ما زلت مسرورا من هذا الحوار مع أخي الأستاذ الفاضل الشويقي
النتائج 1 إلى 13 من 13

الموضوع: ما زلت مسرورا من هذا الحوار مع أخي الأستاذ الفاضل الشويقي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    17

    افتراضي ما زلت مسرورا من هذا الحوار مع أخي الأستاذ الفاضل الشويقي

    "ما زلت مسرورا من هذا الحوار مع أخي الأستاذ الفاضل الشويقي ، وما زلت مستبشرا به ؛ لأني على يقين أننا بحاجة لمثل هذا الحوار لتعويد الجيل الجديد من المتدينين على تقبل الخلاف والتعامل معه على أنه حقيقة معرفية لا مناص منها ، وللمساهمة في تخفيف ( التأزم) الذي يعاني منه وسطنا الثقافي الإسلامي ، وقد لاحظت أن رد الأستاذ الشويقي الأخير جاء متوترا جدا ، محشوا بالتهويل ، والكلام الخارج عن الحوار كحديثه عن ( البكاء ) و( العويل ) ، و( العبط والاستعباط ) ، وينضح بالاستعداء البغيض كإدخال كلام للشيخ ابن باز رحمه الله ، وأنني أنسب منهج الشيخ إلى البدعة ، وكلام الشيخ – رحمه الله - لا علاقة له بقولي من قريب أو بعيد كما سأوضح لاحقا ، وأنا أتفهم كل هذا التوتر من الأخ الشويقي ؛ لأنه جاء في سياق ورطته العلمية التي وقع فيها ، فحاول استعمال أسلوب ( اغلبوهم بالصوت ) ، طبعا لن أجاريه في أسلوبه لأني أنا أكتب لطلبة العلم المحايدين ، والقراء النابهين لا لعوام القراء ، وكل هذا الذي مارسه الأستاذ الشويقي لا علاقة له بالحوار والجدل ، وهو مما يسمى في علم الجدل (الاستعانة بالخارج ) ؛ وهو أنه إذا أعيت أحد المتجادلين الحيلة لجأ إلى شيء خارج موضوع الجدل ليستعين به على خصمه ، وليؤثر على القراء "



    ---------------------
    ما سبق مقدمة لمقالة للدكتور سليمان الضحيان - جريدة عكاظ http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/2009...0528280651.htm الخميس 28/5/2009
    يرد بها على الشيخ بندر الشويقي


    ولأني لاحظت البعض يعلق على كتابات د / الضحيان من دون الرجوع لردود الشيخ بندر الشويقي جمعت المساجلة التي دارت بينهما في جريدة عكاظ في ملف ليطلع عليها الجميع وليعُرف :

    من يلتزم بالحوار ممن لا يلتزم
    من يحسن طرق الحوار ممن لا يحسن

    رابط موضوع الضحيان في موقع : عاجل



  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    17

    افتراضي رد: ما زلت مسرورا من هذا الحوار مع أخي الأستاذ الفاضل الشويقي

    لم يتم رفع الملف ولا أعرف السبب

    إذا لم أتمكن من رفع الملف سأقوم بنشر الردود تباعاً بمشيئة الله تعالى

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    17

    افتراضي هل خدع الجابريُّ سليمانَ الضحيان؟!

    هل خدع الجابريُّ سليمانَ الضحيان؟!

    بقلم الشيخ بندر الشويقي :


    أُصبت فعلاً بالصَّدمة وأنا أقرأ ذاك التصريح المتهور الذي كتبه الأستاذ الفاضل سليمان الضحيان دفاعاً عن د.محمد عابد الجابري في جنايته الكبرى وجريمته العظمى التي اقترفها بحق كتاب الله –جل وعلا-، حين جوَّز وقوعَ الزيادة والنقصان فيه.

    أصبت بالصدمة لأني –وإن كنت لا أعرف الأستاذ سليمان شخصياً- إلا أن تصوري عنه أنه قارئ فاحصٌ يختلف عن غيره من الأغرار الذي نجح الجابريُّ في خداعهم و العبث بعقولهم بطريقته الماكرة في الدس والتشكيك.

    الجابريُّ في كتابه (مدخل إلى القرآن الكريم) عقد فصلاً تحت عنوان (جمع القرآن ومسألة الزيادة فيه والنقصان) انتهى في خاتمته إلى جواز وقوع النقص و الزيادة في كتاب الله. وهو الكلام الذي بموجبه أصدر الشيخ البراك فتياه التي ذكر فيها أن الجابريَّ: "ماهر في التمويه ومخادعة القارئ في نفث فكره العفن".

    والذي يقرأ للجابري بإمعانٍ يدرك تماماً أن هذا التوصيفَ الدقيقَ الصادرَ من الشيخ البراك، يطابق حال الجابريِّ تمام المطابقة. و قد أكد ذلك وأثبته موقفُ أخينا د.سليمان الضحيان الذي وقع –مع فضله- ضحيةً لمهارة الجابري في التمويه والخداع، حين لم يتفطن لحقيقة الفكرة التي أراد الجابري تمريرها في كتابه المذكور.

    فمن عادة الجابريِّ أن يرمي طعماً يوهم القارئ أنه أمام فكرةٍ سديدةٍ محررةٍ، ثم إذا ابتلع القارئ الطعم، رمى الجابريُّ فكرته السيئة المقصود تمريرها. وهذا النوع من المكر هو الذي تفطن له الشيخ البراك، بينما غفل عنه الأستاذ الضحيان في دفاعه المتهور.

    ففي كتابه (المدخل) قرَّر الجابريُّ أن القرآن الواصل إلينا هو نفسه القرآن الذي تم جمعه زمن عثمان بن عفان –رضي الله عنه-. قال الجابري: "لأنه ليس ثمةَ أدلةٌ قاطعة على حدوثِ زيادةٍ أو نقصانٍ في القرآن".

    هذا التقرير بمجرَّده فيه مخاتلةٌ وخداعٌ، فلو أرادَ الجابريُّ الجزمَ بنفي وقوعِ النقصان في القرآن لقال: (إن الدليل القطعيَّ يثبت استحالة وقوع الزيادة والنقصان في القرآن). لكنه عدلَ عن مثل هذه العبارة، واكتفى بالقول: إنه "ليس ثمةَ أدلةٌ قاطعة على حدوثِ زيادةٍ أو نقصانٍ في القرآن". والكلام بهذه المنطق المعكوس يوصل للقارئ رسالةً مفخخةً مؤداها أن المسألة موضع شكٍّ واحتمالٍ، لكن لم يثبت بها دليلٌ قطعيٌّ.

    هذا الأسلوب يكرِّره الجابريُّ في كثيرٍ من القضايا التي يتهيَّب التصريحَ بها، فيتظاهر بالنفي المتردِّد للفكرة المتزندقة، بهدف تسريب الاحتمال ليكونَ مرحلةً أولى تمتص الحسم واليقين لدى القارئ الغافل.

    لكن لندع هذا الملحظَ المستنبطَ جانباً، لأن ما جاءَ بعده أصرحُ و أخطر. فالجابريُّ حين نفى الدليل القطعيَّ على وقوع النقص أو الزيادة في القرآن منذ زمن عثمان وإلى اليومَ، جعل هذا التقرير طُعماً للقارئ، ومدخلاً للفكرة التالية المقصودة، وهي: أن من الجائز أن يكون قد وقع نقصٌ في القرآن قبل مرحلة الجمعِ وأثناءها، وبالتالي فإن الذي جمعه عثمان و وصل إلينا، لم يكن القرآن بأكمله.

    وهذه عبارة الجابري أنقلها بحروفها ليتمعنَ فيها الأستاذ سليمان. فقد قال الجابريُّ في (ص232): "خلاصة الأمر أنه ليس ثمة أدلة قاطعة على حدوث زيادة أو نقصان في القرآن كما هو في المصحف بين أيدي الناس، منذ جمعه عثمان.
    أما قبل ذلك، فالقرآن كان مفرَّقاً في صحفٍ وفي صدور الصحابة. ومن المؤكد أن ما كان يتوفر عليه هذا الصحابي أو ذاك من القرآن –مكتوباً أو محفوظاً- كان يختلف عما كان عند غيره كمَّا وترتيباً. ومن الجائز أن تحدث أخطاء حين جمعه زمن عثمان أو قبل ذلك. فالذين تولوا هذه المهمة لم يكونوا معصومين. وقد وقع تدارك بعض النقص كما ذكر في مصادرنا. وهذا لا يتعارض مع قوله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، فالقرآن نفسه ينص على إمكانية النسيان و التبديل والحذف والنسخ".

    هذه عبارة الجابريِّ التي لم يفهم منها الأستاذ الضحيان أيَّ تشكيك في سلامة النص القرآني، فرجع بالملامة على الشيخ البراك، وأظهره في صورة الغرِّ الساذج الذي خدعه السائل، واستحلب منه فتيا مبنية على نقلٍ محرفٍ، بينما الواقع خلاف ذلك تماماً. فالذي يقرأ ما ذكره الجابري يدرك تماماً أن الشيخَ البراك كان أقرب لفهم مغزى الجابريِّ من الدكتور سليمان الذي تكلم باندفاعٍ وتهورٍ غريبٍ.

    الأستاذ الضحيان فزع مدافعاً دون رويةٍ. وحين أراد أن ينقل من كلام الجابريِّ ما ينفي التهمة عنه اقتطع جزءاً من النصِّ الذي نقلته آنفاً، وهو قوله: ((وقد وقع تدارك بعض النقص))، وبناءً على هذه الفقرة أعلن الضحيان أن الجابريَّ: "نصَّ بكلامٍ جليٍّ لا لبسَ فيه ولا غموضَ على أن جمعَ القرآن في صياغته النهائية لا نقصَ فيه إذ تدارك الصحابةُ ذلك".

    هذا ما دافع به الضحيان –سامحه الله-، وهو كلامٌ يبلغ الغاية في الغرابة والعجبِ. ولست أدري كيف غاب عن فهم الأستاذ دلالة كلمة: (قد وقع تدارك بعض النقص)، فهذا الكلام ليس له معنى إلا أن الذي تمَّ تداركه إنما هو (بعض النقص)، وليس جميعه. فكيفَ جعل الأستاذ سليمان هذه الجملة تصريحاً جلياً لا غموض فيه على سلامة القرآن من النقصان، بينما هي تصريحٌ جليٌّ لا غموضَ فيه بوقوع النقصِ وثبوته؟!

    أنا أقطع أن مغزى عبارة الجابريِّ لم يكن ليخفى على فطنة الأستاذ سليمان لولا الاندفاع والحماسة والرغبة الملحة في الذب عن الجابريِّ. وإن من الغرائب أن يعقد الجابريُّ مبحثاً كاملاً في عشر صفحاتٍ لمناقشة زيادة القرآن ونقصانه، ثم لا يجد الضحيان إلا نصف سطرٍ يفسر به مذهب الجابري، ثم يتبين أن هذا النصف يدل على نقيض ما أراده الأستاذ سليمان!

    على أن تلك العبارة المجتزأة التي نقلها الأستاذ سليمان مع وضوحها في إثبات نقص القرآن، إلا أنها ليست وحدها الدالة على هذا المعنى في كلام الجابري، فسياق كلامه كله صريحٌ و واضحٌ في تجويزِ أن يكونَ هناك نصوصٌ قرآنيةٌ سقطت من الصحابةِ حين تصدوا لجمع القرآن الكريم.

    ففي (ص231) قال الجابري -وهو يتحدث عن احتمال وقوع النقص في سورتي (براءة) و (الأحزاب)- : "لقد اشتملت السورتان على نقدٍ داخليٍّ ومراجعة وحساب وكشف عورات، -وخاصة سورة براءة-، لم يرد مثله في أية سورة أخرى. ولا نعتقد أن ما سقط منهما من الآيات –إذا كان هناك سقوط بالفعل-، يتعلق بهذا الموضوع، لأن ما احتفظت به السورتان كان عنيفاً وقاسياً إلى درجة يصعب معها –بالنظر إلى أسلوب القرآن في العتاب- تصور ما هو أبعد من ذلك".

    ثم قال بعد ذلك: "وكل ما يمكن قوله –على سبيل التخمين لا غير- هو أن يكون الجزء الساقط من سورة براءة هو القسم الأول منها، وربما كان يتعلق بذكر المعاهدات التي كانت قد أبرمت مع المشركين. ذلك أن سور القرآن، بخاصة الطوال منها، تحتوي عادة على مقدمات تختلف طولاً وقصراً، مع استطرادات، قبل الانتقال إلى الموضوع أو الموضوعات التي تشكل قوام السورة".

    ثم قال: "أما سورة الأحزاب، فيبدو أن ما سقط منها مبالَغ فيه...".

    هذه بعضُ عبارات الجابري في كتابه، وللقارئ أن يلحظ في النص الأخير عبارة: (يبدو أن ما سقط منها مبالغٌ فيه) فتلك العبارة قد يفهم منها القارئ الساذجُ الدفاعَ عن القرآن، لكن القارئ الفطن لن يخفى عليه أنها تتضمن إثباتاً ماكراً لوقوعِ السقط والنقص من كتاب الله.

    وفي النصين الآخرين نلحظ مثل ذلك التشكيك الماكر، حين يقحم الجابري في كلامه عباراتٍ احترازيةً مثل: (إن كان هناك سقوطٌ بالفعل)، ومثل عبارة: (ما يمكن قوله على سبيل التخمين لا غير، هو أن يكون الجزء الساقط من سورة براءة ...).

    فمثل هذه التعابير المشككة هي التي عناها الشيخ البراك حين تحدث عن مهارة الجابري في التمويه والمخادعة. وأحب –بهذه المناسبة- أن أذكرَ الأستاذ سليمان بأن الجابريَّ قد أقرَّ في بعض كتاباته أنه يمارس نوعاً مما يمكن أن أسميه (نفاقاً علمياً)، حين أشارَ إلى أنه لا يصرح بفكرته مراعاة لطبيعة العقل العربي الذي لا يتقبل النقد اللاهوتي حين يمسُّ المسلمات.

    ففي كتابه التراث والحداثة (ص259) يقول الجابري: "لا أرى أن الوطن العربي في وضعيته الراهنة يحتمل ما يمكن أن نعبر عنه بنقدٍ لاهوتي...لأنه لا الوضعية الثقافية والبنية الفكرية العامة المهيمنة، ولا درجة النضوجِ الثقافي لدى المثقفين أنفسهم تسمح بهذا النوعِ من الممارسة الفولتيرية، ولا السياسة تسمح. وبطبيعة الحال فالإنسان يجب أن يعيش داخل واقعه لا خارجه، حتى يستطيع تغييره".

    ويقول: "هناك من يرى أن من الواجبِ مهاجمة اللاعقلانية في عقر دارها. و هذا خطأ في رأيي، لأن مهاجمة الفكر اللاعقلاني في مسلماته؛ في فروضه؛ في عقر داره، يسفر في غالب الأحيان عن: إيقاظٍ، تنبيهٍ، رد فعلٍ، وبالتالي تعميم الحوار بين العقل واللا عقل، والسيادة في النهاية ستكون خاضعةً للاعقل، لأن الأرضية أرضيته، والميدان ميدانه. والمسألة مسألة تخطيط".

    هذه النصائح المتكرِّرة التي يسديها الجابري لأقرانه من المفكرين العرب تعني أنه يؤمن أن منهج الكتابة المطلوب حالياً قائم على (استراتيجيات المراوغة الفكرية) وليس الوضوح والمباشرة والصدقية البحثية! وإقراره هذا يمكن أن يكون شهادة بفطنة الشيخ البراك ودقة نقده حين وصف الجابري بـ "الماهر في التمويه ومخادعة القارئ في نفث فكره العفن". فمكر الجابري وتخطيطه ونفاقه العلمي، لم ينجح في تحاشي يقظة الشيخ وردة فعله، في الوقت الذي انطلت فيه الخدعة على بعض مثقفينا وابتلعوا الطعم بكل يسرٍ وسهولةٍ.

    وقد رأيتُ الجابريَّ حين تعرض لمسألة نقص القرآن رأيته يسوق المرويات الشيعية المثبتة لتحريف القرآن، ويسوق معها جملةً من المرويات الموهمة في المصادر السنية. فلما أراد الأستاذ سليمان الضحيان الدفاع عن هذا التصرف من الجابري قال: "إن مجرد إيراد الرواية أو الإشارة إليها لا يعني تبنيها".

    وحيث قال الأستاذ سليمان هذا، فإني أدعوه ليتأمل قول الجابري في كتابه (التراث والحداثة ص260): "يمكن أن نمارس النقد اللاهوتي من خلال القدماء، يعني نستطيع بشكل أو بآخرَ استغلال الحوار الذي دار في تاريخنا الثقافي ما بين المتكلمين بعضهم مع بعضٍ، ونوظِّفَ هذا الحوار. لنا حرمات يجب أن نحترمها حتى تتطور الأمور، المسألة مسألة تطور".

    فهل فهم الأستاذ الضحيان حقيقة الخداع الذي يمارسه الجابري؟!

    المسألة عند الجابري مسألة (تخطيط) يعتمد المراوغة في عرض الفكرة مراعاةً لمسيرة (التطور). وهذا التخطيط يستدعي نفاقاً علمياً مرحلياً يتحاشى ردة الفعل التي تثور تلقائياً عند المساس بالمسلمات. فهل وضحت الصورة الآن؟

    الأستاذ سليمان الضحيان ختم كلامه بموعظة للشيخ البراك، قال فيها: (كان الظن بالشيخ البراك أن يتورع في فتواه، و يطلب كتاب الجابري كاملاً). ولا أدري من أين للضحيان أن الشيخ لم يطلب الكتاب كاملاً؟! ولو أنه عرف منهج الشيخ في التثبت والتحري لتردَّد كثيراً قبل أن يكتب مثل هذا الكلام. فالشيخ البراك مدرسةٌ في هذا الباب، ومن العسير جداً أن ينتزع منه أحدٌ كلاماً عبر سؤال مخادعٍ.

    وليعلم الأستاذ سليمان أن رأي الشيخ البراك في الجابريِّ لم يكن وليد السؤال المطروح عليه، بل لم يكن ردة فعلٍ لاستضافة الجابري على هامش معرض الكتاب. فالذي أعلمه أن كتاب الجابري قد قرئ على الشيخ قبل أكثر من ستة أشهر، حين رغبَ الشيخ في الوقوف على قول الجابري من خلال كتابه، وليس من خلال نقل الآخرين. فحديث الأستاذ سليمان عن المصيدة التي وقع فيها الشيخ، وكلامه عما سماه منهج (استحلاب الفتيا) الذي مارسه السائل مع الشيخ، كل هذا من الظنون و التخرصات التي لا تستند على شيءٍ. وإن كان هناك من استُحلب منه الكلام، فلن يكون سوى الأستاذ سليمان الذي استُحلب منه تصريحٌ إعلاميٌّ متهورٌ ذبَّ فيه بحسن نيةٍ عمن تجرأ على كتاب الله –عز وجل-.

    وحيث ختم الدكتور سليمان كلامه بالحديث عن الورع، فإني أذكره –وقد سمعت عنه الثناء الجميل- بأن الورع الحقيقيَّ يكون في الحمية لكتاب الله، وليس في الانتصار للعابثين به. وقد قرأتُ أن الضحيان سيتولى التقديم لمحاضرة الجابري المزمع عقدها، ولا أظن أن من الورع و لا من مراعاة مقام الجبار –سبحانه-، أن يستسهل الأستاذ سليمان مثل ذلك الموقف مع من تجرأ على كتاب الله. فإذا خُدع الضحيان مرةً فدافع عن الجابري، فليحذر أن يخدع مرةً ثانيةً فيتصدر للتقديم له. فتمكين الجابريِّ من ارتقاء منبرٍ في بلاد الحرمين جريمة لا علاقةَ لها بباب الورعِ، فآمل أن يستشعر الضحيان مسؤوليته أمام الله –عز وجل-، وألا يكون له إسهامٌ في تصدير ذاك العابث بدين الله.

    كتبه/ بندر بن عبدالله الشويقي
    13/3/1430هـ


    -----------------------------------------------------------------------------


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    17

    افتراضي دفاع عن الوسطية والاعتدال لا عن الجابري

    رد الدكتور / سليمان الضحيان :


    دفاع عن الوسطية والاعتدال لا عن الجابري



    الدكتور / سليمان الضحيان

    ( كلامه فرح به خصوم الإسلام وأعداؤه من اليهود والنصارى والملاحدة والرافضة، )( ماهر في التمويه ومخادعة القارئ في نفث فكره العفن ) ، ( يرى نقص القرآن لكنه لا يستطيع التصريح فيموه على القاريء) ، ( يتهيب بالتصريح بفكرته المتزندقة فيتظاهر باحتمال نفيها ليتمكن من تسريبها للقارئ الغافل ) ( لا يستطيع نقد الإسلام وأسسه فيقوم بالتكتيك المرحلي بنقل انتقادات وحوارات الفرق القديمة لبعضها لزعزعة قناعات القارئ ) .

    هذه العبارات وردت في السؤال المطروح على الشيخ البراك وفي جواب البراك في فتواه عن الجابري وفي مقالة الأستاذ الفاضل بندر الشويقي بعد تلخيصها في مقالته التي رد بها علي تعليقي على فتوى البراك في موقع ( العربية ) ، و لاشك أن القارئ لهذه الأوصاف سيستنتج أن المتحدث عنه زنديق أوقف حياته لمحاربة الإسلام والطعن فيه ، فمن هو هذا المتحدث عنه ؟

    المتحدث عنه بهذه الأوصاف هو الدكتور محمد عابد الجابري ، حسنا دعونا الآن ننقل بعض أفكاره وأطروحاته لنرى هل تصدق عليه تلك الأوصاف المخيفة البشعة التي ذكرها أولئك الأخوة المتحمسون ؟

    يقول الجابري ((أنا أرى أن الإسلام دنيا ودين، وأنه أقام دولة منذ زمن الرسول عليه الصلاة والسلام ، وأن هذه الدولة توطدت أركانها زمن أبي بكر وعمر، وإذن فالقول بأن الإسلام دين لا دولة هو في نظري قول يتجاهل التاريخ" (حوار المشرق والمغرب / ص 101) ويقول "العلمانية بمعنى فصل الدين عن الدولة غير ذات موضوع في الإسلام لأنه ليس فيه كنيسة حتى تفصل عن الدولة" (حوار المشرق والمغرب / ص 10)
    ويقول : (وهكذا نرى أن تطبيق الشريعة قد دار مع المصلحة, وهذا لا يعني أن الشريعة يجب أن تتغير بتغير المصالح, كلا. الشريعة ثابتة ومطلقة لأنها إلهية" ( الدين والدولة وتطبيق الشريعة / ص 45 ) .

    ويكاد يكون الجابري المفكر العربي الوحيد الذي وافقت أطروحاته الآراء السلفية في كثير من القضايا المشكلة في التراث ومن ذلك أنه يرى أن الشيعة والجهمية والصوفية فرق استمدت فكرها من التراث الغنوصي الهرمسي الموروث من فلسفات سابقة على الإسلام ( تكوين العقل العربي / 192 – 219 ) ، ويرى أن آراء الأشاعرة تخالف طريقة السلف في صدر الإسلام والقرن الأول ( تكوين العقل / 298 ) ، ويرى أن آراء الأشاعرة المتأخرين بداية من تنظيرات الرازي تبنت فلسفة ابن سينا ( مناهج الأدلة / 31 ) ويرى أن بداية النهضة العربية الحديثة هي دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وليس الحملة الفرنسية ( حوار المشرق والمغرب / 221) .

    و هل معنى هذا أن الجابري مفكر إسلامي ؟ وأنني أتفق معه في كل أطروحاته ؟
    إطلاقا الجابري ليس مفكرا إسلاميا وهو نفسه يرفض تصنيفه بذلك ، ولست أتفق معه في كل أطروحاته بل لدي من الانتقادات ما لو كتبتها لجاءت في مجلد كبير ، وقد سبق أن كتبت نقدا لبعضها في مقال نشر لي في مجلة ( المجلة ) بعنوان ( حقوق الله أم حقوق الإنسان ) ، ونقدي للجابري يأخذ مسارين ؛ المسار الأول نقد منهجي إذ إن منهج الجابري في كتابته عن التراث يقوم على الانتقاء فهو ينتقي من التراث ما يوافق الأفكار التي يتبناها وليس أدل على ذلك من أمرين؛ الأمر الأول تضخيمه للدافع السياسي في تفسير كثبر من التوجهات الفكرية في التراث إلى درجة التمحل أحيانا وفي سبيل إثبات ذلك ينتقي من الحوادث التاريخية ما يؤيد تلك الرؤية ويهمل ما عداها .

    والأمر الثاني أنه في حديثه عن نظم المعرفة في الثقافة العربية ( البيان ، والبرهان ، والعرفان ) - وقد ألف في دراستها كتابا ضخما وهو كتابه ( بنية العقل الغربي ) في 600 صفحة - أهمل الكلام فيه عن ابن تيمية تماما سوى إشارة عابرة له ، مع تعرضه لمؤلفين أقل شأنا من ابن تيمية بكثير ؛ وذلك لأن الجابري انتصر لنظام البرهان الذي يعبر عنه الفلاسفة وخاصة ابن رشد ، وابن تيمية انتصر لنظام البيان ، وله مؤلفات ضخمة في نقد نظام البرهان فقد انتقد الفلاسفة بطريقة منهجية عميقة كما في ( درء التعارض ) ونقض منطق أرسطو، وكل دراسة للفلسفة ونظم المعرفة في التراث العربي لا تتطرق لنقد ابن تيمية فهي ناقصة .

    والمسار الثاني نقد علمي إذ إن الجابري كثيرا ما يقع في أخطاء علمية فادحة ويبني عليها نتائج كبيرة فأحيانا يبنى فكرته كلها على حديث ضعيف أو حكاية ساقطة ، أو استقراء ناقص ، أو خطأ في فهم ما قيل ومن ذلك رأيه في كيفية تطبيق الشريعة وذلك بدعوته إلى تبني تقديم المصلحة على النص إذا تعارضت المصلحة مع النص مستدلا على ذلك بإجماع الفقهاء على ذلك ، والحق أن القول بذلك انفرد به الفقيه الحنبلي الطوفي وعد رأيا شاذا .

    ومع ما لدى الجابري من أخطاء في المنهج والأفكار والمعلومات وغيرها – شأنه شأن كل عالم ومفكر وكاتب – إلا أني أعتقد جازما أنه خدم الإسلام بإنتاجه وكتبه أكثر مما خدمه الشيخ الجليل البراك ؛ إذ إن الشيخ البراك لا تتعدى فائدة طرحه عددا محدودا من المتدينين ممن يتلقون عنه العلم وهم في جملتهم من طلبة العلم أصلا الذين جاؤا للاستزادة من العلم ليس غير ،

    و أما الجابري فإن قراءه والمتأثرين بأطروحاته ومؤلفاته أعداد لا تحصى من العلمانيين في جميع أقطار العالم العربي ، وقد أثر كثيرا في نظرتهم للدين والتراث ؛ فإذا كان أدونيس في أطروحاته الفكرية ساهم في إبعاد كثير من المثقفين عن الإسلام فإن الجابري أرجعهم إلى الإسلام ؛ ولهذا قامت موجة عاتية من النقد وجهها له غلاة العلمانية لأنهم يرونه يدعو إلى الأصولية ويجامل في طرحه الإسلاميين ، كما أحدث طرحه ظاهرة الكتابة في التراث لدى عدد كبير من المفكرين والمثقفين وهي ظاهرة لفتت نظر جورج طرابيشي فوصفها بالعصاب الجماعي ، ولاقت دعوته في أنه لا نهضة للعرب إلا من خلال التراث صدى واسعا أحدثت تصالحا لكثير من العلمانيين مع الإسلام ، وأيضا حرضت كتاباته بعض المفكرين الإسلاميين للكتابة في التراث كطه عبد الرحمن ، وأبي يعرب المرزوقي .

    يبقى الحديث عن قضية السجال الدائر هذه الأيام بيني وبين أولئك الأخوة الفضلاء وهو عن تهمة القول بنقص القرآن ؛ فهل قال الجابري بذلك كما اتهمه الأخوة المتحمسون ؟
    لقد قرأت كتابه ( مدخل في إلى القرآن الكريم ) ، وجلست معه جلسة خاصة قبل المحاضرة فاتضح لي أن رأيه في هذه القضية يتلخص بما يلي : حديث الجابري عن النقص في القرآن يدور حول سورتين فقط من سور القرآن وهما سورتا ( الأحزاب ) و( براءة ) ( مدخل إلى القرآن الحكيم / 229 – 2230 ) فهل تبنى القول بنقصهما ؟

    لأنقل لكم أولا ما قاله الأستاذ الفاضل الشويقي ثم أعلق عليه ؛ قال الأستاذ الشويقي : )) فسياق كلامه ( يقصد الجابري ) كله صريحٌ و واضحٌ في تجويزِ أن يكونَ هناك نصوصٌ قرآنيةٌ سقطت من الصحابةِ حين تصدوا لجمع القرآن الكريم؛ ففي (ص231) قال الجابري -وهو يتحدث عن احتمال وقوع النقص في سورتي (براءة) و (الأحزاب)- : "لقد اشتملت السورتان على نقدٍ داخليٍّ ومراجعة وحساب وكشف عورات، -وخاصة سورة براءة-، لم يرد مثله في أية سورة أخرى. ولا نعتقد أن ما سقط منهما من الآيات –إذا كان هناك سقوط بالفعل-، يتعلق بهذا الموضوع، لأن ما احتفظت به السورتان كان عنيفاً وقاسياً إلى درجة يصعب معها –بالنظر إلى أسلوب القرآن في العتاب- تصور ما هو أبعد من ذلك".

    ثم قال بعد ذلك: "وكل ما يمكن قوله –على سبيل التخمين لا غير- هو أن يكون الجزء الساقط من سورة براءة هو القسم الأول منها، وربما كان يتعلق بذكر المعاهدات التي كانت قد أبرمت مع المشركين. ذلك أن سور القرآن، بخاصة الطوال منها، تحتوي عادة على مقدمات تختلف طولاً وقصراً، مع استطرادات، قبل الانتقال إلى الموضوع أو الموضوعات التي تشكل قوام السورة" ، ثم قال: "أما سورة الأحزاب، فيبدو أن ما سقط منها مبالَغ فيه...".

    هذه بعضُ عبارات الجابري في كتابه، وللقارئ أن يلحظ في النص الأخير عبارة: (يبدو أن ما سقط منها مبالغٌ فيه) فتلك العبارة قد يفهم منها القارئ الساذجُ الدفاعَ عن القرآن، لكن القارئ الفطن لن يخفى عليه أنها تتضمن إثباتاً ماكراً لوقوعِ السقط والنقص من كتاب الله.

    وفي النصين الآخرين نلحظ مثل ذلك التشكيك الماكر، حين يقحم الجابري في كلامه عباراتٍ احترازيةً مثل: (إن كان هناك سقوطٌ بالفعل)، ومثل عبارة: (ما يمكن قوله على سبيل التخمين لا غير، هو أن يكون الجزء الساقط من سورة براءة ...).
    فمثل هذه التعابير المشككة هي التي عناها الشيخ البراك حين تحدث عن مهارة الجابري في التمويه والمخادعة)) انتهى كلام الشويقي .

    ولا شك أن هذا الكلام الذي نقله الأستاذ الفاضل الشويقي يثبت بالدليل القاطع أن الجابري يقول بنقص القرآن لولا أن الشويقي مارس التمويه على القارئ فنقله مبتورا من سياقه فصار كلاما فظيعا مستبشعا ؛ فما السياق الذي جاء به كلام الجابري هذا ؟
    كل هذا الكلام الذي نقله الشويقي قاله الجابري تعليقا على أقوال العلماء والأحاديث التي تذكر أن سورة ( الأحزاب) وسورة ( براءة ) كانتا أطول مما هما عليه في المصحف اليوم ثم رفع جزء منهما بعلم الله ومشيئته كما قرر علماء السلف ، فقد أورد الجابري قبل التعليقات التي نقلها الأستاذ الشويقي ما يلي : (( يقول القرطبي عند تفسير سورة الأحزاب ... وكانت هذه السورة تعدل سورة البقرة وكانت فيها آية الرجم ونصها : (( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم )) وبعد أن يشير إلى أن هذا روي عن أبي بن كعب أحد كتاب الوحي وجامعي المصحف ، يضيف قائلا (( وهذا يحمله أهل العلم على أن الله تعالى رفع من سورة الأحزاب إليه ما يزيد على ما في أيدينا منها وأن آية الرجم رفع لفظها ، ثم يذكر رواية عن عائشة زوج النبي جاء فيها أنها قالت (( كانت سورة الأحزاب تعدل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مائتي آية فلما كتب المصحف لم يقدر منها إلا على ما هي الآن )) انتهى كلام الجابري ( مدخل إلى القرآن الكريم / 223) .

    وقال عن سورة براءة : (( يذكر القرطبي في بداية تفسيره لسورة براءة ( التوبة ) وفي سياق عرضه للروايات التي تتناول عدم وجود البسملة في أولها ما يلي (( قال مالك في ما رواه ابن وهب وابن قاسم وابن عبد الحكم : أنه لما سقط أولها سقط ( بسم الله الرحمن الرحيم ) معه ، وروى ذلك ابن عجلان أنه بلغه أن سورة (براءة) كانت تعدل البقرة أو قربها فذهب منها ، فلذلك لم يكتب في بدايتها (( بسم الله الرحمن الرحيم )) ، وقال سعيد بن جبير : كانت مثل سورة البقرة ، وعن حذيفة قال : ما تقرؤون ربعا ؛ يعني ( براءة ) )) انظر ( مدخل إلى القرآن الكريم/ 223-224 ) .

    إذن قول الجابري (( ولا نعتقد أن ما سقط منهما من الآيات )) وقوله ((الجزء الساقط من سورة براءة )) وغيرها من العبارات التي أوردها الأستاذ الشويقي وشنع على الجابري بها إنما قالها الجابري تعليقا على تلك الروايات في كتب الحديث والتفسير التي تتحدث عن السقط ، فكلمة ( السقط ) ليس من تعبير الجابري بل هي موجودة في تلك الروايات كما أورتها سابقا ، ويفهم من كلام الجابري أنه يشكك بهذه الروايات وذلك في قوله ((إن كان هناك سقوطٌ بالفعل)) ، وكانت أمانة العلم والعدل في النقد تحتم على الأستاذ الشويقي أن يشير إلى أن كلام الجابري قاله معلقا على ما روى حول السورتين ( الأحزاب وبراءة ) .

    ولنورد أنموذجا آخرا على البتر والتمويه الذي مارسه الأستاذ الفاضل الشويقي ، يقول الشويقي ((وللقارئ أن يلحظ في النص الأخير عبارة: (يبدو أن ما سقط منها مبالغٌ فيه) فتلك العبارة قد يفهم منها القارئ الساذجُ الدفاعَ عن القرآن، لكن القارئ الفطن لن يخفى عليه أنها تتضمن إثباتاً ماكراً لوقوعِ السقط والنقص من كتاب الله.)) ، انتهى كلام الشويفي

    حسنا دعونا الآن ننقل عبارة الجابري كاملة ؛ قال الجابري (( أما سورة الأحزاب فيبدو أن ما سقط منها مبالغ فيه ( يقصد الروايات الحديثية التي تروي أنها كانت مائتي آية ) وحجتنا على ذلك( أي على أنها مبالغ فيها ) هو أن عمر بن الخطاب وغيره ذكروا آية واحدة كانت فيها وسقطت وهي آية (( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم )) والسؤال الذي يفرض نفسه هو التالي : لماذا وقع تذكر هذه الآية وحدها من دون الباقي المفترض فيه أنه محذوف منها ؟ ومما يشكك في كون أن ما حذف من سورة الأحزاب كان أكثر من آية ( الشيخ والشيخة ) ما نسب إلى عائشة زوج النبي من أنها قالت (( إن هذه السورة كانت مكتوبة في صحيفة في بيتها فأكلتها الداجن )) ، ونحن نميل مع ابن عاشور في اعتراضه على هذا بقوله (( ووضع هذا الخبر ظاهر مكشوف فإنه لو صدق هذا لكانت هذه الصحيفة قد هلكت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أو بعده والصحابة متوافرون وحفاظ القرآن كثيرون فلو تلفت هذه الصحيفة لم يتلف ما فيها من صدور الحفاظ )) ، وحتى إذا استبعدنا فكرة الوضع فإنه من الجائز أن يكون ما اعتبر محذوفا من سورة الأحزاب هو نفسه في سورة أخرى كما ذهب إلى ذلك ابن عاشور حيث قال (( وأنا أقول : إن صح عن أبيّ ما نسب إليه – حول سورة الأحزاب – فما هو إلا أن شيئا كثيرا من القرآن كان أبيََُّ يلحقه بسورة الأحزاب وهو من سور أخرى من القرآن مثل كثير من سورة النساء الشبيه ببعض ما في سورة الأحزاب أغراضا ولهجة مما فيه من ذكر المنافقين واليهود ، فإن أصحاب رسول الله لم يكونوا على طريقة واحدة في ترتيب آي القرآن كما ولا في عدد وتقسيم سوره ) ( مدخل إلى القرآن الكريم / 231-232) انتهى كلام الجابري .

    ولا شك أن القارئ الآن أدرك فداحة التمويه الذي مارسه الأستاذ الفاضل بندر الشويقي نتيجة بتره كلام الجابري ، وكأني بالجابري حينما يقرأ بتر كلامه وتشويهه يتمثل بقول الشاعر :


    إذا محاسني اللاتي أُدلُّ بها ....... أضحت مساوي قل لي كيف أعتذر
    إذ لا أعتقد أن الباحث المنصف سيجد كلاما أفضل من كلام الجابري - هذا الذي بتره الشويقي - في الرد على من قال بوجود نقص في سورة الأحزاب ، إذ بالغ في رده حتى اضطر للحكم على حديث بالوضع لينفي النقص.

    نعم يبقى هنا إشكال وهو أن الجابري هنا أكد سقوط آية ( الرجم ) فقط كما رواها عمر بن الخطاب ، والجابري هنا يختلف مع علماء الحديث فالعلماء ذكروا أنها منسوخة اللفظ ، والجابري يرى أن الصحابة لم يضعوها في المصحف لأنها رواية آحاد وشرط القرآن التواتر ( مدخل إلى القرآن الحكيم / 224 ) .

    ونختم الحديث عن هذه القضية بطرح تساؤل : هل معنى هذا أن الجابري يتفق تماما مع رؤية أهل السنة المجمع عليها حول حفظ القرآن من الزيادة والنقصان ؟
    من قراءاتي المتفحصة لكتابه ومن خلال مناقشته شفهيا كفاحا اتضح لي أنه هو نفسه لا يقول بنقص القرآن ولا بزيادته ، وأن الروايات التي نصت على النقص – إن ثبتت – لا تـُحْمل على النسخ بل تحمل على أنها روايات آحاد ، وكان الصحابة يشترطون شهادة اثنين ويردون رواية الواحد في كتابتهم للقرآن ، و كل ذلك بعلم الله ومشيئته ، وقد وجدته بالغ في رد بعض الروايات إلى حد حكمه على حديث عائشة عن الداجن بالوضع كما نقلت كلامه سابقا .

    لكنه في الوقت نفسه يخالف الرؤية المجمع عليها عند أهل السنة بقوله : بأنه ليس هناك دليل قاطع على عدم حدوث زيادة أو نقصان في القرآن ؛ لأن من قام بجمعه ليس معصوما ، وإذا احتـُج عليه بقوله تعالى (( إنا نحن نزلنا القرآن وإنا له لحافظون )) رد بالقول إن الضمير في ( له لحافظون ) راجع للرسول صلى الله عليه وسلم ، أي لحافظون الرسول من الجنون لأن الآية جاءت بعد قوله تعالى (( وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون )) .

    وهذا التفسير قاله من قبله ابن السائب ومقاتل حيث قالا (( إنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فالمعنى : لحافظون له من الشياطين والأعداء )) انظر : ( زاد المسير في علم التفسير : 4/384)
    .
    وأما الاحتجاج عليه بالإجماع فيرده بأنه لا يرى الإجماع حجة .

    ولا شك أن قوله هذا من وجهة النظر الشرعية خطأ كبير وقصارى القول فيه أنه شبهة تنتقد على الجابري ، ويـٌرد عليه بأسلوب علمي محكم بعيد عن الإثارة وتحشيد العوام واستعدائهم ، والتهويل بالفتاوى واتهام النيات .

    يبقى الحديث عن قول الأستاذ الفاضل الشويقي ((ولا أدري من أين للضحيان أن الشيخ لم يطلب الكتاب كاملاً؟!... فالذي أعلمه أن كتاب الجابري قد قرئ على الشيخ قبل أكثر من ستة أشهر، حين رغبَ الشيخ في الوقوف على قول الجابري من خلال كتابه، وليس من خلال نقل الآخرين)) ، قلت : الذي يتضح لي من خلال قراءة فتوى البراك أن الشيخ الجليل لم يسبق أن قرأ الكتاب ، ولم يطلع عليه البتة ، حتى الذين عرضوا الفتوى على الشيخ لم يقرؤا الكتاب ، وكانوا في عجلة من أمرهم ، وكان جل مرادهم التأثير على الرأي العام ، وإحداث ضجة ، ولاستعداء السلطة لمنع الجابري من إلقاء محاضرته ، والدليل على ذلك أن الشيخ البراك لو أنه قرأ الكتاب حقا لوجد فيه أخطا كثيرة جدا وبعضها كبيرة ، ولنبه عليها وأنكرها على الجابري ؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، فمن تلك الأخطاء أن الجابري يرى أن قصص القرآن لا تعبر عن حقائق تاريخية بل هي من ضرب المثل ( مدخل إلى القرآن الكريم / 259) وهو القول الذي قال به من قبله محمد خلف الله وأثار ضجة كبيرة وصلت إلى حد تكفيره .

    ومنها أيضا أنه يرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعرف القراءة والكتابة ( مدخل / 77 ) ، وغيرها من الأخطاء التي أجزم لو أن الشيخ البراك أو الذين قدموا له الفتوى قرؤا الكتاب لكتبوا عنها في السؤال الموجه إليه .


    وبعد لماذا أكتب للدفاع عن الجابري ؟؟

    ليس الأمر دفاعا عن الجابري بل دفاع عن المنهج الإسلامي الوسطي في التعامل مع الأشخاص والأفكار؛ إذ إن واقعنا الإسلامي المحلي يعاني من التأزم تجاه كثير من الأفكار والرؤى والأشخاص الذين يختلف معهم في قليل أو كثير ، هذا التأزم أنتج لدينا شريحة من المتدينين المتحمسين تحولت مهمتها إلى ملاحقة العلماء ، والمفكرين ، والمثقفين المعاصرين وغيرهم عبر التاريخ الإسلامي الطويل ، ونصبت لهم محاكم تفتيش من خلال نصب ميزان لقياس مدى مطابقتهم للإسلام الذي يجب أن يـُفـْهم من خلال فهم تلك الشريحة المتحمسة ، وللشيخ سلمان العودة تعبير طريف عن تلك الشريحة حيث يسميها ( جماعة الميزان ) ، وأصبحت محل تندر في مجالس كثير من طلبة العلم فيقول أحدهم للآخر : انتبه لقولك لئلا تزنك جماعة الميزان بميزانها ، هذه الشريحة تتعامل مع الدين والفكر على أنه مجرد معركة مع خصوم تسعى لإسقاطهم ، يجوز في تلك المعركة استخدام كل الوسائل من تشويه ، ومغالطات ، واستحلاب فتاوى من مشايخ فضلاء مخلصين ، واستعداء للسلطة وعوام المتدينين بعيدا عن منهج الإسلام في التعامل مع المخالفين القائم على الرحمة والعدل والإنصاف مصدقا لقول تعالى (( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ))


    وهذه الطريقة في النقد التي تمارسها ( جماعة الميزان ) سبق أن اتبعها فريق من الإسلاميين في التسعينات وانخرطوا في تتبع الدعاة وطلبة العلم والتفتيش الانتقائي عن أخطائهم ، ووسمهم بالبدعة ، وتشويههم أمام الرأي العام ، وما زال يستخدمها بعض اليساريين في نقدهم للإسلاميين كما في كتابات رفعت السعيد عن جماعة الإخوان المسلمين ، ويستخدمها غلاة العلمانيين في نقدهم للإسلاميين والصحوة كما في كتبات مأمون فندي ، والعفيف الأخضر
    .
    وكل ما أخشاه أن ينجر إلى تلك الطريقة وإلى ( جماعة الميزان ) الأخ الفاضل الأستاذ بندر الشويقي وليس بيني وبينه معرفة شخصية لكن من متابعتي لبعض ما يكتب – خاصة حواره مع حسن المالكي ورده على حسن الصفار - وجدت لديه استعدادا فكريا جيدا للإنتاج الفكري المستقل لو انفتح على آفاق فكرية أرحب من واقعه المحلي الضيق ، لكني أخشى عليه من أن يتهور بالانخراط مع تلك الجماعة من حيث لا يشعر فيفقد المصداقية ويتحول إلى منظـِّر لجماعة الميزان تتركز جهوده الثقافية في تفتيش كتب العالم الفلاني ، أو المفكر الفلاني في قراءة أيديولوجية انتقائية ؛ ليتصيد كلمة من هنا وكلمتين من هناك ثم يبنى عليها رؤية متكاملة عنه ، خاصة أن جهود تلك الجماعة تثير ضجيجا وتصفيقا مدويا عند جمهور من المتدينين البسطاء والسذج ، فربما اختصر الأستاذ الفاضل بندر المجتمع بذلك الجمهور الساذج من حيث لا يشعر .

    والنقد الإسلامي الحق ينظر إلى الكليات مع التجاوز عن الخطأ في الجزئيات مع حسن الظن والرفق والكلمة الطيبة والبحث عن الأعذار والرحمة بالمخالف والدعاء له وعدم غمطه حقه مصدقا لقول تعالى (( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا )) .
    -------
    د سليمان الضحيان
    أستاذ في جامعة القصيم وكاتب سعودي

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    17

    افتراضي يا أستاذ أعرض عن هذا! (1/2)

    رد الشيخ بندر الشويقي في جريدة عكاظ على حلقتين :

    يا أستاذ أعرض عن هذا! (1/2)


    رغم كونها فضيلةً ومنقبةً، إلا أن من أثقل الكلمات على لسان المرء وقلمه أن يقول بشجاعةٍ وتجرُّدٍ: (أخطأتُ وأصاب الآخرون).

    من الناس من يفضل بدل ذلك أن يعتصم بالسكوت متى تبين له خطؤه. ومنهم من يختار سلوكاً غير لائقٍ، بافتعال ضجيجٍ وإثارة غبارٍ يغطي به خطأه وغلطته، كي يتهيأ له الانسحاب مع الاحتفاظ بكبريائه وعزة نفسه.

    هذا السلوك الأخير هو ما اختاره لنفسه أخونا الدكتور سليمان الضحيان في مقالته الأخيرة المعنونة بـ (دفاع عن الوسطية والاعتدال لا عن الجابري). فالأستاذ كتبَ تلك المقالةَ بعدما تبين له أنه أخطأ في ذبه عن موقف الجابريِّ من سلامة النص القرآني. فبدل أن يقرَّ الدكتور بخطئه، اختار أن يثير ضجيجاً يغطي به تلك الحقيقةَ التي دسها على استحياءٍ في ثنايا مقالته.

    ولتوضيحِ الصورة، دعونا نبدأ أولاً برصد موقف الأستاذ القديم، ثم نقارنه بموقفه الجديد الذي ربما لا يلحظ الاختلافَ بينهما الكثيرُ من القراء.

    التباين بين الموقفين

    حين صدرت فتيا الشيخ عبدالرحمن البراك، والتي اتهمَ فيها الجابريَّ بالتشكيك في سلامة النص القرآني من الزيادة والنقصان، غضب الدكتور سليمان الضحيان وكتب يقول: إن الجابريَّ "لم يخرج عن منهج العلماء الذين تحدثوا عن جمع القرآن"، و "لم يزد على ما ذكره العلماء في كتبهم".

    هكذا كان الأستاذ سليمان الضحيان يتحدثُ لموقع (العربية نت) ولجريدة (عكاظ) قبل قبل تقديمه لندوة الجابري المقامة على هامش معرض الكتاب الدولي.
    ثم بعد ذلك بأسبوعين كتب الأستاذ مقالته: (دفاع عن الوسطية)، وكان مما قاله فيها: إن الجابريَّ "يخالف الرؤيةَ المجمعَ عليها عند أهل السنة بقوله: إنه ليس هناك دليلٌ قاطعٌ على عدم حدوث زيادةٍ أو نقصانٍ في القرآن، لأن من قام بجمعه ليس معصوماً".
    ومع أن الأستاذ في مقالته تلك لم يشر أبداً لموقفه الأول المناقض لرأيه الجديد، إلا أن من الواضحِ أننا أمامَ تغيرٍ جذريٍّ في رأي الأستاذ. فبالأمسِ: (الجابريُّ لم يخرج عن منهج العلماء). واليوم: صار الجابريُّ (مخالفاً للرؤية المجمعَ عليها عند أهل السنة).

    حين قرأتُ كلام الأستاذِ الأخيرَ تمنيتُ لو أنه ملكَ الإنصافَ والشجاعة الأدبية، وأعلنَ بأدبِ العلماء وتواضعهم أنه كانَ مخطئاً في موقفه الأول. تمنيتُ ذلك، غير أن الأمانيَّ كثيراً ما يفجؤها الواقعُ بلغته الصارمة المؤلمة المعلنةِ بأن للنفسِ البشريةِ رغباتها الجامحة وشهواتها الخفية الجانحة، التي طالما عجزَ العقلُ والتدينُ عن كبحها وإلجامها.

    لستُ الآن بصدد تعيير الأستاذ بخطئه الأول؛ إذ الخطأ طبيعة البشر، و ليس فينا معصومٌ من الزلل، و ما كنتُ لأكتبَ حرفاً واحداً في شرحِ تراجعِ الأستاذ، لولا أنه –سامحه الله- حين لم تسهل عليه مقولة: (أخطأتُ)، وحين لم يهن عليه الإقرار بالزلة، اختار أن يجعل الجورَ والظلمَ لمخالفيه ستاراً يغطي به موقفه المتسرع. و المؤلم للقلبِ أن الأستاذ مارس ظلمه وجوره تحت عنوان (الدفاع عن الوسطية والاعتدال)!!

    مقالة الأستاذ الأخيرة مقالةٌ معكوسةٌ مقلوبةٌ، ونصيحتي لمن يطلعُ عليها أن يبدأ قراءتها من الأسفلِ إلى الأعلى، حتى يقفَ بسهولةٍ على رأي الأستاذ الجديد في قضيتنا التي كنا نختلف فيها. ذلك أن أستاذنا الفاضل –غفر الله له-، بعدما غير رأيه، آثرَ أن يدفنَ هذه الحقيقةَ وسط ركامٍ من الحديث المطول عن (مناقب الجابريِّ وفضله على أهل الإسلام)، وعن (مثالب الشويقي وتحريفه لكلام الجابري)، ثم بعدما شرق الأستاذُ في كلامه وغرب، جعل المسألة التي كنا نختلف فيها مجرد خاتمة مقتضبة مدفونةٍ في ثنايا مقالته الوسطية!

    فبعدَ كلامٍ طويلٍ عريضٍ استغرقَ أكثر من ثلاثة أرباع المقالة، قال الدكتور سليمان: "نختم(!) الحديث عن هذه القضيةِ بطرحِ تساؤلٍ: هل معنى هذا أن الجابريَّ يتفق تماماً مع رؤية أهل السنة المجمع عليها حول حفظ القرآن من الزيادة والنقصان؟".
    ثم أجابَ الضحيان: "من قراءاتي المتفحِّصة(!) لكتابه، ومن خلال مناقشته شفهياً كفاحاً، اتضح لي أنه هو نفسه لا يقول بنقص القرآن ولا بزيادته....لكنه في الوقت نفسه يخالف الرؤيةَ المجمعَ عليها عند أهل السنة بقوله: إنه ليس هناك دليلٌ قاطعٌ على عدم حدوث زيادةٍ أو نقصانٍ في القرآن؛ لأن من قام بجمعه ليس معصوماً".

    هذا ما انتهى إليه الدكتور سليمان الآن. وحسبَ ما يقوله، فإنه توصل لهذه النتيجةِ الجديدةِ بعد (قراءاتٍ متفحِّصةٍ) و بعد (مناقشة شفهية) مع الجابريِّ في جلسةٍ خاصةٍ قبيل الندوة.

    أما (المناقشة الشفهية)، فهي التفسير المنطقي للتحوُّل الجذري في موقف الدكتور الضحيان. وأما (القراءات المتفحِّصة)، فأنا أجد صعوبةً شديدةً في ابتلاعها. فأين كانت تلك القراءاتُ يومَ كان الأستاذ يعلنُ أن الجابريَّ لم يخرج في كتابه عما قرره العلماء؟!
    كل ما في الأمرِ أن الضحيانَ جلس مع الجابريِّ قبيل الندوةِ، وباحثه في ذلك القولِ الذي كنا ننسبه إليه، فكانت النتيجة مخيبةً لظنونِ أستاذنا الفاضل، حين اكتشف أن الجابريَّ بالفعل لا يقطع بسلامة النص القرآني، فعادَ إلينا الأستاذ ليطويَ كلامه الأول، و ليكتب لنا حديثاً جديداً عن قراءاته المتفحِّصةِ التي كشفت له أن الجابريَّ لا يقطع بسلامة النص القرآني من الزيادة والنقصان!

    موضعُ الغرابةِ في موقفِ الأستاذ أن كلامَ الجابريِّ في كتابه كانَ واضحاً لدرجة أنه لم يكن بحاجةٍ إلى قراءاتٍ متفحِّصةٍ، ولا إلى مناقشةٍ شفهية حتى يُفهم. غير أن مبالغة الأستاذ في تعظيم شأن الجابريِّ لم تدع لعقله فرصةً كي يفهم الواضحات. فالأمرُ كما قال الأولون: (حبك الشيء يعمي ويُصمُّ)، وإلا فإن طالباً في قسم اللغة العربية، فضلاً عن أستاذٍ جامعيٍّ، لن يجد أيَّ صعوبةٍ في فهم قول الجابري: إن "من الجائز أن تحدث أخطاء حين جُمع (القرآن) زمن عثمان أو قبل ذلك. فالذين تولوا هذه المهمة لم يكونوا معصومين". فالجابريُّ كانَ يعلنُ رأيه دون مواربةٍ، والأستاذُ كان يصرُّ و يجهد نفسه في نفي ذلك وتكذيبه، إلى أن سمعَ بأذنيه، فرأى ما كان غائباً عن عينيه.

    كيف أوصل الجابريُّ مذهبه للقارئ؟

    الجابريُّ في كتابه (التراث والحداثة ص259-260) كان يقولُ: "لا أرى أن الوطن العربي في وضعيته الراهنة يحتمل ما يمكن أن نعبر عنه بنقدٍ لاهوتي". وقال: "يمكن أن نمارس النقد اللاهوتي من خلال القدماء. يعني نستطيع بشكلٍ أو بآخرَ استغلال الحوار الذي دار في تاريخنا الثقافي ما بين المتكلمين بعضهم مع بعضٍ، ونوظِّفَ هذا الحوار. لنا حرمات يجب أن نحترمها حتى تتطور الأمور، المسألة مسألة تطور".
    هذا النصُّ نقلته في مقالتي الأولى، لأشرحَ نهجَ الجابريِّ في تمريرِ أفكاره التي يتوقعُ أنها سوف تلقى ممانعةً لو عرضت بطريقةٍ مباشرةٍ. فقد كانَ من رأيه أن تمرَّر هذه الأفكار من خلال أقوال السابقين ليكون قبولها أسهل. وهذه الطريقة الماكرة هي التي سلكها حين أرادَ أن يمرِّرَ رأيه المشكك في قطعية النص القرآني. فقد اعتضد لتمريرِ فكرته بنصوصٍ عن أئمة الإسلام لا علاقةَ لها بما يريده ويقصده.

    هناكَ رواياتٌ ونصوصٌ عن السلفِ –رحمهم الله- حول الكيفية التي تمَّ بها جمعُ القرآن الكريم في مصحفٍ واحدٍ زمنَ الصحابة –رضوان الله عنهم-. ومن هذه النصوص ما يتحدث عن سورٍ وآياتٍ ((تعمَّد)) الصحابةُ إسقاطها و رفعها من المصحف الذي جمعوه، باعتبارها من القرآن المنسوخِ الذي لا يجوزُ أن يبقى مثبتاً في المصاحفِ. من ذلك مثلاً ما جاء عن عمر بن الخطابِ -رضي الله عنه- أن الله أنزل في سورة الأحزاب آية رجم الزاني المحصن، ومنها ما جاء عن سعيد بن جبير: أن سورةَ الأحزابِ كانت تعدل في الطول سورة البقرة. فهذه الروايات ونحوها من النصوص السلفية البريئة أوردها الجابريُّ تحت عنوان (الزيادة والنقصان في القرآن)، و هو المبحث الذي خصَّصه لمناقشة احتمالات كمال النصِّ القرآني ونقصانه، فكانَ الجابريُّ ينقلُ تحت هذا العنوان القبيح أقوالاً للعلماء لا علاقةَ لها بما يتحدثُ عنه! ثم في نهاية المبحث (ص232) أعلن النتيجة التي انتهى إليها، والتي توصلَ فيها إلى أن "من الجائزِ أن تحدثَ أخطاءٌ حين جمعه زمن عثمان أو قبل ذلك، فالذين تولوا تلك المهمة لم يكونوا معصومين، وقد وقع تدارك بعض النقص".

    هذه النتيجة الخطيرةُ الفاسدة، و المناقضة للإجماع القطعي اليقيني، توصَّل إليها الجابريُّ عبر قنطرةٍ من نصوص السلفِ البعيدة عن مراده. وهذا المسلكُ المخادع هو الذي لم يتنبه له الأستاذ أولَ الأمرِ، حتى سمع بأذنه من الجابريِّ حقيقةَ رأيه في سلامةِ النص القرآني.

    الغريبُ أن الدكتور الضحيانَ حتى بعد اكتشافه المتأخر لحقيقة قول الجابريِّ، إلا أنه لم يزل يتحدث تحت تأثير فهمه الأول الخاطئ الذي ظنَّ فيه أن قول الجابريِّ مطابقٌ لأقوال العلماء الذين اعتضدَ بنصوصهم. فالأستاذ الآن يتهمني بالتمويه والخداع، ليس لأني نقلتُ أقوال الجابريِّ ناقصةً، بل لأني حين نقلتُ أقواله لم أذكر أنها جاءت في سياق تعليقه على نصوصِ أهل العلم!

    كلامٌ غريبٌ عجيبٌ، من الصعبِ أن أجد له معنى بعدما أعلن الأستاذ نفسه أن الجابريَّ يخالف الرؤية المجمعَ عليها في القطع بسلامة القرآن من النقصان. والضحيان حين يتحدث بهذه الطريقةِ فإنه يعيدنا لنقطة الصفر، إلى قوله القديم الذي تراجع عنه.

    هذا الكلامُ من الأستاذ يؤكد أنه لا وجودَ لديه لشيءٍ اسمه (قراءات متفحِّصة)، وأن التغير الذي طرأ على رأيهِ إنما هو ثمرةُ حديثٍ شفهيٍّ مع الجابريِّ اكتشفَ بعده حقيقةَ قوله. أما الكلام المدوَّن في كتاب الجابريِّ، فالأستاذ إلى الآن لم يدرك مغزاه، ولم يزل يحسبه مطابقاً وموافقاً لما ذكره العلماء، فلأجل هذا رماني ببتر الكلام عن سياقه.

    وأنا أدعو الأستاذ لقراءة عنوان المبحث الذي أورد فيه الجابريُّ تلك الروايات. فالعنوان هو: (الزيادة والنقصان في القرآن)، فهل لهذا العنوان علاقةٌ بنصوص السلف التي استشهد بها الجابري، حتى تكونَ تلك النصوص مفسرةً لمقصده؟!

    وإذا لم يكفِ العنوان، فليقرأ الأستاذ المقدمة التي وضعها الجابريُّ في بداية المبحث، فهو يقول معرفاً بالمسألة التي يريد الحديث عنها: "موضوعُ الزيادة و النقصان في القرآن موضوعٌ قديمٌ كثر فيه القيل والقال، وهناك الآن جدلٌ طويلٌ عريضٌ في مواقع الإنترنت حول هذا الموضوع على مستويين: مستوى الجدال مع النصارى...ومستوى آخر من الجدل -صامت تارةً وناطق أخرى- بين بعض الكتاب من أهل السنة وآخرين من الشيعة...".

    هذه هي المسألة التي يناقشها الجابريُّ، فهي مسألة تتعلق بشكوكٍ في سلامة النص القرآني الذي جمعه الصحابة، فهل لهذا علاقةٌ بإسقاط آية الرجم من سورة الأحزاب، أو بقول سعيد بن جبير: إن سورة (براءة) كانت تعدل سورة البقرة؟!

    السلف يتحدثون عن آياتٍ منسوخةٍ أسقطها الصحابة من المصحفِ عن علمٍ وبينةٍ، والجابري يوظِّف أقوالهم تحت عنوان (الزيادة والنقصان)، لينتهي إلى أن من الجائز أن يقعَ من الصحابةِ خطأ عند جمع القرآن! فلو أنصفَ الأستاذُ سليمانُ لعلمَ أن الذي مارس التمويه والخداعَ إنما هو الجابريُّ الذي عجن باطله بنصوصِ السلفِ، فجاء الأستاذ ليهلك نفسه في الذب والدفاع عنه تحت شعار الوسطية والاعتدال.

    من الإعجابِ ما قتل.

    لم يكن هذا الموضعَ الوحيدَ الغريبَ في تصرفاتِ الأستاذ، فقد رأيته في أكثر من موضعٍ يتبرع بتفسير كلامِ الجابريِّ بطريقةٍ جعلتني أتساءل ما إذا كان الضحيان ملكياً أكثر من الملك، أو جابرياً أكثر من الجابريِّ!

    الضحيان في مقالته الأخيرة يقولُ إن حديث الجابريِّ عن الزيادة والنقصان في القرآن الكريم يدورُ فقط حول سورتي (الأحزاب)، و(براءة). ثم أحالنا الأستاذ على كتاب (المدخل إلى القرآن ص229-230)، وبالرجوع للموضع المذكور، رأيتُ الجابريَّ يتحدثُ في وادٍ والأستاذ يتحدث من وراء المحيطات.

    الجابريُّ في ذلك الموضع لم يكن يحصر احتمالات النقص والزيادة في هاتين السورتين، بل كان يعجبُ و يستشكل أن الروايات التي تحدثت –بزعمه- عن النقصان لم تأتِ إلا في هاتين السورتين من القرآن المدني، مع أن احتمالَ النقصان يتطرق لغيرهما أكثر مما يتطرقُ لهما. ومما قاله الجابريُّ هناك: "لم يُذكَر قطُّ أن الحذفَ طالَ شيئاً ينتمي إلى القرآن المكي، مع العلمِ أن إمكانيةَ سقوطِ آياتٍ أو سورٍ كانت أكثر احتمالاً في القرآن المكي منها في القرآن المدني، نظراً للظروف القاسية التي عاناها الرسول والمسلمون في مكةَ قبلَ الهجرةِ، ونظراً لأن ظروفَ الانتقال بالقرآن المكي إلى المدينة بعد الهجرة، وقبل فتح مكة كان يتم في ظروفٍ بالغة الصعوبة"اهـ.
    وكما هو ظاهرٌ فكلامُ الجابريِّ بعيدٌ كل البعدِ عما نقله لنا الأستاذ. لن أقولَ هنا إن الأستاذ بتر وقطع، أو موَّه وخدع، لكني أقول من جديدٍ: إن رغبته في الدفاعِ والذب عن الجابريِّ هي التي حالت بينه وبين فهم مثل هذا النص الصارخِ المشكك.

    على أني أعجبُ كيف يذهب عقلُ الأستاذ إلى أن الجابريَّ حين جوَّزَ وقوعَ النقصان في القرآن إنما كان يقصد سورتي (براءة) و (الأحزاب) فقط، فالجابري جعل حجته الكبرى في فتح احتمال النقصان أن الصحابة الذين جمعوا القرآن لم يكونوا معصومين. فإذا كانت هذه شبهته، فهل كان الصحابةُ الذين جمعوا سائر السور معصومين؟!

    موضعٌ آخر يشككني في خرافةِ (القراءات المتفحصة). فالأستاذ حين نقلَ حديث الجابريِّ عن سقوط آية رجم الزاني من سورة الأحزاب، قال: إن "الجابريَّ يرى أن الصحابة لم يضعوها في المصحف لأنها رواية آحاد وشرطُ القرآن التواتر". ثم أحالنا الأستاذ على كتاب الجابري (ص224). ومرةً أخرى رجعتُ للموضعِ المذكور، فلم أرَ شيئاً مما نقله الدكتور، فالجابريُّ لم يذكر هناك رأيه الخاص، بل قال: "وقيل إن عمرَ أتى بهذه الآيةِ إلى زيد، وكان زيدُ بن ثابتٍ حين كان يجمع القرآن قد اشترطَ شهادة رجلين، فيما يأخذُ من القرآن...". فالجابريُّ يتكلم بصيغة (قيل) المشككة، ثم يأتي الأستاذ لينقل أن الجابريَّ يقول بذلك.

    هل لي أن أتهم الأستاذ هنا بالقطع والبتر والتحريف؟ لا لن أفعل. ولكني أقولُ وأكرر: إن حمية الأستاذ للجابري حالت بينه وبين القراءة الواعية.

    في موضعٍ آخرَ من مقالة الأستاذ ذكر أن الجابريَّ يرى: "أن الروايات التي نصَّت على النقص –إن ثبتت– لا تـُحْمل على النسخ بل تحمل على أنها روايات آحادٍ، وكان الصحابة يشترطون شهادة اثنين ويردون رواية الواحد في كتابتهم للقرآن". هكذا نقلَ الأستاذ هذا الرأي عن الجابريِّ، لكنه هذه المرة لم يعزه إلى أي موضعٍ في كتابه، فمن أينَ جاءنا الأستاذ بهذا النقل؟

    هذا التأويل تبرعَ به الأستاذ للجابريِّ، والحقيقةُ أن الجابريَّ لم يذهب إليه قطُّ. لأن الجابريَّ لم يكن يتحدث عن اجتهاداتٍ للصحابةِ في قبول المتواترِ و ردِّ الآحادِ عن علمٍ وبينةٍ، بل كان يتحدث عن سقطٍ وقع منهم سهواً وخطأً باعتبارهم غير معصومين، كما هو نص عبارته في خاتمةِ المبحثِ. لكن الدكتور مرة أخرى أرادَ أن يكونَ جابرياً أكثر من الجابريِّ نفسه.

    وليتَ الأستاذ يتأمل في حقيقةِ أن الجابريَّ لم يتحدث فقط عن احتمالات وقوعِ نقصٍ وسقطٍ، بل إنه تحدث –أيضاً- عن احتمالِ وقوع زيادة في النصِّ القرآن، كما نقل ذلك عنه الدكتور الضحيان. فإذا كان هذا رأيَ الجابريِّ، فهل من الممكنِ أن يكونَ من مذهبه أن الصحابةَ لم يكونوا يقبلون إلا المتواتر؟! فالذي لا يقبلُ إلا المتواترَ، كيف سيقع منه زيادةٌ في النص القرآني؟

    هل قال الجابري بالنقصان و الزيادة؟!

    الأستاذ الآن يقول: إن الجابريَّ لا يقطعُ بسلامة النص القرآني من الزيادة والنقصان. لكنه يضيف أن الجابريَّ توقف عند هذا الحدِّ ولم يقل بوقوع الزيادة والنقص. ورغمَ أن الجابريَّ بحثَ المسألة في عشر صفحاتٍ مفصلةٍ، إلا أن الضحيان لم ينقل من كلامه حرفاً واحداً يؤكد هذا النفي، واكتفى فقط بإحالتنا على قراءاته المتفحصة التي دلته على ذلك.

    وكنتُ في مقالتي الأولى استوقفت الضحيانَ عند قولِ الجابريِّ: إن الصحابة –رضوان الله عنهم- تداركوا (بعض) النقص الذي حصل منهم عند جمع القرآن، و قد انتظرتُ من الأستاذ–وهو المتخصِّص في العربية- أن يسلطَ قراءاته المتفحِّصة على كلمة (بعض)، عله يفهم معناها الواضح الذي يدل على أن ما تم تداركه إنما هو (بعض) النقص وليس جميعَه. لكن الأستاذ فضل القفز فوق هذا الموضعِ من كلام الجابريِّ، وتجاهله تماماً حين كتب رده الأخير.

    هذا التجاهل لكلمة (بعض) وإن كنتُ أستغربه من الأستاذ، إلا أني أرى فيه تطوراً آخر إذا تذكرتُ أن الضحيانَ سبق أن عدَّ هذه الجملة نصاً جلياً لا غموضَ فيه ولا لبس على إيمان الجابريِّ بسلامة القرآن من النقصان! لكن هذا النصَّ الجليَّ لم يعد الآن جلياً، بل لم يعد موجوداً، وأصبح الدليل الوحيد لدى الأستاذ هو قراءاته المتفحِّصة التي رأت ما لم يكتبه الجابري، ونفت ما كتبه.

    و على أي حالٍ، فسواءٌ قال الجابريُّ بحصول النقصان في كتاب الله، أو قال بجواز حصوله، فكلا القولين ضلالٌ مبينٌ، ومنازعةٌ في ضروري من ضروريات الدين. ومجاملةُ من يقول بهذا الزيغِ مما يقشعرُّ له جلدُ المؤمن بالله المعظِّمِ لكتابه، إلا أن الأستاذ له منهجٌ وسطيٌّ خاصٌّ لا يرى في قولِ الجابريِّ ما يوجب التحذيرَ منه. بل الرد والتحذير فقط يجب أن يكون من أمثال الشيخ البراك، أو بندر الشويقي وأمثالهما من الذين يشوهون صورة المفكرين الكبار، ويستعدون الناس عليهم!

    الجابريُّ و الدولة والدين.

    لنطوِ الآن حديثنا عن موقف الجابريِّ من كتابِ الله. ولننتقل لمعضلةٍ منهجيةٍ أوسعَ تتعلق بتلك المدائح التي ساقها الدكتور الضحيان للجابريِّ، بطريقةٍ لا تنتمي أبداً لعالمِ الوسطيةِ والاعتدال، ولا إلى عالمِ القراءات المتفحصة.

    فمن ذلك أن الأستاذ مدحَ الجابريَّ بأنه يرى أن الإسلام (دين ودنيا)، ولأنه يؤمن أن (القولَ إن الإسلام دين لا دولة قولٌ يتجاهل التاريخ).

    لست أفهم سبب فرح الأستاذ بمثل هذا الكلام. فلو أن غيره ممن لا يعرف مشروع الجابريِّ (النهضوي!) صفق لهذه المقولة لكان ذلك مفهوماً عندي. لكن أن يصفق لهذا من يقولُ إنه قرأ كتب الجابريِّ كلها، فهنا نكون أمامَ أزمة فهمٍ عميقةٍ.

    الجابريُّ وإن كان يقول: إنه يرى الإسلام ديناً ودولة. إلا أنه في المؤدى لا يختلف عمن لا يؤمن بذلك. فهو من الذين جعلوا حديث (أنتم أعلم بأمور دنياكم) قاعدةً ناسخةً للتشريعات المتعلقة بالسياسة والحكم.

    الجابريُّ يقدم المصلحة على نصِّ الكتاب والسنة، ويؤمن أن الممارسة السياسية يجب أن تصدر عن العقل. وهو يبطل الحدود الشرعية الجسدية كحد الزنا والسرقة. و من مقولاته الغريبة العجيبة أنه بما أن المقصودَ بالعقوبة الردع والتعزير، فإن جميع الأحكام التي تصدرها المحاكم اليومَ في طول العالم الإسلامي وعرضه، هي أحكامٌ قد طبقت فيها الشريعة الإسلامية بالفعلِ!! (الدين والدولة ص200).
    فبعد هذا كله، ما فائدة إيمانه بأن الإسلام دين ودولة؟!

    الجابريُّ لم يقل إن الإسلام دين ودولة إلا بعدما انتهى من تفريغ الإسلام من مضمونه السياسي والتشريعي. فهو يخالف العلمانيين في الشكل لكن يوافقهم في المضمون. هو يدعو لاستبعاد شعار (العلمانية السياسية) في سبيل الأخذ بشعار (العقلانية السياسية)، والنتيجة في النهاية واحدة. لأجل هذا لما قال له حسن حنفي: "إن الإسلام دين علماني في جوهره" أجابه الجابريُّ قائلاً: "هنا أجدني مضطراً إلى القولِ: إنه وإن كنتُ متفقاً معك فيما يخيل إلي أنك تريد أن تقوله، فإني أرى أن الكيفيةَ التي عبرتَ بها عنه غير مناسبة". (حوار المشرق والمغرب ص40).

    وكما يرى الدكتور فإن الخلافَ هنا بين الإثنين إنما هو خلافٌ شكليٌّ لا يمسُّ المضمونَ، فهما يختلفان في الطريق المختارة للوصول إلى نقطةٍ واحدةٍ يقصدانها جميعاً، وإلا فإن الناظرَ في أطروحات العلمانيين التي تستنجد في إسناد مواقفها بالنصوص و بأقوال الفقهاء الأوائل، يراها تطابق أطروحات الجابريِّ تمامَ المطابقة

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    17

    افتراضي يا أستاذ أعرض عن هذا 2 ـ2

    يا أستاذ أعرض عن هذا 2 ـ2




    خلل في الموازين




    الدكتور سليمان الضحيان –سلمه الله- بعدما وافقَ على أن الجابريَّ لا يقطعُ بسلامة النص القرآني،حاولَ تلطيفَ قولِ الجابريِّ فذكر أنه لا يمكنُ الاحتجاجُ عليه بالإجماعِ، لأنه لايؤمن بحجيةِ الإجماعِ. كما ذكر أنه لا يمكنُ الاحتجاجُ عليه بآية (إنا نحن نزلناالذكر وإنا له لحافظون)، لأن للجابريِّ رأياً في معنى الآيةِ وافقه عليه فلانٌوفلانٌ.


    هذا ما كتبه لنا الأستاذ في مقالته، وهوكلامٌ لا يساوي الكثيرَ في ميزان العلم بدين الله –عز وجل-. فالأستاذ سليمان –غفرالله له- لم يفرق بين (مسائل الإجماعِ)، وبين الضرورات اليقينية المحكمة. فالإيمانبالقرآن أحد أركان الإيمان الستة، وسلامته من النقص والزيادة، مما يندرج تحتاليقينيات التي يعبر عنها بـ (ما عُلم بالضرورة من دين الإسلام).
    وحين يصلُ الخلافُ إلى مثلِ هذه المسائل،فإن المقامَ لا يكونُ مقامَ أدلةٍ فرديةٍ محتملةٍ، ولا مقام وجهات نظرٍ، أو موازنةٍبين حسناتٍ وسيئاتٍ. بل هو مقامُ قطعٍ ويقينٍ عقليٍّ ونقليٍّ، كما أنه مقامُ حميةٍوذبٍّ عن دين الله –عز وجل- و عن كتابه.
    وحين تُحدِّثُ أستاذاً جامعياً عن تشكيكِالجابريِّ في قطعية نص القرآن الكريم، ثم يأتي ليقولَ لك: (لكن الجابريَّ يؤمن أنالإسلامَ دينٌ ودولةٌ، و الجابري يرى أن الأشعرية يخالفون طريقةَ السلف، والجابريُّقرب العلمانيين إلى التراث). حين يحدثك أحدٌ بمثلِ هذا المنطق، فأنت تواجه معضلةًمنهجية كبرى وخللاً ضخماً في الموازين. ذلك أن التشكيك في النص القرآني، دركةٌمنحطةٌ لم ينحدر إليها سوى الملاحدة الكبار. فلا الأشعريةُ، ولا من هو أبعدُ منهم،ولا حتى الأغلبية الساحقة من العلمانيين تورَّطوا في مثل هذه البلية السوداء التيجاء بها الجابريُّ.
    حول قصص القرآن الكريم
    ثمةَ باقعةٌ أخرى مشابهةٌ قرَّرهاالجابريُّ في كتابه لم أكن أودُّ التعرُّضَ لها، لولا أن الأستاذَ الضحيان ذكرهاعرضاً في مقالته الأخيرة. فالأستاذ نقل لنا أن الجابريَّ لا يؤمن بحقيقةِ القصصالمذكورة في القرآن، لأنها -في رأيه- مجرد أمثالٍ مضروبةٍ ليس وراءها حقائق تاريخيةمطابقة. وقد مرَّ الأستاذُ على هذه المقولة مروراً عابراً أشارَ فيه إلى أن هذاالرأي سبقَ أن أثار ضجةً حين قال به محمد أحمد خلف الله.
    وحيث أثارَ الأستاذ تلك البلية الثانيةالتي تبناها الجابريُّ في مدخله إلى القرآن. فليسمح لي الأستاذُ أن أنقلَ له طرفاًمن مواقفِ أهلِ العلمِ من (محمد خلفَ الله) حين قال بذلك القول القبيحِ، حتى يعيالأستاذ حجمَ المسائل التي نعيبها على الجابريِّ.
    فحين كتب (د.محمد أحمد خلف الله) رسالتهللماجستير بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حالياً)، وانتهى إلى أن قصصالقرآن الكريم لا تعبر عن حقائقَ تاريخية، وأنها مجرد أمثالٍ مفترضة لا تستند إلىواقعٍ تاريخي. حينذاك اهتزت الأوساط العلمية بمصر، وكتب شيخ الأزهر محمود شلتوترحمه الله- تقريراً وصم فيه ما تضمنته الرسالةُ بـ"الكفر، والجهل، والفساد"، و ذكر "أنها غارقة في تكذيب القرآن الكريم"، و أنها "تنتهي إلى الفوضى، وتهدمُ الأصولَالإسلاميةَ في مصر المسلمة". وكتب الشيخ مصطفى صبري كلاماً أشد من هذا، و كان مماقاله: إن ما ورد بتلك الرسالة يمثل "كفراً بالله، وانتقاصاً لمقام الألوهية". (موقفالعقل1/313).
    وكما فزعَ الأستاذ الضحيان للذب عنالجابريِّ، فزع أحدهم تلك الأيامِ للدفاع عن (خلف الله) فذكر أنه لم يقصد سوىالدفاعَ عن القرآن في وجه الملاحدةِ الذين أثاروا إشكالات حول تلك القصص. عندها كتبالأديب الشيخ علي الطنطاوي –رحمه الله- مقالةً في مجلة الرسالة بينَ فيها أن المقصدالحسنَ لا علاقةَ له بتقييم الفكرة شرعاً، و أن ما ورد بتلك الرسالة لو قاله "معتقداً به أبو بكرٍ وعمرَ (وحاشاهما)، لكفر به أبو بكرٍ وعمرَ، وصارا أبا جهلٍوأبا لهبٍ".
    كان هذا المعترك يدور منتصف القرنالمنصرم، واليومَ جاء الدكتور الجابري، ليعيدها جذعةً، وليعلنَ في كتابه (المدخلإلى القرآن ص259) أن رأيه لا يختلفُ كثيراً عن النتائج التي انتهى إليها محمد خلفالله، وإن كان يختلف معه في طريقة الوصولِ إليها.
    هذا ما يقوله الجابريُّ، وقد رأينا مواقفالعلماء ممن قال قبله بنفي حقائق قصص القرآن. وأما مسألةُ الزيادة والنقص في النصالقرآني، فلا أعلمُ أنها أثيرت يوماً من الأيامِ إلا من زنديقٍ أو كافرٍ أصليٍّ. لكن الجابريَّ اليومَ قد جمعَ بين السوأتين، فلا قطعية للنص القرآني، ولا حقيقةَلما فيه من أخبارٍ وقصصٍ عن السالفين. وكل هذا السوء مما لا يرى فيه الدكتورالضحيان ما يستدعي التحذير من قائله أو التشنيع عليه!
    الجابري والأشاعرة.
    من الطرائف أن الأستاذ سليمان امتدحالجابريَّ حين رآه يذكر أن الأشاعرةَ المتأخرين تبنوا فلسفةَ ابن سينا، وأن طريقتهمتخالف طريقةَ السلف في صدر الإسلام. وليت الدكتورَ سليمان سأل نفسه –قبل هذا- إنكانَ الجابريُّ أصلاً يمنعُ من مخالفةِ طريقة السلف؟ و في أي بابٍ من أبوابِ العلمالتزمَ الجابريُّ طريقة السلف، حتى يصحَّ له أن يلوم الأشعريةَ في خروجهم عن هذاالطريقِ؟!
    أوليس الجابريُّ هو الذي يقولُ إن العقلَالبيانيَّ العربي عانى من "استبدادين: استبداد الحكام بالسياسة، واستبدادِ السَّلفبالمعرفة"؟! (بنية العقل العربي ص135). لو دقَّق الأستاذ سليمان، فسيكتشف أنالأشعريةَ في الواقعِ لم يزيدوا على ما يدعو إليه الجابريُّ حين طرح ضرورة التخلصمن استبداد السلف بالمعرفة.
    أقولُ هذا تنزلاً مع أستاذنا الفاضل، وإلافإن الذي أوقن به أن من الظلمِ البينِ أن توزن الأشعرية برأي أمثالِ الجابريِّ، فهممع مخالفتهم لطريقة السلف، إلا أنهم يبقونَ أقرب بمراحل من طريقة الجابريِّ الشاطحةعلى غير هدى.
    ثم ما رأي الأستاذ لو قلت له إن الأشعريةَالمتأخرين أنفسَهم يقرون بمخالفتهم لطريقة السلف، فهم يقولون ويعلنون أن "طريقتهمأحكم، وطريقة السلف أسلم". فمقولة الجابريِّ في الواقع تقرر أمراً يقر به الأشعريةُقبل غيرهم. لكن الدكتورَ الضحيانَ أراد أن يجعلَ من ذلك منقبةً للجابريِّ تقابلجنايته على كتاب الله –عز وجل-.
    مع أن موقف الجابريِّ من الأشعريةِ لهتفسيرٌ ربما لم يتفطن له الأستاذ رغمَ قراءاته المتفحصة. فالجابريُّ حين يذمالأشعرية ويذكر تأثرهم بفلسفة ابن سينا، ليس لأجل إيمانه بالطريقة السلفية التينعرفها ويعرفها الأستاذ. بل لأن الجابريَّ ينطلق في موقفه من تعظيمه لفلسفة ابنرشدٍ (المغربية) الناقدة للأشعرية. فمن رأي الجابريِّ أن فلسفةَ ابنِ رشدٍتمثل"ثورة تجديدية في الثقافة العربية، ومنهجية التفكير العربي" (نحن والتراثص260). ومن رأيه أن ابنَ رشدٍ في نقده للأشعرية كان يرجع بالأصول إلى "طريقةالسلف"!!، (الكشف عن مناهج الأدلة ص31). فلو تركَ الجابريُّ الأشاعرة على حالهملكان خيراً له من أن يدعوهم إلى شقشقات ابنِ رشدٍ.
    لكن أليسَ من المفارقات أن الأستاذ ينقلُفي مقالته أن الجابريَّ لا يؤمنُ بالإجماعِ. ثم في المقالة نفسها يمتدح الجابريَّحين يقول: إن الأشاعرةَ يخالفون طريقةَ السلفِ. فالذي لا يرى في الإجماع حجةً، ماقيمة طريقة السلف عنده؟! والذي لا يؤمن بالإجماعِ، هل يحقُّ له لومُ أحدٍ علىمخالفةِ طريقةِ السلف؟!
    حول خدمة الجابري للإسلام.
    الدكتور سليمان ساق في كلامه مدائحللجابريِّ ربما لو سمعها الجابريُّ نفسه لما صدقها. وقد ختمَ الأستاذُ مديحهبمقارنة غريبةٍ قال فيها: إنه يعتقد "جازماً أن الجابريَّ خدم الإسلام بإنتاجهوكتبه أكثر مما خدمه الشيخ الجليل البراك؛ إذ إن الشيخ البراك لا تتعدى فائدةطرحه عدداً محدوداً من المتدينين ممن يتلقون عنه العلم، وهم في جملتهم من طلبةالعلم أصلاً الذين جاؤا للاستزادة من العلم ليس غير".
    وأقولُ للدكتور: إني أتفهم تماماً كيفتصدر منه مثل هذه المقارنة الهوجاء. فالبضاعة التي يحملها الشيخ البراك ليست ممايعرف الأستاذُ قيمته ولا مقدار أثره في الناس. ولو أن الدكتور سليمان صدر في كلامهعن ميزان الشرع الذي عظم موقع أهل العلم بدين الله، و فخمَ أثرهم في الناس، لأدركالشطط الذي ركبه في مثل هذه المقارنة (الوسطية!).
    وإذا كانَ الأستاذ يرى أن تأثير الشيخمحصورٌ في عددٍ محدودٍ من المتدينين حوله، فليسمح لي الأستاذُ أن أذكره بأن أسطراًكتبها الشيخ البراك عن الجابريِّ طوت الأرضَ وطارت في الآفاق، وكان من ثمرتها أنفتحَ الدكتور الضحيان عينيه على ما لم يكن يبصره في موقف الجابري من القرآنالكريم.
    لا أريدُ أن أتحدث هنا عن جهودِ الشيخوآثاره على الناس في الداخل وفي الخارج. تلك الجهودُ التي لا يعرفها الأستاذ ولايدري عنها شيئاً، لكني سأختصر الكلامَ وأقولَُ: إن الشيخ البراك يحمل للناس بضاعةالهدى والإيمان واليقين، والجابريُّ يحمل لهم بضاعة الشكوك والتيه. فقد افتتح حياتهبالشك في وجود الله (حفريات في الذاكرة ص206-207)، وها هو يوشك أن يختمها بشكوكٍ فيالقرآن (مالم يتداركه الرحمان بأوبةٍ).
    الشيخ البراك يرفع للناس رايةَ الكتابِوالسنة، في حين لم يزل الجابريُّ يباحث المسلمين في سلامة قرآنهم، وصحة ما فيه منقصصٍ، وفي صدقِ معجزاتِ نبيهم.
    الشيخ البراك ترك تأليف الكتب الفلسفيةللجابريِّ وتوجه لتأليف الرجال الذين يذرعون الأرض في الدعوة إلى الله، ولايتشاغلون بمتاهات ابن رشد، ولا بمنطق أرسطو.
    الشيخ البراك نزل إلى الأرض وجلس للناسيفقههم في الدين، يعلم جاهلهم، يعظُ غافلهم، يأمرهم بالخير، ويحذرهم من الزيغ، كماهي وظيفة الأنبياء. وأما الجابريُّ فقد جاء للأمة بمشروعٍ مهلهلٍ أشغلها بالشك فيقواعدها القطعية التي من المفترض أن تكونَ محل تسليمٍ ومنطلقاً تبني عليه نهضتها.
    ولئن كانت الأمةُ أضاعت أكثر من قرنٍ منالزمان في نزاعٍ حول (حجية السنة)، فإن الجابريَّ قد يدشن مشروعاً جديداً لقرنٍآخرَ ضائعٍ في جدلٍ حولَ قطعية النص القرآني الذي لم يكن محلَّ جدلٍ إلا معالملاحدةِ.
    وإذا كان الأستاذ الضحيانُ يقول إنالجابريَّ قرَّبَ العلمانيين للتراث، فإني أقولُ: إن الأنسبَ للتعبير عن الواقع، أنيقال: إن الجابريَّ قرب العلمانيين للعبث بالتراث. ولست بحاجةٍ لأثبت هذا بعدماأقرَّ الأستاذ في مقالته بأن الجابريَّ يمارس قراءةً انتقائيةً للتراث. والقراءةالانتقائيةُ لا تصدرُ إلا ممن يحمل فكرةً مسبقةً يريدُ الوصولَ إليها من خلالالتراث، فلينظر الأستاذُ سليمان ماهي؟
    كان العلمانيون يظنون أن علمانيتهم لايمكن أن تبنى على تراث المسلمين، فجاء الجابريُّ ليقول لهم: أنتم واهمون، بإمكانكمأن تكونوا علمانيين و من خلال التراث.
    هذا هو الواقع الذي قد لا يروق للدكتورسليمان. لكني أريد أسأله حتى تكون موازنته أكثرَ عدلاً: فبعدما شرح لنا الأستاذُتأثير الجابريِّ (الضخم!) على العلمانيين، لمَ لم يذكرْ لنا الأستاذُ تأثيرالجابريِّ على غير العلمانيين؟! فهلا قدم لنا الأستاذ ثمرة أفكار الجابريِّ على غيرالعلمانيين ممن يعرفهم الأستاذ تمامَ المعرفة.
    حديث حول جماعة الميزان.
    هل من العدلِ والوسطية أن يكتبَ أحدٌمعترضاً على عبثٍ بكتابٍ الله، في مؤلَّفٍ منشور مشهورٍ، كُتِبت ردودٌ عليه منعلماءَ ومثقفين في الداخلِ والخارجِ، ثم يأتي الأستاذ ليحذر مما سماه (جماعةالميزان) التي برزت في التسعينات، فانخرط أتباعها "في تتبع الدعاة وطلبة العلموالتفتيش الانتقائي عن أخطائهم وتشويههم أمام الرأي العام.."؟!
    هذا ما ختمَ به الأستاذ مقالته (الوسطية!)، وهو سلوكٌ وتعريضٌ غير لائقٍ يشبه سلوك الاتهام والتخوين في النقلِالذي استفتح به الأستاذ مقالته.
    لكن بما أن الأستاذ حذر من الانخراط في (جماعة الميزان) التي برزت في التسعينات، فإني سأرد له الجميل، وأحذره من الانخراطفي جماعة (عمى الألوان) التي ولدت خديجةً بعد سبتمبر. تلك الجماعة التي أضاعتموازينها، فلم تعد تفرق بين الصِّديق والزنديق، ولا عادت تميز بين خلافٍ سائغٍ،وخلافٍ في الضروريات والقطعيات، جماعةٌ تغضب حين يردُّ على الزائغين، وتموت حميتهاحين يمسُّ كتاب الله. صدروها تتسع للمفسدين، لكنها تضيق بمن يكتب غضبةً لله.
    أقولُ هذا لأني رأيتُ الأستاذ حين صدرتفتيا الشيخ البراك المشهورة، شن هجوماً شرساً على من طرح السؤال على الشيخ، وقال إنفي سؤاله: "محض كذبٍ وافتراءٍ رخيصٍ ممن لا يتقي الله في اتهام الغافلين والخوض فيأعراضهم".
    يقولُ الأستاذ هذا مع أنه يتحدثُ في دفاعهعن الجابريِّ عن منهج الإسلام في التعامل مع المخالف، الذي يتميز بالبعدِ عن "اتهامالنيات" مع "حسن الظن والرفق والكلمة الطيبة والبحث عن الأعذار والرحمة بالمخالفوالدعاء له وعدم غمطه حقه".
    فأين كان حسنُ الظنِّ والرفق، وأين كانتالكلمة الطيبةُ والبحثُ عن الأعذار، حين كان الأستاذ يتكلم عن سائلٍ أخذته الحميةُلكتابِ الله، فنقل للشيخ كلاماً تبين لاحقاً أن الأستاذ لم يكن يفهمه، فرمى ناقلهباقتطاع "نصٍ موهمٍ"، بقصد "التلبيس على الشيخ".
    وقد كان أكثر ما أثارَ حفيظةَ الأستاذ أنالسائل ذكر أن تشكيك الجابريِّ في سلامة القرآن، "انتشر في وسائل الإعلام"، وأنهمما فرح به "خصوم الإسلام وأعداؤه من اليهود والنصارى والملاحدة والرافضة". فحينقرأ الأستاذ مثل هذا الكلام كتبَ متهماً السائل بالكذبِ والافتراء الرخيص وانعدامالتقوى.
    فليتَ الأستاذ قبل أن يرمي هذه الاتهاماتقام ببحثٍ -ولو على عجلٍ- في المواقع المشبوهة على الشبكة، ليقف على الانتشارِ والاستبشار الذي قوبل به كلامُ الجابريِّ من بعض الأطراف المذكورة في السؤال. و قدوقفتُ بنفسي على جملة من تلك المواقع، أذكر منها: موقع الأقباط الأحرار، وموقعاللادينيين العرب، وشبكة هجر الشيعية، وغيرها كثيرٌ. فالسائل لم يبعد في كلامه عنالواقع. لكن الأستاذ هو الذي أبعد في الاتهام والقذف والتشكيك في النيات. لأنه كانيدافع عن الوسطية!
    حسناً أيها الدكتور!
    الشيخ البراك خُدِعَ و لبِّسعليه.
    والسائل كان كاذباً عديمالتقوى.
    والشويقي بتر وخدع وموَّه وكذب وافترى.
    وافقناك –جدلاً- على هذا كله. فهلا سجلتَلنفسك موقفاً في الذب عن كتابِ الله تبرأ به ذمتك بعدما دافعتَ ونافحتَ.
    أنت تقولُ إنك عرفتَ حقيقةَ رأي الجابريِّالمشكك في كتابِ الله في جلسة خاصةٍ قبيل الندوة. لكن –مع ذلك- لم تجد حرجاً في أنتصعدَ المنصةَ مبتسماً، لتقومَ بالتقديمِ له، ثم تسمعه بجانبك، يشتم المعترضين عليهويقول: (من حق الكلب أن ينبحَ، ومن حق الحمام أن يغني).
    أهكذا الوسطيةوالاعتدال؟!

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    17

    افتراضي الشويقي لم يفهم كلام الجابري «1 / 2»

    الشويقي لم يفهم كلام الجابري «1 / 2»




    د. سليمان الضحيان
    ابتداء لابد من شكر الشيخ البراك، والمفكر الجابري، والأستاذ الشويقي على إشعال هذا الحوار الممتع؛ فأنا مسرور جدا بهذا الحوار ؛ إذ نحن بأمس الحاجة للحوار، والنقد، والتعود على وجود الآراء المختلفة لمعالجة التأزم الموجود في مجتمعنا تجاه المخالفين؛ إذ أن مجتمعنا تعود على تقبل الآراء التي تطرح دون مناقشة أو نقد، وأبدأ سجالي بلفتة طريفة جدا، فقد بلغ رد الأستاذ الشويقي 4261 كلمة أي 17 صفحة، منها 3265 كلمة - أي ثلاثة أرباع المقال - كتبها بناء على سوء فهم منه لكلامي أو لكلام الجابري، وقد اندهشت - والله – لذلك، وصدمت، وجعلني أعيد النظر في تقييم كل ما طرح الأستاذ الشويقي في سجالاته السابقة مع غيري؛ خوفا من أن تكون كلها كتبت بناء على سوء فهم لكلام محاوره، وأجزم أن غالب القراء سيشاركني الدهشة إذا قارن رده بردي الأول، ويستطيع قراءة ردي في موقع (عاجل...)، ومجمل ما أثاره في رده الأخير ثماني قضايا، خمس منها بناها على سوء الفهم، وختم بنصيحة، ونبدأ بالقضيتين الأولى والثانية؛ اتهمني بأني تراجعت، وأنني استحي من الإقرار بالخطأ؛ حيث قال عن كلامي في مقالي الأخير مقارنا له بتعقيبي على فتوى الشيخ البراك قال: ((إننا أمام تغير جذري في رأي الأستاذ الضحيان، فبالأمس: (الجابري لم يخرج عن منهج العلماء)، واليوم صار الجابري (مخالفا للرؤية المجمع عليها عند أهل السنة)، وقال أيضا ((أما الكلام المدون في كتاب الجابري، فالأستاذ الضحيان إلى الآن لم يدرك مغزاه، ولم يزل يحسبه مطابقا وموافقا لما ذكره العلماء))، انتهى كلام الشويقي؛ وبناء على ظنه الخاطئ أني تراجعت، وأني استحي من إعلان تراجعي أطال في تحرير الكلام يبين أني لم أفهم كلام الجابري، وواضح أن أخانا الفاضل الأستاذ الشويقي عاد لطريقته المفضلة في الكتابة؛ وذلك بالتدليس وإيهام القارئ الساذج الغافل البسيط أني اكتشفت خطئي، واستكبرت عن الإقرار به، وإذ أردنا أن نحسن الظن به فنقول: إن أخانا الكريم الشويقي أتي من قبل سوء الفهم فجمع بين قضيتين، وظن أني أتحدث عن قضية واحدة، ومن الطرائف هنا أن الشويقي دندن كثيرا، وأعاد كثيرا حكاية أني لم أفهم كلام الجابري، وأوردها على سبيل التهكم واللمز، وما علم أنه هو الذي لم يفهم كلام الجابري، ولم يفهم كلامي أيضا؛ فوقع بغرائب طريفة في الفهم سنذكرها لاحقا؛ وما ذاك إلا لأن كل همه إثبات أن الجابري يقول بنقص القرآن، فركب الصعب والذلول بالتهويل والتضخيم وتكثير الكلام، وإليك الآن توضيح التدليس أو اللبس الذي وقع فيه الأستاذ الشويقي؛ قوله عني ((إننا أمام تغير جذري في رأي الأستاذ.الضحيان فبالأمس: (الجابري لم يخرج عن منهج العلماء)، واليوم: صار الجابري (مخالفا للرؤية المجمع عليها عند أهل السنة))، ليعلم الأستاذ الشويقي والأخوة المتحمسون أن ليس هناك تراجع، بل الكلام هنا في قضيتين؛ القضية الأولى هي: هل قال الجابري بنقص القرآن كما أفتى الشيخ البراك وكما يؤكد الأستاذ الفاضل الشويقي؟، هذه لم يقل بها، وكل ما أوردوه لا يقوم دليلا على ذلك، وكلام الجابري لم يخرج عن كلام العلماء كما قلت في تعقيبي على فتوى الشيخ البراك: ((والجابري لم يخرج عن منهج العلماء الذين تحدثوا عن جمع القرآن وإيراد الروايات في ذلك، كما صنع السيوطي في (الإتقان) والزركشي في (البرهان) )). والقضية الثانية هي قول الجابري ((بعدم وجود أدلة قطعية على حدوث نقص أو زيادة في القرآن)) أي هناك أدلة ظنية، هذه هي التي قلت عنها في مقالي: إن الجابري ((مخالف للرؤية المجمع عليها عند أهل السنة))، ومع أن هذا القول من الجابري خطأ كبير مخالف لإجماع أهل السنة، إلا أنه - لا شك - أخف من الجزم بالنقص، وغالب ( ضع كلمة غالب بين قوسين) ما دندن حوله الشويقي، وأكثر من تسويده ونقل من كلام الجابري، إنما هو حول القضية الثانية، وكل هذا النقل والتسويد والتهويل واستحلاب عواطف القراء لا قيمة له إطلاقا في رده علي؛ لماذا ؟؛ لأني ببساطة أتفق معه فيه، وقد قلت في مقالتي السابقة بالحرف الواحد: إن الجابري ((يخالف الرؤية المجمع عليها عند أهل السنة بقوله: بأنه ليس هناك دليل قاطع على حدوث زيادة أو نقصان في القرآن؛ لأن من قام بجمعه ليس معصوما،... ولا شك أن قوله هذا من وجهة النظر الشرعية خطأ كبير وقصارى القول فيه أنه شبهة تنتقد على الجابري، ويرد عليه بأسلوب علمي محكم بعيد عن الإثارة وتحشيد العوام واستعدائهم، والتهويل بالفتاوى واتهام النيات))، إذن فلا معنى إطلاقا لتسويد الأستاذ الشويقي صفحات في إثبات هذا سوى التدليس، والتمويه، وتكثير الكلام بخلط القضيتين، وإيهام القارئ البسيط الساذج، وإذا أحسنا الظن فالأستاذ الكريم أتى من سوء فهمه لكلام الجابري فخلط بين قضيتين وظنهما قضية واحدة. وأما القضية الأولى وهي: هل بنى الجابري القول بنقص القرآن؟ فقد ناقشتها في مقالي السابق؛ ولأن الشويقي أعاد القول فيها هنا، فأنا مضطر لمناقشتها بشكل موجز، ويستطيع القارئ العودة لمقالي السابق في (عكاظ) لزيادة التوضيح (أعيد نشره في موقع عاجل)، فأقول: لم يستطع أن يجد الأستاذ الشويقي ما يمكن أن يدل على أن الجابري يقول بنقص القرآن، إلا قوله في آخر كلامه: ((ومن الجائز أن تحدث أخطاء حين جمعه، زمن عثمان أو قبل ذلك، فالذين تولوا هذه المهمة لم يكونوا معصومين، وقد وقع تدارك بعض النقص كما ذكر في مصادرنا))، هذا هو أقوى الأدلة التي أوردوها، ويجب أن أضع القارئ في الصورة، فأوجز ما قاله الجابري في المبحث كله حتى نصل لهذه الكلمة التي ختم بها كلامه؛ عقد الجابري مبحثا بعنوان: (رابعا الزيادة والنقصان في القرآن) بدأه بالإشارة إلى الجدال الدائر بين المستشرقين وعلماء الإسلام، وبين الشيعة والسنة، ثم ذكر أن ذلك لا يدخل في الموضوع الذي سيتحدث عنه حيث قال: ((ما يهمنا هنا، هو ما يتصل بمسألة (جمع القرآن) أعني ما يدخل في نطاق السؤال التالي: هل المصحف الإمام – الذي جمع زمن عثمان والذي بين أيدينا الآن يضم القرآن كله، جميع ما نزل من آيات وسور أم أنه سقط (أو رفعت) منه أشياء حين جمعه ؟))، ثم أورد النصوص المروية في كتب الحديث وعلوم القرآن التي تتحدث عن سقوط بعض الآيات، ثم يختم المبحث بقوله: ((هذا ويعلل بعض علماء الإسلام من أهل السنة، ظاهرة سقوط آيات من القرآن (أي في الروايات التي ذكرها) بكونها داخلة في معنى النسخ، غير أن علماء آخرين أنكروا أن يكون ذلك من النسخ، وقالوا: إن ما ذكر من الزيادة والنقصان في القرآن يرجع إلى خبر الآحاد، والقرآن لا يثبت بها، وإنما يثبت بالتواتر ))، ثم ذكر قول بعض علماء الشيعة كالنوري الطبرسي وإثباته للتحريف والنقص في القرآن في كتابيه ورد عليه، ثم تحدث عن أن ما ذكر في المصادر السنية فيه إشكال، وحصر الإشكال في القرآن المدني وحده، ثم ضيق دائرة الإشكال بأن السقط المذكور في المصادر لحق سورتين فقط، هما سورة الأحزاب وسورة التوبة، أما سورة التوبة فتحدث عما ورد من روايات في ما سقط منها، ثم ناقش ذلك وأورده بصورة الشك، وذلك بقوله: ((إذا كان هناك سقوط بالفعل))، وإما سورة الأحزاب فأورد الروايات والنصوص التي عرضتها في مقالي السابق وناقشها، ورد كل ما قيل إنه سقط فيها، وقد أورت دفاعه عن سورة الأحزاب في مقالي السابق (أعيد نشره في موقع عاجل) إلا آية واحدة، وهي ما رواه عمر بن الخطاب ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما.. الآية))، وهي الآية الوحيدة التي يفهم من كلامه أنها سقطت من القرآن، ومن المعلوم أن علماء أهل السنة يرون أنها مما نسخت برفع لفظها وبقاء معناها، وهو يفسر النسخ بتفسير آخر، وقد كتب في معنى النسخ في القرآن مقالا تجده في موقعه، ومفهوم كلامه أنه يرى أنها مما لم يضعه الصحابة في القرآن، لعدم تواترها عن النبي، والدليل على رؤيته هذه أنه لو كان يرى أنها سقطت من القرآن سهوا لنص على ذلك، ولكن يفهم من كلامه أن الصحابة أسقطوها قصدا لا سهوا لعدم تواترها، والدليل على ذلك أنه قال قبل إيراده روايات السقط ((هذا ويعلل بعض علماء الإسلام من أهل السنة ظاهرة سقوط آيات من القرآن (أي في الروايات التي ذكرها)، بكونها داخلة في معنى النسخ، غير أن علماء آخرين أنكروا أن يكون ذلك من النسخ، وقالوا إن ما ذكر من الزيادة والنقصان في القرآن يرجع إلى خبر الآحاد والقرآن لا يثبت بها وإنما يثبت بالتواتر)) / المدخل: ص 226، وسكوته عن رد هذا القول تعبير عن موافقته لذلك؛ لأن طريقته أنه لا يترك قولا لا يتفق معه إلا ناقشه ورده كما صنع في آراء علماء الشيعة؛ فبعد إيرادها ناقشها وردها. بعد هذا العرض نستطيع أن نفهم ما يقصد بكلمة (بعض) التي ختم بها الجابري كلامه، واستدل بها الإخوة على قوله بالنقص، قال الجابري ((ومن الجائز أن تحدث أخطاء حين جمعه، زمن عثمان أو قبل ذلك، فالذين تولوا هذه المهمة لم يكونوا معصومين، وقد وقع تدارك بعض النقص كما ذكر في مصادرنا))، هنا يشير إلى الروايات التي تنص على وجود نقص خلال الجمع؛ فبعض من النقص تداركه الصحابة ووضعوه في المصحف؛ كما ورد في آخر سورة التوبة – وهو الذي أشار إليه في نصه - وبعض منه تركوه قصدا، ولم يضعوه في المصحف؛ لأنه غير متواتر، وإذا ثبت وجود(بعض) تداركوه، و(بعض) تركوه؛ فهو دليل عنده على إمكانية أن تكون هناك آيات لم يتداركوها، وسقطت لأنهم غير معصومين، وكل هذا يؤيد ما قلته إن الجابري يرى جواز أن يكون هناك نقص، لكنه لا يجزم بوجود نقص وفرق بينهما، طبعا لاشك بأن هذا القول خطأ كبير من الجابري ومخالف لإجماع أهل السنة، ويرد على الجابري بعلم مع الترفق بغية الحق لا الاستعلاء والاستعداء.
    بقي الآن أن نورد أدلة طريفة عجيبة غريبة أوردها الأستاذ الشويقي، للدلالة على أن الجابري يقول بنقص القرآن، وهي في مجملها تمحل لا معنى له إلا المحاولة المستميتة من الأستاذ، لإثبات أن الجابري يقول بنقص القرآن، وإذا أحسنا الظن نقول إنه من سوء فهم الأستاذ لدلالات الكلام، من ذلك.



  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    17

    افتراضي الشويقي لم يفهم كلام الجابري «2 / 2»

    متابعاً رده على بندر الشويقي في سجال الجابري «2 / 2»


    د. سليمان الضحيان :

    ذكرت في الحلقة الأولى من هذا الرد أن الأستاذ بندر الشويقي أورد في رده ثماني قضايا، ست منها بناها على سوء الفهم، وقد أوردت في الحلقة الأولى من ردي ست قضايا، ونورد في هذه الحلقة القضية السابعة، والثامنة، ثم نختم الكلام بخاتمة:
    القضية السابعة: أساء الفهم الأستاذ الشويقي للمرة السابعة فظن أني فرحت بكلام الجابري حينما قال (إن الإسلام دين ودولة) ، ونسبته إلى أنه يرى تحكيم الشريعة كما يقول به الإسلاميون؛ وبناء على سوء الفهم منه أطال الكلام ليدلـِّل على أن الجابري يرى تقديم المصلحة على النص، وأنه يبطل الحدود لأنها غير مناسبة للعصر، وكل ما قاله وأطال فيه الأستاذ الفاضل الشويقي لم يأت فيه بجديد؛ فقد سبق أن قلته، ويكفي أني انتقدت الجابري في مقالتي نفسها التي يرد عليها الشويقي، حيث قلت: (( إن نقدي له (أي للجابري) يأخذ مسارين المسار الأول منهجي ... ، والمسار الثاني: نقد علمي إذ إن الجابري كثيرا ما يقع في أخطاء علمية فادحة ويبني عليها نتائج كبيرة ... ومن ذلك رأيه في كيفية تطبيق الشريعة وذلك بدعوته إلى تبني تقديم المصلحة على النص إذا تعارضت المصلحة مع النص مستدلا على ذلك بإجماع الفقهاء على ذلك، والحق أن القول بذلك انفرد به الفقيه الحنبلي الطوفي وعـُد رأيا شاذا))، فما الجديد الذي أضافه الشويقي ؟!! ، طبعا هذا أنموذج على فهم الأستاذ العميق.
    إبطال الحدود
    وأما مسألة إبطال الحدود، وميراث المرأة؛ فقد سبق أن كتبت نقدا له في مجلة المجلة منذ تسع سنوات بعنوان (حقوق الله أم حقوق الإنسان) ، وفيه زيادة على ما ذكر الأستاذ نقد له على رؤيته لشهادة المرأة، كل ذلك قبل أن يسمع غالب طلبة العلم السلفيين باسم الجابري فضلا عن أن يكتشفوا هذه الأخطاء التي ذكرها الأستاذ عنده، وكل من له اطلاع تافه على كلام الجابري في كتبه (الديمقراطية وحقوق الإنسان) و( الدين والدولة وتطبيق الشريعة) ، و(مسألة الهوية)، و(حوار المشرق والمغرب) وغيرها يعرف هذا .
    القضية الثامنة: أساء الفهم الأستاذ الشويقي للمرة الثامنة فحينما أوردت أن الجابري يوافق السلفيين في بعض رؤاهم حول الأشاعرة، فهم الشويقي كلامي فهما غريبا طريفا عجيبا أقرب للفانتازيا؛ حيث ظن أني بهذا أقول: إن الجابري يرى طريقة السلف ويتمثلها، وبناء على هذا الفهم الطريف جدا والمضحك؛ بدأ الشويقي يدلل على بعد الجابري عن فهم السلف وطريقة السلف، وأن الأشاعرة أقرب منه للسلف، وأورد المعلومة المشهورة عن قولهم عن أنفسهم ( إن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم) ، وأزيده أيضا أن ابن خلدون سبق الجابري بالتنبيه على تأثر متأخري الأشاعرة بالفلسفة، ولا أظن أن عاقلا قرأ كتب الجابري، فضلا عن طالب علم يقول إن الجابري يتبع طريقة السلف، أو أنه قريب من منهج السلف، وفي الوقت نفسه لا أظن أن قارئا مبتدئا قرأ مقالي يمكن أن يفهم منه أنني أقول: إن الجابري يتبع طريقة السلف، وأنا مندهش جدا من فهم الشويقي هذا، ولا أدري من أين له هذا الفهم ؟ وقد قلت بعد إيرادي تلك الأقوال مباشرة في مقالي السابق: إن الجابري ليس مفكرا إسلاميا، وأورد هنا كلامي بنصه، قلت: ((فهل معنى هذا أن الجابري مفكر إسلامي؟ إطلاقا الجابري ليس مفكرا إسلاميا، وهو نفسه يرفض تصنيفه بذلك)) ، وأي قارئ مبتدئ سيفهم هذا، وهنا أتساءل بدهشة كيف فهم الأستاذ الشويقي من كلامي أني أنسبه إلى التمثل بفهم السلف ؟!، كيف أنفي عنه الإطار الكبير (التوجه الإسلامي) ثم أدخله في توجه أضيق (التوجه السلفي) ، ما زلت مصدوما ومندهشا من فهم الأستاذ الفاضل!! ، وهذا الفهم من الأستاذ يوضح الطريقة العميقة في فهم الأستاذ لما يقرأ، ثم نقده، وإصدار أحكام كبيرة على صاحبه يترتب عليها أوصاف عظيمة، ومخيفة، ولا بأس أن أوضح هنا للأستاذ الشويقي ـ وليس للقارئ ـ لماذا أوردت أقواله التي وافق فيها السلفيين مثل قوله عن الجهمية، والصوفية، وقوله عن الأشاعرة إنهم يخالفون طريقة السلف وغيرها من الرؤى ؟ وأقواله التي خالف فيها جمهور المفكرين العرب المؤثرين في الساحة كقوله: إن الإسلام دين ودولة ؟ ، لقد أوردتها لأقابل بها الأوصاف الشنيعة التي أطلقها عليه الإخوة المستفتون، والشيخ البراك، والأستاذ الشويقي، وذلك لأدلل على أنه أكثر المثقفين العرب اعتدالا في رؤيته، وقربا من الإسلاميين، وإنصافا للسلفيين، ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومع هذا فقد شنع عليه أولئك الإخوة، وحاولوا تأليب الناس عليه ، وكان المفترض أن يبينوا خطأه، و يردوا عليه بعلم، وعدل، وعبارة هادئة، وقد اتبعت بصنيعي هذا المنهج الشرعي في النقد – بحمد الله وحسن توفيقه – فبينت ما للجابري، ثم أوضحت ما عليه بنقده منهجيا وعلميا (انظر مقالي السابق، أعيد نشره في موقع عاجل) .
    خدمة الإسلام
    القضية الثامنة: خالفني الأستاذ الفاضل في قولي: إن الجابري خدم الإسلام أكثر مما خدمه الشيخ الجليل البراك، ولا شك أن هذا من حق الأستاذ أن يخالفني فيه، وذلك أن بيننا خلافا عميقا في طريقة الموازنة، الأستاذ الفاضل الشويقي يختصر خدمة الإسلام بخدمة التوجه السلفي والسلفيين، وأنا أرى الإسلام أعم من ذلك بكثير؛ فالسلفيون جزء من المسلمين، أما الإسلام بمعناه الواسع فلا مجال للمقارنة بين الرجلين أصلا، فضلا أن يقال: إن الشيخ البراك خدم الإسلام أكثر، فالمسلمون أعم من السلفيين بكثير ، فأين تأثير الشيخ البراك على المثقفين، والمفكرين، والعلمانيين، والقوميين، والدارسين في تاريخ الحضارة، والفكر العربي، وتاريخ التراث من غير السلفيين ؟، و أين تأثيره في الأشاعرة، والماتريدية، والزيدية، والأباضية ؟، وكم عدد الذين قرؤوا للشيخ البراك، أو يعرفونه، أو سمعوا به، فضلا أن يكونوا تأثروا به، أو أفادهم في العالم العربي كله ؟، ثم أين مؤلفات الشيخ البراك وكتبه ؟ وأين شروحه، ومختصراته ؟، بل أين فتاواه الكثيرة المحررة في العبادات والمعاملات، والقضايا الاجتماعية ؟. بل أين ردوده العلمية العميقة المحكمة المفصلة على الفرق المخالفة للتوجه السلفي ؟، وأين أطروحاته التأصيلية العميقة المفصلة لبيان العقيدة، وشرحها ؟, وأين جهوده العلمية العميقة في الرد على العلمانيين والفلاسفة والملاحدة والباطنية ؟ وأين جهوده في تبيان ما أشكل من مسائل العقيدة كضوابط التكفير والتبديع ؟، تقييم الرجال لا يكون بالعاطفة، وتدين الإنسان، وإخلاصه، وزهده، وورعه، وتقواه، وسنه لا يشفع لمحبيه أن يرفعوه أكثر من قدره، وصنيع الأستاذ الفاضل يقع فيه كثير من المتدينين حيث يختصرون العالم بمن يتفق معهم في التوجه، ويغالون في مدحه ، وهضم جهد غيره من المخالفين لهم، وهذا بلا شك تحجير واسع، وقلة إنصاف للآخرين، وغفلة عن الآيات والأحاديث التي تحث على العدل والإنصاف، وابتعاد عن المنهج الشرعي الصحيح في الحكم على الناس، أسأل الله الهداية للجميع وإرجاعهم للحق، وتبصيرهم بالمنهج الشرعي العدل في الحكم على الناس.
    العجيب الغريب
    خاتمة: لا ينقضي عجبي من الإصرار العجيب الغريب المستميت من الأستاذ الفاضل الشويقي لإثبات أن الجابري يقول بنقص القرآن، خاصة بعد أن سمع محاضرته؛ لأنه أورد مقطعا منها في رده، وهو قوله: (الحمام يغني والكلاب تنبح ) ؛ وكما هي عادة الشويقي في فهم الكلام ؛ فقد فهم من كلام الجابري أنه يقصد المعترضين عليه في قوله في القرآن ، وكلام الجابري كان يقصد به جورج طرابيشي ، نرجع إلى محاضرة الجابري؛ لقد أبان الجابري عن رأيه في المحاضرة، فقد غضب الجابري جدا ممن نسب إليه هذا القول ، فقد ذكر حديث عائشة ثم رده ، وذكر أن بعض الناس يحتج به على نقصان القرآن فقال: ((بعض الناس يقولون القرآن نقص، أنا أجبت عن هذا ، قلت القرآن كان محفوظا في الصدور أكثر من المصاحف، والمصحف من التصحيف أي يمكن أن تزيد فيها وتمحو ، أما الصدور وما فيها فلا ، ... ثم كيف نحتاج إلى هذا كله بعد أربعة عشر قرنا من أنه المصحف الإمام الذي جمع باتفاق الصحابة ولم يطعن فيه أحد، وعلي كرم الله وجهه قال: لو كنت مكان عثمان لفعلت الذي فعل )) ، وكان الأولى بالأستاذ الشفقة على أخيه المسلم، ولأن يخطئ في حكمه على أخيه ـ هذا إن كان مازال يرى أنه أخ له ـ بأنه لا يقول بذلك أولى بأن يخطئ بنسبة هذا القول الشنيع له؛ إذ الأصل في المسلم البراءة، وأما قول الجابري باحتمال وجود النقص فهو شبهة كبيرة يرد عليها بحكمة وعلم ، وأسلوب هادئ للإرشاد، والتبيان ، لا للاستعلاء، والاستعداء، أما المسارعة بالبت بأنه يخالف ما علم من الدين بالضرورة؛ أخذا بلازم القول، فلا شك أنه جرأة عظيمة تقشعر منه الأبدان، و لم أتوقع ممن هو متخصص بالعقيدة أن يقولها خاصة أنه يعلم قوة الشبهة التي قالها الجابري واعتماده في تفسير قوله تعالى (وإنا له لحافظون) على تفسير ابن السائب ومقاتل من السلف، وخاصة أنه يعلم حكم من خالف ما علم من الدين بالضرورة، ونشر ذلك أمام القراء؛ وفيهم الجاهل والمتسرع، مما يساعد في نشر منهج الحرورية، والأستاذ يعلم خطورة هذا المنهج، وتبعاته، وله في العلماء الكبار قدوة فقد التمس شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم الأعذار للهروي، وقوله أشنع من كلام الجابري بكثير ، وأبو حامد الغزالي وقع بطوام عظام ، ومن بعده الآمدي، والرازي وهم علماء في الشريعة ، فرأينا كبار العلماء يلتمسون لهم الأعذار في وقت كانت الأمة الإسلامية لها الكلمة العليا، وللشريعة السيادة على العالم الإسلامي كله ، فكيف بمفكر ليس بعالم في الشريعة قال ذلك متأولا في زمن لا سيادة للشريعة في كثير من بلاد المسلمين؟!! ولأن الشويقي حكم على القول بإمكانية النقص بالقرآن بأنه إنكار لمعلوم من الدين بالضرورة، واتهمني بأني لا أفرق بين مسائل الإجماع وما علم من الدين بالضرورة، فأنا أطالبه ـ وهو المتخصص بالعقيدة ـ بتبيان حد المعلوم من الدين بالضرورة، وهل يدخل فيها لوازم الأقوال القطعية المجمع على قطعيتها؟ ، وما ضابط القطعي الذي يحكم على منكره بأنه منكر ما علم من الدين بالضرورة؟ وما حكم من أنكر معلوما من الدين بالضرورة؛ أو أنكر أحد لوازم ما علم من الدين بالضرورة، وهو عالم وليس بجاهل، وهل يعذر فيه من تأول ؟ وإذا قيل يعذر فما حد التأول المعذور به ؟، وهل يكفي البلاغ بإقامة الحجة على منكر الضروري ؟ وما الحكم عليه بعد إصراره على الإنكار بعد البلاغ ؟ وهل دلالة قوله تعالى ( وإنا له لحافظون ) قطعية على الحفظ؟ وما يراه فيمن قال إن دلالته ظنية ؟ وما موقفه من تفسير ابن السائب ومقاتل لهذه الآية ؟ وكيف يفسر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((لولا أن يقول الناس زاد عمر في القرآن لوضعتها فيه)) يعني آية الرجم ؟.
    نصيحة أخوية
    وننهي الكلام بنصيحة أخوية للإخوة المتحمسين فأقول: إن خطأ الجابري بقوله بإمكان النقص في القرآن، وكذلك لو ثبت – جدلا – جزمه بالقول بالنقص يقتضي فقه الإنكار من الأستاذ كتمان ذلك، وعدم المسارعة بإشاعته؛ بل كتابة رد علمي محكم، يظل تداوله في أواسط طلبة العلم، والمثقفين الذين يقرؤون كتب الجابري، وإذا كانت حجة الإخوة أن كلامه انتشر في منتديات اللادينيين، وهجر، والأقباط، فكم مقال كتب فيه في تلك المنتديات ؟، وكم عدد الذين قرؤوها ؟! وكم عدد الذين اقتنعوا بكلامه؟، وماذا عن بلدنا هذا ؟؛ فهذه المنتديات محجوبة فيه، والآن بعد الفتوى انتشر الكلام عن قول الجابري في منتديات السعوديين ، وأصبح يقرؤه الكبير والصغير ، والجاهل والمتعلم، ونفد كتابه من الأسواق، والكتب التراثية التي اعتمد عليها الجابري فيها من الأقوال والروايات روايات مشكلة تزل في فهمها الأقدام، وأحد الزملاء من الدكاترة بعد إثارة هذه الضجة ذهب وقرأ تلك الروايات، وقال: لقد أصبت بالصدمة فهذه أول مرة أعرف أن هناك مثل هذه الروايات المخيفة، إذن نحن أحوج ما نكون لتعلم فقه الإنكار؛ متى يكون ؟ وعلى من يكون ؟ ودرجات المنكر ؟ وتنوع مقامات المنكر عليهم ؟ وبأي أسلوب يكون الإنكار؟ وكيف نعمل قواعد المصلحة والمفسدة في الإنكار ؟ وأنصح أولئك الإخوة المتحمسين بالاهتمام بهذا العلم إن كان مرادهم النصح والتبليغ والذب عن دين الله حقا.



    -----------------------------------

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    17

    افتراضي رضيت بدار الإفتاء والأقسام العلمية حكما بيننا

    معقبا على سجال الجابري .. الشيخ بندر الشويقي للضحيان :


    رضيت بدار الإفتاء والأقسام العلمية حكما بيننا



    بندر الشويقي*

    لو كان أخونا الدكتور سليمان الضحيان يثبت على رأي واحد لكان بالإمكان حسم المسائل معه بسهولة ويسر. لكني رأيته كثير الاضطراب، مشوش الرؤية، يُثبت اليوم ما ينفيه غدا، وقد ينفي في غده ما كان يقوله اليوم، وتلك حال من يكتب شيئا بغير قناعة. وفيما يأتي أمثلة أسوقها للتأمل :

    1ــ حين ثار الضحيان على فتيا الشيخ الجليل عبد الرحمن البراك، كان يقول: إن الجابري «لم يخرج عن منهج العلماء الذين تحدثوا عن جمع القرآن». ولاحقا أعلن لنا أنه بعد قراءات متفحصة توصل إلى أن الجابري «خالف الرؤية المجمع عليها عند أهل السنة»، ثم أتعب نفسه بعد ذلك ليثبت أنه لا خلاف بين قوليه المتناقضين.
    2 ــ قلت في مقالتي الأولى: إن الضحيان «أطال الحديث عن مناقب الجابري، وفضله على أهل الإسلام». فجاء الأستاذ سليمان ليعلق ببراءة، ويقول: مفهوم المخالفة هنا أن الجابري ليس من أهل الإسلام، لكني أجزم أن الأخ الشويقي لايقصد هذا؛ لأن الذي أعرفه أنه ليس تكفيريا، لكن خانه الحماس فتجوَّز في التعبير.
    فالضحيان هنا يجزم ــ ببراءة ونقاء ــ أني لم أقصد تكفير الجابري لأني لست تكفيريا (على حدِّ تعبيره المهذَّب). لكن في القسم الثاني من مقالته عاد ليقول: إن الجابري «بلا شك كافرٌ باعتقاد الشويقي». ثم ارتجل الأستاذ مقطوعة بكائية مطولة تنعى المنهج البدعي في التكفير الذي يقرره الشويقي المتخصِّص بالعقيدة، فقد أصبح الشويقي تكفيريا، وليس تكفيريا في آن واحد في نظر أستاذنا.
    3 ــ في مقالته الأخيرة نقل عن الجابري كلاما، ثم قال عقبه «هذا الكلام من الجابري دليل قوي على استحالة الزيادة» في القرآن. وكأن الأستاذ نسي قوله بالأمس: إنه بعد قراءات متفحصة اكتشف أن الجابري لا يجزم بسلامة القرآن من الزيادة والنقص. فكيف سيجمع الجابري بين استحالة وقوع الزيادة وبين شكوكه في انتفائها؟
    4 ــ حين أراد ــ ببراءة وإخلاص ــ إلزامي بتكفير الجابري ذكر أن الجابري عالمٌ، فلماذا لا يكفره الشويقي إذا كان يراه مخالفا لما علم من الدين بالضرورة؟ ثم لم يلبث الأستاذ أن تساءل: لماذا لا يعذر الشويقي الجابري في خطئه، مع أنه مفكر، وليس بعالم في الشريعة!
    فالجابري عالم وليس بعالم في مقالة واحدة كتبها قلم واحد! تماما كما أن الشويقي تكفيري وليس تكفيريا، وكما أنه لم يقصد جزما تكفير الجابري، لكنه ــ بلا شك ــ كفَّر الجابري. وتماما كما أن الجابري خالف الرؤية المجمع عليها، لكنه لم يخرج عن أقوال أهل العلم. وتماما كما أن الجابري لا يجزم بسلامة القرآن من الزيادة، لكنه قدم دليلا على استحالتها.
    5 ــ في ثورته على فتيا الشيخ، ذكر الأستاذ الضحيان أن الجابري أورد روايات في جمع القرآن. ثم قال الأستاذ: إن مجرد إيراد الرواية أو الإشارة إليها لا يعني تبنيها.
    لكن في مقالة لاحقة أحالنا الأستاذ على (ص224) من كتاب الجابري ليثبت لنا أن الجابري «يرى أن آية الرجم لم تسقط من الصحابة سهوا، بل أسقطوها عمدا، لأنها من قبيل الآحاد». رجعنا للصفحة المذكورة، فلم نجد هناك رأيا للجابري، بل لم نجد سوى صفحة مملوءة بالروايات يسوقها الجابري دون تعليقٍ، فقد تغير منهج الأستاذ الضحيان، وصار إيراد الرواية يقتضي القول بمضمونها حين يحتاج الأستاذ لذلك، لكن حين لا يهوى الأستاذ، فإن إيراد الرواية لا يعني القول بمضمونها.
    6 ــ حين ذكرتُ للأستاذ أن (ص224) لا يوجد فيها سوى رواية، وليس فيها كلام للجابري قطُّ، تجاهل الأستاذ كلامي، ثم قفز ببهلوانية (وسطية) وأحالنا على صفحة جديدة (ص226).
    والعجيب أن تلك الصفحة، أيضا، لا يوجد فيها رأي للجابري.
    ففي الصفحة المذكورة يقول الجابري: هذا ويعلل بعضُ علماء الإسلام من أهل السنة ظاهرة سقوط آيات من القرآن، بكونها داخلة في معنى النسخ، غير أن علماء آخرين أنكروا أن يكون ذلك من النسخ، وقالوا إن ما ذكر من الزيادة والنقصان في القرآن يرجع إلى خبر الآحاد والقرآن لا يثبت بها وإنما يثبت بالتواتر.
    فأين رأي الجابري هنا؟ هو يقول: بعض العلماء يقول كذا، وبعضهم يقول كذا. ولم يعلق على ذلك بحرف واحد. لكن الأستاذ الضحيان له طريقة عجيبة في استنباط آراء الجابري، وهي طريقة لا علاقة لها بالتكلف والتمحل، فهو يقول: إن سكوته ــ الجابري ــ عن رد هذا القول تعبير عن موافقته لذلك؛ لأن طريقته أنه لا يترك قولا لا يتفق معه إلا ناقشه.
    فقد انقلبت القاعدة عند أستاذنا، وأصبح إيراد الرواية وإيراد القول، يعني الأخذ به، بعدما كان ذلك ممنوعا. وإني لأعجب من الأستاذ كيف يحكي الجابري قولين مختلفين، ويسكت عنهما، ثم ينتقي الأستاذ أحدهما، وينسبه للجابري؟
    ثم ما رأي الأستاذ لو قلت له إن الجابري في (ص18) ذكر أن من العلماء من لا يؤمن بتواتر القرآن، وسكت عن هذا القول ولم يتعقبه. فهل سيطبق هنا قاعدة (السكوت على القول يعني الموافقة عليه)؟
    هناك اضطراب كثير في كلام الأستاذ سليمان الضحيان، علاوة على أخطاء علمية كبرى، مكتوبة بنفس هائج، ومزاج متقلب. مع اجتهاد غير موفَّق أضاعَ فيه الأستاذ وقته، كي يثبت أن الشويقي رجلٌ لا أمانة له، يدلس على القراء ويخادعهم.
    الأستاذ سليمان –عافاه الله- سبق أن حذرنا مما سماه جماعة الميزان التي «تتعامل مع الدين والفكر على أنه مجرَّد معركة مع خصوم تسعى لإسقاطهم، يجوز في تلك المعركة استخدام كل الوسائل من تشويه، ومغالطات». هذا ما قاله الأستاذ سليمان قبل شهر مضى، فأحببت تذكيره بمقولته تلك بعدما رأيتُه يوشك أن يحوز عضوية جماعة الميزان ــ إن لم يكن حازها بجدارة ــ حين أجهد نفسه في خلق معركة من ذلك النوع الذي حذرنا منه.
    ومع ذلك كله مازلت أحسن الظنَّ بأخي الدكتور سليمان، ولم أزل ألتمس له المعاذير ما استطعتُ إلى ذلك سبيلا. فليقل ما شاء، وليلصق بأخيه ما يحب من التهم المختلقة المعلبة، إن كان يرى في ذلك تنفيسا وخلاصا لنفسه من عذاباتها، ليقل إن الشويقي «حرف، وبتر، وقطع، وموه، ودلس»، ليقل ذلك ما دامت نفسه تهنأ به، ومادام يرى في مثل هذه السلوكيات التي يستخدمها وسطية واعتدالا. فأنا قد جعلته في حل من ذلك كله، وسوف أكتب واضعا نصب عيني أن الأستاذ سيعيد قراءة هذا الكلام يوما ما، حين يذهب عنه ضغط الخصومة وأثر اللجاج.


    الموقف الجديد


    كان الأستاذ في مرافعته الأولى يقول: إن الجابري «نصّ بكلام جلي لا لبس فيه ولا غموض، على أن جمع القرآن في صياغته النهائية لا نقص فيه، إذ تدارك الصحابة ذلك».
    هذا ما ذكره الأستاذ في هجمته على فتيا الشيخ البراك. لكنَّ الجديد الآن في موقف أستاذنا أنه لم يعد يتمسك بمثل هذا الكلام. ولم يعد لديه نص (لا لبس فيه ولا غموض) ينفي فيه الجابري القول بنقصان القرآن الكريم. فمع أن الجابري عرض المسألة في عشر صفحات بكلام مفصَّل، إلا أن الأستاذ سليمان لم يجد جملة واحدة ينفي فيها الجابري النقص عن القرآن. وكل الذي يتمسك به الأستاذ الآن أنه لا دليل يثبت أن الجابري يقول بالنقصان. فقد تقدمنا الآن مع الأستاذ خطوتين إلى الأمام.


    1ــ أصبحنا نقول: إن الجابري يخالف إجماع العلماء في الجزم بسلامة القرآن من الزيادة والنقص، بعدما كنا نعتقده (لم يخرج عن منهج العلماء).


    2 ــ صرنا نقول: لايوجد في كلام الجابري ما يدل على نفيه النقصَ عن القرآن، بعدما كنا نقول: إن الجابري نفي النقصان (بكلام جلي لا لبس فيه ولا غموض).
    ومع خطأ الأستاذ الواضح، بالنسبة لي، في النقطة الثانية، إلا أن ما وصلنا له الآن يعد تقدما لا بأس به. وقد يأتي بعد ذلك تقدم آخر، حين يتخلص الأستاذ من آثار عشقه للجابري، ويقرأ قراءات حقيقية متفحصة، بعقل واع متحرر من آصار الإعجاب والتبعية.


    خطأ الجابري


    قلت ــ ومازلت أقول ــ: إن الجابري أثبت وقوع النقصان في القرآن الكريم، وقدمت على ذلك دليلي الذي لم يقتنع به الأستاذ، لكن بما أن صاحبي وافق على أن الجابري لا يجزم بنفي النقص والزيادة، فدعونا نتوقف، مؤقتا، عند هذا القدر، ولننظر في حجم تلك الضلالة. فمن الواضح أن أستاذنا ــ رعاه الله ــ لم يتصور خطرها في ميزان الشرع. فقد رأيته يقول: إن هذا القول من الجابري خطأ كبير مخالف لإجماع أهل السنة، إلا أنه، لا شك، أخف من الجزم بالنقص.
    وأقول للأستاذ: نعم، هناك فرق بين القولين من جهة التوصيف، لكن من جهة الحكم فالقولان متساويان لمناقضتهما قطعية النص القرآني. فلا فرق في الحكم بين من يثبت وقوع نقص وزيادة في نص القرآن، وبين من يشكك في سلامته من ذلك. كما أنه لا فرق في الحكم بين من ينكر وجوبَ الصلاة والصيام، وبين من يشكك في وجوبهما. فكلا القولين مناقض للإجماع القطعي اليقيني المعلوم بالضرورة من دين الإسلام. فالعلماء كلهم ــ حاشا غالية الروافض ــ متفقون على أن نص القرآن الكريم متواتر مجزوم بصدقه وكماله، ولأجل القطع واليقين بكمال نص القرآن، فرع أهل العلم أحكاما فيمن جحد شيئا منه، أو شك فيه، أو زاد فيه ونقص، وهي الأحكام التي لي معها وقفة لن تروق للأستاذ سليمان.


    هل شرب الضحيان شبهة الجابري؟


    لماذا يفخم الأستاذ سليمان الضحيان أثر الجابري على العلمانيين، في حين يغفل أثره السيئ في غير العلمانيين ممن يعرفهم الأستاذ تمام المعرفة؟.
    سؤال طرحته على الأستاذ سليمان فتجاهله، ولم يعلق عليه، وفضل أن يحصر حديثه في إنجازات الجابري وخدماته الضخمة لدين الإسلام. لكن من غرائب الموافقات، أن الأستاذ حين كان يكتب في الصفحة اليمنى متجاهلا آثار الجابري السيئة على الأمة، كان كاتب آخر قد شرب شبهة الجابري وتخطفته زيغته، فاحتل نصف الصفحة اليسرى المقابلة، ليقرر باندفاع وتهور قناعته برأي الجابري «أن القرآن غير محفوظ من النقصان»، أي أنه ــ حسب رأي الأستاذ نفسه ــ خالف الرؤية المجمع عليها، تماما كما فعل الجابري.
    ولئن كان ذاك الشاب قد شرب شبهة الجابري وتضلَّع منها، فإن الأستاذ الضحيان في الأسبوع التالي قرَّب كأس الشبهة إلى فمه، وكاد يتذوقها، حين كتب مستنكرا بشدة أن تكون قضية «سلامة القرآن من النقص والزيادة، مما يندرج تحت اليقينيات التي يعبر عنها بـ (ما عُلم بالضرورة من دين الإسلام)». فمع كونِ هذه المعلومة من البدهيات الشرعية المتفق عليها، إلا أن الأستاذ سليمان هبَّ واقفا حين رآني أتكلم بذلك، وأعلن «أن هذه جرأة عظيمة تقشعر منها الأبدان». وذكر أنه «لم يتوقع ممن هو متخصص بالعقيدة أن يقع في مثل هذه الزلة العظيمة»، ثم أطال النحيب من هذا المنهج الفاسد، الخطير، الشنيع، المخيف، البدعي. وتساءل: أي باب للتكفير فتحه الأستاذ الشويقي ــ المتخصص في العقيدة ــ بهذا التقرير الفاسد المخيف؟. وقال: لقد ركب الأستاذ الفاضل مركبا وعرا، وأصل للتكفير تأصيلا مخيفا لم يسبق إليه.
    كل هذا الصياح والنواح المتكلَّف، يعترض به الأستاذ على قولي: إن سلامة القرآن من الزيادة والنقصان من اليقينيات المعلومة بالضرورة من دين الإسلام، مع أن هذا المعنى مما اتفقت عليه كلمة أهل العلم، لو كان الأستاذ يدري، لكن يبدو أن الجابري نجح في زلزلة يقين الأستاذ، فبدأت الأرض تمور من تحت رجله.
    حين قرأت هذه المناحة واللطمية ــ التي أقامها الأستاذ الضحيان ــ حسبت أني أنا الذي شككت في نص القرآن الكريم، وليس الجابري. وكم تمنيتُ لو أن الأستاذ جادل بحجة وعلم، حول القطع بكمال النص القرآني، وسأل عن الحجة في ذلك، إذ خفيت عليه، وترك عنه نهج النياحة وإراقة الدموع المتكلفة، التي لم نر لها أثرا حين شكك الجابري في نص الكتاب العزيز.
    إن كان ما ذكرته قد كبر على الأستاذ، فقد رضيت حكما بيني وبينه دار الإفتاء، أو الأقسام العلمية المتخصصة في جامعاتنا. وإن كانت تلك الجهات لا تملأ عين الأستاذ فليتوجه للأزهر، فالنتيجة لن تختلف، فما ينازع فيه الأستاذ ليس محل تردد لو أدرك الأستاذ.






    15/5/2009 عكاظ

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    17

    افتراضي أدعو الضحيان للتخلي عن وسطية «المطففين»

    الشويقي مواصلا سجال الجابري:



    أدعو الضحيان للتخلي عن وسطية «المطففين»



    تركنا الأخ سليمان الضحيان الأسبوع المنصرم، وبدنه يقشعر من قولي: إن «سلامة القرآن من النقص والزيادة، مما يندرج تحت اليقينيات المعلومة بالضرورة من دين الإسلام» وقد كنت أنتظر من الضحيان شكراً وتقديراً نظير تذكيره بتلك البدهية التي غفل عنها في غمرة اندفاعه للذب عن الجابري. لكن يبدو أن الأستاذ لم يكن بحاجة إلى مجرد تذكير وحسب؛ إذ من الواضح أن المسألة كلها لم تكن قد مرت بخاطره من قبل. أو أنها معلومة قديمة طمرتها (القراءات المتفحصة) لكتب الجابري. الضحيان فوجئ بتلك البدهية الشرعية، فهب مستنكراً، وكتب يقول: إن ما قاله الشويقي «جرأة عظيمة تقشعر منها الأبدان»، وذكر أنه «لم يتوقع ممن هو متخصص بالعقيدة أن يقع بمثل هذه الزلة العظيمة». وتساءل الأستاذ «أي باب للتكفير فتحه الأستاذ الشويقي -المتخصص بالعقيدة- بهذا التقرير الفاسد المخيف؟!!»، «الخطير» «الشنيع» «المخيف»، «البدعي»...إلخ.
    هذا ما قاله الضحيان، ولقد تساءلت –ولازلت أتساءل-: كيف لم يقشعر بدن الأستاذ وهو يقرأ ويسمع بأذنه قول الجابري: إن من الجائز أن يكون في القرآن نقص وزيادة؟! فبلية الجابري هذه يقول عنها الأستاذ بكل نعومة و حنان: «هذا من وجهة النظر الشرعية خطأ كبير. وقصارى القول فيه إنه شبهة تنتقد على الجابري، ويـرد عليه بأسلوب علمي محكم بعيد عن الإثارة وتحشيد العوام واستعدائهم، والتهويل بالفتاوى».
    هذه النعومة يتعامل بها الاخ مع من يشكك في سلامة القرآن من الزيادة والنقص. أما من يعتبر سلامة القرآن مسألة ضرورية قطعية يقينية، فإن قوله: «جرأة عظيمة تقشعر منها الأبدان، ومنهج فاسد، ومخيف، وشنيع، وبدعي، وخطير ...إلخ». فهل علي لوم بعد هذا حين حذرت الأستاذ من منهج (جماعة عمى الألوان)، التي اختلت موازينها الشرعية، وأصيبت بالحول الفكري المستعصي، والرمد الثقافي المزمن؟!
    حسنا -: «أستغفر الله وأتوب إليه. القرآن ليس مقطوعاً بصحته، ولا مجزوماً بسلامته من الزيادة و النقصان. بل ذلك كله محل شك وتردد، إكراماً لعيني الإمام الجابري». هل هذا ما تريد أن أقوله حتى تجف دموعك، و لا يقشعر بدنك، وحتى تنام قرير العين، هادئ البال؟ إن كان هذا ما تريده، فأنا أعتذر إليك من إجابة مطلبك، فكتاب الله أعز علي منك ومن الجابري، و من سائر المرتابين.

    تناقض آخر


    ظل الضحيان يتساءل: لماذا لا يحكم الشويقي على الجابري بالكفر؟ لماذا لا يصدع بالحق ولا تأخذه في الله لومة لائم؟. هذا السؤال لو طرحه شاب غر لفهمنا دوافعه. لكن حين يطرحه ويلح عليه أستاذ جامعي، يقول إنه «يدافع عن الوسطية والاعتدال»، فهنا تتشكل أمامنا علامة استفهام كبيرة، حول طبيعة تلك الوسطية التي يلوكها قلم الأستاذ، وهل هي منهج راسخ ورؤية صادقة، أو هي مجرد شعار يرفعه في وجه من انتقد تفريطه في الحمية لكتاب الله. والعجيب أنه في لقائه مع (قناة الحرة) اعترض على إتاحة الحكم بالتكفير لآحاد المفتين، و ذكر أن هذا النوع من الفتاوى مما يتعين تقنينه، بحيث لا يفتي به كل أحد. لكنه الآن يعود ليطالب الشويقي بألا تأخذه في الله لومة لائم، فيصدر فتياه بكفر الجابري! فلتضف هذه المسألة إلى ملف تناقضات الأستاذ التي لا تبدو لها نهاية.
    أعجب من هذا وأغرب أن الشيخ البراك قال في فتياه المشهورة: «أجمع المسلمون على كفر من زعم تحريف القرآن أو جوز ذلك». قاله الشيخ تعليقا على دعوى الجابري جواز حصول نقصان في القرآن. وقد سمعنا الأستاذ على (قناة الحرة) يقول: «حتى نكون عادلين، واضح أن الشيخ البراك لم يكفر الجابري». ثم استدرك الأستاذ وتحدث عن مشكلة المتلقين للفتوى من الصغار والعوام الذين سيفهمون أن الشيخ حكم بكفر الجابري. فلنجمع كلام الأستاذ هذا، مع تصرفه حين استنبط تكفيري للجابري من قولي إن آراءه تعد «منازعة في ضروري من ضروريات الدين»، فقد عد الأستاذ هذه الكلمة تكفيراً للجابري (بلا شك!). فها نحن نرى أستاذنا الجامعي ينزل لمستوى فهم العوام وصغار المتلقين!

    رأي أهل العلم


    شرحت في مقالتي السابقة أن الحكم بمخالفة فلان لضروري من ضروريات الدين، لا يعني بالضرورة الحكم عليه بالكفر، وإن كان على خطر منه. لكن أستاذنا (الوسطي!)، له رأي آخر مختلف. فمن رأيه أن من شرط الذب عن الضروريات الشرعية الدخول في إطلاق الأحكام على مخالفيها!! و أنه لا يسع أحداً الإمساك عن الدخول في الحكم بتكفير من ثبتت مخالفته لشيء من قطعيات الشريعة! فوسطية أستاذنا قد وضعتنا بين خيارين لا ثالث لهما: فإما التنكر للحقيقة الشرعية، والتنازل عن القطع واليقين بسلامة القرآن من الزيادة والنقصان. وإما الإعلان عن مروق الجابري من دين الإسلام!! أما كاتب هذه الأحرف، فلأجل عدم إيمانه بتلك الوسطية العوجاء، فقد اختار لنفسه الاقتصار على البحث في القدر المجمع عليه، وهو «أن سلامة الكتاب العزيز من الزيادة والنقصان ضرورة شرعية قطعية يقينية». فإن كان هذا السلوك لا يروق لأستاذنا، وكان يريد حكماً على الجابري نفسه فتلك دار الإفتاء تعرض نفسها إن كان لم يزل يثق برأيها. ونصيحتي له إن اختار ذلك أن يعد نفسه للمزيد من النواح واللطم، قبل أن يسمع رأي أهل الفتيا. فنحن نتحدث عن تشكيك في كمال كتاب الله، ولسنا نبحث في حكم من لا يشرب اللبن في الصباح.
    في ظني أن الدكتور بطريقته تلك يضر بالجابري من حيث أراد الدفاع عنه. لأن الجابري حين مس كتاب الله بالتشكيك في كمال نصه، يكون قد جاوز حدود الخلاف السائغ والمحتمل، ودخل دائرة مظلمة ترشحه ليكون موضوعاً لفتاوى لا أظنها ستروق لا للجابري نفسه، ولا لمريديه الذين أهلكهم الدفاع عن أوابده. وليقرأ الأستاذ –إن أحب- هذه الفتاوى التي وقع عليها أعيان أهل العلم و(الوسطية الحقة) في زماننا، حتى يدرك حجم المسألة التي يخوض فيها بغير علم.


    ففي فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (4/9) برئاسة الشيخ ابن باز –رحمه الله-: «من قال: إن القرآن غير محفوظ (وهذا أقل ما قال به الجابري بإقرار الأستاذ)، أو دخله شيء من التحريف أو النقص، فهو ضال مضل، يستتاب فإن تاب وإلا وجب على ولي الأمر قتله مرتداً». فليقرأ الأستاذ هذه الفتيا، وليقشعر بدنه، ثم ليرفع صوته بالنواح واللطم من منهج ابن باز «الفاسد»، «الخطير» «الشنيع» «المخيف»، وليتحدث ما شاء عن باب «التكفير البدعي» الذي فتحه ابن باز على الأمة! فإذا انتهى الأستاذ من نواحه وجف الدمع من مآقيه، فليرجع لفتيا أخرى «مخيفة» و«خطيرة» و«شنيعة» و«بدعية» و«فاسدة» صدرت من اللجنة الدائمة (22/240)، تنص على أن «من شكك بحفظ القرآن من التغيير والتبديل (كما فعل الجابري)، فهو كافر». والفتيا –أيضاً- عليها توقيع أعيان أهل العلم وأعلامهم: الشيخ ابن باز، و آل الشيخ، والفوزان، وبكر أبو زيد، والغديان

    فهل هذا المسار في الحوار ، هو ما يريده الأستاذ؟

    ولا يذهبن الظن إلى أن تلك الفتاوى تعبر عن رأي محلي، بل هي تصدر عن إجماع إسلامي مشهور، لم يخرج عنه سوى غالية الروافض. وهناك الكثير من الفتاوى المماثلة من خارج البلد تصب في المعنى نفسه، إن عجز الأستاذ عن تطلبها أرشدته إليها. أما إن أراد الأستاذ شيئاً من كلام القدماء، فهو كثير لا يقدح في شهرته جهل الأستاذ به. فمن ذلك قول الإمام البيهقي –رحمه الله-: «من أجاز أن يتمكن أحد من زيادة شيء في القرآن، أو نقصانه منه (وهذا قول الجابري بإقرار الأستاذ)، أو تحريفه، أو تبديله، فقد كذب الله في خبره، وأجاز الوقوع فيه، وذلك كفر». (شعب الإيمان 1/468). وقريب من هذا المعنى قول ابن حزم فيمن جوز أن يكون عثمان أسقط شيئاً من القرآن: «تالله إن من أجاز هذا غافلا، ثم وقف عليه وعلى برهان المنع من ذلك وأصر، فإنه خروج عن الإسلام لا شك فيه». (الإحكام 4/521).
    هل يريد المزيد مما يثير بكاءه وأشجانه؟ هناك المزيد والمزيد من مثل تلك الأقوال المشهورة المعروفة المبنية على العلم والبصيرة بدين الله، وليس على التشغيب والمزايدة الإعلامية على ثنائية (التكفير) و(الوسطية). ومع قناعتي التامة بأن مثل هذا الحكم الظاهر المشهور ليس مما يحتاج فيه لنقول عن الشيخ ابن باز، أو لجنة الإفتاء، إلا أني سقت هذه النقول بعدما رأيت فزع الأستاذ من تقرير تلك البدهية الشرعية، ورأيته يتساءل بغرابة عمن سبقني لها. فإن أحب الأستاذ الانتقال من البحث العلمي المبرهن، إلى المزايدة والمناورة والتشغيب، فليملك الشجاعة، وليعلن أن أولئك الأعلام كلهم «تكفيريون»، وليجعل خصومته مع أهل العلم كافة، وليس مع الشويقي وحده. وقد سبقه لقريب من هذا بعض أصحابه ممن تضلعوا تشكيكات الجابري، فعادوا على أئمة الإسلام بالتضليل والتجهيل.



    ماذا عن السرقة ؟


    إن كان الأستاذ الضحيان قد داخلته الشكوك حول القطع واليقين بسلامة القرآن من النقصان وكون ذلك من الضروريات الشرعية، فسوف أنقله لمسألة قطعية ضرورية أخرى شذ فيها الجابري، و أرجو أن يكون يقين الأستاذ بها لم يزل متماسكا.
    فالحدود الشرعية، كحد الزنا وحد السرقة، وغيرها من العقوبات البدنية المقررة في كتاب الله –عز وجل-، بالنص المحكم الذي لا يحتمل التأويل، كل ذلك مما يعلم الأستاذ أن الجابري يرفضه، ويخصصه بالمجتمع البدوي القديم. فليبين لنا الأستاذ ما إذا كان قطع السارق وجلد الزاني من الأحكام المعلومة ضرورة من دين الإسلام أو لا؟ ثم ليطبق بعد هذا قاعدته في التكفير التي أراد إلزامي بها، وليصدع بالحق، ولا تأخذه في الله لومة لائم. وإن أحب أستاذنا فتيا غير محلية تساعده في اتخاذ قراره، فليرجع لكتاب (الاجتهاد في الشريعة الإسلامية ص147) للشيخ القرضاوي، وسيجد فيه أن حد السرقة والزنا مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام. وإن أحب الأستاذ شيئاً من كلام القدماء، فليرجع لكتاب (منهاج السنة 5/74)، وسيجد مثل ذلك.
    وحسب منهج أستاذنا فلا بد له من أحد خيارين: فإما أن يقشعر بدنه و يستفتح مناحة على باب التكفير المخيف الشنيع البدعي الخطير الذي فتحه القرضاوي وابن تيمية على الأمة. وإما أن يصدع بالحق، ولا تأخذه في الله لومة لائم، فيصدر فتياه بمروق الجابري من الدين. وليس أمام الأستاذ خيار ثالث بعدما ضيق على نفسه، و أعلن التلازم الكامل التام بين تقرير القطعيات الشرعية، وبين وجوب الدخول في إطلاق الأحكام على مخالفيها.


    ..وقصص القرآن


    الجابري في كتابه (المدخل) اعتبر القصص الواردة في القرآن مجرد أمثلة مضروبة للعبرة لا تعبر عن حقائق تاريخية واقعية. وقد رأيت الأستاذ الضحيان يستسهل هذه المقولة فيقرنها بمذهب من حمل نصوص الصفات على المجاز. فليسمح لي الأستاذ أن أشرح له ما الذي يعنيه إنكار حقائق قصص القرآن.
    معنى هذا القول باختصار: أنه ليس بالضرورة أن يكون قد وجد في التاريخ شيء اسمه أصحاب الكهف، حتى مع تنصيص القرآن على ذلك. كما أنه ليس بالضرورة أن يكون إبراهيم قد قال لأبيه آزر: (أتتخذ أصناماً آلهة). ولا قال الملك لإبراهيم (أنا أحيي الموتى)، ولا قال له إبراهيم (ربي الذي يحيي ويميت). ولا أمر الله إبراهيم بذبح ولده. ولا وكز موسى رجلا فقضى عليه. ولا قال موسى للسحرة (ألقوا ما أنتم ملقون). ولا قال عيسى لقومه: إنه (يبرئ الأكمه والأبرص). ولم يلق يوسف إخوته في الجب. ولا راودته امرأة العزيز عن نفسه. ولا لبث في السجن بضع سنين. ولا قال له أحد (إني أرى سبع بقرات سمان). ولا وجد رجل أماته الله مائة عام ثم بعثه. ولا قال لقمان (لابنه وهو يعظه لا تشرك بالله). ولا قال سليمان للنمل (ادخلوا مساكنكم). ولا قال شعيب لقومه (أوفوا المكيال والميزان). ولا قال لوط لقومه: (أتأتون الفاحشة). ولا قالت (الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك).
    كل هذه القصص وغيرها كثير مما هو منصوص في كتاب الله بعبارات مفصلة لا تحتمل أي تأويل، كل ذلك لا يعدو أن يكون مجرد أمثلة مضروبة ليس بالضرورة أن يكون وراءها واقع تاريخي حسب مذهب الجابري. فلعل الأستاذ يدرك الآن أنه لا مناسبة إطلاقاً بين هذا المذهب الشاذ، وبين مذهب تأويل الصفات. فنفي حقائق قصص القرآن من جنس تأويلات الباطنية القدماء الذين قالوا: إن ظواهر نصوص المعاد و البعث الجسماني وردت على سبيل ضرب الأمثال للعبرة والعظة. وهو الرأي الذي تصدى لإنكاره أبو حامد الغزالي في (التهافت)، وحكم على قائليه بالمروق من الدين، ووافقه على ذلك كثير من أئمة الإسلام.
    وكنت قد نقلت للأستاذ نصوصاً عن ثلاثة من أعيان العصر: شيخ الأزهر محمود شلتوت، والشيخ مصطفى صبري (آخر من تولى منصب شيخ الإسلام في الدولة التركية)، والشيخ الأديب علي الطنطاوي –رحمه الله-. كل هؤلاء ذكروا أن إنكار حقائق القصص القرآنية مما يدخل في حيز الكفر بالقرآن. وقد حرصت كثيراً ألا أنقل عن أحد من علماء البلد، لأني رأيت الأستاذ يكثر الحديث عن تأزم مجتمعه تجاه الرأي المخالف، كما رأيته يدعوني للانفتاح على «آفاق فكرية أرحب من واقعي المحلي الضيق». فلأجل هذه اللهجة التي توحي بتأصل عقدة المستورد لدى أستاذنا، تعمدت أن أنقل له عن علماء من وراء الحدود. وكان مقصودي بذلك كله بيان حجم المصيبة التي جاء بها الجابري في ميزان أهل العلم بدين الله. غير أن أستاذنا لا رغبة لديه في مناقشة ذلك بجدية؛ إذ همته كلها مصروفة للمناورة والتشغيب بفزاعة «التكفير». فإن كان الأستاذ يصر على ذلك المسلك، فأنا أخبره بوضوح أني راض وموافق على جميع ما قاله أولئك الكبار. كما أني موافق على جميع تلك الفتاوى التي نقلتها في حكم من يجوز النقص على كتاب الله. فليحشرني الأستاذ مع هؤلاء، وليلحق بنا سائر أئمة الإسلام، وليطبع على الجميع بخاتم «تكفيريين»، وليبق هو والجابري بعد ذلك أئمة الوسطية والاعتدال.


    «عبط»..أم «استعباط»؟


    حين يذكر الأستاذ من مناقب الجابري: «أنه يرى الأشعرية مخالفين لطريقة السلف». ثم اعترض عليه، بأن الجابري لا يحق له لوم الأشعرية بمثل هذا، لأنه هو نفسه لا يؤمن بإجماع السلف، بل من رأيه أن طريقة السلف تمثل استبداداً وعائقاً معرفياً يتعين الخلاص منه. حين اعترض على الأستاذ بمثل هذا، فإني أفترض أني أخاطب رجلا يفهم وجه الاعتراض، ويدرك أن معنى كلامي أنه لا منقبة ولا فضيلة في مقولة الجابري عن الأشعرية. غير أن الأستاذ تعمد المغالطة في فهم الاعتراض، وجاء ليقول: إنه «مندهش»، و«مصدوم» من فهم الشويقي الذي حسب أن الضحيان يعتبر الجابري سائراً على طريقة السلف!. فهل الأستاذ حقا «مصدوم»، و«مندهش»؟!..لا أظن ذلك. فليس هناك دهشة ولا صدمة، ولكنه «الاستعباط» الذي تعامل به الأستاذ مع اعتراضاتي على كلامه، كي تصح له دعوى أن: الشويقي لا يفهم!
    كذلك حين عد الضحيان في مناقب الجابري أنه: يرى (الإسلام ديناً ودولة)، ثم شرحت له أنه لا يوجد فرق حقيقي بين الجابري وبين من لا يؤمن بذلك. إذ جميعهم يرى أن الممارسة السياسية يجب أن يصدر فيه عن العقل وحده. فالجابري يختلف مع العلمانيين الصرحاء في الطريق، لكنه يصل معهم إلى نقطة واحدة. حين اعترض على الأستاذ بمثل هذا، فإني –أيضا- أفترض أن الأستاذ سيفهم وجه الاعتراض، ثم يوضح لنا ثمرة إيمان الجابري بأن (الإسلام دين ودولة). لكن الأستاذ –مرة ثانية- تعامى عن وجه الاعتراض، وجاء ليتحدث طويلا عن الشويقي الذي أساء الفهم، وظن أن الضحيان يقول: إن الجابري يؤمن بتحكيم الشريعة كما يقول به الإسلاميون!
    الأخ هذه المرة نسي أو استحيا أن يقول إنه «مصدوم»، و«مندهش» من مستوى فهم الشويقي كما قال في المرة السابقة. ربما لأنه في كلا الموضعين لم يكن «مصدوما»، ولا «مندهشاً»، غير أنه يمارس «الاستعباط» بكفاءة عالية، ليتهرب من حقيقة أن ما توهمه منقبة وفضيلة للجابري، ليس سوى كلام مفرغ من أي معنى.



    وسطية المطففين


    المستفتي الذي طرح السؤال على الشيخ البراك، ذكر أن كلام الجابري في القرآن انتشر وفرح به خصوم الإسلام، فجاء الأستاذ ثائراً، متهجماً، وقال: هذا «كذب، وافتراء، رخيص ممن لا يتقي الله في اتهام الغافلين والخوض في أعراضهم، فلا انتشار ولا فرح ولا غيره، وإنما قالوه لأنهم يريدون به التهويل على المفتي وحمله على الإفتاء بما يريد المستفتون». هذا ما قاله الأستاذ الذي يدعو للعدل والإنصاف، وإحسان الظن بالمخالف، والتعامل معه بأدب الإسلام. وقد ذكرت له في مقالتي السابقة (بعض، وليس جميع) المواقع المشبوهة التي استبشرت بكلام الجابري، لأثبت له صحة ما ذكره السائل. فماذا كان جواب الأستاذ؟ كل الذي استطاع الأستاذ أن يجيب به، أن تلك المواقع محجوبة! فهل إذا كانت تلك المواقع محجوبة، يكون السائل كاذباً مفترياً في حديثه عن انتشار كلام الجابري؟! ألا يملك الأستاذ بعض الشجاعة والإنصاف ليعتذر عن إقذاعه في حق ذاك السائل؟!


    -------------------------------
    بندر الشويقي .



  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    17

    افتراضي رد: ما زلت مسرورا من هذا الحوار مع أخي الأستاذ الفاضل الشويقي

    رد الدكتور الضحيان :


    تلخيص الرد

    الرد يحتوي على :

    1- تبيان لتهافت منهج الشويقي في الجدل ، ورد على قوله بأني تناقضت في ستة مواضع .
    2- تحرير لموطن الخلاف بيني وبينه في مسألتين .
    3- تبيين أن الشويقي فر من التكفير إلى الإرجاء
    4- إثبات أن الشويقي خالف إجماع العلماء في مسألة عقدية ، وخالف تعقيد علماء أصول الفقه في مسألة أخرى .
    5- تحدي الشويقي في الإجابة على سؤالين ، وإمهاله عشرين سنة للإجابة عن السؤالين .
    6- دعوة الشويقي لعد مناظرة بيني وبينه على هواء مباشرة في أي قناة تلفزيونية




    تفصيل الرد على رد الشويقي الأخير

    ما زلت مسرورا من هذا الحوار مع أخي الأستاذ الفاضل الشويقي ، وما زلت مستبشرا به ؛ لأني على يقين أننا بحاجة لمثل هذا الحوار لتعويد الجيل الجديد من المتدينين على تقبل الخلاف والتعامل معه على أنه حقيقة معرفية لا مناص منها ، وللمساهمة في تخفيف ( التأزم) الذي يعاني منه وسطنا الثقافي الإسلامي ، وقد لاحظت أن رد الأستاذ الشويقي الأخير جاء متوترا جدا ، محشوا بالتهويل ، والكلام الخارج عن الحوار كحديثه عن ( البكاء ) و( العويل ) ، و( العبط والاستعباط ) ، وينضح بالاستعداء البغيض كإدخال كلام للشيخ ابن باز رحمه الله ، وأنني أنسب منهج الشيخ إلى البدعة ، وكلام الشيخ – رحمه الله - لا علاقة له بقولي من قريب أو بعيد كما سأوضح لاحقا ، وأنا أتفهم كل هذا التوتر من الأخ الشويقي ؛ لأنه جاء في سياق ورطته العلمية التي وقع فيها ، فحاول استعمال أسلوب ( اغلبوهم بالصوت ) ، طبعا لن أجاريه في أسلوبه لأني أنا أكتب لطلبة العلم المحايدين ، والقراء النابهين لا لعوام القراء ، وكل هذا الذي مارسه الأستاذ الشويقي لا علاقة له بالحوار والجدل ، وهو مما يسمى في علم الجدل (الاستعانة بالخارج ) ؛ وهو أنه إذا أعيت أحد المتجادلين الحيلة لجأ إلى شيء خارج موضوع الجدل ليستعين به على خصمه ، وليؤثر على القراء ، ورد ي عليه اليوم سيكون نقدا لجانبين لدى الأستاذ الفاضل :

    الجانب الأول : تعرية منهج الشويقي في الحوار والجدل .
    والجانب الثاني : تبيين تهافته العلمي ، ووقوعه بفضيحة علمية مدوية ،

    وإليك التفصيل :


    الجانب الأول : تعرية منهج الشويقي في الجدل و الحوار

    الأستاذ الشويقي مكثر جدا من الجدل والردود ؛ والمطلع على حواراته وردوده الكثيرة جدا يجد لديه أمرين :

    الأمر الأول :
    أنه لا يلتزم بالحوار ؛ فهو يفر من الإجابة عن أي سؤال يطرحه عليه محاوره حينما يرد عليه ليلزمه إما بموافقته أو الإجابة عن السؤال ، فهو لا يسلم بالموافقة ، ولا يجيب عن السؤال ، وهذا الصنيع منه بحد ذاته عجز و يسميه علماء الجدل ( انقطاع عن الجدل ) ، وقد صنع معي ذلك فقد طرحت عليه سبعة عشر سؤالا ، من واقع أقواله و تقريراته ؛ أريده أن يجيب عليها لألزمه بنتيجة قوله ، أو خطأ تقريره ولوازمه ، فأجاب عن واحد فقط ، وأهمل الباقي ، وهذا بلا شك عجز وانقطاع .

    والأمر الثاني :لا يحسن من طرق الحوار والجدل سوى طريقة ( الإبطال بدعوى التناقض ) ، فهو لا يعرف الإبطال بـ(السبر والتقسيم ) ، و( المنع) ، و(النقض ) و(المعارضة ) ، و( الإلزام ) ، وغيرها من طرق الإبطال المعروفة ، ولأنه لا يعرف سوى طريقة ( الإبطال بالتناقض ) ، فجل ما يصنعه البحث عن التناقض في كلام الخصم ، إلى حد الهوس المضحك ، وغالب ما طرحه في ردوده على مخالفيه – وهي كثيرة جدا- تناقض موهوم ساقه إليه سوء فهمه ، وولعه بإسقاط خصمه مهما كانت الطريقة ، فهو يأخذ كلمة قيلت في كلام شفهي، ويناقض بها كلمة من مقال محكم ، أو يأخذ كلاما من سياقه ويضعه في سياق آخر ، أو ينقض قولا بلازم قول آخر ، ولو تتبع أحد ردوده وحواراته الكثيرة السابقة لوقف على كم هائل من دعاوى التناقض التي ذكرها الشويقي ، وهي في مجملها دعاوى متهافتة عند التحقيق ، وهذه الطريقة قد تنطلي على القارئ العادي الذي ينبهر بالتلاعب اللفظي ، والمجيء بكلمة من كلام الخصم ووضعها بين قوسين ، ثم وضع كلمة ظاهرها التناقض معها ، ثم الصياح : "انظروا إلى التناقض" ، لكن القارئ الذكي ، وطالب العلم المحايد سيكتشف عند أول قراءتها تهافتها المضحك .
    وحتى لا نلقي الكلام على عواهنه ، تعالوا نستعرض ما ذكره في رده الأخير علـيَّ ، وزعم فيه أني تناقضت في مواضع ؛ لتعرفوا حجم الهوس الذي يعاني منه الأستاذ في بحثه عن تناقضات ليست موجودة في الحقيقة إلا في ذهنه .


    ذكر الأستاذ أني تناقضت في ستة مواضع هي :

    (1) - قال الأستاذ الفاضل الشويقي : (( الأستاذ الضحيان في مقالته الأخيرة نقل عن الجابريِّ كلاماً، ثم قال عقبه: "هذا الكلام من الجابري دليلٌ قويٌّ على استحالة الزيادة" في القرآن. وكأن الأستاذ نسي قوله بالأمس: إنه بعد (قراءات متفحصة) اكتشف أن الجابريَّ لا يجزم بسلامة القرآن من الزيادة والنقص. فكيف سيجمع الجابري بين استحالة وقوعِ الزيادة و وبين شكوكه في انتفائها؟! )) ، انتهى كلام الشويقي .
    قلت : واضح أن الأستاذ الفاضل يجهل طرق نقض الحجج في علم الجدل ، فهو يفهم من إبطالي لأحد أدلته بذكري أن لازم قول الجابري نتيجته تعاكس نتيجة فهم الشويقي تماما ، ففهم الأستاذ الشويقي – لله دره - أن ذكري للازم قول الجابري هنا , يناقض ذكري لصريح قول الجابري لاحقا ، وهذا استنباط طريف جدا في علم الجدل ، وهو من طرائف الأستاذ التي لم يسبق إليها – وما أكثر تقعيده الذي لم يسبق إليه - ولا بأس أن أوضح الصورة للقراء ليقفوا على فهم الأستاذ العميق لما يقرأ ؛ الكلام الذي ذكره الأستاذ الفاضل في مقاله لم أورده أنا ابتداء ، بل الأستاذ هو الذي أورده ليستدل به على أن الجابري يقول بنقص القرآن ؛ فأنا أردت إبطال استدلاله به على قول الجابري بنقص القرآن ، وأثبت أنه يدل على عكس مراد الشويقي لا بـ( نصه ) بل بـ( لازمه ) ، ولازم القول ليس بقول إلا إذا التزمه صاحب القول ؛ كما هو معلوم عند عامة من يفهم أصول علم الجدل ، فجاء الأستاذ بفهمه العميق – بارك الله فيه – فأنزل القول ، ولازم قول آخر بمنزلة واحدة ، وظن أن في هذا تناقضا ، فطار به ، وإنما أوتي من سوء فهمه ، وضعف تصوره لقوانين علم الجدل ، وإذا كان الأستاذ الفاضل لا يدرك الفرق بين القول ، ولازم القول ، ويجعلها بمنزلة واحدة ، ولا يدرك الفرق بين اللازم البين ، واللازم الخفي ، وهو المكثر من الجدل والردود على كثيرين ممن يخالفونه في فهمه لمنهج السلف فهذه مصيبة ، فأي تخبيط ، وسوء فهم سيقع فيه ؟!
    وهذا ما يفسر سوء الفهم الملازم له في كثير مما يقرأ ، وقد سبق أن أوردت عجائب من سوء فهمه في مقالي السابق ( انظر إليه أعيد نشره في موقع عاجل بريدة ) ، وسترى عجائب أخرى في هذا الرد .


    (2) – قال الأستاذ الفاضل : (( حين أراد الأستاذ–ببراءة وإخلاصٍ- إلزامي بتكفير الجابريِّ ذكر أن الجابريَّ (عالمٌ) فلماذا لا يكفِّره الشويقي إذا كان يراه مخالفاً لما علم من الدين بالضرورة. ثم لم يلبث الأستاذُ أن تساءل: لماذا لا يعذر الشويقي الجابري في خطئه، مع أنه مفكر، و(ليس بعالمٍ في الشريعة) ، فالجابريُّ عالمٌ وليس بعالمٍ في مقالةٍ واحدةٍ كتبها قلمٌ واحدٌ!! )) ، انتهى كلام الشويقي .
    قلت : دعونا نورد كلامي بنصه ، قلت ((، ومن بدهيات العلم الشرعي أن من أنكر معلوما من الدين بالضرورة ، وهو عالم ، وانتقدت عليه هذه المخالفة ، وأصر فهو كافر ، والجابري عالم وقد انتقد ، وبلغه النقد )) ، هنا فهم الأستاذ أن كلمة ( عالم ) هنا أي ( عالم بالشريعة ) ، فظن أني تناقضت وطار بها ، والحق أن الأستاذ الشويقي أتي من سوء فهمه – كما هي عادته - فظن أن كلمة ( عالم ) في الموضعين دلالتها واحدة ، ولا ينقضي عجبي من هذا الفهم الطريف جدا ، حسنا لأبين الفرق للشويقي ، وليس للقراء ؛ كلمة ( عالم ) في النص تعني ( عالم بما يقول في هذه المسألة ) ، ليس بعامي جاهل يلقي الكلام هكذا ، وقد يكون جاهلا حهلا مطبقا في بقية أحكام الشريعة ، نعم فالجابري مفكر وليس بعالم في الشريعة ، لكنه عالم بهذه المسألة مطلع على الأقوال فيها ، والروايات ، وتخريج العلماء للروايات ، وعقد لها فصلا كاملا في كتابه ، وانتقد وبلغه النقد ، ومن المعلوم عقلا وشرعا أنه قد يكون الرجل عالما في الشريعة كلها ، أو في المذهب ، أو في الباب من العلم ، أو في المسألة منه ، وقد بنى الأصوليون على ذلك المسألة المشهورة : هل يجوز أن يتجزأ الاجتهاد ؟
    فذهب جمهور الأصوليين من أصحاب المذاهب الأربعة إلى القول بتجزىء الاجتهاد ، ونصوا على أن الرجل قد يكون مجتهدا مطلقا في الشريعة ، أو مجتهدا في المذهب ، أو مجتهدا في باب من العلم دون ما سواه ، أو مجتهدا في مسألة واحدة فقط وعالم بها .


    (3) - قال الأستاذ الشويقي - محاولا إثبات أني تناقضت - (( تماماً كما أن الجابريَّ خالف الرؤية المجمع عليها، لكنه لم يخرج عن أقوال أهل العلم!)) ، انتهى كلامه ؛ قلت : هذه الدعوى لن أجيب عنها ؛ لأنها تكرار قبيح ، ولجج في الجدل يتنزه عنه كل من ينتسب للعلم الشرعي الشريف ؛ فقد أجبت عنه مرتين في المقالين السابقين ( وليرجع القارئ المحايد للمقالين السابقين لي في موقع عاجل بريدة ) ، وهذا التكرار واللت والعجن هو سبب طوال الحوار وملل القراء .
    و تكرار الأستاذ الشويقي لهذا اللت والعجن للمرة الثالثة في هذه الدعوى دليل على عجزه التام عن نقض جوابي ، أو إيجاد ثغرة فيه ، كما أنه دليل - أيضاً - على ولعه المضحك جدا بالبحث عن تناقضات موهومة يعرف هو قبل غيره أنها غير صحيحة ؛ لكنها الطريقة الوحيدة التي لا يعرف غيرها في فن الجدل ، ولسان حاله يقول : وما ذا أصنع إن لم أوهم القراء أن ثمة تناقضا ؟


    (4) - قال الشويقي - ليثبت أني متناقض - : (( قال الضحيان : (( الذي أعرفه أن الشويقي ليس تكفيرياً )) ثم قال الضحيان ((إن الجابريَّ بلا شك كافرٌ باعتقاد الشويقي )) ، ثم علق الأستاذ الشويقي : (( فقد أصبح الشويقي تكفيرياً، وليس تكفيرياً في آنٍ واحدٍ في نظر أستاذنا )) ! انتهى كلام الشويقي .
    قلت : الشويقي اعتمد في هذا على نسختين نسخة ( الجريدة ) ، وفيها يطلبون تهذيب المقال من أي كلام في التكفير ، ونسخة ( الانترنت ) وفيه التصريح بالتكفير ، ( ارجع للمقال في موقع عاجل بريدة ، فطريقتي أني أرسل المقال للجريدة مهذبا ، ثم أنشره بحلقتيه جميعا مع بعض في (عاجل ) ، من دون تهذيب ؛ أي أن الحلقتين جميعا ينزلان معا في (عاجل ) يوم الخميس الذي تنزل فيه الحلقة الثانية في عكاظ ) ، وتعامل معهما على أنهما نسخة واحدة ، فأخذ من كل نسخة ما يريد ، وعلى كل سأحسن الظن به ، وسأتعامل معه على أنه لم يطلع على نسخة ( عاجل بريدة ) ، واكتفى بما في ( عكاظ ) ، و( مجموعة القاسم ) ، وليس فيهما التصريح بأنه كفر الجابري ، فأقول : ليس هناك تناقض بين القولين ؛ فنفي التكفير عنه في الظاهر فقط فهو ظاهريا لم يكفر الجابري ، لكن نتيجة كلامه وقوله : إن الجابري أنكر معلوما من الدين بالضرورة ، والجابري – كما هو معروف - عالم بما أنكر، وانتقد ، وبين له ، وأصر فهو كافر قطعا بإجماع العلماء ، وأنا كنت أظن الشويقي يتفق مع الإجماع ، ولا يخالفه ، ولهذا ألزمته بالنتيجة ، ثم على إلزامه بهذه النتيجة , وبأنه يتبنى تكفير الجابري ؛ فهو ليس ( تكفيريا ) ، ومازلت أقول : إن الشويقي ليس تكفيريا حتى لو كفر الجابري ، وواضح أن الشويقي لا يعرف دلالة الألفاظ في اللغة العربية ، فهو لا يفرق بين دلالة النسب ، ودلالة اسم الفاعل أو الفعل ، فمن كفر مرة ، أو مرتين ، أو ثلاثا ،أو خمس مرات يقال عنه : ( كفـَّّر ) فعل ماض عـُدي بتضعيف عينه ، فهو مكفر ( اسم فاعل ) ، ولا يقال عنه تكفيري ؛ لأن لفظ ( تكفيري ) اسم منسوب إلى التكفير ؛ ولا ينسب لمنهج التكفير إلا من أكثر من التكفير جدا ، وصار منهجا له في تعامله مع كل من خالفه ، وما زلت أعتقد وأقول : إن الشويقي ليس تكفيريا ، و لو صدر منه تكفير روائي ، أو مفكر ، أو تكفير من دعا للديمقراطية ، أو تكفير علماء طائفة من الطوائف ، أو غير ذلك .


    (5) - قال الشويقي : (( قال الجابري "هذا ويعلل بعضُ علماء الإسلام من أهل السنة ظاهرةَ سقوط آياتٍ من القرآن، بكونها داخلةً في معنى النسخ. غير أن علماءَ آخرين أنكروا أن يكونَ ذلك من النسخ، وقالوا إن ما ذُكر من الزيادة والنقصان في القرآن يرجع إلى خبر الآحاد والقرآن لا يثبت بها وإنما يثبت بالتواتر".اﻫ ، قال الضحيان : إن "سكوته (الجابري) عن ردِّ هذا القول تعبير عن موافقته لذلك؛ لأن طريقته أنه لا يترك قولاً لا يتفق معه إلا ناقشه"، فقد انقلبت القاعدة عند أستاذنا، وأصبح إيراد الرواية وإيراد القول، يعني الأخذ به، بعدما كان ذلك ممنوعاً، وإني لأعجب من الأستاذ كيف يحكي الجابريُّ قولين مختلفين، ويسكت عنهما، ثم ينتقي الأستاذ أحدهما، وينسبه للجابريِّ؟! )) انتهى كلام الشويقي



    قلت : في كلامه دعويان :

    الدعوى الأولى : دعوى أن الجابري أورد قولين مختلفين وسكت عنهما ، وأني انتقيت احدهما ونسبته للجابري ، ولا أدري هنا هل أساء الفهم الشويقي – كما هي عادته - أو دلس ؟!

    نعم الجابري ذكر قولين وهما ( النسخ ) و( يرجع إلى خبر الآحاد ) ، لكنه لم يسكت عنهما كليهما بل رد أحدهما ، فقد نصصت على أنه لا يرى النسخ ، فقد قلت قبل هذا الموضع بأسطر: (( ومن المعلوم أن علماء أهل السنة يرون أنها مما نسخت برفع لفظها وبقاء معناها ، وهو يفسر النسخ بتفسير آخر، وقد كتب في معنى النسخ في القرآن مقالا تجده في موقعه)) ، أي أنه أبطل أحد القولين ، وسكت عن رد الآخر ، وهذا دليل على تبنيه ؛ لأنه إذا كان في معرض الترجيح لا يترك رأيا لا يتفق معه من دون نقاشه ورده كما صنع في رأي علماء الشيعة ، وكل منصف ممن مارس دراسة الأقوال يعرف هذا , وعليه فأنا لم أنتقِ – كما زعم الأستاذ الكريم - ، ولا أدري من أين للشويقي هذا الفهم العميق ؟ !!
    لا شك أنه بان للقراء البراعة المدهشة جدا للأستاذ الشويقي في استخراج المتناقضات !!

    الدعوى الثانية : أني قد قررت سابقا أن الجابري أورد أقوالا وروايات ، وسكت عنها ، ومع هذا منعت أن تنسب إليه ، ثم ناقضت نفسي وقررت أنه إذا سكت عن مناقشة رأي ينسب إليه ، وهذه الدعوى من الأستاذ محض افتراء ، كان الظن به الترفع عن مثله ، فهو لم يستطع – مع منهجه المضحك الملازم له في التفتيش عن التناقض – أن يأتي بمثال واحد صحيح يثبت أني أوردت أقوالا للجابري وقد سكت عنها ، ومع هذا منعت أن تنسب إليه .
    نعم عقب الأستاذ الفاضل على ما سبق منتشيا بقوله : ((ثم ما رأي الأستاذ لو قلت له إن الجابري في (ص18) ذكر أن من العلماء من لا يؤمن بتواتر القرآن، وسكت عن هذا القول ولم يتعقبه. فهل سيطبق هنا قاعدة (السكوت على القول يعني الموافقة عليه)؟! )) .
    قلت : لا ينقضي عجبي من سوء فهم الأستاذ الطريف العجيب الغريب ؛ كل من قرأ كلامي يفهم أني أريد أن من منهجه خلال إيراد الأقوال المتعارضة - وهو في معرض مناقشتها والمفاضلة بينها - أنه إذا سكت عن قول فإنه دليل على تبنيه ، الأستاذ الفاضل - بفهمه العميق - ظن أني أقرر أنه في أي موضع يورد الجابري قولا ويسكت عنه فهو دليل تبنيه ، ولهذا ذهب يقرأ الكتاب من أوله ليبحث عما يبطل هذه القاعدة التي ساء فهمه لها ، فوجد هذا المثال فطار به ، طبعا هذا فهم فانتازي من غرائب الأستاذ وولعه بالبحث عن التناقض .

    (6) - قال الأستاذ الفاضل الشويقي ((أعجبُ من هذا وأغربُ أن الشيخ البراك قال في فتياه المشهورة: "أجمع المسلمون على كفر من زعم تحريف القرآن أو جوَّز ذلك". قاله الشيخ تعليقاً على دعوى الجابريِّ جواز حصول نقصان في القرآن. وقد سمعنا الأستاذ على (قناة الحرة) يقول: "حتى نكونَ عادلين، واضحٌ أن الشيخ البراك لم يكفِّر الجابريَّ" انتهى كلام الشويقي ، الأستاذ الفاضل الشويقي هنا يرى أني تناقضت ؛ فكيف أقول : الشيخ البراك لم يكفر الجابري ، و أقول : إنه هو يكفره ، طبعا لا يخفى على الفقيه المطلع الفرق بين الواقعتين ، الشيخ البراك كلامه مطرد , فقد حكم على الحالة بأنها كفر ، ولم يكفر الجابري ؛ لأنه لم تقم على الجابري آنذاك الحجة بعد ؛ إذ لم يبلغه النقد ، أما الشويقي فكلامه بعد بلوغ الفتوى للجابري وبلوغه النقد ، وإصراره على قوله ، أي أن هناك فرقا بين الواقعتين ، لكن فقه الشويقي وعلمه لم يحط بهذا للأسف ، فتوهم التناقض لولعه بالبحث عنه



    خلاصة منهج الشويقي في الحوار

    وبعد فواضح من حوارات وردود الأستاذ الفاضل الشويقي على المخالفين له أن المقصود بها إسقاط الخصم ، والتشويش عليه ، وتشويهه عند القراء ، و التشغيب عليه ؛ لهذا فهو لا يلتزم في حواره بالفكرة المختلف فيها ، أو بالأفكار التي يريد الرد على صاحبها ابتداء فيناقشها بهدوء ، وعلم ؛ لإظهار الحق ، ونصح الخلق ، بل يذهب يبحث في مجمل ما كتبه خصمه بغض النظر عن تاريخ الكتابة ، أو ما قاله شفويا ، وما قاله كتابة ، وتحريرا ، فيقتنص منه ما ظاهره التناقض ، فيبرزه في سياق التهكم واللمز ، والسخرية ، وهو منهج يقبح بالمنتسب للعلم الشرعي الشريف أن يستعمله ، إذ هو لا يفيد القارئ في شيء ؛ إذ إن التناقض ، والخطأ من الأمور التي تعرض لأي إنسان مهما كان علمه وتدينه وفضله ، وما يفيد حقا في الردود والحوار هو نقاش الأفكار، والرد عليها ، وتفنيدها ، نصحا للخلق ، وطلبا للحق ، ثم إن النص على التناقض - في الغالب - غير موضوعي وغير علمي ؛ ذلك أنه يخضع لفهم الناظر، وتصوره في مجمله ، وقد رأينا في ما نسبه لي من تناقضات - فيما سبق - كيفية فهم الأخ الشويقي ، وضعف تصوره وإدراكه ، وتمحله الطريف في إثبات التناقض ، وأرجو من القارئ الكريم حينما يقرأ للأخ الأستاذ الشويقي لاحقا أن يستحضر هذا المنهج ، وسيكتشف - حتماً - مساحة التجني التي يقع فيها الشويقي عند سجاله مع خصومه ، أو ردوده على مخالفيه .


    تنبيه أخير

    كرر الشويقي سؤالي عن الأثر السيئ للجابري ، ولماذا لا أذكره ؟ وضرب مثلا على أثره السيئ ببعض الكتاب الذين تأثروا بقول الجابري ، وأنا لم أجب لظني أن الإجابة معروفة لا تستحق الوقوف عندها ، أما إذ كرر السؤال منتشيا فأقول :

    كلام الشويقي هذا أنموذج على المنهج ( المأزوم ) الذي نعاني منه في واقعنا ، وهو أنه لابد أن يتفق معنا الآخرون في كل شيء في المنهج ، و الرؤى ، والأفكار ، والحكم على الأشخاص ، والوقائع ، والتاريخ ، أما إن اختلفوا معنا في قليل أو كثير ، فلا نكتفي بالرد العلمي الهادئ المحكم المنضبط في الرد عليهم ، بل يجب ملاحقتهم ، والتحذير منهم ، والرد عليهم بعنف ، وإسقاطهم ، وتبيان إثرهم السيئ ، وهذا ما جعل كثيرا من الشباب المتدينين الفضلاء الصالحين ، يتوجسون من كل ما يكتب ، وساحات الانترنت والتعليقات فيها شاهدة على هذا التأزم ، والتوجس .

    وإذا قلد الجابري في أخطائه الشنيعة كاتب أو ألف كاتب ؛ فكان ماذا ؟ هناك علماء فضلاء فطاحلة أفذاذ وقعوا في أخطاء شنيعة وتابعتهم عليها أمم من الناس كأبي الحسن الأشعري ، والغزالي ، وابن عقيل الحنبلي ، وابن الجوزي الحنبلي ، وغيرهم من الفضلاء ، وهل عـُصِم أحد من الخطأ خلا الرسل عليهم السلام .

    العلم والثقافة والفكر تراكم معرفي فيه الصواب والخطأ ، والحسن والقبيح ، ولا يلزم من ذكر الأثر الحسن لعالم ، أو مفكر ، أو داعية ، أو طالب علم ، أو مثقف أن نذكر الجانب السيئ ، وهذه من البدهيات التي لم أر داع لذكرها لولا التكرار الغريب من الأستاذ .





    الجانب الثاني

    تبيين تهافت الأستاذ الشويقي العلمي ، وضعفه في تصور المسائل ، وضعف تحريره لموطن الخلاف بيني وبينه

    الأستاذ كتب ردا طويلا جدا محشوا بكلام ، وتهويل لا علاقة له بالخلاف بيني وبينه إطلاقا ، وهو ما يسميه علماء الجدل ( الاستعانة بالخارج) كما سبق أن نبهت ، ولنضع النقاط على الحروف لابد من تحرير موطن الخلاف بيني وبينه .

    الخلاف بيني وبينه مر بأربع مراحل وهي :

    المرحلة الأولى :

    الخلاف بيني وبينه في الإجابة عن سؤال : هل قال الجابري بنقص القرآن أو لا ؟
    الشويقي يقول : إن الجابري جزم بنقص القرآن ، وأنا قلت : إنه لم يجزم بنقص القرآن ، بل قال : إنه ليس هناك أدلة قاطعة على وجود زيادة أو نقص في القرآن ، أي إن أدلة كمال القرآن ظنية ، وقلت : إن قول الجابري يخالف الإجماع عند أهل السنة والجماعة .

    المرحلة الثانية :

    رد الشويقي وأصر على أن الجابري يقول بنقص القرآن ، ثم تنزل معي – من باب الجدل وليس الموافقة على كلامي – و قرر أن مجرد قوله : إن أدلة كمال القرآن ظنية هو مخالفة للمعلوم من الدين بالضرورة ، وليس مخالفة للإجماع فقط .

    المرحلة الثالثة :

    رددت عليه وقلت : بل مخالفة للإجماع ، و إذا كان الشويقي يحكم على قول الجابري بأن أدلة كمال القرآن ظنية بأنها مخالفة للمعلوم من الدين بالضرورة ، ونحن نعلم أن الجاري عالم بالمسألة ، وقد انتقد وبلغه النقد فمعنى كلام الشويقي تكفير للجابري .

    المرحلة الرابعة :
    رد الشويقي مصرا على أن قوله مخالفة للمعلوم من الدين بالضرورة ، وقرر أن من خالف المعلوم من الدين بالضرورة ، وانتقد وبلغه النقد وأصر لا يستلزم تكفيره إذا كانت لديه شبهة تأويل ، واستشهد بنقولات من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية .


    إذن انتهى الخلاف بيني وبينه إلى مسألتين وهما :

    المسألة الأولى : ( حكم من أنكر المعلوم من الدين بالضرورة وهو عالم ، وانتقدت مخالفته ، وبلغه النقد ، وأصر ) .

    والمسألة الثانية : ( القول بأن أدلة كمال القرآن من النقص والزيادة ظنية ، هل هذا القول مخالف لما علم من الدين بالضرورة أو مخالف لإجماع العلماء ؟ ) .
    وهما مسألتان مركزيتان في حوارنا هذا ، وعليه فإن إخفاق أي واحد منا في هاتين المسألتين يعني الإخفاق في الحوار، وإليك تفصيل الكلام فيهما :



    المسألة الأولى

    حكم من أنكر المعلوم من الدين بالضرورة وهو عالم وانتقدت مخالفته ، وبلغه النقد وأصر:

    قلت أنا : حكمه كافر بإجماع العلماء ، وهذا من بديهيات العلم الشرعي ، وبما أن الشويقي قرر أن قول الجابري : ( إن أدلة كمال القرآن ظنية ) مخالفة للمعلوم من الدين بالضرورة ، والجابري عالم بما قال وانتقد وبلغه النقد واصر على قوله إذن هو كافر ، رد الأستاذ الشويقي بأنه لا يكفر إذا كانت لديه شبهة تأويل حتى لو انتقد وبلغه النقد ، ونقل من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ما تصور أنه يؤيد قوله ، و سأذكر ما ذكره من كلام شيخ الإسلام لاحقا ، وأبين خطأ الأستاذ في فهمه .
    وحقيقة لقد اندهشت من تأصيل الشويقي هذا ، ولم يخطر ببالي إطلاقا أنه بهذا الضعف العلمي ، فسالت أحد الزملاء من طلبة العلم : كيف يتصور أن يجهل المتخصص في العقيدة هذا الحكم ؟ .
    فأوضح لي أن الرجل متخصص في السنة ، وليس في العقيدة ، فعذرته ؛ إذ إن كثيرا من المتخصصين في السنة يهتمون بدراسة الأسانيد ، وتخريج الأحاديث ، مع إهمالهم لفقه الحديث ، وضبط علوم الآلة كعلم أصول الفقه ، و علم اللغة ، وعلم الكلام ، والمنطق ، وعلم الجدل .
    ولكي ندرك الخطأ الفادح والفضيحة العلمية المدوية التي وقع فيها الأستاذ الفاضل الشويقي ووعدت بها القراء



    إليك أقوال العلماء في حكم من أنكر معلوما من الدين بالضرورة وهو عالم وأصر :

    فقد أجمعوا على كفره ، جاء في فتوى الهيئة الدائمة للإفتاء الإجماع على كفره ، ففي فتوى لهم ((وأجمع العلماء على أن من جحد شيئا معلوما من الدين بالضرورة فهو كافر)) ، فتوى برقم ( 21546 ) وتاريخ 26 / 6 / 1421هـ .

    ومن أقوال علماء الحنفية :

    قال الملا على القاري : (( وإنكار وجوب المجمع عليه إذا كان معلوما من الدين بالضرورة كفرٌ اتفاقا ، بل قال جماعة إن إنكار المجمع عليه كفرً وإن لم يكن معلوما بالضرورة )) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 6 / 74 .

    ومن علماء الشافعية :

    قال النووي (( وإن جحد ما يعلم من دين الإسلام بالضرورة حكم بردته وكفره ، وكذا من استحل الزنا أو الخمر أو القتل أو غير ذلك التي يعلم تحريمها ضرورة )) شرح مسلم للنووي 1/100 ، وقال الزركشي ((فكم من قطعي لا يكفر منكره بل لا بد أن يكون مجمعا عليه معلوما من الدين بالضرورة )) البحر المحيط 2 / 119 ، وقال الذهبي ((لو أنكر الإنسان أمرا معلوما من الدين بالضرورة متواترا قطعي الثبوت لكان بذلك كافرا )) سير أعلام النبلاء 1 / 37.

    ومن أقوال علماء الحنابلة :

    قال ابن النجار (( لكن التكفير بمخالفة المجمع عليه لا بد أن يكون معلوما من الدين بالضرورة )) شرح الكوكب المنير 1 / 452 .

    ومن أقوال علماء المالكية :

    قال الزرقاني: : (( إنَّما يكفر من أنكر متواترًا معلومًا من الدِّين بالضرورة )) مناهل العرفان"، (1/328).

    ومن علماء الدعوة السلفية في نجد :

    قال ابن سحمان ((وهذا إذا كان في المسائل الخفيَّة، فقد يقال بعدم التكفير، وأمَّا ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجليَّة ، أو ما يعلم من الدِّين بالضرورة، فلا يتوقَّف في كفر قائله )) كشف الأوهام والالتباس 144
    وقال الشيخ حافظ الحكمي في : (( فمن جحد أمرًا مجمعًا عليه معلومًا من الدِّين بالضَّرورة، فلا شكَّ في كُفْرِه )) معارج القبول : 3 / 104.

    ومن علماء السعودية المعاصرين :

    قال الشيخ صالح الفوزان (( الثابت من الدين بالضرورة هو ما ثبت بدليل قطعي إما عن طريق التواتر أو عن طريق الإجماع القطعي من الأمة والذي يعد من جحده كافرًا ، وذلك مثل وجوب الصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج وأركان الإسلام وكذلك تحريم الخمر والربا والزنا أو كذلك المباح الذي علمت إباحته بالضرورة من دين الإسلام مثل لحم بهيمة الأنعام المذكاة والخبر وما أشبه ذلك وما ثبت حكمه بالضرورة من دين الإسلام حلاً أو حرمة فإن هذا يعد من أنكره كافرًا بالله عز وجل ومرتدًا عن دين الإسلام )) المنتقى من فتاوى فضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان - (ج 4/ ص 269) .

    ومن فتاوى الجنة الدائمة برئاسة الشيخ بن باز- رحمه الله - :

    ((وتكفير المعين إذا أنكر معلوما من الدين بالضرورة كالصلاة أو الزكاة أو الصوم بعد البلاغ واجب ، وينصح ، فإن تاب وإلا وجب على ولي الأمر قتله كفرا )) عبد الله بن حسن بن قعود ، عبد الله بن غديان ، عبد الرزاق عفيفي ، عبد العزيز بن عبد الله بن باز / مجلة البحوث الإسلامية 28 / 229 .

    هذه هي أقوال العلماء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة ، وعلماء الدعوة السلفية في نجد ، وفتاوى اللجنة الدائمة ، برئاسة الشيخ ابن باز رحمه الله ، ولم أورد فتاوى القرضاوي وشيوخ الأزهر لعلمي بعدم اعتداد الأستاذ بها .



    ويمكن القول بعد هذا إن الأستاذ الشويقي – أصلحه الله ورده إلى الحق – أراد أن يخرج من إلزامي له بنتيجة قوله ( إن الجابري أنكر معلوما من الدين بالضرورة ) فذهب ينتصر لنفسه ، وقرر قولا خالف فيه إجماع علماء الأمة قاطبة ، ولعلي لا أكون قاسياً على الأستاذ إذا قلت إن هذا التصرف في حقيقته فرار من التكفير إلى الإرجاء ،فالأستاذ يصدق عليه بفراره هذا مثال الفقهاء ( غسل الدم بالنجاسة ) ، ويذكرني بقصة بشار بن برد حيث كان له صديق مجوسي فأسلم وصار يشتم الصحابة ؛ فقال له : يا فلان أنت لم تصنع شيئا إنما تحولت من يسار النار إلى يمينها

    ولست أنا الذي يقرر أن هذا التصرف من الشويقي إرجاء بل هذا قول الشيخ الدكتور سفر الحوالي ؛ فقد ذكر أن القول بكفر المنكر للمعلوم بالضرورة كفر بالإجماع ، وأن عدم تكفيره من باب (عدم تكفير أحد من أهل القبلة ) إرجاء ؛
    انظر شرحه للطحاوية في موقعه http://www.alhawali.com/index.cfm?method=home.Sub) *******&*******ID=6391&keyword s=المعلوم,من,الدي ن,بالضرورة ) ،

    طبعا لن أسود الصفحات عن ( النحيب ) ، و( العويل ) وغيره من التهويلات كما صنع الأستاذ الشويقي ، ولن أقول إن الأستاذ الشويقي اعتنق مذهب الإرجاء لعلمي بجهله حينما قرر ذلك ، وإنما مرادي من ذلك كله العلم والحقيقة ، وإطلاع القارئ المحايد على حقيقة علم الأستاذ وفهمه



    يبقى الإجابة عما أورده الأستاذ الشويقي من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية مما تصور أنه يؤيد قوله الفاسد

    فقد أورد الشويقي مقولات لابن تيمية نص على أنها من المعلوم من الدين بالضرورة وهي :
    ( فساد القول بأن تعلم المنطق فرض كفاية ، والصلاة عند القبر لا فضل فيها ، وأن البناء على القبور غير مشروع ، و حرمة التمسح بمساجد منى وتقبيلها ) .



    يرد عليه بثلاثة إجابات لا يستطيع الأستاذ نقضها ، وهي :


    (1) – الإجابة الأولى : واضح من إيراد الأستاذ لهذه المقولات أنه غير مطلع على فقه شيخ الإسلام ؛ فابن تيمية يستعمل مصطلح ( المعلوم من الدين بالضرورة ) باعتبارين ، اعتبار إضافي ؛ فكل ما ثبت في الشريعة وعرفه أحد العلماء فهو معلوم من الدين بالضرورة لدى هذا العالم ؛ قال ابن تيمية (( فكون الشيء معلوما بالضرورة أمر إضافي ... فكثير من العلماء يعلم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد للسهو وقضى بالدية على العاقلة ، وقضى أن الولد للفراش ، وغير ذلك مما يعلمه الخاصة بالضرورة ، وأكثر الناس لا يعلمه البتة )) مجموع الفتاوى : 13/118 .
    واعتبار آخر وهو المعلوم من الدين بالضرورة الذي لا يسع أحد جهله وهو الذي يكفر منكره إذا بين له وأصر ، وهو يكثر من ذكر الاعتبار الأول في سجاله وردوده ، ويتضح لأي طالب علم يمعن النظر في هذه المقولات التي نقلها الشويقي أن مقصود ابن تيمية أنها معلومة بالضرورة للعالم المطلع ، لا أنها مما يصدق عليه مصطلح ( معلوم من الدين بالضرورة ) بالاعتبار الثاني الذي يكفر منكره ، وأن ابن تيمية قالها من باب الحجاج .

    نعم يبقى الجواب عن قولين مشكلين من أقوال أبن تيمية التي أوردها الشويقي ، وهما :

    القول الأول : قول ابن تيمية في الحكيم الترمذي ؛ فأقول : إن كان صدر من الحكيم الترمذي مخالفة لما يعلم من الدين بالضرورة حقيقة فإنه لا يمكن أن يكفره ابن تيمية ؛ لأنه غير معاصر له ، ليقيم عليه الحجة ، ولا يعلم هل قامت عليه الحجة وبين له أو لا؟ ولا تقليد في التكفير خاصة من المجتهدين أمثال ابن تيمية .

    القول الثاني : قول ابن تيمية في ( العلو ) حيث استشهد به الأستاذ الشويقي ، حيث قال (( قال : ابن تيمية –رحمه الله- (في درء التعارض 5/302) إن "إثبات الصفات والعلو والأفعال معلومٌ بالاضطرار من دين الرسول". فليأخذ الأستاذ من هذا أن ابن تيمية يكفر علماء الأشعرية، والماتريدية، وسائر الفرق الكلامية التي لا تثبت صفة العلو لله –سبحانه-. فهؤلاء كلهم علماء، وقد بلغهم نقد أهل السنة لهم، فأصروا، بل منهم من عدَّ إثبات العلو كفراً!!)) أ . هـ .

    قلت : استشهاد الأستاذ الشويقي بمقولات ابن تيمية هذه دليل على ضعفه في تصور مسائل العلم ، فمراد ابن تيمية أن العلو بمعناه الذي يقرره هو معلوم من الدين بالضرورة للعلماء الذين اتبعوا منهج السلف ، فهو يتحدث عن ( المعلوم من الدين بالضرورة ) بالاعتبار الأول الذي سبق أن ذكرته ، لا أنه معلوم من الدين بالضرورة لا يسع أحد جهله ، نعم أجمعت فرق الأمة قاطبة من دون استثناء أهل الحديث أتباع السلف ، والأشاعرة ، والماتريدية على أنه معلوم من الدين بالضرورة لا يسع أحد جهله أن أن الله منزه عن النقص ، وأنه معلوم من الدين بالضرورة أن الله وصف نفسه في كتابة بأنه علي ، ورحيم ، وسميع ، ويغضب ، فمن أنكر ذلك وبين له , وأصر فهو كافر بلا خلاف بين الفرق ، لكنهم اختلفوا في المعنى المراد بهذه الصفات ، فأهل الحديث أتباع السلف أجمعوا على أن العلو مراد به علو الذات وعلو القدْر ، وعلو القهر، وخالفهم الأشاعرة والماتريدية في علو الذات ؛ وشبهتهم في نفي علو الذات أن إثبات علو الذات يستلزم الجهة ، والجهة تستلزم التحيز ، والتحيز يستلزم أن يحيط به شيء إلى آخر المستلزمات التي ذكروها ، فالأشاعرة والماتريدية لم يخالفوا المعلوم من الدين بالضرورة مما لا يسع أحد جهله ، بل خالفوا إجماع السلف في تفسير المراد بهذه الصفات لشبهة عرضت لهم ، ولم يكفرهم علماء الحديث أتباع السلف نتيجة لشبهة التأويل ؛ وإن كان لازم كلامهم – حسب قول ابن تيمية - شنيعا مؤديا إلى الكفر ؛ لأن لازم القول ليس بقول إلا إن التزمه صاحبه ، وقد أجمع العلماء على عدم التكفير باللازم ، ويسميه الشاطبي التكفير بالمآل ، قال ابن تيمية : (( والصواب أن لازم مذهب الإنسان ليس بمذهب إذا لم يلتزمه ... ، ولو كان لازم المذهب مذهبا للزم تكفير كل من قال عن الاستواء وغيره من الصفات انه مجاز ليس بحقيقة ، فان لازم هذا القول يقتضي أن لا يكون شيء من أسمائه وصفاته حقيقة )) مجموع الفتاوى 20/217 ، ولهذا كان ابن تيمية في حواره مع علماء الأشاعرة يقول لهم : أنا لا أكفركم لوجود الشبهة لديكم ، لكن لو قلت بقولكم لكفرت لعلمي بلوازم قولكم الفاسد ، ونقل الذهبي في ( سير أعلام النبلاء ) أن ابن تيمية في مرض موته قال : انقلوا عني أني لا أكفر أحدا من أهل القبلة فكلهم إنما يريد تنزيه الخالق . أ.هـ .
    ولو أن أحدا نسب إلى الله النقص ، ولم ينزهه لكان منكرا ما علم من الدين بالضرورة ، ولكان كافرا إن أصر على ذلك بعد البيان ولم يعذر لا بتأويل ولا بغيره ، بإجماع فرق الأمة .


    (2) - الإجابة الثانية : ثم ما رأي الأستاذ الشويقي إذا أثبتنا له أن ابن تيمية نفسه يتفق مع علماء الأمة على كفر من أنكر المعلوم من الدين بالضرورة ، بل ما رأيه أنه يقرر الإجماع على ذلك ؟!!
    فقد ثبت أن الصحابي قدامة ابن مظعون و جماعة معه شربوا الخمر معتقدين حلها ، و استشهد قدامة على حلها بقوله تعالى (( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا )) ، قال ابن تيمية (( لما ذكر ذلك لعمر بن الخطاب اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا ، وإن أصروا قتلوا... وهذا الذي اتفق عليه الصحابة هو متفق عليه بين أئمة الإسلام ،لا يتنازعون في ذلك ، ومن جحد وجوب بعض الواجبات الظاهرة المتواترة كالصلوات الخمس ، وصيام شهر رمضان ،وحج البيت العتيق ،أو جحد تحريم بعض المحرمات الظاهرة المتواترة كالفواحش ، والظلم ، والخمر، والميسر، والزنا ، وغير ذلك ، أو جحد حل بعض المباحات الظاهرة المتواترة كالخبر واللحم والنكاح فهو كافر مرتد يستتاب فان تاب وإلا قتل)) مجموع الفتاوى 11/403- 405 .
    فهنا ابن تيمية يقرر أن من انكر معلوما من الدين بالضرورة وبين له , و أصر فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل ، ويحكي اتفاق الصحابة والعلماء فهو يقول ((وهذا الذي اتفق عليه الصحابة هو متفق عليه بين أئمة الإسلام لا يتنازعون في ذلك )) .

    (3) – الإجابة الثالثة : وإن ظل الشويقي مصرا على قوله بعد كل هذه النقول والتوضيحات ، فأقول : حسنا دعونا نتنزل – جدلا – ونقول : إن ما أورده الشويقي من أقوال ابن تيمية وهي ( فساد القول بأن تعلم المنطق فرض كفاية ، والصلاة عند القبر لا فضل فيها ، و البناء على القبور غير مشروع ، و حرمة التمسح بمساجد منى وتقبيلها ) أن هذا كله معلوم من الدين بالضرورة على الحقيقة ، ماذا نستنتج من هذا ؟
    نستنتج من هذا أن مخالفة المعلوم من الدين بالضرورة أمر هين ، لا يستدعي التهويل ، أقرب المسألة للشويقي بأسلوب مبسط ؛ ليدرك ضعف تصوره لمسائل العلم ، وخطأ استشهاده بكلام ابن تيمية للمسألة المتنازع عليها بيني وبينه فأقول




    هل حكم من استحل الزنا و بين له وأصر ، أو قال : بأن الرسول صلى الله عليه وسلم جحد بعض الرسالة وبين له وأصر مثل حكم من قال : إن تعلم المنطق فرض كفاية وبين له وأصر على قوله ؟


    إن قال الشويقي : لا الأمر يختلف – وهو كذلك بلا شك – بطل استشهاده بكلام ابن تيمية ، وبطل كل تقريره واتضح انقطاعه وصواب قولي ، وإن قال : نعم الحكم واحد ، فقد جاء بما يضحك الثكلى ، فليختر له احد الجوابين و(ليجب على هذا السؤال ) ؛ ليريح ويستريح .



    وعلى كل فأنا أمهل أخي الأستاذ الفاضل الشويقي عشرين سنة أن يأتي بقول لعالم معتبر من علماء الإسلام يقول : إن من أنكر معلوما من الدين بالضرورة حقيقة مما يقول عنه كل العلماء : إنه على أنه معلوم من الدين بالضرورة كالقول بحل الخمر أو إباحة الزنا ، وهو عالم وأنكر عليه ، وأصر لا يكفر إذا كانت له شبهة تأويل ، وهيهات له أن يجد ، وليعرض قولي هذا وتقريري على من شاء من العلماء ، والهيئات العلمية ، وأقسام العقيدة في الجامعات ليعلم جهله وتخبطه .



    طرفة




    الطريف البالغ إلى حد الضحك أن الأستاذ الشويقي قرر في الحلقة الأولى أن تقريره لا يلزم منه تكفير الجابري ؛ حتى وإن أنكر المعلوم من الدين بالضرورة وانتقد وأصر ، وجاء بنقولات لابن تيمية ليقرر أنه لا يلزم من تقريره تكفير الجابري ، ثم في الحلقة الثانية نسي ما قرره في الحلقة الثانية وجاء بنقولات من الهيئة الدائمة للإفتاء ومن ابن باز ومن البيهقي تقرر كفر من قال كقول الجابري ؛ أي أنه ناقض نفسه ( تناقضا حقيقيا ) ، إلا إن قال : إني أعارض ابن باز والبيهقي وفتوى اللجنة الدائمة ، وهذا مستحيل لأن كلامه يدل على موافقتهم ؛ لأنه كتب يشنع عليَّ لأنه ظن أني أعارض هؤلاء .
    ومحصل هذا التناقض من الأستاذ أنه هو وآراؤه الثابتان ، والحكم الشرعي متغير ، ففي الحلقة الأولى خالف الإجماع ليقرر أنه لا يلزم من تقريره تكفير الجابري ، ثم في الحلقة الثانية نقل عن هيئة العلماء وابن باز والبيهقي تكفير من قال بمثل ما قاله الجابري





    المسألة الثانية



    وهي ( القول بأن أدلة كمال القرآن من النقص والزيادة ظنية ، هل هذا القول مخالف لما علم من الدين بالضرورة كما يقول الشويقي ، أو مخالف لإجماع العلماء كما قلت أنا ؟ )



    هذه المسألة خبط الأستاذ الشويقي فيها تخبيطا عجيبا غريبا ، وقد ذهلت حينما قرأت رده ، فكلامي وتقريري في واد ، ورده في واد آخر، وعرفت أن الأستاذ جاهل جهلا مطبقا بعلم أصول الفقه ؛ إذ إنه لم يتصور الخلاف فيها حق التصور ، فقد قال معلقا على رأيي فيها بقوله :
    (( تركنا الأستاذ سليمان الضحيان الأسبوع المنصرم، وبدنه يقشعرُّ من قولي: إن "سلامة القرآن من النقص والزيادة، مما يندرج تحت اليقينيات المعلومة بالضَّرورة من دين الإسلام)". وكتب يقول: إن ما قاله الشويقي: "جرأةٌ عظيمةٌ تقشعر منها الأبدان"، وذكر أنه "لم يتوقع ممن هو متخصِّص بالعقيدة أن يقع بمثل هذه الزلة العظيمة". وتساءل الأستاذ: "أي بابٍ للتكفير فتحه الأستاذ الشويقي-المتخصِّص بالعقيدة- بهذا التقرير الفاسد المخيف؟!!"، "الخطير" "الشنيع" "المخيف"، "البدعي"...إلخ.)) ثم أطال بذكر ( النحيب ) و( العويل ) وأني أنسب منهج الشيخ ابن باز وهيئة العلماء الدائمة للبدعة ، وغيرها من الكلام العاطفي الذي يقبح بطالب العلم الشرعي الشريف ذكره في الحوار .

    قلت : إن كان الشويقي قال هذا القول منه بناء على سوء فهم لقولي فغفر الله له وسامحه ، وإن كان قاله مدلسا يريد تشويه سمعتي قصدا عند القراء فأفوض أمري إلى الله ؛ فهو حسيبه ، أما أنا فأقول : لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على من قال : إن قول الشويقي "سلامة القرآن من النقص والزيادة، مما يندرج تحت اليقينيات المعلومة بالضَّرورة من دين الإسلام)" جرأة تقشعر منها الأبدان أو منهج بدعي إلخ مما نسبه إلـيَّ .


    إذن ما الذي قلته ؟!! .

    أنا قلت : إن تكفير الجابري المفهوم من تقرير الشويقي للمسالة جرأة تقشعر منها الأبدان ، ثم قلت بعد ذلك بالنص (( والمخيف هنا هذا المنهج البدعي في التكفير الذي يقرره المتخصص بالعقيدة ، وهو القول بأن لوازم ما علم من الدين بالضرورة هي نفسها من المعلوم من الدين بالضرورة ، ولا أعلم أنه سبقه أحد إلى هذا التأصيل الشنيع الفاسد الخطير ) .
    إذن كلامي منصب على التأصيل بأن ( لازم ما علم من الدين بالضرورة هو معلوم من الدين بالضرورة ) ، وسيعرف القراء بعد قليل لماذا قلت هذا ؟
    ولابد هنا من تحرير موضع الخلاف ليعرف القارئ ضعف تصور الأستاذ الشويقي للخلاف ، وتخبطه ، وخلطه .
    الخلاف بيني وبينه في مسألة محددة وهي :



    ((القول بأن أدلة كمال القرآن من النقص والزيادة ظنية ، هل هذا القول مخالف لما علم من الدين بالضرورة كما يقول الشويقي ، أو مخالف لإجماع العلماء كما قلت أنا ؟ )) ، إذن الشويقي يقول : ( معرفة أن أدلة كمال القرآن قطعية معلومٌ من الدين بالضرورة ) .

    وأنا أقول : ( معرفة أن أدلة كمال القرآن قطعية معلومٌ بالإجماع )

    فالخلاف في ( كيفية معرفة القطعية في الأدلة ) فقط
    ولأقرب المسألة للأستاذ الشويقي ، ولمن لا علم له بأصول الفقه من القراء وأضعها على شكل سؤال وجواب فأقول :


    ( س 1- يا ضحيان : ما الوصف الذي يطلق على كمال القرآن من النقص والزيادة ؟

    الجواب : معلوم من الدين بالضرورة .

    س 2: كيف عرفت بأنه معلوم من الدين بالضرورة ؟
    الجواب : لأن أدلته قطعية .

    س 3 : كيف عرفت بأن أدلته قطعية ؟

    الجواب : بالإجماع )


    وبناء عليه فمن قال : إن أدلته ظنية فهو مخالف للإجماع .



    نبدأ الآن بسؤال الأستاذ الشويقي:

    ( س1- يا شويقي : ما الوصف الذي يطلق على كمال القرآن من النقص والزيادة ؟

    الجواب : معلوم من الدين بالضرورة .

    س 2: كيف عرفت بأنه معلوم من الدين بالضرورة ؟

    الجواب : لأن أدلته قطعية .

    س 3 : كيف عرفت بأن أدلته قطعية ؟

    الجواب : لأنه معلوم من الدين بالضرورة )



    وبناء عليه فمن قال : إن أدلته ظنية فهو مخالف للمعلوم من الدين بالضرورة .

    من هذا الشرح المبسط نستنتج أمرين :

    الأمر الأول : أن قول الأستاذ الشويقي يلزم عليه ( الدَّور ) فكمال القرآن من الزيادة والنقص ؛ لأن أدلته قطعية ، وأدلته قطعية ؛ لأنها معلومة من الدين بالضرورة ، والأستاذ وطلبة العلم يعلمون أن ( الدّور ) نتيجته الاستحالة ( هذا إذا كان الشويقي يعرف ما ( الدّور ) ؟ ، ويعرف أن نتيجته الاستحالة ) .

    الأمر الثاني : الذي نستنتجه من تعقيد الشويقي هو : أن الدليل القطعي يعلم من الدين بالضرورة .

    وهذا من غرائب الأستاذ التي لم يسبق إليها ، فلم يقل أحد من الأصوليين إن ( القطعي ) يعلم من الدين بالضرورة ، بل العكس ، وقد نص الأصوليون على أن ( القطعي ) يعلم بأحد أمور خمسة لا سادس لها وهي : 1- بنص من القرآن لا يحتمل إلا وجها واحدا
    2- بخبر ثبت بالتواتر .
    3- بالإجماع المستكمل الشروط .
    4- بالقياس الذي قطع فيه بالتعليل ثم قطع بوجود العلة في الفرع .
    5- بخبر الآحاد إذا حفت به قرائن حالية أو مقالية


    زاد الأستاذ الشويقي – عفا الله عنه وبارك في علمه - طريقا سادسا وهو ( أن يعلم من الدين بالضرورة )


    وعلى هذا فأنا أمهل الأستاذ الكريم عشرين سنة بأن يثبت أن الدليل القطعي يعلم من الدين بالضرورة ، وليعرض كلامي هذا على فطاحلة المتخصصين بعلم أصول الفقه ، وعلى الأقسام العلمية ليعرف ضعف تصوره ، وجهلة المطبق بأصول الفقه



    لم يبق إلا أن يقول : إني قلت ذلك أخذا باللازم ، فلازم المعلوم من الدين بالضرورة هو نفسه معلوم من الدين بالضرورة ، وهذا الذي قلت فيه : تأصيل مخيف ، و به يفتح بابا واسعا على نفسه ؛ لأن كل معلوم من الدين بالضرورة له مئات اللوازم ، وإذا كان منكر المعلوم بالضرورة كافرا إذا كان عالما بما أنكر وانتقد ونبه وأصر ، فعليه يجب تكفير كل من أنكر لازما من لوازمه .

    وبهذا يتضح صواب قولي بما لا يدع مجالا للشك بأن الجابري خالف أجماع أهل السنة والجماعة .



    ويبقى الإجابة عن إيراد الأستاذ الشويقي لفتوى الشيخ ابن باز ، وقول البيهقي ، وابن حزم ، وفتوى الهيئة الدائمة التي أراد التشنيع بها علي ، وتصويري مخالفا لهم وكتبها مهولا بـ( العويل ) و( النحيب) ، فأقول : نعم كلامهم حق بلا شك ، وأنا متفق معهم تماما ، ومشكلة الشويقي كأنه يـُهوِّن من مخالفة الإجماع ، فمن الإجماع ؛ الإجماع على قطعية كمال القرآن وعدم نقصه ، و من جوز ذلك عنادا من دون شبهة تأويل فهو كافر كما هو رأي ابن باز و البيهقي وغيرهم - وما كانت هناك حاجة بالشويقي لنقل أقوالهم - لو كان فهم الخلاف بيني وبينه حق الفهم - فالمسالة لا تحتاج للنقل فهي معروفة عند كل طالب علم ، أما من تأول ، وكانت لديه شبهة كالجابري فقد ضل ، وقد قلت عن كلام الجابري ( خطأ كبير ) ، وقلت في قناة الحرة ( خطأ شنيع ) ، الطريف أن الشويقي اتضح أنه يوافقني في هذه النتيجة ويخالفني في المقدمة ، فهو يرفض النتيجة التي ألزمته بها وهي تكفير الجابري بناء على أنه مخالف للمعلوم من الدين بالضرورة وهو عالم وبين له وأصر ، ويصر أنه يمكن عذره ، مع أن المخالف للمعلوم من الدين بالضرورة لا يقبل منه التأويل أو غيره كما نقلت إجماع العلماء في المسألة الأولى ؛ فعليه

    وعليه ، فلابد للشويقي من أحد أمرين :


    إما تكفيره كما عليه إجماع العلماء في من خالف الضروري ، وبين له وأصر ، وإما أن يوافقني ويقول : إنه خالف الإجماع ، ويدرأ عنه التكفير لشبهة التأويل ( حيث إن الجابري لا يرى الإجماع في هذه المسألة ، ويختار تفسير مجاهد ، وابن السائب لقوله تعالى ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) .

    فليختر الأستاذ أي الأمرين ، إما إلزامي له بأنه كفر الجابري ، أو موافقتي على قولي بأنه خالف الإجماع .



    خاتمة



    مشكلة الأستاذ الفاضل الشويقي ضعفه العلمي ، وسوء فهمه ، وضعف تصوره لمسائل العلم ، فقد بان لي أنه ضعيف بمعرفة علم المنطق ، و علم الجدل، وعلم أصول الفقه ، وعلم العقيدة ، وعلم اللغة ؛ لهذا فهو في حواره يبعد كثيرا عن تحرير موضع الخلاف ، وجل همه البحث عن التناقضات كما هي عادته ، ويخطئ في تحريره للمسائل ؛ فيفهم كلام محاوره خطأ ، ثم يبني على سوء الفهم نتيجة ، ثم يلزم محاره بهذه النتيجة ، ثم يذهب يبحث من أقوال أهل العلم ما يعتقد أنها تؤيد ما فهمه ، ثم يجعل قول محاوره ( الذي فهمه خطأ ) في مقابل قول أهل العلم ، ثم يبدأ بالكلام العاطفي ، والتشنيع ، والتهويل ، والأصل في الحوار أن يحرر موضع الخلاف ، ثم يذكر أدلته ، وبعدها ينقض أدلة مخالفه ، من دون تهويلات ، وتشنيعات مما يسميه علماء الجدل ( الاستعانة بالخارج ) .



    وأختم حواري معه بأمرين :

    الأمر الأول

    بإعادة السؤالين الذين طرحتهما عليه وهما :

    السؤال الأول :

    ( يا أستاذ بندر هات لي نقلا موثقا عن عالم معتبر من علماء الإسلام أنه يقول : إن من أنكر معلوما من الدين بالضرورة ، مما لا يسع أحد جهله كالقول بحل الخمر أو إباحة الزنا ، وأنكر عليه ، وانتقد ، وأصر لا يكفر إذا كانت له شبهة تأويل ) .


    والسؤال الثاني :

    ( يا أستاذ بندر : هات لي نقلا موثقا عن عالم معتبر من علماء الأصول يقول : إن الدليل القطعي يعلم من الدين بالضرورة )


    وأمهل الأستاذ الكريم عشرين سنة للإجابة عن هذا التحدي ، وأي حيدة عن الإجابة ، أو تشغيب بالكلام عن تناقض ، أو غيره مما اعتاد على الاستعانة به في ردوده ، فلن أرد عليه ، وسألتزم بمطالبته بالإجابة عن أسئلتي التي أبانت بما لا يدع مجالا للشك عن جهله وتخبطه العلمي ، و أنا أنتظر إجابته كما قلت لمدة عشرين سنة هيهات له أن يجد إجابة .
    كما أنني لن أجيب بحرف واحد عن أي واحد يحاول الإجابة ، أو يحاول الدخول في الحوار مهما كانت صفته العلمية ، أو مركزه ، أو سنه ، إلا بعد انقضاء فترة التحدي التي ضربتها للأستاذ الشويقي




    الأمر الثاني



    الأستاذ الفاضل شغب علي قبل قراءة ردي – وهذا من غرائب الجدل – ودعاني للمناظرة في أي منتدى علمي ، وقد عجبت من دعوته أشد العجب ، فما الذي نصنعه نحن منذ أشهر ؟
    نحن نتناظر من ثلاثة أشهر تقريبا ، وكلما رد علي جهزت الرد عليه مباشرة بيومين أو ثلاثة على الأكثر، ولولا ظروف النشر في الجريدة لنزل ردي مباشرة بعد رده .

    والآن وقد طرحت عليه أسئلتي التي أنقض بها تقريره الفاسد من أساسه ، فمعناه أن مناظرتي له مفتوحة لمدة عشرين سنة ؛ لأني أنظرته للإجابة عن أسئلتي عشرين سنة ، وإن شاء زدته إلى خمسين سنة ، وإن شاء زدته أكثر ، ولا باس أن يوصي أبناءه وأحفاده في مواصلة البحث لعل وعسى أن يجدوا جوابا لهذه الورطة ، والفضيحة التي وقع فيها .

    وإن شاء أن نعقد بيني وبينه مناظره على الهواء مباشرة في أي قناة فضائية فانا على استعداد تام ، والدعوة مفتوحة لمدة عشرين سنة، وإن شاء أكثر فلا باس .
    وصلى الله على الهادي البشير وعلى آله وصحبه أجمعين .

    د سليمان الضحيان

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    17

    افتراضي رد: ما زلت مسرورا من هذا الحوار مع أخي الأستاذ الفاضل الشويقي

    يرفع

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    22

    افتراضي رد: ما زلت مسرورا من هذا الحوار مع أخي الأستاذ الفاضل الشويقي

    نعم هي فضيحة مدوية يا ضحيان .. ولكن لمن؟

    عبدالله بن صالح العجيري


    لا عجب أن يتعب الدكتور سليمان الضحيان نفسه، ويضطرب في نسبة الأقوال المتناقضة للشيخ بندر الشويقي، ولا غرابة حين نراه حائراً في سطرين واضحين كتبهما الشويقي، فمرةً يستنبط منهما وقوع الشيخ في التكفير الغالي، ومرةً يستنبط منها وقوعه في الإرجاء المذموم، ومرةً ينسب له تكفير الجابري، ومرةً ينفي عنه ذلك. لا عجب في ذلك كله، فالعبارات العلمية الرصينة الموزونة تجعل الخصم العابث حائراً في البحث عن متكأ للتشغيب والمناورة.

    فحين يضبط الشيخ الشويقي قلمه، ويقول بعبارة علمية متزنة: إن الجابري حين جوز نقص القرآن، يكون قد نازع فيما يعلم بالضرورة من دين الإسلام.
    حين يقول الشويقي هذا ويمسك عن الخوض في الحكم على الجابري، فإنه يكون قد سار على جادة العلماء الذين لا يتحرجون في إطلاق التقعيد العام الواضح الجلي المجمع عليه، لكنهم يدققون ويتحرون عند تنزيل الحكم الأعيان. فالحكم العام يشبه القاعدة القانونية المطلقة التي تحتاج إلى خطواتٍ إجرائية قبل تنزيلها على الشخص المعين.

    ومعلوم أن الشيخ بندر حين قال هذه الكلمة لم يتعرض فيها لتنزيل حكم التكفير على شخص الجابري لا سلباً ولا إيجاباً، وإن حاول الدكتور عبثاً أن ينسب هذا إليه، وينفيه، وإنما تكلم فيها عن حقيقة المخالفة التي وقع فيها الجابري، ووزنها في ميزان الشريعة.

    لكن الضحيان أساء لنفسه كثيراً حين حاول أن ينتزع من كلام الشويقي تكفير الجابري، ويستنطق من كلمته هذه تهمةً يقذف بها في وجه الشيخ، فلما أعياه ذلك، وانكشف عبثه، وأيقن أن عبارة الشويقي لا تساعده على ما يريد، لجأ إلى افتراء جديدٍ، فزعم أن الشويقي ينازع في القاعدة الشرعية العامة، وأنه يحكم بإسلام كل من خالف ضرورياً وقامت عليه الحجة الشرعية. ومن ثم بدأ التهويل الشيخ وقع في (الإرجاء) وانظروا في هذه (الفضيحة العلمية المدوية)، مع أن الشويقي لم يقل بهذا التأصيل، والدكتور يعرف ذلك جيداً.

    الضحيان بعدما كتب فريته شرع يستعرض ويتشبع ويستكثر بنقل أقوال أهل العلم في حكم من خالف الضروريات الشرعية موهماً أن الشيخ بندر مخالف لتأصيلاتهم. ثم زاد الدكتور في الاستعراض المفضوح، فذكر أنه يمهل الشيخ الشويقي عشرين سنة، كي يأتي بمن سبقه لهذا القول، الذي لم يقل به الشويقي أصلاً!

    أوليس هذا من الفجور في الخصومة التي هي من خصال من يعرفهم الدكتور؟

    لقد وعدنا الدكتور الضحيان بأن يأتي بفضيحة علمية مدوية للشيخ بندر الشويقي. وأنا أشهد أن الدكتور قد وفى بنصف وعده، فجاءنا بفضيحة مدوية بحقٍ. لكنها ليست في الشويقي.

    وإذا كان الضحيان أمهل الشيخ بندر عشرين سنة لإثبات من سبقه إلى ذاك الرأي الذي لم يقله. فإني أتحدى الضحيان أن يثبت أن الشويقي أطلق القول بأن مخالف الضروريات الشرعية لا يكفر حتى بعد إقامة الحجة الشرعية عليه. لكني لن أنتظر عشرين سنة، لأني أعلم أن الدكتور لن يفلح في إثبات ذلك، ولو أعطي عمر نوحٍ.

    كل الذي قاله الشويقي: إن قول القائل: إن "فلاناً" نازع في ضروري من ضروريات الدين، لا يساوي القول بأن فلاناً كافر. فهناك فرقٌ بين القاعدة العامة، وبين تنزيلها على الأعيان. والشيخ هنا يتكلم عن حكم التنزيل على المعين، وأن إطلاق القول بأن المعين وقع في المخالفة لا يساوي القول بأنه كافر، فليس للدكتور أن ينتزع تكفير الجابري من مجرد قول الشيخ الشويقي إنه نازع في ضرورة شرعية.
    وحتى لو توصل الدكتور الضحيان بتسرعه إلى أن الحجة قائمة على الجابري، وأنه لاعذر يعصمه من حكم التكفير. فهذه القناعة إنما تلزم الضحيان وتوجب منه أن يحكم في ضوئها، ولا تلزم الشويقي الذي أعرض بحكمةٍ و علمٍ عن الدخول في هذا المضيق. لكن الذي يلزم الضحيان والشويقي إعطاء هذه المخالفة وزنها الشرعي اللائق بها، وهو ما قرره الشيخ بندر واضطرب فيه الضحيان.

    ****

    كان الدكتور سليمان الضحيان يعتذر عن التعليق على أي مداخلة جانبية، بحجة أنه لا يريد تشتيت الحوار، وأنه ملتزم بآداب الحوار والمناظرة. وكان يقول: إنه لن يجيب على أحدٍ حتى ينتهي سجاله مع الشيخ بندر الشويقي. لكنه الآن عَدَلَ عن موقفه، فبمجرد أن أعلن الشويقي توقفه عن مواصلة الجدل معه، وتوقعنا أن الدكتور سيجيب عن مداخلاتنا معاشر القراء والمتابعين. جاء ليعلن أنه يمهل الشويقي عشرين سنة للإجابة عن أسئلته، وأنه لن يجيب على أي مداخلة جانبية حتى تنتهي تلك المهلة!!

    إذن فقدرنا نحن -الذين تحملنا متابعة هذا الجدل على مدى ثلاثة أشهر مضت- أن ننتظر عشرين سنة أخرى حتى يلتفت إلينا الضحيان ويجيب عن مداخلاتنا بما أوتي من علم وفهمٍ.
    المثير للسخرية أن الدكتور كان خلال تلك المساجلة يظهر نفسه في صورة الراعي الرسمي لمسيرة تنمية ثقافة الحوار في مجتمعنا الذي يعاني تأزماً تجاه الرأي المخالف. فكيف يريد الضحيان أن يعلمنا ثقافة الحوار وهو يرفض السماع منا والإجابة عن تساؤلاتنا؟ أم أنه قرر تأجيل دروسه لنا في الحوار لعقدين قادمين من الزمان.

    الطرائف في مواقف الدكتور وتقلباته لا تنتهي. ولقد أضحكني ما لمز به الشيخ بندر الشويقي حين ذكر أنه غير متخصص (أكاديمياً) في العقيدة، وأنه لهذا السبب وقع في "الإرجاء" وجاء "بالفضيحة العلمية المدوية" التي لفقها الدكتور. ومبعث هذا الضحك ليس في غفلة الدكتور سليمان عن لوازم قوله الذي ينتهي إلى اللمز فيه هو قبل غيره، بل كان مبعث ضحكي تلك الموعظة القريبة التي كان الدكتور سليمان يعظ بها الشيخ سعد العتيبي حين رآه يؤكد على أهمية مراعاة التخصص ومن يحق له التكلم في الشرعيات، فقلت في نفسي: رحم الله دجاحة أبي الهذيل.

    لماذا يرفض الدكتور التعليق على المداخلات، حتى بعد نهاية السجال؟ وهل لنا أن نقول: إنه لا يريد أن يسمع رأي القراء فيما يكتب؛ و أنه حريصٌ على إيهام نفسه بأن المتابعين صدقوا تلك العبثيات التي كان ينثرها في مقالاته، والتي كان يتعمد فيها تحوير كلام الشيخ بندر وتحريفه كي يتسنى له مواصلة عبثه المبني -ويا للأسف- على البهت والافتراء، والفجور في الخصومة، وتغيير القناعات والتنقل بين الأقوال، دون إشارة إلى التراجع، والشهادة لأهل الفضل بالفضل.

    الشيخ الشويقي الذي يصفه الضحيان بالقصور في الفهم هو الذي نبه الضحيان لموضع الخلل في كلام الجابري بعدما كان ينكره. والشيخ الشويقي هو الذي علَّم الضحيان حجم هذا الخطأ. لكن الضحيان يكابر في هذه الحقيقة التي لن يفلح أبداً في تغطيتها.

    الدكتور سليمان ابتدأ هذا السجال الحامي بقوله: (الجابري لم يخرج عن منهج العلماء الذين تحدثوا عن جمع القرآن). ثم عاد بعد ذلك ليقول: إن الجابري (يخالف الرؤية المجمع عليها عند أهل السنة بقوله: بأنه ليس هناك دليل قاطع على عدم حدوث زيادة أو نقصان في القرآن).

    هل هذا تناقض؟
    نعم، هو تناقض عند العقلاء. لكنه ليس كذلك عند صاحبنا الدكتور.

    وحتى لو أدرك صاحبنا حقيقة هذا التناقض، ثم عدّل في أقواله دون إبداء التراجع، ووقع في تقرير الفكرة وضدها، فإن التناقض لا يقدح في الفكرة حسب تقريرات الدكتور سليمان الضحيان المتقن لأصول الحوار والجدل وعلم المنطق!


    ****

    كان تحرير حقيقة قول الجابري نقطة انطلاق السجال. لكن بجهود الدكتور الضحيان سرعان ما تحول السجال إلى معالجة مسألة (حكم القول بجواز وقوع النقص في القرآن الكريم) بعدما أذعن الضحيان لحقيقة أن الجابري يتبنى هذا الرأي.

    وإنصافاً للدكتور فهو قد بين أن هذا القول من الجابري (خطأ كبير)، لكن هذا (الخطأ الكبير) ظل صغيراً في وعي الدكتور، فهو لا يعدو أن يكون (شبهة) لا تستدعي التهويل والتضخيم والإثارة، ولا ترقى بحال إلى أن توضع في مصاف (المعلوم من الدين بالضرورة) كما يقوله الشويقي.

    هكذا كان يتحدث الدكتور، وكان يطالب الشويقي ببيان من سبقه إلى قوله، وحين نقل له الشويقي نصوص العلماء في تقرير تلك البدهية الشرعية، ارتفع صوت الضحيان بالصياح متهماً الشيخ بندر (بالاستعداء البغيض) (والاستعانة بالخارج)، وأنه أدخل الشيخ ابن بازٍ بقصد الاستعداء عليه، متناسياً أنه هو من طالب الشويقي ببيان من سبقه إلى قوله!

    الطريف أن الدكتور سبق أن قرر أثناء أحد تعليقاته أن خلافه مع الشيخ بندر في دعواه أن المسألة من قبيل (المعلوم من الدين بالضرورة) ، فيما يرى الدكتور أنها لا تعدو أن تكون (إجماعاً) لا يرقى لأن يصنف في قائمة الضروريات.

    لكنه -وكالعادة- لما أدرك خطأه سرعان ما تناسى كلامه الأول، وعاد ليسحبه بخفة يدٍ، ليجيء بعدها ويزعم أنه لم ينكر أن هذه القضية (من المعلوم بالضرورة من الدين) وأن هذا الحكم محل اتفاق، وإنما خلافه مع الشيخ بندر يكمن في مرتبة دليل هذه القضية المعلومة بالضرورة من دين الإسلام. فالدكتور بعدما كان ينكر أن يكون كمال القرآن مما يعلم بالضرورة من الدين، عاد ليبدل قوله، ويعلن موافقته على ذلك، وحاول صرف الخلاف إلى دليل ثبوت هذه الضرورة الشرعية مراهناً على أن القارئ نسي قوله الأول.

    ****


    آخر قول انتهى إليه الضحيان في مسيرة تقلباته أن سلامة القرآن من النقص مما يعلم بالضرورة. لكن طريق العلم بذلك -في رأي الدكتور- هو الإجماع الذي لا يرتقي للضروريات التي يكفر منكرها.

    وهذا التقرير من الدكتور إضافة إلى كونه (طُرفة) تستحق أن تسير بها الركبان، ويبين الإشكال العميق في فهم الدكتور لآلية ترتيب النتائج على المقدمات، فإنه يوقع الدكتور في مأزق لن يقوى على الخروج منه. فالجابري بإقرار الدكتور المتأخر يُجوّز وقوع النقص في القرآن، فهو بالتالي ينازع فيما أقر الدكتور أنه من الضروريات الشرعية. فقد أصبح الضحيان هو الملزم الآن بتنزيل تلك النصوص التي نقلها لنا في حكم منكر الضروريات، وأصبح لزاماً عليه أن يصدر فتياه بكفر الجابري، أو أن يقع في الإرجاء الذي أراد إلصاقه بمن هو أفهم منه بقواعد هذا الباب.

    إلا إذا كان الضحيان سيأتينا بواحدة أخرى من طرائفه ومضحكاته، ويعلن لنا أن قول الجابري بجواز نقصان القرآن لا يناقض القطع بسلامة القرآن من النقصان.

    المثير للعجب أن الدكتور الضحيان الذي ظل يتحدث في دفاعه عن الجابري عن تأزم مجتمعنا تجاه الرأي المخالف، والذي كان يؤكد أن خطأ الجابري لا يعدو أن يكون شبهةً لا تستدعي التهويل والإثارة. عاد مؤخراً ليقول بالفم المليان: (لعنة الله وملائكته والناس أجمعين على من شكك بسلامة القرآن أو شكك بقطعية كماله)!

    فهاهو الدكتور ينقلب على رأيه الأول. فالمسألة لم تعد مجرد شبهة يرد عليها بالعلم دون تهويل، بل أصبحت مسألة يستحق المخالف فيها أن تصب على رأسه اللعنات؛ لعنة الله، ولعنة الملائكة، ولعنة الناس أجمعين!

    فأين هذه اللغة المنفعلة التي جاءت متأخرة، من لغة الشويقي العلمية الموزونة من البداية. وكيف يمكن أن نقارن بين لغة من يقرر أن القول الفلاني (يخالف المعلوم بالضرورة من دين الإسلام)، وبين لغة من يقول: (لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على من يقول بهذا القول).

    ويؤسفني أن أقول إن تلك اللعنات لم تنشأ من تعظيم لكتاب الله، بل جاءت بقصد تغطية الموقف الأول للدكتور. وإلا فلو كان الدكتور مقتنعاً بصدق لعناته، لما تصدى للتقديم لمحاضرة يلقيها من تتوجه لآرائه هذه اللعنات.

    ومن عوفي من مثل هذه السلوكيات المرذولة فليحمد الله عز وجل.. والله يرعاكم.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •