الأضرار التي لحقت بالإخوان لعلاقتهم بإيران و"حزب الله"

أمير سعيد 14/5/1430
amirsaid@gawab.com
تجر جماعة الإخوان المسلمين المصرية جبالاً من المشكلات تسببها علاقتها بإيران و"حزب الله" لا تكاد ينتهي بعضها حتى تعود حملة بغيرها.
وقد يكون ثمة مبررات لدى الجماعة تقودها إلى التمسك بهذه العلاقة الملغزة، استناداً إلى ما تتصور أنه انحياز إلى خط "المقاومة" أو على أقل تقدير، جهة لا تشاطر الولايات المتحدة والكيان الصهيوني الطموحات ذاتها، بيد أن هذه المبررات تتناهى في الصغر حينما تعاكس حركة التاريخ، وتناقض الحقائق المتوافرة لدى الباحثين؛ فالفائدة المرجوة من وراء هذا التقارب لا تكاد تستقيم أمام سيل من الأضرار التي تحيق بالجماعة ذات الامتداد العالمي.
ومن الإنصاف أن نقول أن عدداً من كبار منظري جماعة الإخوان المسلمين كان لهم موقف سلبي من هذا التقارب وتلك العلاقة الملتبسة، وعلى رأسهم الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي مؤخراً، وعبر سلسلة من التصريحات التي لم تمس علاقة الإخوان بإيران لكنها تحدثت عن رأيه في العقيدة الشيعية وفكرها السياسي، والشيخ سعيد حوى أحد أبرز قادة الإخوان بسوريا خلال عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، والذي ألف كتاباً أسماه "الخميني، شذوذ في العقائد، شذوذ في المواقف"، جاء فيه ما نصه: "الخمينية وعقائدها غير عقائدنا، وعباداتها غيرُ عباداتنا، ومناهج حياتها غير مناهج حياتنا، لأن الأصل عندهم هو أن يخالفونا، فما بال أناس في الفرقة الناجية يفرون من الجنة إلى النار ويسلكون غير سبيل المؤمنين.
إن بعض من نفترض عندهم الوعي غاب عنهم الوعي، فلم يدركوا خطر الخمينية، وإن بعض من نفترض عندهم العلم قصروا عن إبراز خطر الخمينية، فكادت بذلك تضيع هذه الأمة، ولذلك فإننا نناشد أهل الوعي أن يفتحوا الأعين على خطر هذه الخمينية، ونناشد أهل العلم أن يطلقوا أقلامهم وألسنتهم ضد الخمينية."
غير أن الحقيقة تؤكد على أن مسألة التقارب هذه، مع إيران بدرجة ما، ومع "حزب الله" بدرجة أكبر على أرضية اعتباره جزءاً مما تعتبره الجماعة مقاومة ضد الاحتلال الصهيوني، هي أكبر مما تدفعه مثل هذه الآراء، ولو عززها مقال كتبه أحد أعضاء مكتب الإرشاد في الجماعة المصرية، وهو د.محمود غزلان بعنوان "الإخوان والشيعة مرة أخرى"، رد فيه على مقال ليوسف ندا الاقتصادي البارز بجماعة الإخوان تحدث فيه عن نظرة الإخوان للشيعة، وكلا المقالين نشر بموقع "إخوان أون لاين" الناطق باسم الجماعة، ذاك أن مقال د.غزلان لم ينفِ ما بينه بيان صادر عن الجماعة تجنب مسألة إدانة "حزب الله"، معتبراً أن "وسائل الدعم يجب ألا يشوبها أي نوع من التصرفات المنفردة"، مثلما تجنبه نواب الجماعة في مجلس الشعب المصري، حينما اكتفوا بتقرير المستقر لدى الجميع، من أن الأمن القومي المصري "خط أحمر"، علاوة على هذه التصريحات التي بادر إليها كبار قادة الجماعة للتأكيد على المعنى ذاته، فقد صرح عضو مكتب الإرشاد لاشين أبو شنب لصحيفة "المصري اليوم" المصرية بأن الاتهامات التي وجهتها النيابة إلى حسن نصر الله هي "نوع من الإفك والكذب والاختلاق وأنها ادعاء مجاف للحقيقة"، وأكد ذلك أيضاً إبراهيم منير، ونص المرشد العام لجماعة الإخوان مهدي عاكف على أنه "كان الواجب علي مصر أن تشكر حزب الله بدلا من أن تحقق مع الخلية، التي لم يقصد السيد حسن نصر الله من إرسالها التخريب أو الاعتداء وإنما دعم المقاومة الفلسطينية، وما يقوم به حسن نصر الله من مقاومة لا تستطيع مصر فعله، وقد قصرنا نحن في القيام به" [الشرق الأوسط 8/5/2009]، وتوالت تلك التصريحات التي أردفت لاحقاً بالحديث عن ضرورة التنسيق مع مصر أو استئذانها.
وليس ثمة داعٍ للاسترسال؛ إذ إن أي مراقب يدرك ببساطة أن الموقف الرسمي للإخوان تلخص في هذه المسألة في أن:
1 ـ "حزب الله" حركة مقاومة مشروعة، ولها الحق في دعم المقاومة الفلسطينية.
2 ـ الموقف من مسألة توقيف خليته مبالغ فيها مقارنة بالتعاطي المصري الرسمي مع مشاكل مشابهة مع الكيان الصهيوني.
3 ـ النظر للنشاط العسكري لـ"حزب الله" في مصر على أنه لا يحتاج إلى كل هذه "المهاترات الإعلامية" ـ مثلما ورد في بيان الإخوان الأخير ـ، ما يجعله بحاجة إلى علاج هادئ لا يضر مصر و"حزب الله" كطرفين أو كيانين..
وباعتقادي أن هذا الموقف سيجد مخالفين كثيرين في عالمنا الإسلامي ـ وأنا منهم بطبيعة الحال ـ لكن الأهم من الآراء الذاتية وإن تأسست على معطيات هامة، هو ذاك السؤال الذي يشبه الأحجية، وهو الدائر حول ما ستجنيه الجماعة من موقف كهذا على الأصعدة المختلفة.. وقد تجد أنها مقتنعة بمواقفها تأسيساً على أنها:
1 ـ كحركة معارضة يمكنها أن تقتنص أي فرصة لإبراز الخلل عند خصومها، وليكن تلك اللحظة هو الحصار المضروب على غزة، وتقصير الحكومة المصرية في نجدة الأهل في غزة..
2 ـ وكحركة تعنى بالقضية الفلسطينية منذ نشأتها يعنيها الدفاع عما قد تراه يصب في جدولها الأيديولوجي "المقاوم" للكيان الصهيوني.
3 ـ وكحركة ارتأت أنها محصورة بين أن تكون في صف "المقاومة" أو "محور الاعتدال"، لذا فقد اختارت أن تكون مع الأولى.
وعند الأولى يمكننا أن نقول أن ثمة عديداً من الملفات في هذا الصدد يمكنها أن تعتمدها نقداً للموقف الرسمي، دون أن تتكئ على حزب يعلن ابتداء أنه غارق حتى أذنيه في الولاء المطلق الديني والسياسي للمرشد الأعلى للثورة الإيرانية وليس المرشد العام لجماعة الإخوان بطبيعة الحال، وأمام الحركة مسألة الغاز المصري والحصار لتتلاقى فيها مع قوى معارضة وطنية أخرى، لا أن تجد نفسها مضطرة إلى التخندق مع حزب لا ينظر إليها إلا كمطية يتبلغ بها مقصده.
وعند الثانية والثالثة، ربما تحتاج إلى مراجعة ما قاله د.غزلان ومن قبله الداعية السوري سعيد حوى الذي اعتبر مثل هذا السلوك عملاً يفتقر إلى الحجة، قائلاً عمن يكرس هذا "المفهوم المقاوم" عن "الخمينية": "ليس لهم حجة في أن ينصروا الخمينية، فنصرة الخمينية خيانة لله والرسول والمؤمنين. ألم يروا ما فعلته الخمينية وحلفاؤها بأبناء الإسلام حين تمكنوا، ألم يعلموا بتحالفات الخمينية وأنصارها مع كل عدو للإسلام، لقد آن لكل من له أذنان للسمع أن يسمع، ولكل من له عينان للإبصار أن يبصر، فمن لم يبصر ولم يسمع حتى الآن، فما الذي يبصره وما الذي يسمعه، فهؤلاء أنصار التتار والمغول وأنصار الصليبيين والاستعمار، يظهرون من جديد، وينصرون كل عدو للإسلام والمسلمين، وينفذون بأيديهم كل ما عجز عنه غيرهم من أعداء الإسلام والمسلمين، ألا فليسمع الناس وليبصروا، ولات ساعة مندم. إنه لا يزال للعذر مكان لمن أراد الاعتذار، وسيأتي يوم لا يقبل فيه من أحد الاعتذار".
وقد لا تضطر جماعة الإخوان على كل حال أن تنضم إلى محور من المحاور، ولا تجد نفسها قريبة من هذا أو ذاك، وهو ما يدعونا في الحقيقة إلى العودة إلى السؤال الأهم، وهو عما عساها تكون قد جنته الجماعة جراء ارتباطها، أو تحالفها، أو حتى اقترابها من إيران، أو ذراعها العامل في منطقة لبنان/"حزب الله".
لكن قبل الإجابة علينا أن نسأل ابتداءً عما إذا كان الخط البياني للمقاومة لابد أن يمر عبر إيران وحزبها التابع أم لا؟!
من الغريب في الواقع أن يتبادر ذلك إلى أذهان البعض ذهولاً عن حقائق الأمور، إلا إذا كان تعبيراً عن قدر من الهزيمة النفسية أمام حزب تتدفق إليه الأسلحة عبر سوريا من إيران بكافة الأنواع الحديثة، ولا يعاني مشكلة في الدعم العسكري واللوجيستي والمعنوي في أي معركة يخوضها، ومع ذلك يقنن هو استخدامها على نحو يخدم إيران بالدرجة الأولى والأخيرة، ولا يتعدى إلى مسألة تحرير القدس أو غيرها من البلدان، ومن العجيب أن يفترض البعض أن جماعة سبقت بعقود الدولة الشيعية برمتها وأذرعها في المحيط الفلسطيني في نشاطها بفلسطين وغيرها، يتوجب عليها أن ترهن مستقبلها السياسي والاجتماعي بموقف كهذا!!
ولذا؛ فنشوء هذه الفرضية مدعاة للتذكير ببعض المعطيات مع الحديث عما جلبته هذه العلاقة على جماعة الإخوان على الأصعدة المختلفة:
أولاً الصعيد العقدي والشرعي: مع إقرارنا بأن هذا الصعيد ليس منبتاً عن كافة الأصعدة الأخرى كونه المحرك والعقل لها جميعاً، لكن نفرده بنقطة منفردة إجلالاً له لا انتقاصاً من هيمنته على الأصعدة التالية؛ فالحاصل أن هذا الجانب قد انخدش حقيقة جراء هذه العلاقة التي تدفع الكثيرين أن يتساءلوا عما تمكن أن توفره علاقة لجماعة دينية بالأساس على غير ما تقتنع به في أدبياتها حقيقة، هي ككيان وليس أفرادها، وعما تملكه من مبررات شرعية يمكنها أن تسوقها لذاتها ولأفرادها في هذا المضمار الشائك، لاسيما إذا كان ثمة من أثار مثل هذه القضايا من داخل صف الجماعة ذاته، ومنهم كما تقدم، الشيخ سعيد حوى، الذي قال: "فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن الله فيقول: ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ) [أخرجه البخاري]، وهؤلاء الخمينيون يعادون أولياء الله من الصحابة فمن دونهم، فكيف يواليهم مسلم، وكيف تنطلي عليه خدعتهم وكيف يركن إليهم، والله تعالى يقول : {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} (113) سورة هود. وهؤلاء الخمينيون ظالمون، ومن بعضِ ظلمهم أنهم يظلمون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، فكيف يواليهم مسلم والله تعالى يقول: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} (129) سورة الأنعام، إنه لا يواليهم إلا ظالم، ومن يرضى أن يكون ظالماً لأبي بكر وعمر وعثمان وأبي عبيدة وطلحة والزبير؟ ومن يرضى أن يكون في الصف المقابل للصحابة وأئمة الاجتهاد من هذه الأمة؟ ومن يرضى أن يكون أداةً بيد الذين يستحلُّون دماء المسلمين وأموالهم؟" [المصدر السابق].
ثانياً: الصعيد السياسي، دفعت جماعة الإخوان ثمناً باهظاً في الحقيقة لحسابات سياسية مشابهة تاريخياً، لعل من أهمها، التظاهر طلباً لطرد شاه إيران السابق في أواخر عهد الرئيس المصري الراحل أنور السادات، وقد أثبتت الأحداث تالياً أن هذا الاندفاع الذي ارتكبته معظم أطياف الحركة الإسلامية في ذلك الوقت لم يكن له ما يبرره شرعاً ولا عقلاً، وخاضت فيه الحركة معركة سياسية لم تكن ذات فائدة، واستعدت الرئيس الراحل نصرة للخميني من دون أن يحقق ذلك أي هدف مفهوم لحد الآن، أو يتوافر له مبرر شرعي، ولا حتى منطقاً إنسانياً، لكن الأهم من الغوص تاريخياً الآن، هو النظر إلى تلك الحالة الآنية، التي يعجز عندها الفهم في عمل تقدير للموقف يمكن من خلاله فهم هذا التصرف الأخير للجماعة، الذي تحجز من خلاله الجماعة لها مكاناً عدائياً مع النظام، لا يمنحها مزية داخلية ولا تفيد منه خارجياً؛ فقد يسرت الجماعة على خصومها وصمها بمجافاة الوطنية، وفهم مغزى تقليلها من استخفاف واضح من "حزب الله" بالنظام المصري، والتخندق معه في لحظة فارقة.
ولا بأس من الاستطراد هنا قليلاً، للقول بأن معظم ما قيل من مبررات نصرة لـ"حزب الله" لا يندرج في خانة الإقناع والحجة؛ فمن يرد التنسيق مع مصر أو حتى يريد تأميناً لخليته حال انكشافها لا يستعدي القيادة المصرية قبلها بأسابيع، ويقطع كل القنوات التي يمكنه ولوجها إذا لم يسر السيناريو في الاتجاه الذي يريد، ما يعني بأن نصر الله نفسه لم يغطِ هذه الخلية أمنياً، ولم يبحث لها عن طوق نجاة إذا ما وقعت بين أيدي قوات الأمن المصرية، وهو بذلك لا يرتكب خطأ فادحاً ضد النظام المصري فحسب، بل أيضاً ضد خليته ذاتها، التي سارع محامي جماعة الإخوان للدفاع عنها.
أيضاً، هو لم يغطِ سياسياً تصريحات الإخوان التي بادرت إلى القول بأن الاتهامات "ملفقة"؛ فكشف الغطاء عن جدية هذه القضية وتهافت تلك التصريحات من دون أن يعر اهتماماً حاجته إلى التنسيق مع الجماعة، ما أحرجها، وحدا بها إلى إدارة التصريحات باتجاه آخر عن "الخط الأحمر"، وهو الخط نفسه الذي تكلم عنه حسن نصر الله عن مخيم نهر البارد قبل أن يصبح حجراً على حجر.
بل يزيد الأمر صعوبة حينما يبدو أن الطرف الآخر لا يحيي هذه المبادرات الإخوانية، كتلك التي وردت على لسان المرشد العام [المصري اليوم 18/3/2009] عندما قال لصحفي تركي: "إيران دولة شيعية، والشيعة ليست مذهباً دينياً، بل سياسى، ومن ثم نتعامل معها على أنها دولة سياسية لا مذهبية.. إذا أراد أحد أن يتحدث عن المذاهب، فليأت بفقهاء.. أما نحن كأشخاص، فنتحدث عن واقع ومصلحة الأمة، هذه مهمتنا (..) إيران قبل ٣٠ سنة، كانت فقيرة ومعدمة وعشّش فيها الفساد والاستبداد، إلى أن جاء الخمينى وحررها، ووقفت في وجه أعتى بلاد العالم (أمريكا) وهو ما لم يفعله أي بلد عربي أو إسلامي خلال الـ٣٠ عاماً الأخيرة نفسها.. لذلك فنحن ننظر للمسألة باعتبارها سياسية وليست مذهبية (..) وفعلا إيران لها قدر ومكان لأن موقف إيران ضد الصهاينة يرفع قدرها عند كل الشعوب العربية والإسلامية بصرف النظر عن مذهبها السياسي"؛ فبعد أسبوع واحد فقط كتب المنظر الشيعي المصري البارز د.أحمد راسم النفيس يعلق على تصريحات المرشد قائلاً: "لا شك أن أحد (إحدى) كبريات المصائب التي يعانى منها المسلمون هي جماعة الأبقار المقدسة التي تتصدى لقيادة القطيع لتنسفه في اليم نسفا، بينما تبقى هي على قيد الحياة لتواصل إطلاق جهالاتها الجاهلة وتسوق المسلمين نحو الهلاك!!.آخر هذه الجهالات التي أطلقها مرشد الإخوان المسلمين"!! [أحمد النفيس/ مرشد الإخوان والعجب الذي لا ينتهي ـ اليوم السابع 26/3/2009].
ويبدو الموقف أكثر إلغازاً حينما نعود إلى التصريح الآنف الذكر الذي ورد فيه على لسان المرشد قوله: "أنا أعجبني أثناء الاعتداء علي غزة موقف سوريا وهي تحتضن رموز المقاومة في فلسطين وتشكر سوريا علي هذا"؛ فبرغم تحفظه على قمع السوريين لإخوان سوريا على مدى ثلاثين عاماً إلا أنه وجه إليها شكراً ربما ساهم فيما بعد في بناء موقف لإخوان سوريا تالياً عندما انسحبت من جبهة الخلاص المعارضة دعماً لـ"المقاومة"، وهو ما يترجم تلقائياً على أن سوريا/النظام تمثلها، وينسف بدوره أسس معارضة الجماعة لها طوال ثلاثين عاماً قتلت فيه السلطات السورية من جماعة الإخوان فضلاً عن آخرين ما لم تقتله "إسرائيل" ذاتها في كل حروبها مع العرب، وكل الانتفاضات، وكل المواجهات اليومية على مدى ستين عاماً كاملة استناداً إلى معطيات حقوقية عديدة (بعضها قدر ضحايا القمع النصيري السوري بنحو 80 ألف قتيل خلال مذبحة حماة ـ ثم تدمر وغيرها ـ في فبراير1982)، وبالطبع علينا أن نقول للإنصاف في المقابل أن أكثر الإحصاءات إسرافاً فيما يخص محنة الإخوان إبان حكم الرئيس المصري جمال عبد الناصر لم تتعد أعداد القتلى فيها العشرات، فيما تتحدث مصادر تاريخية أخرى عن عدد أقل من ذلك بكثير؛ فعلى أي أساس إذن قد وضعت الحسابات السياسية الإخوان في خندق محور (إيران ـ سوريا ـ "حزب الله")؟!
فلن نقول عموماً إن إيران قد قتلت في العراق ألف ضعف ما قتلته "إسرائيل" في غزة مؤخراً، ولن نقول إن "حزب الله" قد ولد أساساً من رحم منظمة أمل التي ارتكبت مذابح هائلة ضد الفلسطينيين وقهرتهم وشلت حركتهم وأخرجتهم نهائياً من الصراع انطلاقاً من لبنان ـ بمساندة سورية ـ، لكن سنقول فيما يخص الجماعة وحدها أن إيران بعد 3 سنوات فقط من زيارة وفد رفيع المستوى من الإخوان للخميني لتقديم التهنئة بالثورة الإيرانية (ثورة المحرومين المستضعفين بالمناسبة!!) قد غضت الطرف تماماً، وصمت آذانها عن مذبحة حماة التي نفذها حلفاء السياسة والدين في دمشق.
فأي سلة تضع الجماعة فيها كراتها الآن؟! لاشك أن الحسابات السياسية ليست دقيقة (إذا ما تحلينا بالدبلوماسية)، ولا ريب أن خيار التخندق مع هذا المحور ليس موفقاً، مع أن من المفهوم تلقائياً أن البديل ليس صهيونياً بالضرورة بل مستقلاً نقياً لا يتورط لا مع هذا ولا ذاك؛ فلم تحشر الجماعة ذاتها في ضيق الخيار بين محورين كلاهما لا يرجو للأمة خيراً؟!
ناهيك عن أن جماعة قد نشأت قبل الكيان الصهيوني، وقبل اندلاع الثورة الشيعية في إيران، تختزل كل تاريخها، وتظلم حاضرها، وتدمر مستقبلها إذا ما رهنته بهذا أو بذاك. والأولى لها أن تتخذ موقفاً تصالحياً مع مبادئها، وتنضج مقاربة فكرية مع بعض خصومها في داخل وطنها عما تجد نفسها رهينة مقامرة خارجية لا تستند إلى أي مبرر ديني أو سياسي أو أخلاقي.
وإذا كانت غزة عزيزة على كل مسلم وعربي؛ فالعراق أيضاً كذلك، وسوريا، ومصر، وفي القلب القدس وكل المقدسات من الأقصى إلى جوار البقيع المعتدى عليه مؤخراً..
ثالثاً: الصعيد الشعبي الداخلي، ربما خال للبعض أن موقفاً مسانداً لقوى تتدثر بالمقاومة يفي للجماعة بشعبية جارفة، والتصاقاً بشخصية كحسن عبد الكريم زعيم "حزب الله" مفضٍ إلى الإفادة من "شعبيته" (المدفوعة الأجر من خلال الإعلام اليساري بمصر).
والتماهي مع أقاويل تتحدث عن دعم يقدمه الإيرانيون أو ذراعهم العامل في لبنان للفلسطينيين لن يفيد كثيراً أصحابها، كونها تصادم ما بات معروفاً لدى القاصي والداني في محيطنا العربي من اقتيات إيران وذراعها على القضية الفلسطينية واتخاذهما إياها تُرساً تدفع بها عن وجهها سهام اتهامات العالم الإسلامي لها بخيانة الأمة في العراق وأفغانستان وباكستان ولبنان واليمن وغيرها.
(دفعت إيران لغزة نحو 50 مليون دولار، مناظرة لما قدمته دولة صغيرة كقطر، وأقل كثيراً مما قدمه متبرعون في الخليج على سبيل التقدير لا الحصر، وبالمناسبة فإن المقاومة الفلسطينية تبتاع بطبيعة الحال السلاح من كل مكان ولو كان من تجار يهود أو خونة في الجيش الصهيوني، ولا منة لأحد إذا ما ثبت تزويد إيران للمقاومة بالسلاح، كونها مجرد بازار يبحث عن المقابل في عالم السياسة).
وأجدر بالجماعة ـ حفاظاً على شعبيتها ـ أن تقفز من سفينة الإيرانيين الخرقاء قبل أن تدفع الثمن من مصداقيتها شعبياً وسياسياً، وأهم من هذا وذاك دينياً..
رابعاً: الصعيد البنيوي الداخلي، وهو لاشك مما لم تبد الجماعة مدركة لمدى تأثيره إذا ما استمر النقد داخلها يرشح في وسائل الإعلام، وعبر المنتديات، والمواقع الحوارية الجاذبة لجموع شباب الإخوان، والتي لم يعد سراً أنها تمور بخلافات لا قبل للجماعة بها مع الزمن، لاسيما، أن الجماعة لم تعد ـ في ظل انسياب المعلومة ـ قادرة على منع أبنائها من الاطلاع على الانتقادات الهائلة التي تفيض بها وسائل الإعلام، ليس للجماعة فقط بل لإيران وسوريا و"حزب الله" ما يجعل أنصار الجماعة في حيرة كبيرة، بدت نواجزها تظهر حتى في مواقع الإخوان ذاتها ومدونات شبابها، بل لاشك أن ما اندفعت إليه الجماعة في نقل نقاشها الداخلي إلى العلن ـ مثلما بدا من خلال مناظرة القطبين البارزين، يوسف ندا، ود.محمود غزلان ـ تشي بأن الجماعة باتت أمام استحقاق قوي، دونه نقاشاتها الداخلية في مسائل سياسية كمشاركة في انتخابات أو نحوها، لأن الأمر قد أضحى الآن يعالج مسائل دقيقة تمس قناعات النخبة المثقفة داخل الجماعة التي لاشك أن صحفاً ومواقع إلكترونية قد أصبحت تهزها بقوة، ناقدة مواقفها من أزمة الشيخ الدكتور القرضاوي، ثم "خلية حزب الله".
إن معطيات العقيدة والسياسة والتاريخ والجماهير والبناء لا تفي للجماعة بما يؤسس قناعة حول موقفها من إيران وذراعها العسكري، ويجعل المراقب عاجزاً عن تفسير ما يجري، وجدوى ما تمارسه الجماعة على هذا الصعيد.. وريثما تمنح الباحثين عنوان سياستها، ستجد الاتهامات تتكاثر عليها، وستظل تعاني حصاراً فكرياً مصيرياً.

موقع المسلم
http://www.almoslim.net/node/111658