اختلال التوازن:
    أولاً: المظاهر:
    1- الشك والخوف والاضطراب والقلق والحسد:
    - يقول الأستاذ محمد قطب(إن الحسد والبغض والخوف والشك والاضطراب والقلق..مثل هذه الأمراض قد تكون نتيجة لاختلال التوازن العقلي والخلقي وهذا الاختلال مرجعه إلى التيارات الفكرية التي يزخر بها المجتمع).
    - يقول د.مسفر القحطاني في كتابه فقه الموازنات(كذلك يختل عنده الميزان في الحكم والنظر في الأمور نتيجة لاقتصار على جانب واحد من الشيء.وهذا يؤدي بلا شك إلى الفرقة و الاختلاف عند أي أمر فيه اجتهاد. نظراً لضيق الأفق والنظر من بُعد واحد).
    2- ظهور التكفير و التفسيق:إن انعدام النظرة المتوازنة للأمور والحكم الذي يجمع طرفاً واحداً يحكم به على شخص أو على جماعة أو على أمة يؤدي إلى التخبط في التكفير والتفسيق القائم على الظن والهوى ولذلك نجد الخوارج لضيق نظرتهم في الشرع وأحكام الدين لم يبالوا بأن يكفروا المسلمين بل وفوق ذلك استحلوا دماءهم وأموالهم ومثال ذلك قتلهم للصحابي الجليل عبد الله بن خباب بن الأرت هو و زوجته شر قتله ولم يعصمهم عن ذلك دينٌ ولا علم.
    3- ظهور الغلو في الدين:فإننا نجد كل من عدل عن منهج الوسط والحق والسنة يندفع إلى الغلو الذي ذمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
    4- ظهور النفاق:
    إن كل من لا يزن الأمور بالنظرة المعتدلة فإنه ,قد يكون من الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض, وهم المنافقين.
    5- ظهور الفرقة والمعادة بين المسلمين:
    نجد أن هذا المظهر يبرز ويظهر إذا غلب على الأمة الجهل والتعصب للأهواء مما تحصل العداوة والشقاق بين المسلمين كما هو الحال اليوم في كثير من بلاد المسلمين.
    ثانياً: العلاج:
    1- طلب العلم:العلاج الأول المساعد في تحقيق التوازن هو العلم: ويكون ذلك بالتدبر في الكتاب والسنه.
    - يقول الأمام مالك رحمة الله(إذا قل العلم يظهر الجفا وإذا قلت الآثار كثرت الأهواء)
    2- قراءة سير السلف الصالح:لمعرفة كيف كانوا يطبقون التوازن والاعتدال في حياتهم , فمن ذلك كيف كان أبو بكر رضي الله عنه يوازن بين العبادة والحياة الخاصة, وكيف كان عمر رضي الله عنه يوازن بين القيادة والعبادة, وكيف كان عثمان رضي الله عنه يوازن بين العبادة والتجارة.. ألخ
    4-ترك إتباع الظن والهوى:
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية(وأصل الضلال إتباع الظن والهوى كما قال الله تعالى (إن يتَبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهُدى).
    " وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً"
    جمع وترتيب
    أخوكم
    محمد الشهراني
    الأربعاء 13/5/1428هـ

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    10

    افتراضي رد: "التوازن والأعتدال أيها المتشددون"

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    " يرفع لمن يريد المشاركةوالفائد ه "

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    355

    افتراضي رد: "التوازن والأعتدال أيها المتشددون"

    بارك الله فيك

    لو قلت ظهور الغلو في التكفير لكان أضبط, لئن التكفير لا يذم لذاته, بل منه حق بل منه ما لا يصح الإسلام إلا به كتكفير اليهود والنصارى والمشركين, ومنه باطل كتكفير أهل القبلة بالذنوب والمعاصي التي هي دون الكفر كما هو دأب الخوارج, أوالتكفير للإعيان دون مراعاة ضوابطه ودون التفريق بين مسائل ظاهرة وأخرى خفية وغير ذلك من مهمات هذا الباب..

    هذا ومن قرأ ما تحت عنوان ( ظهور التكفير والتفسيق ) قد يتضح له قصدك الصحيح, ولكن لما كان البعض يقتصر على قراءة العناوين الرئيسية ولا سيما مع تلوينها وبروزها ويترك قراءة الموضوع سطرا سطرا رأيت التنبيه

    وجزاك الله خيرا لتحمل أخيك..
    تفضل بزيارة مدونتي:http://abofatima.maktoobblog.com/

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    10

    افتراضي رد: "التوازن والأعتدال أيها المتشددون"

    أبو فاطمه الحسني
    أشكرك على المرور والملاحظه...

