قانون السببية وإثبات الربوبية


تمهيد وتوطئة:
كنت قد شرعت فى كتابة بحث فلسفى منذ بضعة أعوام ، ووضعت خطة له فى إثبات قانون السببية ، ولكننى لم أتمه ، وعلى طريقتى فى كتابة البحوث ، أننى أبدأ بكتابة المقدمة ثم أشرع فى صلب الكتاب ، على خلاف المعهود ، فكانت هذه المقدمة التمهيدية المبسطة لهذا البحث أنشره لعل فيه صغير فائدة ، ولعلنى أستأنف الكتابة فيه إن يسر الله تعالى ؛؛؛

لقد أصبحنا – الآن – نعيش فى زمن ملاحقة الزمن ومصارعته قبل أن يصارعنا فكان من نتاج ذاك هذا الكم الهائل من الإكتشافات والإختراعات ، وهذه الطفرة الكبيرة فى الجانب الكيفى ، والتقنية العلمية المذهلة – الرائعة والمروعة فى آنٍ – والتى نتج عنها فى بعض الأحيان من البعض نوع من الزهو والكبر ، الذى أدى بهم إلى الإلحاد والكفر بالله العلى العظيم ، إلا أن الحقيقة والحق كان يدعو إلى غير ما آل إليه الأمر ؛ لأن هؤلاء القوم جانب مشغلتهم وعامل بحثهم تأبى إلا أن تثبت كفرهم وضلالهم وسفاهة أحلامهم .
لقد شاهدنا فى هذا العصر – عصر الانفجارات العلمية – عصر التكنولوجيات المتطورة ، عصر اكتشاف الذرة ومفرداتها ، وأكثر من مجرة وما يسبح فيها ... إلخ
لقد شاهدنا معاقل الإلحاد تطل علينا مكشرة عن أنيابها ، وسمعنا أبواق الإلحاد فى أماكن بددا وبلاد عددا ، بغطرسة غير معهودة ومعاندة غير مسبوقة ، تستنكر الخالق المصور البارىء البديع .
مع أن هذه المعاقل الإلحادية – سبحان الله – بها المعامل التى تطعن فى عقيدتها ومعتقداتها الكفرية الشركية الإلحادية ، بنفس الأيادى : الكفرية – الشركية – الإلحادية . والتى اسميها : بمعامل الإيمان – أجل معامل الإيمان – الإيمان بإنتاج غير إيمانى بل يحاربه – إنهم يصطنعون الإيمان – إن صح التعبير – أو يصطنعون أسبابه الموجبه له بأيديهم ، مع عدم اعترافهم له ولا انتفاعهم به ، ولا اتخاذهم منه العبرة والعظة .
فما هذا الكون الفسيح الذى كلما اكتشفنا منه جزءا دلنا على أجزاء أخرى ( وإنا لموسعون ) ما هذا الفضاء الشاسع ، وهذه الكواكب السيارة ، والأقمار المنيرة ، والشموس المضيئة ، التى تسير بدقة وانتظام .
إننا لو نظرنا نظرة عميقة إلى الطبيعة لوجدنا بديع ما صنع البارىء ، فما من ظاهرة إلا أطل منها جمال الاتساق وتناسق التكرار ، ألا ترى الشمس ، وقد رفعت وجعلت الكواكب تدور حولها ( وكل فى فلك يسبحون ) لا تصادم ولا تقارب ولا ابتعاد ( لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار ) وهل لك أن تتصور محض تصور ، أو تتخيل محض خيال ، لو حدث تصادم أو تقارب أو تباعد ، فماذ كان يمكن أن يحدث ؟ ليس إلا الدمار والهلاك ؛ إما ليل سرمدى ، أو نهار أبدى ، إما صيف حار ، أو شتاء قارص قارس ، إما ظلام دامس فى ليل طامس ، أو نهار مضىء فى صباح لا يغيب ، وأنى لمعيشة أن تكون فى مثل هذه الحال فى أقل تقدير يمكن أن يحدث ، لو تخيل ارتطام أو تقارب أو تباعد . هذه الصورة التى أودعها الله المجموعة الشمسية ارتسمت فى أعين العلماء فتصوروها مكررة فى الكون بأجمعه ، مكررة فى كل كائن فى الوجود ، فى عالم الذرات كما هو الحال فى عالم المجرات .
وبيان ذلك وشاهده : أن الكون كله مكون من ذرات ، وهذه الذرات مكونة من جزيئات كهربائية منها السالبة ومنها الموجبة ، فالسالبة تسمى بالألكترون والموجبة تسمى بالبروتون ، وهناك جزء معتدل الشحنة يسمى بالنيترون ، ومن البروتون والنيترون تتكون نواة الذرة ، أما الألكترون فيمثل الكواكب السيارة لهذه النواة .
ولنا أن نربط حال الذرة بحال بعض كواكب المجرة بجامع حالة الاتساق المنتظم المتكرر فيهما : فمثلا الشمس يمكنها أن تعيش بغير كواكب ، ولكن الكواكب لا يمكنها أن تدور بغير الشمس .
والشمس مكونة من وحدات متماسكة تماسكاً شديداً ، وهى وحدات متساوية بعضها مكهرب والبعض الآخر غير مكهرب .
والشمس بلغة العلم تسمى نواة ، والكواكب تسمى إلكترونا ، والوحدة المكهربة تسمى بروتونا ، والوحدة غير المكهربة تسمى نيترونا ، والنواة بإلكتروناتها الدائرة تسمى الذرة .
ولك أن تتخيل أيضا محض تخيل لو حدث تصادم أو تقارب أو تباعد بين جزيئات الذرة ماذا يمكن أن يحدث ؟
لو كانت الالكترونات ملتصقة بالبروتونات داخل الذرة ، والذرات ملتصقة ببعضها بحيث تنعدم الفراغات ، لكانت الكرة الأرضية بحجم البيضة .
فانظر إلى وجه الشبه والاتساق والتناسق بين عالم الذرة وعالم المجرة ، انظر إلى الالكترونات التى تشكل الكواكب السيارة لنواة الذرة وهى تدور حولها بسرعة هائلة بحركة دائرية إهليلجية ، وبسبب هذه السرعة الهائلة فى حركة الألكترون يبقى الألكترون متحركا هذه الحركة ؛ إذ لولا هذا الدوران لجذبت كتلة النواة كتلة الالكترون ، وعندئذ يكون العجب إذ فى هذه الحالة يصبح جِرم كالكرة الأرضية فى حجم بيضة الدجاجة ، فالفراغ كبير جداً فى عالم الذرة ، فكتل الجزيئات لا تأخذ إلا حيزاً صغيراً جداً من فراغ الذرة الواسع ، وذلك أن البعد بين النواة والألكترونات الدائرة حولها كالبعد بين الشمس وكواكبها السيارة نسبياً .
فانظر إلى هذا الاتساق بين عالم الذرة وعالم المجرة ، وانظر إلى الوحدة فى هذا النظام التى تدل على الله الواحد الأحد ، إنها لوحدة تنطق بالتوحيد تدل على إله واحد وحد بين نظامها ، ما هذا ؟ : إن الالكترون يدور على عكس عقارب الساعة ، والأرض تدور على عكس عقارب الساعة ، والشمس تدور على عكس عقارب الساعة ، والكواكب السيارة تدور على عكس عقارب الساعة ، والقمر وكل الأقمار تدور على عكس عقارب الساعة ، والنجوم كلها تدور على عكس عقارب الساعة ، وجرتنا التى تضم بين أجزائها مجموعتنا الشمسية تدور على عكس عقارب الساعة ، والألكترون يدور على مدار بيضوى إهليلجى ، والأرض تدور حول الشمس على مدار بيضوى إهليلجى ، وكذلك الزهرة ونبتون والمشترى والكواكب السيارة ، ومحور الأرض مائل ، ومحور القمر مائل ، ومحور المريخ مائل ...ومحور الشمس مائل ، والعجيب أن النسبة بين النواة والكتروناتها كالنسبة بين الشمس وكواكبها السيارة .
إن مظاهر الطبيعة والحياة ، بل وكل شىء فى الوجود له دلالاته الخاصة التى تنطق بالتوحيد ، وتردد وتثبت وجود قوى عظمى تدير هذا الكون وتدبر شئونه من بعد أن أحكمه صنعة وأبدعه على نسقه المشاهد ... لا أنه يسير سيراً عشوائياً ، حقاً لمن يتفكر ، حقا لمن ينظر ، حقا لمن يشاهد ، حقا لمن يتأمل ؛ ليل داج ، ونهار ساج ، وسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، وبحر ذات أمواج ، أفلا يدل كل ذلك على مبدع للكون على نسق مستقيم وقدر عظيم ؟ سبحانك ربى لا إله غيرك .
إلا أن الغباء والحماقة عندما تستحكم من أهلها ، تستفرز بلاهة لا حدود لها ، تؤدى إلى المعاطب التى تكسى صاحبها وتغرقه فيها ، وهذا ما شاهدناه من أرباب الإلحاد فبدلا من أن يجعلوا المادة تنطق وتقول : سبحان الله الخالق المبدع البارىء ، يستبدلون بالكلمة الأولى كلمة ( أنا ) ويجعلون المادة رغما عنها تقول : أنا الله الخالق ... وهذا محض حمق منهم ، فإنهم إذا اعتذروا منه بالعلم أضافوا إلى حمقهم جهلا ، فإذا أصروا على قولهم واعتذارهم ، زادوا على الجهل الحمق والغفلة .
لقد رأيت الناس فى نسبة الخلق والمخلوق إلى الخالق الخلاق من عدم النسبة أو الخطأ فيها والانحراف على ثلاث فرق :
الفريق الأول : قوم قد محقت عقولهم وطمست بتاتا ، وأنكروا مبدأ السببية من أصله ، إذا : فمن خلق الخلق ، وقدر لهم الأرزاق ، وقسم بينهم معيشتهم ، وأبدع الكون على ما هو مشاهد عليه وهو عليه حفيظ حافظ ، فيقولون : لا شىء ، إن الكون قد أوجد نفسه بنفسه ، أو قد وُجِدَ مصادفة ، محض مصادفة ، بدون سبب ولا مسبب ، فهو هكذا كان كما هو الآن كائن ، وهو يسير بلا قوة تحكمه ولا قانون يستحكمه ، وهكذا صيرورته وانتقاله من حال إلى حال بدون مدبر يدبره ولا مبدع أبدعه .
هذا هو حال فريق من الناس أنكروا السبب والمسبب معا ، ونحن من أجلهم نكتب هذا البحث الذى نمهد له هذا التمهيد الذى بين يدينا الآن .
أما الفريق الثانى فيقولون : هناك سبب وراء خلق السماوات والأرض وما فيهما ، ولكن لئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وما فيهما ليقولن : خلقتهن الطبيعة !!
فهؤلاء القوم قد أثبتوا السبب ، ولكنهم أخطأوا فى نسبة المسبب ، أثبتوا أن هذا الكون لا يسير بلا سببية ؛ لأن لكل سبب مسبب ، ولكل علة معلول ، ولكل حدث وحادثة محدث ، ( والبعرة تدل على البعير ، والأثر يدل على المسير ) فمن الغباء والحماقة والنوق والبلاهة والسفاهة والنزق ، أن أرى بعرة وأقول هكذا هى وجدت أو هكذا هى أوجدت نفسها ، ووجودها ليس له سبب ولا مسبب ، لأن هذا معاندة ومكابرة وجحود واضح ؛ لكونها إفرازة من إفرازات البعير .
ومن المعاندة والجحود أيضا أن أجد أثرا لمسير وأقول هكذا طبعت على الأرض وهكذا هو وجودها ناشىء عن غير ما منشىء ، أو هى أوجدت نفسها بنفسها ؛ لأن هذه سفسطة لا تغنى عن إثبات أنها أثر لذا القدم المسير .
إذا من الحماقة أن يكون هذا الكون بكل ما فيه يسير هكذا اعتباطا بدون موجد له ومدبر لشئونه ، أليس كذلك ؟ كلا ، بل ليس غير ذلك .
ولكن لئن سألتهم من خلق الكون وما فيه ومن يدبر شئونه ، ويحدث إحداثاته ويغير ثوابته ، ويتبت متغيراته ؟ ليقولن : هى الطبيعة !!
فهؤلاء القوم – مع هذا – أحسن حالا من الفريق الأول ، وإن كانوا فى الكفر والضلال سواء ، بل فى الجنون ( والجنون فنون ) .
ولكن ... ، ولكنهم أحسن حالا ؛ لأنهم أرادوا أن يحافظوا على مسكة من عقولهم ، بأن أثبتوا قانون السببية على أصله ، ولكنهم أخطأوا وضلوا فى النسبة إلى المسبب .
إذا نحن نتفق مع الفريق الثانى فى إثبات السببية ، ونخالفهم فى المسبب ، فهم يقولون الطبيعة ، ونحن نقول : الله الواحد الأحد القاهر القهار .
والحقيقة أن مناقشة الطبيعيين لا تحتاج إلى ذاك البحث فى النقاش ، ولا إلى إيراد الكثير من الحجج وسبكها ، وتفنيد شبهاتهم ونسفها ؛ لأن حالهم عندى لا يقل عن حال الفريق الأول من طمس العقول وسفاهتها إلا قليلا ، وكما قلت : كلهم فى الجنون سواء إلا أن الجنون فنون ، وما علينا إلا تبيين الحق وإظهار الحقيقة لهم لعل ما هم فيه عن عطب لا معاندة ومكابرة ، لعل فساد عقولهم يئن إلى الصلاح أو تلين إلى الحق والفلاح .
فنقول لهم ماذا عن الطبيعة يا قوم : أهى الإله ، أهى الخالق ، أهى البارىء ، أهى المصور ، ثم أهى المدبر ، أهى الرازق ، أهى المعطى المانع ، أهى الضار النافع ، ... ، ...
تعالوا معى أيها العقلاء وقولوا لى : كيف خلقت الطبيعة هذا العالم وهذا الكون وهذه الحياة ؟
مثلا : أريد أن أفهم هذه الأرض التى نعيش عليها ، أليبست هى الطبيعة أو جزء من الطبيعة ؟
أجل هى كذلك .
حسنا . أريد أن أفهم كيف خلقت ، وكيف وجدت ، بل أريد أن أعرف من الذى خلقها وأوجدها ؟؟
أجيبوا : يقولون : الطبيعة .
حسنا . أوليست هذه الأرض هى نفسها الطبيعة ؟
أجل . إذا الأرض خلقت نفسها بنفسها ، فهى الخالق وهى المخلوق ، وهى الحادث وهى المحدث ، وذاك لا سبيل له إلا من طريقين كلاهما باطل :
1- إما أن تكون الأرض خلقت نفسها بنفسها بدون سبب ، وهذا باطل عندهم ؛ لأنهم يثبتون قانون السببية وإن أخطأوا وضلوا فى المسبب .
2- وإما أن تكون الأرض خلقت نفسها وهى المسبب قبل أن تخلق ، وعندما خلقت ووجدت كانت هى السبب ، وهذا لا سبيل له إلا من طريقين :
1- إما أنها كانت موجودة قبل أن توجد ، فأوجدت نفسها ، وهذا باطل ؛ لأنها لو كانت موجودة فإيجادها لنفسها تحصيل حاصل .
2- وإما أنها لم تكن موجودة وهذا لا سبيل له إلا من طريقين :
أ*- إما أنها لم تكن موجودة ، فأوجدت نفسها ، وهذا يرجع إلى الأول ، أى فتكون هى الخالق والمخلوق فى آن ، وهذا باطل كما سبق .
ب*- وإما أنها لم تكن موجودة ، فأوجدت غيرها ، وهذا هراء باطل أيضا ؛ إذ المعدوم لا يوجد ما كان معدوما مثله ، فيخرجه إلى حيز الوجود ؛ لأنه كان الأولى بالوجود وإيجاد نفسه من إيجاد غيره ، ولو أوجد نفسه فيرجع الأمر إلى ما سبق ... ، وهكذا ...
ومن هنا أيضا يكون السبب عين المسبب ، والمسبب هو نفس السبب ، ومن هنا لا نكف عن العجب لعدم معرفتنا لا للمسبب ولا للسبب !!
ومن هنا يظهر لك بيانا بطلان سببية الطبيعة ، ولكن هل لهم أن يقولوا : إن الطبيعة أوجد بعضها بعضا ، فمثلا : القمر أوجده الأرض ، والأرض أوجدتها الشمس ، والشمس أوجدها كذا ، وهكذا ...
إذا نقول لهم : فمن أوجد هذا ، فمن أوجد هذا ، إلى ما لا نهاية ، وستظل السلسلة تتسلسل إلى أبد الدهر ، إلا أن تقولوا : ما أوجد هذا ، ولا هذا ، ولا هذا ، ... إلا الله الواحد القهار المبدىء المعيد الأول الآخر .
وهذا هو ما يقوله الفريق الثالث : الذين يثبتون السبب وينسبون فعله إلى مسبب ، هذا المسبب هو الله الواحد الأحد ، والبداهة تقول : كل حادث لا بد له من محدث ، وكل وجود لا بد له من موجد ، وكل سبب لا بد له من مسبب .
وبعد : فكان هذا تمهيد لذا البحث التالى عن السببية ، ونحن فيه نثبت مبدأ السببية ونرد على إلحاد الفريق الأول من الماديين ، الذين ينكرون قانون السببية ، ونحن بإثباتنا لقانون السببية بشكله الكلى ودلالاته على ثبوت مسبب لهذا العالم ، فإنه يثبت بالضرورة الرد على الفريق الثانى من الطبيعيين الذين أثبتوا مبدأ السببية وأخطأوا فى نسبة الفاعل المسبب ، ولأن هذا القول فى حقيقته ينطوى على إنكار السببية لبطلان أن تكون الطبيعة سببا ومسببا .
وفى النهاية : أسأل المولى جل فى علاه أن يسدد طريقى ويوفقنى لإتمام هذا البحث ؛ فيكون سببا لأن يلمس قلبا مؤمنا فيزيده إيمانا ، أو يصادف عقلا حائرا فيكون له هدى وتبيانا ، أو يلقى نفسا لوامة فيكون لها برهانا ، أو يواجه نفسا أمارة فيكون عليها سلطانا .