بسم الله الرحمن الرحيم

حديث الأسبوع

زيارة البابا

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
ففي غضون الأسبوع المنصرم، قدم البابا (بندكتوس السادس عشر) أسقف الكنيسة الكاثوليكية، ورئيس حاضرة الفاتيكان، في زيارة إلى ما يسميه النصارى (الأراضي المقدسة)، وتشمل مواقع في الأردن، مثل : موقع المعمودية (المغطس) على نهر الأردن، وجبل (نيبو) و قلعة (مكاور). وفي فلسطين، مثل (المسجد الأقصى)، و(بيت لحم) و(الناصرة) ، وغيرها. وغادرها اليوم الجمعة20/5/1430، الموافق 15/5/2009م. وكان سلفاه: البابا (بولس السادس : 1963-1978) و (يوحنا بولس الثاني : 1978-2005) . فما سر هذه الزيارات البابوية المتعاقبة، لمنطقة إسلامية، ملتهبة، خلال العقود الخيرة ؟
لا يغيب عن البال أن المرجعيات النصرانية؛ الدينية، والسياسية، عبر التاريخ، تشعر بالأسى الشديد، والغيظ العميق لكون مدارج النصرانية الأولى، ومهد المسيح عليه السلام باتت بأيدي المسلمين. فبلاد الشام الكبرى (سوريا، والأردن، وفلسطين) كانت تعج بمختلف الطوائف النصرانية المتناحرة، حين جاء الفتح الإسلامي بـ(البينة) التي لا غنى لهم عنها : (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِين َ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ .رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً . فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ)[البينة/1-3]
فانخرطت أعداد هائلة من نصارى المشرق في الإسلام، ورأوا فيه الامتداد الطبيعي لدين الله، النقي من البدع، والشركيات، والفلسفات، التي جرى إدخالها في دين المسيح.وصارت بلاد الشام، والعراق، ومصر، وغيرها بلاد إسلام. بل إن أربعاً من خمس حواضر نصرانية مقدسة، صرن حواضر إسلامية؛ يرفع فيها الأذان، ويتلى فيها القرآن، ولم يبق بها سوى (أقليات) نصرانية، وهي : القدس، والقسطنطينية(اس انبول)، و أنطاكية، والإسكندرية. وبقيت روما، وحدها بيد النصارى!
ولأجل هذا الغيظ التاريخي الديني، جرد الأباطرة، والبابوات، الحملات الصليبية المتعاقبة، لكنها باءت بالفشل الذريع أمام حجة الإسلام الباهرة، وجهاده المنبعث.كما فشلت الحملات الاستعمارية للغرب المتعلمن، في أعقاب الحربين العالميتين الأولى والثانية، في العصر الحديث، من أن تستقر في المنطقة الإسلامية، سواءً بسواء.
ومنذ منتصف القرن الميلادي العشرين، والمراجع النصرانية؛ ممثلةً بـ(الكنيسة الكاثوليكية)، التي يتبعها أكثر من مليار من نصارى العالم، و (مجلس الكنائس العالمي) الذي يستوعب الباقي، صارت ترفع شعار (التقارب) و (الحوار) الذي لا يسعها سواه في ظل مرحلة الضعف، والتهميش، الذي تحياه، وفي مواجهة المد الإسلامي في معاقلها العتيدة، الذي تلقاه.
وفي هذا السياق (التكتيكي) تأتي زيارات البابوات المتعاقبة للشرق الإسلامي، لتأكيد الارتباط التاريخي الديني بالمنطقة، وتعزيز الأقليات النصرانية المشرقية، رغم اختلافهم العميق فيما بينهم، من جهة، ومن جهة أخرى لترديد شعارات الحوار، والتقارب، التي يذرون فيها الرماد على العيون، في الوقت الذي يسيئون فيه للإسلام، والقرآن، ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، في تصريحاتهم.
ولعل البابا الحالي (بندكتوس السادس عشر) كان أقل حذقاً من سلفه (يوحنا بولس الثاني) ، إذ لم تكد تمضِ سنة على حبريته، حتى فاه في محاضرة ألقاها في جامعة (ريغينسبورغ) الألمانية في أيلول 2006م، بتصريحات مسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم، أثارت ردود فعل غاضبة، لدى المسلمين. ولم يكن منه، إلا أعرب عن (أسفه) لـ (سوء فهمه) ، حين قال في بيانه الشخصي : (أنني أشعر بأسف عميق لردود الفعل في بعض البلدان، لفقرات قليلة من خطابي بجامعة ريغينسبورغ، والتي اعتبرت مسيئة لمشاعر المسلمين) .
وهاهنا مغالطة لفظية، لا يدركها كثير من الجمهور الإسلامي، وتحمل دلالة مميزة في التصريحات السياسية، ألا وهي التفريق بين (الأسف) و (الاعتذار)! فالبابا يأسف لسوء فهم الآخرين، ولكنه، وحتى اللحظة التي زار فيها أحد مساجد الاردن قبل أيام، لم يعتذر!
وثمَّ، كمين لفظي آخر، لا يتفطن له كثير من المسلمين، وربما تنطلي عليهم خدعته، وهو ما يرد في التصريحات الكنسية من عبارات ثناء، ومجاملة، ابتداءً مما تضمنته وثيقة المجمع الفاتيكاني الثاني الشهيرة : ( وتنظر الكنيسة بعين الاعتبار أيضاً إلى المسلمين، الذين يعبدون الإله الواحد القيوم الرحيم ..) وانتهاءً بتصريحات البابا الحالي (بندكتوس السادس عشر) في الأردن حين قال إنه يستغل هذه الزيارة (كي يعرب عن عميق احترامه للمجتمع الإسلامي) . إن جميع العبارات التوددية الصادرة من الجهات الكنسية لا تقدم تقديراُ لـ (الإسلام) بوصفه ديناً، وإنما لـ (المسلمين) بوصفهم أفراداً، ومجتمعات. وبالتالي، فهو إمعان في الإصرار على التكذيب بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وكون الإسلام ديناً من عند الله، فضلاً، أن يكون هو الدين الخاتم، الناسخ لجميع الأديان. وقد حلل الكاتب الروسي (إلكسي جورافسكي) في كتابه العميق (الإسلام والمسيحية) العبارات الحذرة التي صيغت بها دساتير، وقرارات، وبيانات، المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965) حتى لا تقع في شَرَك تزكية الإسلام كدين، بما لا يتسع بسطه في هذا المقام. (انظر كتابي : دعوة التقريب بين الأديان : 1/412-415
وربما قال بعض السذج : ألم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل وفود اليهود والنصارى ؟ فالجواب : بلى ! بل ويستدعيهم، ويستضيفهم، بل ويقصدهم في كنيسهم، في يوم مدراسهم ! لكنه، بأبي هو وأمي، كان يدعوهم على عبادة الله وتوحيده، والإيمان برسوله، ونبذ الشرك، والغلو، كم أمره ربه بقوله : (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران/64]
فأين هذا من لقاءات المجاملة، والمداهنة، والمصانعة، التي يقال فيها كل شيء، إلا : (تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) . ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.

كتبه : د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي

عنيزة. في 20/5/1430