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    57

    افتراضي رد: "التوازن والأعتدال أيها المتشددون"

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرآ اخي الكريم على موضوعكم

    2- ظهور التكفير و التفسيق:إن انعدام النظرة المتوازنة للأمور والحكم الذي يجمع طرفاً واحداً يحكم به على شخص أو على جماعة أو على أمة يؤدي إلى التخبط في التكفير والتفسيق القائم على الظن والهوى ولذلك نجد الخوارج لضيق نظرتهم في الشرع وأحكام الدين لم يبالوا بأن يكفروا المسلمين بل وفوق ذلك استحلوا دماءهم وأموالهم ومثال ذلك قتلهم للصحابي الجليل عبد الله بن خباب بن الأرت هو و زوجته شر قتله ولم يعصمهم عن ذلك دينٌ ولا علم.
    مصدر تعقيبي الشبكة الإسلامية - كتب الأمة
    http://islam***.net/ver2/Library/umm...Id=201&startno=

    الأصل السادس :التحري في حال الشخص المعين، المرتكب لموجب الكفر أو الفسق، قبل تكفيره أو تفسيقه، بحيث لا يكفر ولا يفسق أحد إلا بعد إقامة الحجة عليه

    نبه ابن تيمية إلى عظم مسألتي التكفير والتفسيق عمومًا، فقال : (اعلم أن مسائل التكفير والتفسيق هي من مسائل الأسماء والأحكام، التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة، وتتعلق بها الموالاة والمعاداة، والقتل والعصمة، وغير ذلك في الدار الدنيا، فإن الله سبحانه أوجب الجنة للمؤمنين، وحرّم الجنة على الكافرين) (176).‏

    ولعظم المسألتين وخطرهما، فإن إطلاق الكفر أو الفسق على أحد لا يكون إلا بموجب قطعي، ولاسيما الكفر فإنه يكون (بمثل تكذيب الرسول صلى الله عليه و سلم فيما أخبر به، أو الامتناع عن متابعته مع العلم بصدقه، مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم) (177)، ويتعلق بما يتعلق به الإيمان، وكلاهما متعلق بالكتاب والسنة، وهما متضادان، فلا إيمان مع تكذيب الرسول ومعاداته، ولا كفر مع تصديقـــه وطاعتــه، وحكمــه لا يتبين إلا عن طريق الشرع(178)، فليس لأحد أن يكفر أحدًا بهواه، لأن التكفير حق لله تعالى، والذين يكفّرون بهواهم هم المبتدعة، كالروافض الذين كفّروا أبا بكر(179)، وعمر(180) رضي الله عنهما، والخوارج الحرورية(181) الذين كفّروا عليًا رضي الله عنه، وقاتلوا الناس على الدين، (حتى يرجعــوا عمــا ثبت بالكتــاب والسنــــة وإجمــاع الصحابــــة، إلى ما ابتدعه هؤلاء بتأويلهم الباطل وفهمهم الفاسد للقرآن.. ومع هذا، فقد صرّح علي رضي الله عنه بأنهم مؤمنون، ليسوا كفارًا ولا منافقين، وهذا بخلاف ما كان يقوله بعض الناس، كأبي إسحاق الإسفراييني(182) ومن اتبعه، يقولون : لا نكفّر إلا من يكفّرنا، فإن الكفر ليس حقًا لهم بل هو حق لله، وليس للإنســان أن يَكْذِبَ على مــن يكــذب عليـه، ولا يفعل الفاحشة بأهل مَن فعل الفاحشة بأهله، ولو استكرهه رجل على اللواطة لم يكن له أن يستكرهه على ذلك، ولو قتله بتجريع خمر أو تلوط لم يجز قتله بمثل ذلك، لأن هذا حرامٌ، لحق الله) (183).‏

    ويصرّح في موضع آخر بأن هذا المسلك هو مسلك أهل العلم والسنة، فيقول : (فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفّرون مَن خالفهم، وإن كان ذلك المخالفُ يكفّرهم، لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمن كذب عليك، وزنى بأهلك، ليس لك أن تكذب عليه، ولا تزني بأهله، لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى، وكذلك التكفير حق لله، فلا يُكَفَّر إلا من كَفَّره الله ورسوله) (184).‏


