هل ينتهي فقر المسلم إلى ربه بعد دخول الجنة؟
النتائج 1 إلى 19 من 19

الموضوع: هل ينتهي فقر المسلم إلى ربه بعد دخول الجنة؟

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المشاركات
    81

    افتراضي هل ينتهي فقر المسلم إلى ربه بعد دخول الجنة؟

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد والثناء على رب العرش العظيم
    الحمد لله الذي كرمنا بعبوديته سبحانه وتعالى لا نحصي ثناء عليه .وبعد
    هذا سؤال خطر على بالي ليس من باب التنطع ولكن فقط أردت استثارة أصحاب العقول النيرة وفطاحلة المنتدى حتى يتحفونا بما يفيدنا في عقيدتنا السمحة.
    فقد يأتي سائل ويقول: بعد دخول المسلم الجنة وفيها كل شيء لن يكون فقيرا لربه كما كان حاله في الدنيا ، أليس كذلك؟
    حاش وكلا. أنتظر مساهماتكم بفارغ الصبر

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    الدولة
    السعودية
    المشاركات
    3,645

    افتراضي رد: هل ينتهي فقر المسلم إلى ربه بعد دخول الجنة؟

    بارك الله فيك
    نعم هو من من باب التنطع اذهذا السؤال لم يساله الصحابة رضي الله عنهم ولا التابعون لهم باحسان
    قال الامام المنذري رحمه الله :
    وناسخ العلم النافع :
    له أجره وأجر من قرأه أو كتبه أو عمل به ما بقي خطه ،
    وناسخ ما فيه إثم :
    عليه وزره ووزر ما عمل به ما بقي خطه .

  3. #3
    عدنان البخاري غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    الدولة
    المملكة العربية السعودية - مدرس بدار الحديث بمكة
    المشاركات
    10,739

    افتراضي رد: هل ينتهي فقر المسلم إلى ربه بعد دخول الجنة؟

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبوهناء مشاهدة المشاركة
    بعد دخول المسلم الجنة وفيها كل شيء لن يكون فقيرا لربه كما كان حاله في الدنيا ، أليس كذلك؟
    سيكون فقيرا إلى ربِّه لأنَّ دوام ما بالجنَّة مِن النَّعيم مِنْ قيوميَّة الله له ورعايته، وهو محتاج لهذا.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: هل ينتهي فقر المسلم إلى ربه بعد دخول الجنة؟

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    إنما وجودك منوطٌ بافتقارك إلى موجد الوجود، أمّا هو فإنه هو الغنيُّ الحميد؛ إنْ يشأ يُذهِبْكم ويأتِ بخَلْقٍ جديد.
    افتقارك إليه صفة لازمة لك، وغناه عنك صفة خاصة به. وأنَّى لكاف وجودك أن ترتسم، لولا هاء جوده! فوجودك مِن جوده.

    (أنتم الفقراء إلى الله)؛ أمَّا الفقراء إلى النَّعيم فهُمْ دون ذلك...
    وإنما يتحقق الافتقار، بالشوق إلى تلك الديار؛ لا لأنها دار النعيم، بل لأنها مقام رؤية الملِك الكريم. هَبْ فقرك إليه زال بالوصول إليه؛ هل ستزول حاجتك إلى إقباله عليك؟

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    المشاركات
    450

    افتراضي رد: هل ينتهي فقر المسلم إلى ربه بعد دخول الجنة؟

    أسأل الله ان يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم -جل في علاه-

  6. #6
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,249

    افتراضي رد: هل ينتهي فقر المسلم إلى ربه بعد دخول الجنة؟

    بارك الله فيكم، لا مزيد على كلام الشيخ عدنان، وزينه الشيخ الواحدي، حفظهما الله وبارك فيهما..
    ولكن عندي إضافة على ما تفضل به، أرجو أن ينفع الله بها وأن يزول بها الإشكال مع ما شابهه من إشكالات.
    أقول وبالله التوفيق، ينبغي هنا التمييز بين معنيين:

    حال المخلوق من الخالق، وهي حال افتقار دائم من جهة قيومية الله الأبدية على خلقه..
    حال العبد المكلف من الرب الخالق في دار الابتلاء، ثم في دار الجزاء، من جهة عمل العبد وتألهه لخالقه.

    فالسؤال عن الافتقار إلى الله على المعنى الأول مستقيم.. وجوابه: نعم، كل المخلوقات مفتقرة إلى خالقها الذي أوجدها والذي يبقيها بحوله وقولته ما يشاء لها أن تبقى، ولا قيام لها إلا به سبحانه، ولا ريب.
    أما على المعنى الثاني، على معنى حال العبد القلبية وعمله في هذه الدار والأخرى، ففي الدار الدنيا نحن مكلفون بإدراك هذا المعنى والإقرار به والعمل بمقتضاه توحيدا وإخلاصا وتألها.. أما في الدار الآخرة فلا تكليف في الجنة لأحد من الخلق، والذي دخلها قد جاوز قنطرة الامتحان، وهو حالئذ في محل التنعم والتلذذ، لا محل الامتحان والاختبار، فالسؤال عن تعبد هذا المنعم بعبادة الافتقار إلى الله غير صحيح.. ولا يلزم من قولنا أنه ليس متعبدا بهذا الحال القلبي، أنه يكون في غنية عن ربه! فلا هو في حال افتقار ومذلة، ولا هو في حال استغناء وتكبر! بل هو في شأن آخر في حال أخرى! يرى الله تعالى يفيض عليه من فيض نعمائه فلا يزداد إلا سعادة ورضًا، يتطلب وجه الرب تعالى والنظر إليه والأنس به ليصيب مزيدا من التنعم والتلذذ بذلك، لا لأنه في حال ابتلاء بالحاجة والضرورة وغيرها مما جعله الله في الدار الدنيا ليتبليَ العباد بعبادة الافتقار والتذلل إليه في الغيب سبحانه وتعالى.. فتأمل أحسن الله إليك.
    جمعني الله وإياك في دار النعيم السرمدي في فردوسها الأعلى، آمين.

    وهذا السؤال يجلب إلى ذهني سؤالا مشابها في الحقيقة، يتلقفه بعض النصارى في جملة شبهاتهم.. إذ ترى المرأةَ منهم تسأل: "ألن تغاري أيتها المسلمة من الحور العين في الجنة؟" والجواب كلا لن تغار ولا شك! هذا سؤال في غير محل، سؤال فاسد أصلا! نقول لن تغار لا لأنها ستكون قانعة راضية خاضعة لإرادة الله في تلك الدار، فالمقام ليس مقام تكليف أصلا، وإنما لأنها ستنزع منها تلك الخصلة: خصلة الغيرة! تلك الأشياء لا محل لها هناك! فالسؤال جاء فساده من جهة أنه يقيس أحوال العباد في دار التكليف على أحوالهم في دارٍ ما جُعلت إلا للتنعيم الخالص، رفع الله فيها ما في قلوب الناس من غل وخلصهم مما جعله في قلوبهم ونفوسهم في الدنيا من خصائص وأحوال ونقائص على سبيل الابتلاء والتكليف! فالمرأة في الجنة لا تغار من الحور ولا تتضرر منهن، فكلٌ في شغل فاكهون، وليست المرأة من نساء المؤمنين في الجنة مبتلاة بالغيرة الفطرية التي ابتليت بها النساء ههنا في الدنيا لينظر الله ما هي فاعلة في ذلك فإما يكون ثواب وإما عقاب! ليس كذلك! هذا تكليف قد مضى في دار الابتلاء وهي الآن في دار الجزاء، في شأن آخر!
    والرجل في الجنة إنما يُلهم التسبيح كما يلهم النفس، يعني أنه لا يتكلفه كما يتكلفه هنا، ولا يكاد يشعر به.. فهل هو من حيث المعنى، مفتقر إلى الله؟ نعم ولا شك، على المعنى الأول، إذ كل الخلق مفتقر إلى الله تعالى، ولولا أن رحمه الله ما جعله فيما هو فيه! ولكن هل هو مكلف بعمل تعبدي في الجنة من أجل هذا، كأن يتعبد لله بعبادة مخصوصة من خوف أو رجاء أو حضوع أو نحو ذلك؟ فنقول لا ليس مكلفا! وهو في دار تنعيم وتلذذ أبدي، لا يمل منه العبد ولا يفقده في حال..
    هذا والله أعلى وأعلم..
    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    11

    Lightbulb رد: هل ينتهي فقر المسلم إلى ربه بعد دخول الجنة؟

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو الفداء مشاهدة المشاركة

    والرجل في الجنة إنما يُلهم التسبيح كما يلهم النفس، يعني أنه لا يتكلفه كما يتكلفه هنا، ولا يكاد يشعر به.. فهل هو من حيث المعنى، مفتقر إلى الله؟ نعم ولا شك، على المعنى الأول، إذ كل الخلق مفتقر إلى الله تعالى، ولولا أن رحمه الله ما جعله فيما هو فيه! ولكن هل هو مكلف بعمل تعبدي في الجنة من أجل هذا، كأن يتعبد لله بعبادة مخصوصة من خوف أو رجاء أو حضوع أو نحو ذلك؟ فنقول لا ليس مكلفا! وهو في دار تنعيم وتلذذ أبدي، لا يمل منه العبد ولا يفقده في حال..
    هذا والله أعلى وأعلم..
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    بارك الله في أساتذتنا الفاضلين
    وددت أعلق على جزء من كلام أخينا أبي الفداء أثابه الله بضرب مثال موافقا لكلامه

    وهو حال المخلوقات الغير مكلفة في الدنيا فمع كامل افتقارها للرب سبحانه وتعالى تسبح بحمده وتعبده وهي غير مكلفة , فلا يقال أن افتقارها لباريها منعدم لعدم التكليف , فافتقار المخلوق للخالق صفة لازمة له لا تنفك عنه أبدا في الدنيا ولا في الآخرة مع كمال غنى الله عز وجل عن مخلوقاته , وكيف لا وقوام معيشتهم وحالهم في دار النعيم من رزقه وفضله سبحانه وتعالى و ما دخلوها إلا بافتقارهم لمولاهم في الدنيا
    وثمة مثال آخر وهو افتقار سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عرصات القيامة لربه عز وجل مع ما وعده الله من صادق الوعد المفعول المنجز له يوم القيامة , وتأمل حال الأنبياء والمرسلين عند طلب الشفاعة وخوفهم ووجلهم مع وعد الله لهم بالمنازل العلى من الجنة

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: هل ينتهي فقر المسلم إلى ربه بعد دخول الجنة؟

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    الأخ الحبيب أبا الفداء
    أحسن الله إليك ونفع بك.
    بوركت على هذا التحرير الجيد وما واكبه من تقريرات مفيدةة.
    لكن تأمَّلْ: (إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ)
    إذا تقرَّرَ أنَّ جميع الخلائق مفتقرة إلى الله، تَبيَّنَ أنَّ القدر المشترك من افتقارها إليه إنَّما هو الحاجة إلى الموجِد من الموجود، لا حاجة المتعبّد إلى المعبود.
    والله أعلم.
    ** تنبيه= لا يلزم من فقر الفقير: شعوره بالافتقار.

  9. #9
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,249

    افتراضي رد: هل ينتهي فقر المسلم إلى ربه بعد دخول الجنة؟

    قوله تعالى ((إن يشأ يذهبكم)) لا يخفاك أن المخاطب به إنما هم المكفلون هنا في دار التكليف، وهو خطاب ترهيب وتخويف واستنهاض للهمم، وليس متوجها إلى القوم الذين جازوا وفازوا ودخلوا دار الخلد وحازو رضا الله وقد أنجز لهم ما وعدهم به سبحانه فلا يغضب عليهم بعده أبدا (جعلني الله وإياك منهم).
    إذا تقرَّرَ أنَّ جميع الخلائق مفتقرة إلى الله، تَبيَّنَ أنَّ القدر المشترك من افتقارها إليه إنَّما هو الحاجة إلى الموجِد من الموجود، لا حاجة المتعبّد إلى المعبود.
    لا أخالفك في هذا قيد أنملة، أحسن الله إليك.
    فحاصل كلامي = تقريرُ القدرِ المشتركِ من الافتقار إلى الخالق جل وعلا بين سائر الخلائق، - وهو الذي تقصده أنت - ولكني في ذات الوقت أنفي عن أهل الجنة القدرَ المرتبطَ بفعل التأله والتعبد من جانبهم، فهو القدر الذي يفارقُ فيه العبدُ المكلفُ المبتلى في الدنيا العبدَ الفائزَ المنعم في الآخرة، والله أعلم.
    تنبيه= لا يلزم من فقر الفقير: شعوره بالافتقار.
    صدقت.. وهذا هو وجه التفريق عندي بين المعنيين، بارك الله فيك. فحال الفقر حال كائنة لا ينفك عنها الخلق جميعا، مكلفين وغير مكلفين، أما تكليف بعضهم بالتعبد بهذا الافتقار بالقلب والجوارح وابتلاؤهم به في دار الابتلاء فشأن آخر.
    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: هل ينتهي فقر المسلم إلى ربه بعد دخول الجنة؟

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    جوزيت خيرًا، أخي الحبيب.
    ومن نعيم الجنَّة: لذّة الطلب، لاقترانها بلذَّة الخطاب والجواب: (ولَهُمْ فِيهَا ما يَدَّعُون). والطلب: دعاء. والطلب رديف الحاجة، والحاجة من أعراض الافتقار. والدعاء هو العبادة.
    وممّا أخبرنا به الصادق المصدوق (صلَّى الله عليه وسلَّم) عن حال أهل الجنَّة أنَّ الشهيد يتمنَّى العودة إلى الدنيا. وقد ثبت أنَّ الله تعالى يقول له: "كيف وجدتَ منزلَك؟" فيقول: اي ربِّ خيرَ منزل." فيقول: "سَلْ وتَمَنَّه." فيقول: "يا ربّ! ما أسأل وأتمنَّى إلاَّ أنْ تردَّني إلى الدنيا، فأُقتَل في سبيلك عَشْر مرَّات"، لما يرى من فضل الشَّهادة."
    وهذا مقام الاستزادة، والاستزادة: طلب المزيد، والطلب افتقار.
    وقوله تعالى: (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) جدير بالتأمُّل في هذا الباب.
    والله أعلم.
    أسعِدْنا بما فتح الله عليك حول هذا الاعتراض الوارد، رزقني الله وإياك سعادة الدارين.

  11. #11
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,249

    افتراضي رد: هل ينتهي فقر المسلم إلى ربه بعد دخول الجنة؟

    أحسن الله إليك.
    هذا إيراد جدير بالتأمل..
    وأقول كما تقدم فالافتقار إلى الله تعالى لا ينفك منه المخلوق بحال من الأحوال. والشهادة على النفس بهذا المعنى واقعة من المؤمن الصادق في الدنيا وفي الآخرة كذلك ولا شك. ولكن في الدنيا يكون هذا الإقرار القلبي وما ينبني عليه من عمل الجوارح مطلبا شرعيا تكليفيا من العبد، مرتبطا ببلايا ونوازل تستجلبه من النفس لتحصيل الأجر واتقاء العقوبة، أما في الجنة فالحال ليست هكذا! ولكنها كما تفضلتَ: (لذة الطلب) فهي لهم من جملة ملذات الجنة.
    فعندما يكون الطلب لا للحاجة ولكن لزيادة التلذذ بما لا يضار العبد لو فقده ولم يجبه الله إليه، (وليس من المحتمل ولا المتصور ألا يجيبه الله إليه أصلا إذ هو إنجاز لما وعده به.. وقد ورد - ولا أذكر صحة الرواية - أن العبد يأتيه ما يشتهي من قبل أن يتكلم بطلبه).. فأين تحقق معنى (الافتقار التعبدي) في طلب العبد والحال كذلك؟

    ومن جهة المعنى الشرعي الاصطلاحي فما تفضلتَ بنقله من أقوال وأفعال أهل الجنة في خطابهم ربهم هناك، هذا في وصفه بالفعل التعبدي نظر. إذ التعبد هو الإتيان بما يحبه الله ويرضاه تكلفا، طلبا للأجر ودفعا للوزر.. أما فعلهم هذا فليس كذلك ولكنه من التلذذ المحض! والذكر والتسبيح هم لا يتكلفونه هناك التكلف التعبدي الذي يكون منهم هنا في هذه الدار، وإن كانوا به في صلاة وعبادة شأنهم شأن سائر المخلوقات التي جعل الله لها صلاتها وتسحبيها اللائق بها وبحالها!
    فقولك أحسن الله إليك:
    والطلب: دعاء. والطلب رديف الحاجة، والحاجة من أعراض الافتقار. والدعاء هو العبادة.
    يرِدُ عليه أن الدعاء عبادة على وجه التكليف، والعبادة مفهومها: كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.. فمن جهة المعنى اللغوي هي عبادة نعم، لأن الله يحب هذه الأعمال منهم ويرضاها، ولكن من جهة المعنى الشرعي فليست كذلك إذ ليسوا مكلفين بها، لا على وجه الوجوب ولا الاستحباب ولا غيره! والله لا يجيب لهم طلبهم فيها جزاءا على ذلك الطلب نفسه إذ بذلوه في ذلك المقام، ولكن إمضاءا للوعد بالجزاء الأخروي على ما كان منهم في الدنيا، فتأمل.
    فهي إنما تخرج منهم حبا في ذلك، تلذذا وتنعما، بما فيها من الثناء على الرب الكريم جل وعلا، هذا كله يتلذذون به، دون أن يكون السؤال والفعل نفسه في ذلك الموضع = من حاجة و"افتقار" على نحو ما تفضلت.. والله أعلم.
    وكما أسلفتُ فلا يلزم من ذلك غياب معنى الافتقار عن نفوس العباد في تلك الأحوال هناك، فضلا عن انعدام حقيقته الكونية، ولكن حضور المعنى في نفوسهم لا يلزم أن يرتبط ببذلهم ذلك الطلب، وإذا حضر فإنما يكون لذة لهم لا ابتلاءا يمتحنون به وبما يلازمه من حاجة وضرورة كما هو الحال هنا!
    هذا والله أعلى وأعلم.
    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: هل ينتهي فقر المسلم إلى ربه بعد دخول الجنة؟

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    بارك الله فيك على ما تفضَّلت به من بيان وتفصيل، زادني الله وإياك من فضله.
    وأرانا متَّفقين في المعنى، مختلفين في اللفظ.
    على أنَّ هذا لا يتم إلا بالتسليم بتقسيم الفقر إلى نوعين أو حالين: من حيث تعلُّقه بالربيوبية، ومن حيث تعلُّقه بالألوهية. أو: من حيث الحاجة إلى الإيجاد والإمداد، ومن حيث الحاجة إلى التعبُّد للسعادة في دار الابتلاء وفي المعاد.
    وهذا التقسيم فيه نظر.
    وعلى ضوء الآية، فإنَّ المعنى الأوَّل هو المراد بالفقر، أي: أي الفقر المطلَق، الملازم، الدائم. ولو اعتبرنا لفظ الفقر في الآية يشمل المعنيين، لما صحَّ ذلك؛ لأن المخاطَب عموم الناس، وذلك يشمل المؤمن والكافر. إذ لو نزّناه على المعنى الثاني، لانتفت صفة الفقر عن الكافر؛ لأنّه بحكم كفره أبى الانقياد للتكليف.
    قال شيخ الإسلام:
    والفقرُ لي وصْفُ ذاتٍ لازمٌ أبدًا --- كما الغنى أبدًا وصفٌ له ذاتِي

    وفرقٌ بين الفقر، والتحقُّق بالفقر. الأول اضطراري، والثاني كسبي بتوفيق من الله. وما كان كسبيًّا، صحَّ وقوعه وانتفاؤه، فخرج بذلك عن شموله لجميع البشر. فالفقر يشمل كل مخلوق، وهو ملازم له ما دام موجودًا. أمَّا التحقُّق بالفقر، فهو استجابة المخلوق للتكليف بالعبودية؛ وهو بهذا المعنى منحصر في دار التكليف وملازم للمؤمن لا الكافر. فالعبادة من لوزم الافتقار، وليست عين الفقر.
    وقد قرَّر التقسيم الذي تفضَّلتَ به ابن القيّم، رحمه الله، تبعًا لاصطلاح مشايخ الصوفية. إذ يقول في "طريق الهجرتين":
    " إذا عُرِف هذا، فالفقر فقران:
    1_ فقرٌ اضطراري: وهو فقر عام، لا خروج لِبَرٍّ ولا فاجر عنه. وهذا الفقر لا يقتضي مدحًا ولا ذمًّا، ولا ثوابًا ولا عقابًا؛ بل هو بمنزلة كونِ المخلوق مخلوقًا ومصنوعًا.
    2_ والفقر الثاني فقر اختياري: هو نتيجة عِلمَين شريفَين: أحدهما معرفةُ العبد بربِّه، والثاني معرفته بنفسه. فمتى حصلت له هاتان المعرفتان، أنتجتا فقرًا هو عينُ غناه وعنوان فلاحه وسعادته. وتفاوُت الناس في هذا الفقر بحسب تفاوُتهم في هاتين المعرفتين."
    والصوفية إنّما ذهبوا إلى هذا التقسيم مراعاةً لمصطلح الفقر عندهم، وهل هو من مقامات السير إلى الله؟ أم لقبٌ ينطبق على كل مَن سلَك الطريق؟ ومصطلح الفقر بهذا المعنى إنَّما هو مصطلح متأخِّر عن مصطلح التصوُّف، وقد استقر به "عُرفٌ حادِث"، حتّى تنازَع الناس أيّهما أفضل: مسمَّى الصوفي، أو مسمَّى الفقير؟
    والذي يؤكِّد تأثُّرَ ابن القيِّم بالصوفية في تقسيمه الفقر إلى نوعين: قوله في "طريق الهجرتين":
    "فتأمَّلْ قولَه تعالى في الآية: (أنتم الفقراء إلى الله)، باسم الله دون اسم الربوبية؛ ليُؤْذِن بنوعَي الفقر. فإنه -كما تقدَّم- نوعان: فقرٌ إلى ربوبيته، وهو فقر المخلوقات بأسرها؛ وفقر إلى ألوهيته، وهو فقر أنبيائه ورسله وعباده الصالحين، وهذا هو الفقر النافع. والذي يشير إليه القوم، ويتكلمون عليه، ويشيرون إليه هو الفقر الخاص لا العام. وقد اختلفت عباراتهم عنه ووصفهم له، وكلٌّ أَخبَر عنه بقدر ذوقه وقدرته على التعبير."
    وهذا النص يشي بأنَّ ابن القيِّم إنّما ذهب إلى هذا التقسيم تبعًا للصوفية. كما أنَّه يؤكِّد أنَّ مراده بالفقر الخاص إنّما هو التحقُّق بالفقر. وهذا لا يستقيم مع ظاهر الآية، حيث الخطاب موجَّه إلى الناس كافّة، مؤمنهم وكافرهم، وفيه إخبار بصفة هي من لوازمهم الذاتية. فبالمعنى الأوّل يتحقق استغراق معنى الفقر لكافّة الخلق، أمّا بالمعنى الثاني فلا.
    ولقوله تعالى: (أنتم الفقراء إلى الله) معنى آخر ذكره المفسِّرون، وهو: أنتم الفقراء إلى فضل الله. والإنسان أحوج ما يكون إلى فضل الله وثوابه في الآخرة.
    والله أعلم.

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: هل ينتهي فقر المسلم إلى ربه بعد دخول الجنة؟

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الواحدي مشاهدة المشاركة
    والصوفية إنّما ذهبوا إلى هذا التقسيم مراعاةً لمصطلح الفقر عندهم، وهل هو من مقامات السير إلى الله؟ أم لقبٌ ينطبق على كل مَن سلَك الطريق؟ ومصطلح الفقر بهذا المعنى إنَّما هو مصطلح متأخِّر عن مصطلح التصوُّف، وقد استقر به "عُرفٌ حادِث"، حتّى تنازَع الناس أيّهما أفضل: مسمَّى الصوفي، أو مسمَّى الفقير؟
    سقط هنا: كما قرَّر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وأثبته التطور التاريخي للتصوف.

  14. #14
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,249

    افتراضي رد: هل ينتهي فقر المسلم إلى ربه بعد دخول الجنة؟

    أحسن الله إليك.. أنا مستمتع والله بهذه المدارسة.. (ابتسامة)
    متعني الله وإياك بخير الزاد.
    وقد أثريتَ الكلام بفوائد طيبة في مشاركتك الأخيرة، فجزاك الله خيرا.

    على أنَّ هذا لا يتم إلا بالتسليم بتقسيم الفقر إلى نوعين أو حالين: من حيث تعلُّقه بالربيوبية، ومن حيث تعلُّقه بالألوهية. أو: من حيث الحاجة إلى الإيجاد والإمداد، ومن حيث الحاجة إلى التعبُّد للسعادة في دار الابتلاء وفي المعاد.
    وهذا التقسيم فيه نظر.

    التفريق الذي أقصده هو تفريق بين الحال الكونية، حال الفقر الكوني الذاتي في كل المخلوقات للخالق جل وعلا من جهة، (وهو كائن في الدارين جميعا) والافتقار التعبدي التكليفي الذي هو إقرار العبد بهذا الفقر وبناء القول والعمل عليه ظاهرا وباطنا من جهة أخرى (وهو خاص بهذه الدار دون الأخرى). فهو إقرار بالفقر الكوني، يزيد عليه افتقار العبد إلى رضا الله وتلمس الطريق إليه بالتأله وحسن التعبد والإنابة، وليس فقط الاقرار بالافتقار إلى رزقه وعطائه وكلئه ورحمته العامة التي تكون للمؤمن والكافر على السواء! ولهذا فقولهم أن الافتقار منازل لا إشكال فيه في نظري، إذ هي بعينها منازل العبودية والقرب من الله على أي تقسيم قسمتها، والتي أعلاها منزلة الإحسان، جعلني الله وإياك من المحسنين.

    فعلى هذا المعنى وهذا التفريق، لا أتصور أنك تخالفني، ولا أتصور أن يكون هذا التفريق فيه نظر عندك، بارك الله فيك.

    وعلى ضوء الآية، فإنَّ المعنى الأوَّل هو المراد بالفقر، أي: أي الفقر المطلَق، الملازم، الدائم.

    أحسن الله إليك. إن سلمنا بهذا التوجيه للآية فلا يلزم منه إضعاف التفريق نفسه كما هو ظاهر.

    ولو اعتبرنا لفظ الفقر في الآية يشمل المعنيين، لما صحَّ ذلك؛ لأن المخاطَب عموم الناس، وذلك يشمل المؤمن والكافر. إذ لو نزّلناه على المعنى الثاني، لانتفت صفة الفقر عن الكافر؛ لأنّه بحكم كفره أبى الانقياد للتكليف.

    بارك الله فيكم، نعم الآية متوجهة لخطاب البشر كافة مؤمنهم وكافرهم سواء، هنا في دار الابتلاء، دار الخطاب بالقرءان.. واللفظ هنا كما تفضلتَ لا يشمل المعنيين، إذ لا يتصور أن يقول الله للناس بما فيهم الكفار: "أنتم المتقربون إلى الله بعبادة الافتقار والله هو الغني الحميد"!! ليس كذلك. ولكنه يقرر لهم معنى الافتقار الأول الذي هو لازم فيهم، أقروا به أو لم يقروا، فيُلزم السامعين بالمعنى الثاني تأسيسا.. فأنت إن علمت أنك في هذه الدار متعرض لإهلاك وإفناء وحرمان، يعقبه الخلود في العذاب والخذلان، فأدركت شدة افتقارك إلى ربك الكريم المنان، فسيثمر ذلك في قلبك ثمرة الافتقار التعبدي، ألا وهي كمال التعبد والتزلف والإحسان.. فيكون الخوف والطمع الواجب التحقق بهما في هذه الدنيا على النحو المطلوب: هو الثمرة المرجوة من خطاب الترهيب في الآية.

    فالآية تبين للناس – كافة - أنهم في هذه الحياة الدنيا لا ينفكون عن حال الافتقار لربهم، وأنه لو شاء سبحانه أن يذهبهم جميعا عنها لأذهبهم وما عزّ عليه ذلك. فهو تقرير للمعنى الأول، بغية إلزام البشر جميعا بضرورة أن يخضعوا للمعنى الثاني، المعنى التعبدي الدنيوي.. فأما من فاز منهم وتحقق له دخول الجنة، فقد انفك عنه هذا الخطاب كما هو واضح.. إذ قد انتقل إلى دار الجزاء التي علم أنه فيها خالد مخلد منعم أبدا بفضل من ربه ورضوان.. فلم يعد حالئذ مخاطبا بالتخويف الذي في قوله تعالى ((إن يشأ يذهبكم))! ولو تأملتَ لِحاق الآية حتى قوله تعالى: ((وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ)) [فاطر : 18] لتبين لك أن الافتقار المراد من الآية ليس فقط إقرار الناس بالافتقار الخَلقي التكويني الذي تتصف به الخلائق كافة، وإنما المراد حملهم على الإقرار بالافتقار إلى رضا الله جل وعلا كذلك، الذي ينفع العباد يوم لا يغني أحدهم عن الآخر شيئا، ولا يحمل أحدهم عن الآخر حملا، وهذا هو المعنى التعبدي الذي لا يتكلفه أهل التنعيم في الجنة، وإنما هم مكلفون به في الدنيا.

    وفرقٌ بين الفقر، والتحقُّق بالفقر. الأول اضطراري، والثاني كسبي بتوفيق من الله.

    أحسن الله إليك وبارك فيك. ما أحكم هذه العبارة! هذا أيها الحبيب هو خلاصة الخلاصة، وحري به أن تفرغ له مشاركة مستقلة.. فأنا وأنت نتفق على هذا المعنى ولله الحمد، وهو غاية ما أريد الإفصاح عنه.. ويكفي أن نضيف لعبارتك في هذا الثاني كلمة "تكليفي"، أو "اختياري" بحسب عبارة ابن القيم التي تفضلت بها في ذلك النقل القيم عنه، إذ هو ما قررتُ فيما أسلفت أنه خاص بدار التكليف من حيث هو تكليف وعبادة، فلا تعلق له بأهل الجنة!

    والصوفية إنّما ذهبوا إلى هذا التقسيم مراعاةً لمصطلح الفقر عندهم، وهل هو من مقامات السير إلى الله؟ أم لقبٌ ينطبق على كل مَن سلَك الطريق؟ ومصطلح الفقر بهذا المعنى إنَّما هو مصطلح متأخِّر عن مصطلح التصوُّف، وقد استقر به "عُرفٌ حادِث"، حتّى تنازَع الناس أيّهما أفضل: مسمَّى الصوفي، أو مسمَّى الفقير؟
    لوهلة كدت أتوهم أن يكون قد انبني عندكم الاعتراضُ على هذا التقسيم ونحوه، وعلى إقرار ابن القيم له ههنا، على مجرد أن مصدره فيه = كلام بعض الصوفية! ولكن قلتُ لا سبيل لهذا الاعتراض - ولو تعريضا - من مثل الواحدي.. فهو أجلُّ شأنا من هذا وأعمق نظرا..

    وعلى أي حال فأنبيك – بارك الله فيك - بأني لا شأن لي بما أفرط فيه الصوفية من تنظيرات وتقعيدات لطرق ومسالك بدعية لتحقيق منازل ومقامات "الفقير" ونحو ذلك.. فالأمر أسهل من هذا! وقد جاءنا ابن القيم رحمه الله بزبدة ما قالوا فيه.. فكل عبد صالح قد قرُب من تقوى الله بحقها فهو متحقق بالافتقار ولابد.. إذ كل صور التعبد يظهر فيها الافتقار.. فإن كان السبيل المطروق في ذاك التعبد سبيل سنة وهداية، فهو الحق وهو ديننا.. وإلا فمنهجنا ولله الحمد والمنة ليس فيه متسع للبدع والخرافات والشطحات. ولولا أن كان هذا هو منهج ابن القيم رحمه الله تعالى لما أتحفنا بهذا الكلام الطيب الذي أخذه عن بعض المتصوفة.



    ولقوله تعالى: (أنتم الفقراء إلى الله) معنى آخر ذكره المفسِّرون، وهو: أنتم الفقراء إلى فضل الله. والإنسان أحوج ما يكون إلى فضل الله وثوابه في الآخرة.
    والله أعلم.

    قلت بعد الحساب ونزول أهل الجنة منازلهم، يؤول الفقر إلى المعنى الأول دون الثاني، فلا إشكال فيما يظهر لي في الجمع بين هذا التفسير وبين ما قررتُه من التفريق بين حال أهل الدنيا وحال أهل الجنة، والله أعلم.


    ملحوظة: قد أطلتُ الكلام في هذه المشاركة بما قد لا تدعو إليه الحاجة إذ أكثر ما كتبتُه فيها مكرور وأكاد أجزم بأننا نتفق عليه أصلا، فالله أسأل أن يغفر لي ذنوبي، فلولاها ما طال الكلام مني بلا حاجة على هذا النحو.. سلمني الله وإياك من الزلل.. ولعلي أرجع عليها فيما بعد بالتحرير إن يسر الله وأعان.
    والله الموفق المستعان
    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: هل ينتهي فقر المسلم إلى ربه بعد دخول الجنة؟

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
    أخي أبا الفداء: أحسن الله إليك، ونفع بك، وأفاض عليك من العلم مكنونَه، ومن الفضل مخزونَه.
    كلانا ناظرٌ قمرًا، ولكنْ --- رأيتُ بعيْنها ورأتْ بِعيْنِي
    ولكن لعينك مزيد فضل، حفظها الله من العين!
    وتقسيمك الفقر إلى: افتقار كوني، وافتقار تعبُّدي منوط بالتكليف: تقسيم لطيف. ولو كان ابن القيّم، رحمه الله، بين ظهرانينا لغبطك عليه!
    وكذا قولك: "فهو تقرير للمعنى الأول، بغية إلزام البشر جميعا بضرورة أن يخضعوا للمعنى الثاني،المعنى التعبدي الدنيوي" تقرير جيِّد، وزاد في جودته وجازة العبارة المؤدية للمعنى. بارك الله فيك.
    أمَّا ما ذكرتُه عن ابن القيِّم، فلم يكن اعتراضًا على كلامه ولا على كلام الصوفية في هذا الباب؛ بل أردتُ الإشارة إلى علَّة قسمته الثنائية ودافعها.
    وبالرجوع إلى "مدارج السالكين" (في الفصل المفرَد للحديث عن منزلة الفقر)، تجده يُقِرُّ بأنَّ للفقر معنى خاصًّا في اصطلاح القوم، وأنَّ هذا المعنى أخصُّ من معناه الأصلي الوارد في القرآن. ثم يقرِّر أنَّ "مراد القوم بالفقر: شيءٌ أخَصُّ مِن هذا كلِّه، وهو: تحقيق العبودية والافتقار إلى الله تعالى في كل حالة."
    لكنّه يتعقَّب ذلك قائلاً: "وهذا المعنى أَجَلُّ مِنْ أنْ يُسمَّى فقرًا، بل هو حقيقةُ العبوديَّة ولبُّها، وعزل النفس عن مزاحمة الربوبية."
    وهذا يعني أنّ ابن القيِّم نفسه، في "مدارج السالكين"، استشكل إطلاق "الفقر" على العبودية. والله أعلم.
    ولست أقرّر هذا مخالِفًا، بل من باب الفائدة.
    والإشكال الذي في ذهني، وتردّدتُ في البوح به، ليس في كون التكليف منقطعًا في الآخرة؛ بل يتعلَّق بالمسألة التالية:
    هل يخرج الخلق في الآخرة (في أيّ دار كانوا) عن حال العبودية؟ وإذا كانت عبوديتهم اضطرارية، فكيف نفسِّر بعض النصوص التي تثبت وقوع الفعل الاختياري منهم (كالسجود، والتمنِّي، والاستزادة، والطلب، وغيرها...)؟ وقد ثبت عن الحسن البصري أنه قال إنّ أهل الجنَّة في الجنَّة إنَّما يدعون الله تقرُّبًا إليه، والتقرُّب طاعة، والطاعة عبادة.
    ويتعلّق بهذه المسألة مسألة أخرى، وهي:حال العقل (الذي هو مناط التكليف) كيف ستكون في الجنَّة؟ وكذا الأمر بالنسبة لأفعال القلوب، أو العواطف.
    وأرجو ألاّ يُدرج استشكالي هذا في باب التنطُّع، فإنّ له بعض تعلِّق بموضوعنا. وهو استشكال استبدّ بي في ظرف لا يسمح لي بالتركيز ولا باستجماع الفكر... فقلتُ لعلّ مَن له علم بالمسألة مِن إخواننا يفيدنا بالجواب مأجورًا.
    رزقنا الله الجنَّة، ووقانا سوء الدار.
    وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

  16. #16
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,249

    افتراضي رد: هل ينتهي فقر المسلم إلى ربه بعد دخول الجنة؟

    أخي أبا الفداء: أحسن الله إليك، ونفع بك، وأفاض عليك من العلم مكنونَه، ومن الفضل مخزونَه.
    آمين وإياك والمسلمين
    تجده يُقِرُّ بأنَّ للفقر معنى خاصًّا في اصطلاح القوم، وأنَّ هذا المعنى أخصُّ من معناه الأصلي الوارد في القرآن. ثم يقرِّر أنَّ "مراد القوم بالفقر: شيءٌ أخَصُّ مِن هذا كلِّه، وهو: تحقيق العبودية والافتقار إلى الله تعالى في كل حالة."
    قلت على تقريره هذا رحمه الله، فلا يكون المعنى المقرر أخص مما في القرءان، فالقرءان فيه المعنى العام والمعنى الخاص كذلك.

    فالله تعالى يقول: ((هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)) [محمد : 38]
    فجاء وصف الفقر للعباد في مقام عتابهم على ترك الإنفاق في سبيل الله، حتى يفهم السامعون أنهم من فقرهم فإنهم يلزمهم الإنفاق لا الإمساك، فهم لا ينفقون لأن الله به حاجة إلى أموالهم وحاشاه سبحانه، ولكن لأنه هو الغني وهم الفقراء إليه.. فلإن بخلوا بالمال والحال كذلك فإنما يبخلون على أنفسهم! ولو حضرهم في نفوسهم فقرهم إلى ربهم (بالمعنى الخاص) في حال راودتهم النفس على الإمساك لما أمسكوا! وهذا من تقرير المعنى الخاص للفقر (إضافة إلى المعنى العام) والإلزام به وبالعمل بمقتضاه!

    وتأمل أيها الحبيب الأريب في قوله تعالى: ((فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)) [القصص : 24] ترى صورة رفيعة من صور إظهار الافتقار التعبدي لله تعالى تكتب فيها مجلدات!
    فموسى عليه السلام كان حال دعائه ذاك في موقف المعطي المتصدق لا في موقف المحتاج المأزوم، إذ قد فرغ لتوه من قضاء حاجة المرأتين والسقاية لهما، فإذا هو يذكر نفسه بعبوديته وافتقاره لربه الغني تبارك وتعالى، ويتوجه إليه بالدعاء بتقرير ذلك الافتقار تطهيرا للنفس مما قد يشوبها من الرضى بالعمل الصالح فضلا عن المنّ بالصدقات وبقضاء حوائج الخلق! فلا ينتبه إلى هذا المعنى في مثل ذلك المقام إلا عبدٌ قد تحقق بأخص معاني العبودية على هذا النحو الذي قرره ابن القيم رحمه الله.

    وعند هذا يتبين لك أنه رحمه الله لم يستشكل وصف العبودية بالفقر، فالخوف داخل في معنى الفقر، والرجاء كذلك، وهما الخوف والطمع المشمول عليهما في قوله تعالى: ((وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً)) ونحوه مما في معناه.. وما العبادة إلا الدعاء! فتحقق معنى الافتقار في النفس هو الذي يُخضِعها لربها على الوجه الصحيح تحقيقا للعبودية.. فتأمل.

    والإشكال الذي في ذهني، وتردّدتُ في البوح به، ليس في كون التكليف منقطعًا في الآخرة؛ بل يتعلَّق بالمسألة التالية:
    هل يخرج الخلق في الآخرة (في أيّ دار كانوا) عن حال العبودية؟ وإذا كانت عبوديتهم اضطرارية، فكيف نفسِّر بعض النصوص التي تثبت وقوع الفعل الاختياري منهم (كالسجود، والتمنِّي، والاستزادة، والطلب، وغيرها...)؟ وقد ثبت عن الحسن البصري أنه قال إنّ أهل الجنَّة في الجنَّة إنَّما يدعون الله تقرُّبًا إليه، والتقرُّب طاعة، والطاعة عبادة.
    ويتعلّق بهذه المسألة مسألة أخرى، وهي:حال العقل (الذي هو مناط التكليف) كيف ستكون في الجنَّة؟ وكذا الأمر بالنسبة لأفعال القلوب، أو العواطف.

    أحسن الله إليك.

    الخلق لا يخرجون عن معنى العبودية بحال من الأحوال، فهم في كل أحوالهم عبيد لله، كما أن الحجر والشجر والثقلين والملائكة وجميع الخلق عبيد لله في كل حال وفي كل حين. ولكن الناس إذا ما دخلوا دار المستقر بعد الحساب فإنهم يخرجون عن معنى التكليف والابتلاء تحديدا، ليدخلوا في معنً آخر.. أما العبودية فلا ينفك عنها مخلوق. وهنا فرق دقيق.
    ألا ترى أنهم يُلهمون التسبيح كما نُلهم النفس؟ فهم عباد يعبدون الله تعالى دون تكلف للعبودية ودونما اختيار لها، ذلك أنهم في تلك الدار لا شغل لهم إلا التلذذ والتنعم أو العذاب والتألم، نسأل الله العافية. مثلهم في ذلك كمثل الدواب المخلوقة في هذه الدنيا بلا تكليف.. فهل يقال أنها – تلك الدواب والأنعام - تخرج عن معنى العبودية لله؟ كلا ولا شك! هم عبيد لله جميعا في كل أحوالهم ولكن كلُ خلق منهم قد علم صلاته وتسبيحه، وصلاة هؤلاء وتسبيحهم تكون على النحو الذي يناسب ما جعلهم الله في تلك الدار من أجله، وهو أن يكونوا مسخرين لبني آدم في الأرض.

    فإذا تقرر هذا المعنى، عُلم أنهم في دار المقامة لا يعملون عملا ظاهره من أعمال التعبد التي يتكلفها العباد في الدنيا = بقصد التعبد (على أساس من الخوف والطمع)! فما ذكرته من أعمال فيه تفصيل..


    فأما السجود للساق فسجود تكليف وعبادة، دل النص على أنه يكون في الآخرة قبل دخول دار المستقر، وهو آية على نجاة الناجين وهلاك الهالكين، ولهذا خطّأ أهلُ العلم من أطلق القول بأن الآخرة لا تكليف فيها، إذ أن هذا تكليف، ومثله تكليف أهل الفترة المنصوص عليه في السنة، فهذا تكليف تعبدي من جنس ما يتكلفه العباد في الدنيا ولا إشكال فيه. وهو واقع في حال الحساب وليس في حال الاستقرار في الجنة أو في النار.


    وأما التمني والاستزادة والطلب فليس بصواب عدها من أعمال التعبد، بل هي تحقيق ما وعدهم الله به من التلذذ في الآخرة، أنهم ما يطلبون من شيء إلا ويأتيهم من فوره خيرا مما يشتهون.. فكما أن الشهوة ثم مركبة للتلذذ لا للابتلاء، فكذا الطلب والسؤال مبذول للتلذذ لا للتعبد التكليفي.. والله أعلم.

    وفيما تفضلت بنقله عن الحسن البصري رحمه الله إشكال.. إذ لو كان يريد أنهم في ذلك يكونون على حال تعبد كالتي يكون فيها العبد في هذه الدار فليس بصحيح. وكيف يقال أنهم في طاعة والطاعة لا تكون – كما هو ظاهر معناها - إلا لأمر تكليف؟ صحيح أنهم في تقرب وتحبب وتودد إلى الرب جل وعلا ولكنه ليس على وجه الطاعة، ولا على وجه التعبد ولكنه على وجه التنعم والتلذذ بالقرب من الملك الودود جل وعلا يوم تكون رأس الملذات جميعا لأهل تلك الدار – جمعني الله وإياك فيها – النظر إلى وجهه الكريم جل وعلا.. وأما وصف تلك الأفعال منهم بالعبادة، فلا إشكال فيه، فكل مخلوق يأتي من الأفعال ما خلقه الله من أجله فهو حالئذ على عبادة!
    ولك في المخلوقات من غير الثقلين المكلفين في الدنيا مثال ظاهر على هذا المعنى. فإن كان الناس لا يدخلون الجنة إلا ليتنعموا فيها، فيصح حينئذ أن يقال أن سائر صور تنعمهم فيها – بما في ذلك شربهم لما يشربون وأكلهم لما يأكلون ولهوهم بما يلهون به – هو في حقهم عبادة، ولا دخل لذلك بمسألة النية التي جعلها الله في الدنيا ابتلاءا للمكلفين، إذ هم هناك ليسوا بمكلفين أصلا. فنحن نقول أن الفعل الاعتيادي لا يكون من العبادة في الدنيا إلا باصطناع النية لأننا في دار تكليف وابتلاء، أعمالنا تعد علينا حتى نحاسب عليها، فما كان لله فلله وما كان لغيره فلغيره!
    أما في الآخرة فالعمل ليس اتبلاءا ولا تكليفا وليس عرضة لأن يرده الله على فاعله! إذ قد رضي الله عليهم أبدا، وشهد لهم بذلك، فلا يُتصور أن يكتب لهم رضاه أبدا ثم هم يأتون بعدها من الأعمال ما لا يرضاه سبحانه! وهذا المعنى ملازم لمعنى الخلو من التكليف والابتلاء من كل وجه! أذ لا يتصور الإتيان بالعمل غير المرضي عند الله تعالى إلا من مخلوق في حال تكليف وابتلاء، فإما كان اختياره لعمل يرضاه الرب أو كان خلاف ذلك! أما في الآخرة فأيما عمل يختاره العبد فهو في خير وفي مرضاة من ربه، وعلى معنى العبودية وحدها المشهور فجميع أعمال العبد في تلك الدار إذن = عبادة ولابد!


    أما حال العقل والمشاعر ونحو ذلك، فلك أن تتصور دارا لم يُجعل فيها العبد إلا للتلذذ والتنعم، لا تشوب ذلك عنده شائبة.. فإن استطعت أن تقيس ذلك على حالٍ تراها ها هنا في تلك الدار الدنية التي نحن فيها، فلك أن تتأمل في حال العقل وحال المشاعر وغير ذلك حينئذ، ولكن أنى لك هذا؟ نحن أصلا لا ندري كيف يكون لأهل الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر! ونعيم أهل الجنة معلوم أنه لا يشترك مع نعيم الدنيا إلا في الأسماء! فإن كان لنا نص قلنا به في هذا وإلا فلا، والله أعلى وأعلم.
    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: هل ينتهي فقر المسلم إلى ربه بعد دخول الجنة؟

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
    بوركت، أخي الحبيب، على ما تفضّلتَ به وأفضتَ فيه. لا فضّ فوك!
    وأبادر إلى التأكيد على أنّ الخوض في مسائل الغيب مسلك شائك، اللهم إلا إذا كان استنادًا إلى نصٍّ صحيح صريح.
    كما أبادر إلى الإقرار بأنّ ما قدَّمتُ من استشكال حول حال العقل في الجنّة هو من تعنُّت العقل نفسه. وعنتُ العقل في تعنُّته...
    وكان يكفيني أن أذكر قول أبي الطَّيِّب:
    ذو العقل يشقى في النَّعيم بعقله

    ولكن الذي ساقني إلى السؤال هو بعض ما جال في خاطري، ثم تفضَّلتَ أنت بالإفصاح عنه في شرح معنى العبودية. وهو معنى يتبادر إلى الذهن، لكن قد تعترضه بعض الاعتراضات... والذي أقصده هنا هو ما كان مجرَّدًا عن التكليف.
    إذا فسَّرنا العبودية بحصرها في الخضوع المحض، نقع في إشكال المساواة بين المخلوقات، وبالتالي: نفي التفاضل، وكذلك غياب علّة التفضيل لبعضها على بعض.
    كذلك: اعتبار غياب التكليف رديفا لقيام العبودية الاضطرارية لا يعني ضرورةً حصول السعادة والنعيم. وكذلك حصول السعادة والنعيم لا يلزم عنه وقوع العبودية الاضطرارية حصرًا. وبيانه:
    قولك: "مثلهم في ذلك كمثل الدواب المخلوقة في هذه الدنيا بلا تكليف". يعكِّر عليه أنَّ الدواب المخلوقة في هذه الدنيا، رغم انتفاء الاختيار عنها، ليست في نعيم مطلق أو دائم؛ بل يقع عليها الألم، والمرض، والتعب، والخوف، وما إلى ذلك من العوارض...
    ويعكِّر عليه أيضًا وجود التفاضل بين المخلوقات غير المختارة؛ سواء كانت من عالم الملائكة، أو الحيوان، أو الجماد.
    والاشتراك في الخضوع والتسبيح لا يلزم منه منه التطابق في معنى التنعُّم أو الإحساس به؛ لأنّ التمايز بين الانسان والحيوان واقع بوجود الإرادة، والإرادة واقعة من المؤمن في الجنة أيضا. وإذا سلّمنا باشتراك الانسان والحيوان في إرادة المحسوسات، فإنّ إرادة الإنسان تتجاوزها إلى إرادة اللذة المعنوية.
    ومن هنا كان معنى العبودية أدق وأشمل وأسمى من مجرَّد الخضوع، اضطراريا كان أو اختياريا؛ وإن كان الخضوع والتذلُّل أصل الكلمة ومعناها الأوّل. وهي، بتعريف شيخ الإسلام: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه". وهي "تتضمن معنى الذل ومعنى الحب".
    وهذا يعيدنا إلى معنى الافتقار إلى الله، وهل هو في الجنّة بمعناه التكويني فحسب؟ أم يتَّسع لمعنى آخر يتجاوز الخضوع التكويني والتكليف معًا؟
    وبما أنّنا في مدارسة، سأسمح لنفسي بتقرير ما يجول في خاطري، وأرجو أن تتكرَّم بالتعقيب عليه، واعذرني إذا استعرتُ لغة أهل السلوك:
    علاقة المؤمن بربِّه هي علاقة خضوع مشفوعة بحُب. والحب الصادق لا حد له ولا نهاية، فهو في ازدياد مستمر. والحب له ارتباط بالافتقار إلى الحبيب. وهذا الافتقار إنّما هو شوق المحب إلى الحبيب. والشوق في مقامِ علاقةِ العبد بربِّه إنّما هو شوقٌ إلى القرب وإلى المعرفة. ومِنْ هنا كانت حقيقة الرؤية، وكانت الرؤية من أعلى درجات النعيم. ومِن هنا أيضا كان للرؤية معنى آخر، يتجاوز الرؤية الحِسِّية ويفوقها، ألا وهو المعرفة؛ والمعرفة من معاني القرب. والمعرفة لا تتأتَّى جملةً واحدةً، بل على مراحل؛ ومِن هنا كان تجدُّد الرؤية. والناس في هذا مقامات... وهذا هو المعنى الذي أومأتُ إليه بالافتقار، أي: الشوق. وهو افتقار كلّه لذة، وراحة، وسعادة؛ وليس مِن جِنس الافتقار الآخر. والشوق معنى إرادي ناتج عن حركة قلبية.
    وأظننا نتفق في هذا؛ وإنما اختلفت عباراتنا. والله أعلم.

    وعلى ذِكر ما أشرتَ إليه من تفسير لقوله تعالى: (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَاأَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ): كنتُ في عهد سابق في حالة ضيق، فقرأتُ في شرح الحكم العطائية قولَ أبي عليّ الدقّاق: "مِن علامة المعرفة: أن لا تَسأل حوائجك كلّها إلا مِن الله، قلَّتْ أو جلَّت. مثل موسى، عليه السلام: اشتاق إلى رؤيته، فقال: (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْك)؛ واحتاج يومًا إلى رغيف، فقال: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِير)". فخجلتُ مِن نفسي...
    ثم توجَّهت إلى المسجد. وعند دخولي، سمعتُ الشيخ على كرسيِّ الدرس يردِّد كلام أبي عليٍّ الدقّاق نفسَه! فاستبشرت.
    فكان ما كان مِمَّا لستُ أذكُرُه --- فظُنَّ خيرًا ولا تَسألْ عنِ الخبرِ
    والحمد لله، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه.

  18. #18
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,249

    افتراضي رد: هل ينتهي فقر المسلم إلى ربه بعد دخول الجنة؟

    والذي أقصده هنا هو ما كان مجرَّدًا عن التكليف.

    إذا فسَّرنا العبودية بحصرها في الخضوع المحض، نقع في إشكال المساواة بين المخلوقات، وبالتالي: نفي التفاضل، وكذلك غياب علّة التفضيل لبعضها على بعض
    أحسن الله إليك أيها الحبيب، ما قدمتُ تقريرَه في المشاركة الآنفة هو تأسيسٌ على ما قرره شيخ الإسلام من تعريف العبودية الأشمل، أنها اسم جامع لجميع ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. فبما أن أهل الجنة قد رضي الله عنهم فلا يسخط عليهم أبدا، وبما أنهم في دار تنعيم لا تكليف، فلا يتصور منهم الإتيان بأفعال لا يرضاها الله منهم، بل كل فعل يتنعمون به هو مما يرضاه الله، فهم إذن على عبودية بهذا المعنى وإن لم يتكلفوا ذلك.
    ولا إشكال في تصوري في حصر معنى العبودية في الجنة في الخضوع التكويني المحض، بارك الله فيك، وهو في حق سائر المخلوقات شامل للوجه الحسي والمعنوي كذلك،

    وليست سائر صور الخضوع التعبدي الذي هو دون منزلة التكليف بالاستخلاف (الذي اتفقنا على الاصطلاح عليه ههنا بالخضوع التكويني) = على درجة واحدة.
    بل هي مراتب ولا شك، أدناها فعل المخلوق المسخر الذي لا يملك اختيارا، وأعلاها فعل المخلوق المكلف الذي ابتلاه الله بالاختيار فاختار ما علم أنه يرضاه سبحانه، فالتفاضل كذا يكون على وجه العبودية الخاصة والعبودية العامة – إن شئت التفريق على هذا اللفظ.

    وهنا يدخل مبحث التفاضل بين بني آدم والملائكة، وخلاصة القول الصحيح فيه – والله أعلم - أن العبد المكلف بالغيب، الطائع الخاضع اختيارا، وعلى رأس ذلك الأنبياء ولا شك، أرفع درجة من الملك الذي لا ينفك عن طاعة الله دائما وأبدا ولكن دونما ابتلاء بالغيب والتكليف من وراء حجاب الغيب، ولهذا أجاب الله تساؤل الملائكة لما قالت ((أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بمحدك ونقدس لك)) بقوله تعالى ((إني أعلم ما لا تعلمون)) ولهذا أسجد سبحانه الملائكة جميعا على رفعة منزلتها لآدم عليه السلام تشريفا وتكريما له، وهذا استطراد يطول بنا في غير مقام.


    وقد دل النص على أن السماوات والأرضين خَيَّرها الله بين الإتيان طوعا والإتيان كرها، فاختارتا الطاعة، ثم خيرهما بحمل أمانة التكليف والاستخلاف والابتلاء فأشفقن منها، فكانت منزلتها فوق منزلة المخلوق العابد كرها (إذ كان إتيانها الأول بالطاعة والاختيار) ودون منزلة المخلوق العابد المكلف المبتلى بالغيب المحاسب على تلك الأمانة الخاصة التي أشفقت منها السماوات والأرض.


    هذا وفيما بين المخلوقات غير المكلفة تفاضل أيضا من جهة أن الله قد رفع بعضها فوق بعض درجات في التشريف والتكريم دونما كسب منها لذلك، فالملائكة لم يكن تشريفها وتكريمها ورفعها فوق دواب الأرض في المنزلة لعمل عملته فارتقت درجتها به عند الله، كلا ولكنه كان لرفعة العمل نفسه الذي خلقها الله من أجله حيث خلقها، فلا هي مبتلاة بالطاعة فيه ولا هي تملك اختيارا. فهي في عبودية أسمى وأرفع – مع كونها غير مبتلاة بالتكليف – من عبودية دواب الأرض، وكلٌ يخضع لأمر الله على نحو ما أراد الله منه، والله أعلم.


    فالحاصل أن تقريري الآنف لا يلزم منه نفي التفاضل في ذلك كله، والله أعلم.





    كذلك: اعتبار غياب التكليف رديفا لقيام العبودية الاضطرارية لا يعني ضرورةً حصول السعادة والنعيم. وكذلك حصول السعادة والنعيم لا يلزم عنه وقوع العبودية الاضطرارية حصرًا.

    صدقت وأبررت.. هو كما تقول، لا تلازم.




    وبيانه:

    قولك: "مثلهم في ذلك كمثل الدواب المخلوقة في هذه الدنيا بلا تكليف". يعكِّر عليه أنَّ الدواب المخلوقة في هذه الدنيا، رغم انتفاء الاختيار عنها، ليست في نعيم مطلق أو دائم؛ بل يقع عليها الألم، والمرض، والتعب، والخوف، وما إلى ذلك من العوارض...
    أحسن الله إليك، أنا ما سقت هذا المثال إلا لبيان أن العبوية لا يلزم منها وجود التكليف، فهذه الكائنات متعبَّدة بما هي مسخرة لفعله، تسبيحهم لا يعلمه إلا الله، وقطعا لا يلزم من ذلك لا سعادة ولا نعيم ولا انتفاء تلك العوارض التي تفضلت بذكرها، فهي في حق تلك الكائنات ليست من الابتلاء والتكليف في شيء، ولعلها تكون في حقهم على وجه الجزاء على ظلم أو عدوان يقع من دابة على الأخرى، فحقوق الله عليهم مكفولة بالتسخير، أما حقوق بعضهم على بعض فمنصوص على أنهم يحاسبون عليها يوم القيامة ثم يكونون ترابا، والله أعلم.

    وعلى أي حال، فأيا ما كان وجه تعرضهم لتلك العوارض فهو من تمام حكمة خلقهم في الدنيا دونما ابتلاء على نحو ما يكون ابتلاء الثقلين بمثل تلك العوارض. القصد أن وجه ذكري لتلك الدواب حيث ذكرتها ومثلت بها ليس كونها في نعيم دائم أو نحو ذلك وإنما كونها في عبودية دائمة دون عبودية التكليف، وإن اختلفت الصورة والمنزلة.

    والاشتراك في الخضوع والتسبيح لا يلزم منه منه التطابق في معنى التنعُّم أو الإحساس به؛ لأنّ التمايز بين الانسان والحيوان واقع بوجود الإرادة، والإرادة واقعة من المؤمن في الجنة أيضا. وإذا سلّمنا باشتراك الانسان والحيوان في إرادة المحسوسات، فإنّ إرادة الإنسان تتجاوزها إلى إرادة اللذة المعنوية.



    ومن هنا كان معنى العبودية أدق وأشمل وأسمى من مجرَّد الخضوع، اضطراريا كان أو اختياريا؛ وإن كان الخضوع والتذلُّل أصل الكلمة ومعناها الأوّل. وهي، بتعريف شيخ الإسلام: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه". وهي "تتضمن معنى الذل ومعنى الحب".
    وهذا يعيدنا إلى معنى الافتقار إلى الله، وهل هو في الجنّة بمعناه التكويني فحسب؟ أم يتَّسع لمعنى آخر يتجاوز الخضوع التكويني والتكليف معًا؟


    بارك الله فيك.
    قولك: " لأنّ التمايز بين الانسان والحيوان واقع بوجود الإرادة، والإرادة واقعة من المؤمن في الجنة أيضا. وإذا سلّمنا باشتراك الانسان والحيوان في إرادة المحسوسات، فإنّ إرادة الإنسان تتجاوزها إلى إرادة اللذة المعنوية." هذا غير مسلّم. لأن الإرادة من حيث المعنى يشترك فيها الإنسان والحيوان كذلك، على الوجه المعنوي والحسي ولا فرق. حتى الجماد له إرادة وطلب للذة المعنوية، وقد علمتَ ما كان من خبر الجذع الذي كان يخطب عليه النبي عليه السلام وحنينه إليه، فهذه ليست إرادة حسية كما هو واضح. فالتفريق بين إرادة الإنسان وإرادة غيره من المخلوقات على هذا النحو ليس بوجيه، ولا تأثير لها على تفاضل الكائنات المخلوقة في مقامات العبودية ومنازلها التي أنزلها الله فيها، ولا على طبيعة التنعم والتلذذ ووجود الإحساس به في تلك الكائنات، والله أعلم.

    أما قولك سددك الله: " وهذا يعيدنا إلى معنى الافتقار إلى الله، وهل هو في الجنّة بمعناه التكويني فحسب؟ أم يتَّسع لمعنى آخر يتجاوز الخضوع التكويني والتكليف معًا؟" فأقول المعنى التكويني – إن صح الاصطلاح – في تصوري لا يخلو من الجانب الحسي المعنوي بحال من الأحوال، بمعنى افتقار النفس المنعمة للأنس بالله تعالى على نحو ما جبل الله فيها في تلك الدار، ولكنّ شيئا من هذا لا يلزم منه – كما نحن الآن متفقون – لحاق الوجه التكليفي بمعنى الافتقار.. أما أنه يكون على وجه أسمى وأرقى من افتقار الدواب المسخرة في الأرض، فمدار ذلك ما تريده تدقيقا وتحقيقا من معنى "الافتقار"، فإن كان المراد الوجه الذي يورث في نفس العبد ذلة وتضرعا ونحو ذلك مما يكون في الدنيا في النفوس المكلفة المبتلاة بتحقيق ذلك فيها تعبدا، فليس كذلك.

    والذي يقول أن الذلة والخضوع تكون يومئذ مما يتلذذ العباد به في الجنة، - وهذا ليس ما أنت قائل به ولكنه للتذاكر - فهذا قد أتى بتصور غير مستقيم! ذلك أن التذلل والانكسار والمسكنة في معناها منافاة لسعة النعيم والتلذذ المحض الذي يكون فيه أهل الجنة! فكيف يقال أنهم يومئذ يتلذذون بالذل والمسكنة، التي بمثلها يتحقق المعنى الخاص للافتقار في الدنيا؟ وكيف يتصور أن يكون ذلك منهم في الجنة على غير وجه التكليف والابتلاء الذي يكون في الحياة الدنيا؟

    علاقة المؤمن بربِّه هي علاقة خضوع مشفوعة بحُب. والحب الصادق لا حد له ولا نهاية، فهو في ازدياد مستمر. والحب له ارتباط بالافتقار إلى الحبيب. وهذا الافتقار إنّما هو شوق المحب إلى الحبيب. والشوق في مقامِ علاقةِ العبد بربِّه إنّما هو شوقٌ إلى القرب وإلى المعرفة. ومِنْ هنا كانت حقيقة الرؤية، وكانت الرؤية من أعلى درجات النعيم. ومِن هنا أيضا كان للرؤية معنى آخر، يتجاوز الرؤية الحِسِّية ويفوقها، ألا وهو المعرفة؛ والمعرفة من معاني القرب. والمعرفة لا تتأتَّى جملةً واحدةً، بل على مراحل؛ ومِن هنا كان تجدُّد الرؤية. والناس في هذا مقامات... وهذا هو المعنى الذي أومأتُ إليه بالافتقار، أي: الشوق. وهو افتقار كلّه لذة، وراحة، وسعادة؛ وليس مِن جِنس الافتقار الآخر. والشوق معنى إرادي ناتج عن حركة قلبية وأظننا نتفق في هذا؛ وإنما اختلفت عباراتنا. والله أعلم..
    نعم هو كذلك بارك الله فيك، هذه نتفق فيها، على أن الافتقار حينئذ يكون ملاصقا لمعنى الشهوة والرغبة والتطلع للمزيد من التلذذ والتنعم، وليس لمعنى الخوف من الفقد والنقص والحاجة والضرورة التي هي حقيقة معنى الافتقار في الدنيا، وفي هذا نحن على اتفاق كما تفضلت، والله أعلم.

    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: هل ينتهي فقر المسلم إلى ربه بعد دخول الجنة؟

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
    أخي الحبيب:
    أفدتَ وأجدتَ. وإنّ مذاكرتك لتزيد في العقل والأدب.
    زادك الله فضلا وعلما، وأحسن إليك ونفع بك.
    ولو لم يكن في هذه المذاكرة إلا تذكيرنا بأنّ الغاية من وجودنا هي نيل مرضاة الله تعالى، لكفى بها زادًا وذخرًا.
    جزاك الله خيرًا، وجمعنا في الفردوس الأعلى من جنّته.
    وما ذلك على الله بعزيز...

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •