الخنزير من تهجين الدين إلى تهجين الأنفلونزا


كتبه/ عبد المنعم الشحات


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فكما اتحدت دعوة الأنبياء في الدعوة إلى توحيد الله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء:25)؛ كذلك اتفقت تشريعاتهم في إطارها العام؛ ولذلك كانت الفواحش الظاهرة محرمة في جميع الشرائع؛ مثل: الزنا، وشرب الخمر، وقتل النفس، وغيرها. وأما التشريعات التفصيلية؛ فاختلفت من أمة إلى أمة (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) (المائدة:48).
ومن جملة الأمور التي وُجِدت في بعض الشرائع تحريمُ بعض الطيبات من باب العقوبة؛ كما في قوله -تعالى-: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) (النساء:160).
وبُعث محمد -صلى الله عليه وسلم- ليقرر تحريم الفواحش، وليرفع عن اليهود الآصار والأغلال التي كانت عليهم؛ ولذلك ذكر الله من مقاصد بعثة محمد -صلى الله عليه وسلم-: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) (الأعراف:157).
ومن هذه الخبائث التي حرمها الله -تعالى- في شريعة الإسلام الخاتمة لحمُ الخنزير؛ كما ورد في غير ما موضع من القرآن، منها قوله -تعالى-: (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(الأنعام:145).
والمسلم يتبع تشريع الله طاعة وعبودية مع اعتقاده أن الله لا يحرِّم عليه إلا ما كان خبيثـًا كما تقدم، كما يحرِّم -أيضًا- ما كان فيه منفعة ومفسدة، ولكن مفسدته أغلب؛ مثل قوله -تعالى-: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) (البقرة:219).
ونجاسة الخنزير لم تكن خافية على الأعيان؛ حيث إن الخنزير حيوان لاحم عشبي تجتمع فيه الصفات السبعية والبهيمية، فهو آكل كل شيء، وهو نهم كانس؛ يكنس الحقل والزريبة؛ فيأكل القمامات والفضلات والنجاسات بشراهة ونهم، وهو مفترس؛ يأكل الجرذ والفئران، كما يأكل الجيف، حتى جيف أقرانه!
وفوق هذا النجَس الحسي فإن الخنزير شرسُ الطباع، شديدُ الجماع، شبقٌ، تكتنف حياتَه الجنسيةَ الفوضى، ولا يخصص لنفسه أنثىً معينةً.
ويوجد قدر كبير من الارتباط بين سلوك الإنسان ونوعِ غذائه، لا سيما اللحوم؛ أشار الشرع إلى ذلك بتحريمه لحوم السباع، وأثبتت الدراسات الطبية الحديثة قدرًا كبيرًا منها، ويمكنك أن تلاحظ ذلك من خلال سلوك القبائل التي تأكل الأسود، وسلوك القبائل التي تأكل القرود، كما تلاحظ انعدام الغيرة عند آكلي الخنزير، وبالطبع فهذا التأثير تأثير تراكمي بطيء يمكن ملاحظته من خلال رصد سلوك المجتمعات لا الأفراد.
وفوق هذا كله فقد اكتشف الطب الحديث مسئولية الخنزير عن نقل عدد كبير من الأمراض للإنسان، ولأن الأوربيين مولعون بأكل لحم الخنزير قبل اعتناقهم النصرانية؛ مما دفع بولس إلى أن يحرف لهم النصرانية، ويزعم أنها لا تحرم الخنزير، بل ولا غيره من النجاسات، ولذلك قصة نذكرها بعد قليل -إن شاء الله-؛ لذلك أصر الأوروبيون على المضي قدمًا في أكل لحم الخنزير، لا سيما وأن شياطين الإنس يبالغون في إعداده بالطرق الشهية التي تخفي طعمه الحقيقي عمن لا يستسيغه؛ فمضى الأوروبيون والأمريكيون قدمًا في طريق الخنزير متسلحين بالعلم ذاته في مواجهة هذه الأمراض؛ فسنوا تشريعاتٍ تـُلزِم أصحابَ الخنازير بمعالجة القمامة بالبخار قبل تقديمها كوجبة لخنازيرهم.
كما سنوا تشريعات تتعلق بطريقة التعامل مع لحوم الخنازير بعد ذبحها؛ من تبريدها إلى درجات كبيرة جدًا تحت الصفر لمدة طويلة، إلى غير ذلك من الإجراءات التي ظنوا معها التخلصَ من "رجس" الخنزير؛ حتى لا يضطروا إلى الاعتراف على مؤسِّس ديانتهم بكذبه على الله في دعواه عدم خبث الخنزير وغيرِه من الخبائث.
وجدير بالذكر أن شنودة الثالث رأس الكنيسة الأرثوذوكسية القبطية -في موعظته الأسبوعية مساء الأربعاء 1/٨/٢٠٠٧- نصح جموع الأقباط بالابتعاد عن تناول لحم الخنزير، مؤكـِّدًا أنه رغم عدم تحريم أكل هذا النوع من اللحم؛ فإن تناوله يتسبب في إصابة الإنسان بالعديد من الأمراض. "ورد ذكر هذه الموعظة في الـ ويكيبيديا".
وهذا يرد على من زعم أن خطر الأمراض المنتقلة من الخنزير لا يزيد على خطر الأمراض المنتقلة من البقر ونحوه؛ فالأمراض المنتقلة من الحيوانات الطاهرة تمثل استثناءً، بخلاف الأمراض المنتقلة من الخنزير؛ والتي تمثل أصلاً، وما أشبه كلام هؤلاء وسلوكَهم بشأن الخنزير بكلامهم في شأن الإباحية الجنسية -والتي اجترأ البعض -أيضًا- على الزعم بأن بعض صورها لا تنافي تعاليم المسيح -عليه السلام- كما هو حال الكنائس التي تعترف بزواج المثليين- والتي جلبت لهم الإيدز وغيرَه مِنَ الطواعين التي لم تكن في أسلافهم؛ مصداقـًا لخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فما كان منهم إلا الزعم بأنهم سوف يلجئون إلى العلم لتفادي الأخطار الناجمة عن تلك الفوضى الجنسية محاولين تشبيه ذلك الخطر باحتمالات إصابة المتزوجين ببعض الأمراض الجنسية! مع أنهم يعلمون -تمامًا- البونَ الشاسع بين الحالين.
الحاصل أن دعوى عدم وجود خطر أصلاً من لحم الخنزير التي يدعيها بعض المتعصبين مخالفين بذلك تصريح كبرائهم الدينيين والدنيويين على حد سواء، أو دعوى السيطرة على هذا الخطر التي تتبناها الجهات الرسمية في أوروبا وأمريكا؛ سرعان ما وقعت في اختبار جديد؛ وهو قيام الخنزير حال حياته بدور الوسيط في نقل كثير من الأمراض الحيوانية إلى الإنسان، والتي واجهوها -أيضًا- بمزيد من التدابير الوقائية، إلا أنه اكتُشِفت مسئوليةُ الخنازير عن وباء قاتل رُصِدت أربعُ موجات عنيفة منه في أعوام 1889 و 1918 و 1957 و 1968، كان أعنفها وباء 1918؛ الذي يُعتـَقد أن عدد ضحاياه تجاوز الأربعين مليونًا في العالم! بل قدَّره بعضهم بمائة مليون!! وكان أخفها وباء 1968؛ والذي يُعتَقد في مسئوليته عن وفاة مليون حول العالم!
وخلاصة الأمر على وجه التقريب أن هناك نوعًا من فيروس الأنفلونزا يصيب الطيور، وآخر يصيب الخنزير، وآخر يصيب الإنسان، وإن أمكن أن ينتقل إليه -أيضًا- فيروس أنفلونزا الطيور أو الخنزير؛ إلا أن قدرة الإنسان على تحمل ومقاومة كل هذه الأنواع من الفيروسات عاليةٌ جدًّا، ولا يكاد يموت أَحَدٌ من جرَّائها إلا إن قُدِّر له أن يأتيه الفيروس وجهاز المناعة عنده في حالة ضعف شديد لسبب أو لآخر.
كما أن الخنزير يصاب -أيضًا- بكل هذه الأنواع، وحدَث أن اتحد نوع من أنفلونزا الطيور مع نوع من الأنفلونزا البشرية ليخرج نوع آخر من الأنفلونزا الفتاكة تصيب الإنسان؛ وتؤدي في كثير من الحالات إلى الوفاة السريعة، وثمة اعتقاد أن للوباء دورة تطول أحيانًا وتقصر أحيانًا، وأن متوسطها حوالي 30 عامًا -مضى على آخر وباء نحوٌ من أربعين عامًا- بحيث يكون عدد المصابين بالمرض في كل مرة عددًا ضخمًا جدًّا، يموت منهم مَن يموت، بينما يكتسب الآخرون مناعةً ضد هذا الطور من الفيروس، في ذات الوقت الذي يواصل الفيروس دورةَ تهجين أخرى بين الإنسان والطيور عبر الخنزير؛ إلى أن يظهر فيروس بشري فتاك، وعلى الرغم من تصريح منظمة الصحة العالمية مِن أنها كانت في حالة ترقبٍ حَذِرٍ؛ انتظارًا للموجة الجديدة من هذا الوباء؛ إلا أنها لم تملك حياله إلا التشددَ بشأن أنفلونزا الطيور، والتشديد على دول العالم بشأن إعدام أي حالات اشتباه بين الطيور؛ حتى لا تضطر إلى المواجهة مع الخنازير، ولكنها -في النهاية- مع الإمبراطوريات التي تقف وراءها اضطرت الآن إلى الدعوة إلى التخلص من الخنازير!
هذه هي قصة قيام الخنزير بدور الوسيط لتهجين أنفلونزا البشر بأنفلونزا الطيور، ولكن هذه القصة لم تكن لتصل إلى هذه الدرجة من الخطورة؛ لولا الدور الذي لعبه "بولس" في تهجين دين عيسى -عليه السلام- بالمبادئ والعادات الوثنية لكافة الشعوب الوثنية في ذلك الوقت، لا سيما الرومان؛ ليخرج هذا الدين "المسخ"؛ الذي يسميه أتباعُه بالمسيحية! رغم اعتراف الكثير منهم بأنه دين "بولس" لا دينُ المسيح!!
ولنذكر هنا هذه القصة فيما يتعلق بإباحة الخنزير على وجه الخصوص:
تعود القصة إلى ولع الرومانيين بلحم الخنزير؛ شأن كل الشعوب الهمجية آنذاك، والتي رأت في الخنزير حلاً مثاليًّا؛ حيث يقوم بتحويل القمامة إلى لحم وفير! ومَن يطلع على أحوال الرومان في ذلك الزمان -بل وفي هذا الزمان؛ بعد أن يزيل القشرة الظاهرية المبهرة- يعلم أن قذارة الخنزير الظاهرةَ لم تكن تمثل أيَّ شيء لأمةٍ كأمةِ الرومان.
ولمَّا سيطر الرومان على فلسطين قبل بعثة عيسى -عليه السلام- وتركوا اليهود يعيشون في أرض فلسطين، ولكن مع ضغوط وتضييق عليهم في دينهم؛ مما دفع اليهودَ إلى استيراد كثير من مظاهر العبادات الوثنية وبعضِ أساطيرهم عن آلهتهم، وكتبوها في التوراة؛ فامتلأت الكتب التي نسبوها إلى أنبيائهم -رغم تصريحها بقضية التوحيد- بالأساطير الوثنية؛ منها: وصفهم الله -تعالى- بالتعب والإعياء، وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع، ومنها قولهم: إن الله بعد أن أهلك البشر في الطوفان بكى حتى ركدت عينه وعادته الملائكة، ومع كل هذا التحريف في باب العقيدة -والذي ردَّه القرآن عليهم- حافظوا على الشريعة المكتوبة -على الأقل- على ما هي عليه، وإن خالفوا في التطبيق في كثير من الأحيان، ومن ذلك كثيرٌ مِنَ المحرمات في الأطعمة وغيرِها، وكذلك أبوابُ الحدود والعقوباتِ ونحوِها.
ومن الأمثلة على ذلك: تحريم أكل الخنزير الذي حافظوا عليه؛ وما زال موجودًا إلى يومنا هذا في الكتب التي بين أيديهم؛ كما في سفر اللاويين:
"11: 1 وكلم الرب موسى وهارون قائلاً لهما:
11: 2 كَلِّمَا بني إسرائيل قائلين: هذه هي الحيوانات التي تأكلونها من جميع البهائم التي على الأرض.
11: 3 كُلُّ ما شق ظِلْفًا وقسمه ظِلْفَيْنِ ويَجْتَرُّ مِنَ البهائم؛ فإياه تأكلون.
11: 4 إلا هذه فلا تأكلوها -مما يجتر ومما يشق الظلف-: الجمل؛ لأنه يجتر، لكنه لا يشق ظِلفًا؛ فهو نجس لكم.
11: 5 والوَبْر؛ لأنه يجتر، لكنه لا يشق ظِلفًا؛ فهو نجس لكم.
11: 6 والأرنب؛ لأنه يجتر، لكنه لا يشق ظِلفًا؛ فهو نجس لكم.
11: 7 والخنزير؛ لأنه يشق ظِلفًا ويقسمه ظِلفَيْنِ، لكنه لا يجتر؛ فهو نجس لكم.
11: 8 مِن لحمها لا تأكلوا، وجثثَها لا تلمسوا؛ إنها نجسة لكم"(1).
وهذا يدل على أن الخنزير مُحَرَّمٌ في شريعة اليهود، وأن النص المُحَرِّمَ له موجود إلى يومنا هذا، بل موجودٌ مع توسعٍ في قاعدة التحريم؛ بحيث اعتُبِرت كُلُّ الحيوانات التي لا تجمع الشرطين المذكورَيْن نجسةً(2).
ومع ذلك أَلْزَمَ الرومانيُّون اليهودَ بتربية الخنازير لصالح الجنود الرومانيين، بل وألزموهم بتقديم الخنازير كقرابين في معابدهم، وبُعِثَ عيسى -عليه السلام-، وفي الأناجيل التي بين أيدي النصارى اليوم قولٌ ينسبونه لعيسى -عليه السلام-: "ما جئت لأنقض الناموس؛ ولكن لأتممه"، ومعنى هذا التزامُ أتباع عيسى بكل تشريعات اليهود، ومنها: نجاسة الخنزير، وحرمة أكله. وتَأَكَّدَ ذلك بالقصة التي ترويها الأناجيل عن عيسى -عليه السلام- مِن أنه طرد أرواحًا شريرةً من جسد مصروع، وأذن لها أن تسكن الخنازيرَ؛ التي ماتت في الحال؛ مما يدل على أنه يراها نجسةً جديرةً بأرواح الشياطين(3).
إلا أن بولس -والذي كان كافرًا بالمسيح ثم ادعى الإيمانَ به بعد صلبه في زعمهم- اتَّبَعَ طريقةً مداهِنةً لليهود والرومان في آن واحد؛ فأراد أن يَرُدَّ كُلَّ إنسان إلى ذوقه؛ فادَّعى حِلَّ جميع الأشياء قائلاً: "كل شيء حلال، ولكن ليس كل شيء بنافع. كل شيء حلال، ولكن ليس كل شيء يبني"، وتطور منهجه هذا بعد خراب أورشليم عام 70 ميلادية؛ حتى أنتج المسيحيةَ الفلسفيةَ الممتزجةَ بالوثنيةِ الرومانيةِ، وعلى الرغم من أن النصارى لا يرون بأسًا بنسبة هذه الأمور إلى بولس؛ إلا أنهم يفضلون نسبتها إلى المسيح مباشرة(4).
ولذلك أقحم "مرقص" في إنجيله عبارة تفسيرية في حكايته لحوار بين عيسى -عليه السلام- واليهودِ حول تشددهم بإيجاب غسل اليد قبل الأكل مخالفين شريعة موسى -عليه السلام-؛ فعاب عليهم اتباعَهم لتقليد الشيوخ وتركَ وصية موسى -عليه السلام-، كما عاب عليهم الاهتمامَ بالظاهر على حساب الباطن؛ فأدرج "مرقص" قولَه: "وبهذا بيَّن يسوع أن الأطعمة كلها طاهرة"، والتي ارتأى مترجم النسخة العربية إدراجَها في السياق وكأنها من كلام عيسى -عليه السلام-.
رغم أن القصة بذاتها في إنجيل "متى" فيها أن المسيح -عليه السلام- عاد في نهاية المناقشة ليقرر مقصوده من الكلام بمنتهى الوضوح؛ وهو أنه يريد بيان عدم لزوم غسل اليد قبل الأكل؛ لأن ذلك لم يكن لازمًا في شريعة موسى، وليس مقصودُه نقضَ تشريع موسى -عليه السلام- بحرمة الخنزير.
فعُلِمَ بذلك أن إباحة النجاسات -ومنها الخنزير- أحدُ أهم بلايا التزاوج النَّكِدِ بين النصرانية والوثنيةِ الرومانيةِ، والذي صار هو الدينَ الرسميَّ للإمبراطورية الرومانية على يد الإمبراطور قسطنطين، وعاد قسطنطين يُميِّز بين النصارى البولسيين وسائرِ النصارى، ومعظمهم كان من الموحدين قبل أن يقضي عليهم قسطنطين بأكل الخنزير.
ومن ثمَّ ارتبط الخنزير ارتباطـًا وثيقـًا بالرومان في وثنيتهم، وفي نصرانيتهم، فلما كشف لهم العلمُ الحديثُ أضرارَه -وكان ذلك بعد بعثة محمد -صلى الله عليه وسلم- وما نزل عليه من تحريم الخنزير، ووصفِه بأنه "رجس" بالمخالفة لنصرانية "بولس"- رأت أوروبا أن الاعتراف بنجاسة الخنازير يمثل طعنة لتاريخ أوروبا كلِّه؛ فاتخذوا التدابيرَ الصحيةَ المشارَ إليها آنفًا؛ كنوع من التمادي في الباطل؛ ثم ابتلاهم الله بأنفلونزا الخنازير، وهي تدل على أن خطر الخنزير لا يقتصر على لحمه بعد مماته، بل خطره قائم في حياته وبعد مماته!!
تـُرى أَتُرَاجِعُ الإمبراطوريةُ الرومانيةُ "الأوروبيةُ الأمريكيةُ" نفسَها؛ وتعيد حساباتِها أم تستمر في العناد؛ وتدفع البشريةُ كُلُّها الثمنَ؟؟!!
ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــ
(1) وغالب الظن أن التعليل المذكور في هذه العبارة: "كل ما شق ظلفـًا وقسمه ظلفين ويجتر من البهائم؛ فإياه تأكلون" هو مِن كلام الشُّراح، والذين طردوا قاعدتهم فطبقوها على الأرنب -أيضًا-، ومما يدل على أن تحريم الأرنب مِن وضعهم: أن نص تحريمه تضمن مغالطة علمية؛ حيث زعم أنه يجتر، وهو بذلك حسب دعوى اليهود قد حقق أحد شروط الإباحة؛ إلا أن المنع جاء من جهة أنه ليس له ظِلفين، بينما الواقع أنه -أيضًا- لا يجتر!
(2) قرر نائب وزير الصحة الإسرائيلي المتشدد "ياكوف ليتسمان" اعتمادَ تسمية "أنفلونزا المكسيك" بدلاً من "أنفلونزا الخنازير"؛ إذ إن الدين اليهودي يعتبر أن الخنزير حيوان نجس.
وقال "ليتسمان" خلال مؤتمر صِحَافي: "أُفَضِّل استخدامَ كلمة "أنفلونزا المكسيك"؛ حتى لا أضطر إلى التلفظ بكلمة "خنزير".
(3) نحتج على النصارى بهذه القصة لإيمانهم بها، على الرغم مِن تشككنا بشأنها مع إيماننا بمعجزات عيسى -عليه السلام- مما يفوق هذه القصةَ إعجازًا؛ إلا أن سياق الأناجيل لهذه القصة شابَهُ -كعادتهم في حكاية معجزات عيسى -عليه السلام- التوترُ الشديد والمبالغةُ في الأرقام! وكأن المعجزة لن تكون معجزة في حسهم إلا بالتهويل!! ففي القصة المذكورة: أن شخصًا واحدًا أو اثنين -على اختلاف بين الأناجيل- كان يسكنه -أو يسكنهما- نحوٌ من أَلفَيْ روحٍ شريرة وأنها اشترطت -!!!- على عيسى -عليه السلام- أن يخرجها من هذا الشخص إلى قطيع خنازير، وأن عيسى -عليه السلام- قَبِل بهذا الشرط!!! فأذن للأرواح الشريرة أن تدخل الخنازير؛ فاندفع القطيع إلى البُحَيْرَة ومات في الحال.
"ولم يدفع عيسى -عليه السلام- أيَّ تعويضات لأصحاب القطيع، ولا التزم بالبحث لهم عن عمل بديل، كما يصر بعض المنتسبين إليه مِن أنه لا ينبغي إعدام الخنازير حتى في حالة الوباء إلا بهذه الشروط!!" كما أن في الإذن للأرواح الشريرة بالدخول إلى الخنازير وما ترتب عليه من انتحارها الجماعي في الماء؛ هو نوع من إفساد الماء لا يناسب الأنبياء -فضلاً عن أن النصارى يرون عيسى -عليه السلام- إلهًا وليس نبيًّا- "وهو مخالف لدعوات الحفاظ على البيئة التي يتبناها الغرب الآن!".
(4) يُكثِر النصارى من التشغييب على قضية النسخ في الإسلام مع أنهم يقولون به في مواطن! هذا أحدها؛ فإن تم النسخ على يد عيسى -عليه السلام- كما يزعمون؛ فهو مطابق للنسخ في الإسلام، وإن تم من عند بولس كما هو ظاهر؛ فهو من إعطاء البشر حقَّ نسخ الشرع الإلهي -والعياذ بالله-.