    كما أن أهل السنة لا يكفّرون أحدًا من أهل القبلة بالذنب والمعصية، وإنما ذلك من فعل الخوارج الذين يكفّرون بمطلق الذنوب(185)، وفي هذا يقول رحمه الله : (من شأن أهل البدع أنهم يبتدعون أقوالاً يجعلونها واجبة في الدين، بل يجعلونها من الإيمان الذي لابد منه، ويكفّرون مَن خالفهم فيها ويستحلون دمه، كفعل الخوارج والجهمية والرافضة والمعتزلة وغيرهم.. وأهل السنة لا يبتدعون قولاً، ولا يكفّرون من اجتهد فأخطأ، وإن كان مخالفًا لهم، مكفّرًا لهم، مستحلاً لدمائهم، كما لم تكفّر الصحابة الخوارج مع تكفيرهم لعثمان(186) وعلي رضي الله عنهما، ومن والاهما، واستحلالهـم لدماء المسلمين المخالفين لهم) (187).‏

    بل يقرر شيخ الإسلام (أنه لا يُجعل أحدٌ بمجرد ذنب يذنبــه، ولا ببدعة ابتدعها، ولو دعا الناس إليها، كافرًا في الباطن إلا إذا كان منافقًا، فأما مَن كان في قلبه الإيمان بالرسول وما جاء به، وقد غَلط في بعض ما تأوله من البدع، فهذا ليس بكافر أصلاً، والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالاً للأمة وتكفيرًا لها، ولم يكن في الصحابة من يكفّرهم، ولا علي بن أبي طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين) (188).‏

    ويعلل ابن تيمية منع إطلاق الكفر على المعين، أن له شروطًا وموانع تقتضي انتفاء العذر، كالجهل بالحكم وثبوت الحكم بالعلم، (فلا يلزم إذا كان القول كفرًا أن يكفر كل من قاله مع الجهل والتأويل، فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعين كثبوت الوعيد في الآخرة في حقه... وإذا لم يكونوا في نفس الأمر كفارًا، لم يكونوا منافقين، فيكونون من المؤمنين) (189).‏

    ذلك أن الكفر حكم شرعي، لا يُحكم به على أحدٍ بمجرد الخطأ والغلط، بل لابد من إقامة الحجة على المحكوم عليه، وفي هذا الشأن يقول رحمه الله : (ليس لأحد أن يكفّر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغلط، حتى تُقام عليه الحجة، وتُبين له المحجة، ومَن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة) (190).‏

    وقد حذّر الشيخ من تكفير أو تفسيق أو نسبة معصية إلى مجتهد معين، أخطأ فيما يسوغ الاجتهاد فيه من المسائل العقدية والعملية، فيقول : (إني من أعظم الناس نهيًا عن أن يُنسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا عُلم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية، التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية، ومازال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفـر ولا بفسق ولا معصية، كما أنكر شُرَيح(191) قراءة من قرأ (بل عجبتُ ويسخرون) (الصافات : 12)، وقـــال : إن الله لا يعجب، فبلــغ ذلك إبراهيم النخعـــي(192)، فقال : إنما شُريــح شاعـــر يعجبه علمـــه، كـــان عبد الله(193) أعلم منه، وكان يقرأ : (بل عجبتَ) (194).. وكما نازعت عائشة(195) رضي الله عنها، وغيرها من الصحابة في رؤية محمد صلى الله عليه و سلم ربه، وقالت : (مَن زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية) (196)، ومع هذا لا تقول لابن عباس رضي الله عنهما، ونحوه من المنازعين لها : إنه مفتر على الله.. وكما نازعت في سماع الميت كلام الحي، وفي تعذيب الميت ببكاء أهله، وغير ذلك.. وقد آل الشر بين السلف إلى الاقتتال، مع اتفاق أهل السنة على أن الطائفتين جميعًا مؤمنتان، وأن الاقتتال لا يمنع العدالة الثابتة لهم، لأن المقاتل وإن كان باغيًا فهو متأول، والتأويل يمنع الفسوق) (197).

    ويُفرّق الشيخ بين التكفير العام والتكفير المعين، فهو يرى (أن التكفير العام كالوعيد العام، يجب القول بإطلاقه وعمومه) (198)، وفق الموجب، بغض النظر عن حالِ مُتلبّسه، أما الكفر المعين فلا يُحكم به على أحد إلا إذا توافرت فيه شروط الكفر، وانتفت عنه موانعه، دون تفريق بين المسائل العقدية والعملية.. وتقريرًا لهـذا المعنــى يقـول رحمه الله : (وحقيقة الأمر في ذلك، أن القول قد يكون كفرًا، فيُطلق القول بتكفير صاحبه، ويقال : من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا كما في نصوص الوعيد، فإن الله سبحانه وتعالى يقول : (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا ) (النساء : 10). فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق، لكن الشخص المعين لا يُشهد عليه بالوعيد، فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار، لجواز أن لا يلحقه الوعيد لفوات شرط أو ثبوت مانع، فقد لا يكون التحريم بلغه، وقد يتوب من فعل المحرم، وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم، وقد يُبتلى بمصائب تكفر عنه، وقد يشفع فيه شفيع مطاع، وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها، قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطأه كائنًا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وجماهير أئمة المسلمين) (199).‏

    بل يرى الشيخ أن التحري في حال المتأول المخطئ في مسائل الاعتقاد، أولى من المخطئ في المسائل العملية، لخفاء الأولى وظهور الثانية، وفي هذا يقول : (التحقيق في هذا : إن القول قد يكون كفرًا، كمقالات الجهمية الذين قالوا : إن الله لا يتكلم ولا يرى في الآخرة، ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه كفر، فيطلق القول بتكفير القائل، كما قال السلف : مَن قال : القرآن مخلوق فهو كافر، ومَن قال : إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر، ولا يكفّر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة كما تقدم، كمن جحد وجوب الصلاة والزكاة، واستحل الخمر والزنا وتأول، فإن ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه، فإذا كان المتأول المخطئ في تلك لا يُحكم بكفره إلا بعد البيان له واستتابته، كما فعل الصحابة(200) رضي الله عنهم، في الطائفة الذين استحلوا الخمر، ففي غير ذلك أولى وأحرى، وعلى هذا يُخَرج الحديث الصحيح (في الذي قال : إذا أنا متُّ فاحرقوني، ثم اسحقوني في اليم، فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذابًا ما عذّبه أحدًا من العالمين) (201) وقد غفر الله لهذا، مع ما حصل له من الشك في قدرة الله وإعادته إذا حرقوه) (202).

    ويشهد لهذا المنهج فعل الإمام أحمد رحمه الله، الذي تعرّض لفتنة خلق القرآن من قِبَل الجهمية نُفاة الصفات، فامتحنوه وضربوه وحبسوه بأمر من الخليفة المأمون(203)، الذي وافقهم على التجهم، ومع ذلك فإن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه واستغفر لهم، وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر. ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم، فإن الاستغفار للكفار لا يجوز، بالكتاب(204) والسنة(205) والإجماع، وهذا يدل على أنه لم يكفر المعين من الجهمية لجهلهم بالحكم أو غيره(206)، هذا مع أن الجهمية أشد المبتدعة ضلالاً، بل المشهور عن الإمام أحمد وعامة أئمة السنة تكفيرهم، قال فيهم (عبد الله بن المبارك : إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية، وقال غير واحد من الأئمة : إنهم أكفر من اليهود والنصارى) (207).‏

    أما غيرهم من أهل البدع، فإنهم لا يُكَفَّرون، مثل الشيعة المفضِّلة لعليٍّ على أبي بكر رضي الله عنهما، وكذلك المرجئة، فإن بدعتهم من جنس اختلاف الفقهاء في الفروع، أما القدرية المُقِـرُّون بالعلم(208)، والروافض الذين ليسوا من الغالية(209)، والخوارج، فهم محل خلاف بين أهل العلم، وقد أثر عن الإمام أحمد التوقف عن تكفير القدرية المقرين بالعلم، والخوارج، مع قوله : ما أعلم قومًا شرًا من الخـوارج، ونقل أبو نصر السجزي(210) عن أئمة السنة، قولين في نوع كفر الجهمية : الأول أنه كفر ينقل عن الملة، هو قول الأكثر، والثاني كفر لا ينقل عن الملة.. وذكر الخطابي(211) : إن تكفير أهل السنة لهم، على سبيل التغليظ(212).

    الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) سورة البقرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •