الشيخ عبد العزيز الفوزان في معرض تعقيبه على خطاب أوباما: سمعنا معسول الكلام وننتظر الأفعال


الاحد 14 جمادى الآخرة 1430 الموافق 07 يونيو 2009




متابعة: رقية عمارة



في معرض تعليقه على خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما يوم الخميس الموافق 4/6/2009م في جامعة القاهرة، قال فضيلة الدكتور عبد العزيز بن فوزان الفوزان أستاذ الفقه المشارك بجامعة الإمام وعضو مجلس هيئة حقوق الإنسان والمشرف العام على مؤسسة رسالة الإسلام:



نحن العرب - مع الأسف - عاطفيون وتغرنا أحياناً الكلمات والخطب الرنانة، وتخدرنا بعض الوعود الجميلة والأحلام اللذيذة، لا شك أن خطاب الرئيس الأمريكي أوباما يختلف كلياً عن خطاب سلفه الرئيس بوش وجماعته جماعة المحافظين الجدد وهو في الجملة خطاب يبعث على التفاؤل الطيب ولكنه تفاؤل مشوب بالحذر الشديد.



نريد أفعالا لا أقوالا:



وطالب فضيلته بأن تترجم هذه الوعود إلى أفعال حقيقية على أرض الواقع قائلا: إن خطاب أوباما الذي ظلوا يبشرون به قبل مجيئه بأسابيع وأنه بداية صفحة جديدة مع العالم الإسلامي لا شك أنه أكثر واقعية وإنصافاً واعتدالاً من سلفه الرئيس السابق بوش، لكن هذا الخطاب على الرغم مما اشتمل عليه من وعود رائعة وتفهم جميل لواقع الأمة الإسلامية وعلاقتها بأمريكا خاصة والغرب عموماً، إلا أننا بحاجة إلى أن تترجم هذه الوعود - التي سال لها لعاب الكثير من الناس وفرحوا بها - إلى أفعال حقيقية، إن الرئيس الأمريكي الآن هو الذي يقود الحرب ضد إخواننا في الباكستان وفي أفغانستان، وأيضاً نعرف موقفه من السودان ودعم الحكومة الأمريكية للتمرد في الجنوب وفي دارفور وفي غيرها، نعرف دور الحكومة الأمريكية المؤسف والمؤلم والمنحاز كلية إلى العدو الصهيوني، وكيف أنهم في الوقت الذي يقولون فيه - وقالها الرئيس باراك أوباما في خطابه - إن الشعب الفلسطيني له الحق الكامل في أن يعيش في بلده آمناً مطمئناً وأن تحفظ كرامته وأن يحقن دمه وتحمى مصالحه، إلا أنه لا تزال أمريكا - بكل أسف - هي المدافع الأكبر عن جرائم العدو الصهيوني!!



نحن نرحب بمثل هذا الخطاب حقيقة ونفرح به كثيراً إن كان فعلاً سيُتبع هذه الوعود أفعالاً حقيقية تترجم على أرض الواقع، أما أن تظل أمريكا ترمينا بحروبها ومكائدها هنا وهناك ثم تعطينا معسول الكلام وبعد ذلك تظن أنها خدعتنا وأرضتنا فهذا لا أظن أن عاقلاً يرضى به .




يجب احترام إرادة الشعوب:



وشدد الدكتور الفوزان على قضية هي غاية في الأهمية، ألا وهي: أن أمريكا وإن تغير شيء من سياساتها الآن، إلا أنها غيرتها مضطرة إلى ذلك، ليس بدافع أخلاقي أو قيمي أو ديني حقيقة، لنكن صريحين وواضحين في هذا، أمريكا الآن تغرق، تغرق أولاً من الناحية العسكرية، فقد ثبت فشلها عسكرياً في العراق وفي أفغانستان، وهي الآن تستعد للهروب وهي تجر أذيال الخيبة من العراق، وكذلك في أفغانستان، قادتها العسكريون ومنظروها يؤكدون أنه يستحيل أن تهزم المقاومة في أفغانستان، وإنما القضية الآن محاولة تجييش العالم ضد المقاومة هناك وتحييدها شيئاً فشيئا، وربما يتصالحون معها في النهاية، وأرى أن هذا هو الصحيح إذا فعلاً يريدون حقن الدماء: دماء الأمريكان والأوروبيين وحلفائهم، ودماء إخواننا في أفغانستان والباكستان وغيرها، فيجب أن يتصالحوا مع أهل الحق، مع أنه قد يكون بعض الجهات المقاومة قد يكون عندها أخطاء ترتكبها، نحن لا نقرها عليهم, لكن يجب أن تحترم إرادة الشعوب، أما أن تفرض فيها حكومات تسبح بحمد أمريكا وتأتمر بأمرها وتريد أن تنفذ أجندتها على حساب مصالح الشعوب المسلمة، فهذا لا يمكن أن يرضى به المسلمون، المسلمون اليوم في هذه العقود المتأخرة- ولله الحمد- هم غيرهم يوم فرضت عليهم معاهدة سايكس بيكو، وتقاسم الغرب بلاد العالم الإسلامي، فسلبوا خيراته وجعلوه مجرد تابع ذليل لهم، المسلمون اليوم يختلفون جذرياً، وأهل الغرب الآن يتألمون ويصرخون من ضربات الجهاد الحقيقي الذي وجدوه في فلسطين، وفي العراق، وفي أفغانستان وغيرها، وأيضا أمامهم مثال شاهد وصارخ الاتحاد السوفيتي السابق، وكيف ترنح على ضربات المجاهدين، مع أن الغرب كان له يد، وكان داعماً لذلك، لكن هو الآن - يبدو لي - أنه يتجرع من نفس الكأس التي تجرعها الاتحاد السوفيتي.



عاقبة الظلم وخيمة:



كما نبه المشرف العام على مؤسسة رسالة الإسلام على أن الظلم عاقبته وخيمة، ودائما الظالم سيبوء بالخيبة والخسارة والبوار في الدنيا قبل الآخرة، أمريكا اليوم تنكفئ وتتراجع مكرهة رغم أنفها، وأيضا ديست كرامتها وهيبتها, ثم جاءت هذه الأزمة المالية العالمية الطاحنة التي ضربت أمريكا في العمق وكسرت ظهرها أو تكاد، وهي الآن كالغريق الذي يبحث عن قشة، وتستنجد العالم وخصوصاً دول العالم الإسلامي, وأيضا العدو الأصلي الراسخ روسيا ثم من بعدها الصين هذا العملاق الآن الذي يغزو العالم باقتصاده القوي وصناعاته المتنوعة في شتى المجالات، فهي تشعر أنها الآن تضعف وتنحسر شيئاً فشيئا، فمن مصلحتها أن تحسن صورتها أمام العالم وأن تخفف هذه العداوات التي جلبتها لها الحكومة الأمريكية السابقة من ذلك الرجل الأحمق الجاهل الذي كما يسميه الأمريكان (الرئيس الأزمة أو الرئيس الكارثة) يعني فعلاً دمر أمريكا من حيث يشعر أو لا يشعر وشوَّه سمعتها أمام العالم!!



ولا شك أن الرئيس أوباما أعقل منه، وأبعد نظراً ومن ورائه أيضا سياسات واضحة تريد ترميم بعض الأخطاء التي يمكن ترميمها مما ارتكبته مع العالم الإسلامي.




نتمنى أن يكون صادقا:



كما تمنى فضيلته بأن يكون الرئيس الأمريكي صادقا, واصفاً خطابه بأنه نسخة مشابهة للخطاب الذي كان قد ألقاه في تركيا، وأنه لم يأت بجديد حتى نطبل له ونصفق، حيث قال فضيلته:



نعم، نتمنى أن يكون صادقاً في ذلك، ونتمنى أيضا أن نرى آثار هذا الخطاب عملياً في الواقع على مستوى العالم الإسلامي، وإن كنت أيضا أعتقد أن الخلل الأكبر فينا نحن المسلمين، حتى ولو أرادت أمريكا وكانت صادقة وناصحة وعادلة لن تستطيع أن تحل كل مشاكلنا إذا لم تكن عندنا إرادة واستجابة لنداء الحق والعدل في إصلاح ذات البين، وحل مشاكلنا بكل حزم وقوة، وأن يكون هناك نوع من المدافعة التي هي سنة الله عز وجل في خلقه وفي كونه {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}البقرة251



وأضاف الدكتور الفوزان أن الرئيس أوباما ركز على قضايا هي غاية في الأهمية، حيث إن كل العقلاء يتفقون عليها من أصحاب الديانات السماوية وغيرها مشيرا إلى أبرز هذه القضايا في النقاط التالية:



- ضرورة الحوار بين الحضارات والثقافات والأديان، وهذا أصل ديني متفق عليه بين العلماء ودلت عليه نصوص كثيرة في الكتاب والسنة، بل إن الله عز وجل أوجب الحوار والتعاون على البر والتقوى حتى مع الذين بيننا وبينهم حرب وقتال، دعك من المسالمين الذين بيننا وبينهم عهود ومواثيق على عدم الاعتداء، فهم أولى، أيضا الله عز وجل قال في حق الذين حاربوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: {ولاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}(المائدة8) أنظر عظمة هذا الدين، هو دين العدل، وأقل مرتبة في تعامل المسلم مع غير المسلم ولو كان محارباً هي العدل، فكيف إذا كان مسالماً فيشرع له شيء فوق العدل وهو البر والإحسان به بكل قول جميل وفعل حميد، فالله يقول: إياكم أن يحملكم بغضهم على العدوان عليهم وترك العدل معهم، ثم قال {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ والعدوان}(المائدة2).



نعم، نحن نتفق مع الرئيس أوباما وغيره من العقلاء الذين ينادون بضرورة الحوار الصادق المعتدل المتكافئ بين الثقافات والأديان والشعوب والدول، وهذه قضية جوهرية يجب أن يكون هناك حوار بين هذه الثقافة الإسلامية العريقة التي تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، وهي رحمة الله للعالمين، كما قال الله عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }(الأنبياء107 ) وبين هذه الحضارة الغربية العريقة أيضا بمنجزاتها الحضارية الكثيرة التي خدمت البشرية، وهناك قواسم مشتركة كثيرة بيننا وبينهم يجب أن نتعاون عليها إن كنا نريد مصلحة الغرب ومصلحة العالم الإسلامي ومصلحة العالم أجمع، يجب أن نتحاور، لكن نتحاور بصدق وبندية، نريد أن نصل إلى قواسم مشتركة تخدم البشرية وتسهم في حفظ مصالحها وإسعادها.



- الإشارة إلى القضية الفلسطينية: أيضا ركز أوباما على قضية مهمة جدا للغاية وهي القضية الفلسطينية، وما أجمل ما قال في هذا الباب، لكن نتمنى أن نرى أثر ذلك عملياً في رد العدوان الصهيوني، وإقامة الدولة الفلسطينية الحرة المستقلة التي عاصمتها القدس الشريف، وأيضا ضمان عودة أهلنا المهجرين من فلسطين إلى ديارهم.



- الاهتمام بالتنمية: تكلم أيضاً عن ضرورة التنمية, خاصة تنمية المرأة والطفل في العالم ومن ضمنه العالم الإسلامي، وهذه قضية نحن أيضا جميعاً نتفق عليها. هذه كلها قضايا في الصميم وأتمنى أن تفعل وأن نتعاون عليها بما يحقق مقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ مصالح العباد وتحقيق العدل بينهم.



- الإشادة بالدين الإسلامي والحضارة الإسلامية :و تكلم عن هذا الدين العظيم – الإسلام - وهذه الحضارة الإسلامية العريقة، وما قدمته للبشرية، أتمنى أن ينعكس هذا على تعامل أمريكا مع المسلمين، الآن انظر قضية الحصول على التأشيرات حينما يريد الإنسان تأشيرة السفر إلى أمريكا لكي يدرس هناك أو لعلاج أو غيره ..كم يعاني وكم يهان وهو يريد تأشيرة وهم المستفيدون من مجيئه سيحصلون على الكثير الكثير من هذا.



- أهمية تبادل المنح الدراسية: وتحدث أيضاً عن تبادل المنح الدراسية بين الدول الإسلامية وبين أمريكا، وهذا أمر رائع جدا أرى أنه مفيد للغاية، لو طبقت هذه الفكرة حقيقة وجعلت لهم برامج جادة لإفادتهم وتسليحهم بالعلم وبالخبرات النافعة لرأينا آثارها الإيجابية على العديد من المستويات.



- الحرية الدينية: وتطرق في حديثه للحرية الدينية ومحاربة التمييز العنصري، وأيضا تحدث عن الذين يحاربون الحجاب في الغرب أو غيره، وهذا كلام رائع ونشكره عليه شكراً جزيلاً، لكن أتمنى أن تكون هناك خطوات عملية كما وعد ، بحيث تترجم هذه التصريحات والمقررات إلى أحكام عملية، وأمريكا ما يزال لها دورها في الساحة العالمية ولها تأثيرها، لعل الله عز وجل أن يجعل هذا سبب فتح للبشرية.



وختم فضيلته تعقيبه على خطاب أوباما قائلا : وأنا أجزم أنهم لو كانوا صادقين وعدلوا لرفع الله عنهم كثيراً من البلاء والمصائب التي يعانون منها اليوم، أمريكا ما قويت في السنوات التي مضت إلا لأن عندها قدراً كبيراً من العدالة، ونحن نعرف من كلام علمائنا رحمة الله عليهم أنهم يقولون: (إن الله لينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة على الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة)، بالعدل قامت السماوات والأرض، ولهذا أنا أقول إن الذي ذكره هو كلام جميل وهو منطق العدل، أتمنى أن يترجم إلى مقررات واقعية، وأن يترجم إلى أشياء عملية ليخدم أمريكا ويخدم العالم الإسلامي.

http://www.islammessage.com/articles...d=132&aid=9324