حسين المعاضيدي

ورقة وأسم وعنوان، هو كل ما يحتاجه برنامج المخبر السري الذي تعمل به الحكومة الحالية ومعها قوات الاحتلال الأميركي ليتم تحرير أوامر الاعتقال في دولة الديمقراطية الجديدة التي ينعم بفيئها أبناء وادي الرافدين، ليصبحوا بعد ذلك مجرد رقم في سجون لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، قسوة، وظلماً، وجبروت.

(المخبر السري) مصطلح لم يعرف العراق من قبل تأريخاً له، لكنه ظهر بعد الاحتلال، وبدأ يترسّخ من قبل السلطات الحكومية شيئاً فشيئاً حتى أضحى من شهادات الإثبات التي يتم تدوينها وترفق بأوراق القضية التحقيقية.
يقوم البرنامج على تجنيد آلاف المخبرين السريين ممن يكلفون بنقل المعلومات والإخبار عن أماكن تواجد المجاهدين أو المقاومين لقوات الغزو الأميركي،

ويتم صرف ملايين الدولارات بشكل شهري على هؤلاء المجندين من ميزانية البنتاغون والسي آي إيه الأميركيتين، على اعتبار أنهم عملاء رسميون أو شبه رسميين، فرقهم عن موظفي البنتاغون أنهم من أبناء البلد المحتل، إلى جانب الفرق في النهاية، فالموظف الرسمي دائم العمل ونهايته التقاعد، وعميلهم شبه الرسمي في الأراضي المحتلة يزول وينتهي ويموت بموت الاحتلال ذاته.
قصص وحكايات بعضها خارج عن أرادة التصديق، لما يقوم به المخبر السري من كيد بالمواطنين وقتل لهم بطرق قانونية، فما يقوم به المخبر السري يعد في عرف المحتل دستوراً منزهاً وفي قانون الاحتلال كتاباً مقدساً، أحدهم حاول التخلص من جاره للتمكن من الاستيلاء على منزله الفخم، الذي يقع في أحد الأحياء الراقية ببغداد، فأعطى أسمه لقوات الاحتلال فاعتقل لتعود وتطلقه قوات الاحتلال ولكن بعد ثلاث سنوات، وآخر دفعه العداء الشخصي للإطاحة بشخص آخر فأوصله إلى زنزانات الأجهزة الحكومية، والثالث دفعه حقده الطائفي الأعمى إلى ذبح جاره الذي سكن بجواره عشرات السنين بسكين الحكومة بعدما أبلغ عنه الأجهزة الحكومية، ملفقاً له تهمة إيواء غرباء، فقتل تحت سياط التعذيب في الشعبة الخامسة بالكاظمية قبل أن يتبين إن الغرباء لم يكونوا سوى أقرباء له
.
امرأة عجوز في السبعين من عمرها، قضت بعد إصابتها بجلطة قلبية، نتيجة مداهمة الجيش الحكومي لدارها، والتهمة كيدية حيث طلبت العائلة من شاغل دار تعود لها بإخلاء الدار لحاجتهم الماسة إليها، فما كان منه إلا ان اتصل بالأجهزة الأمنية الحكومية، واتهم أصحاب الدار بأنهم إرهابيون فما كان من الأجهزة الحكومية إلا ان أصدرت أمر اعتقال لكافة أفراد العائلة، وما هي سوى لحظات حتى تمت المداهمة وكسرت الأبواب بالقنابل الصوتية، ودخل الرعب والخوف الشديد إلى قلب السيدة العجوز التي انهار وضعها الصحي نتيجة الخوف الشديد، وسقطت مغشياً عليها على الأرض، رافضين معالجتها أو حتى السماح بنقلها إلى المستشفى حتى فاضت روحها لتموت على يد الأجهزة الحكومية مقتولة، قبل أن يتبين بعد التحقيقات أن العائلة بريئة وأن التهمة كانت كيدية
.
أن هذا البرنامج المقيت والكريه والذي عملت به قوات الاحتلال بعد شهر واحد فقط من دخولها بغداد، صرفت عليه هذه القوات مبالغ طائلة، واستعانت بحثالات المجتمع العراقي وهو ما أدى بالتالي إلى خراب كبير في النسيج العراقي، وتسبب بنعرات طائفية كبيرة، قبل ان يقوم المحتل بتسليم تلك الحفنة غير النزيهة لحكومة الاحتلال التي جعلت منهم قضاة غير رسميين عن طريقهم تصدر أوامر الاعتقال، وتحولت أجورهم على الحكومة بعد ان كانوا يتسلمون أجورهم من مخابرات واستخبارات الجيش المحتل
.
مختصون في مجال حقوق الإنسان في العراق وخارجه أكدوا ان غالبية المعتقلين في السجون الحكومية جرى احتجازهم لفترات طويلة بناء على معلومات مضللة، أدلى بها مخبرون سريون إلى الأجهزة الأمنية الحكومية انطوت على تهم كيدية لا صحة لها
.
وعلى الرغم من تصريحات قاسم عطا الذي أطلقت عليه بعض وسائل الإعلام لقب (كذاب بغداد) بان قيادته ملزمة بمحاسبة المخبر السري الذي يعطي معلومات مضللة أو معلومات غير صحيحة، وتأكيده بان عمليات بغداد لم يصادفها وان قام مخبر سري بتضليلها، إلا ان الواقع يدحض تصريحاته هذه خصوصاً بعد كم المعلومات الهائل الذي أدلى به آلاف المعتقلين الذين تم الإفراج عنهم والذين فندوا تصريحات من يسمى الناطق باسم عمليات فرض القانون
.
أحد المعتقلين المفرج عنهم من سجون القوات الحكومية بعد عدة سنوات قضاها في دهاليزها تحدث عن هذه الظاهرة حيث يقول بأسىً ان المخبر الغامض يستطيع ان يكتب قصاصة ورقية صغيرة يتهم فيها أي عراقي بتهمة الإرهاب ، فتسارع القوات الأمنية إلى اعتقاله، أي إن ما يقوله المخبر يتحوّل إلى أوامر اعتقال فورية
.
ولازالت السلطات الأمنيّة الحكوميّة تعتمد هذه الطريقة في عمليّاتها الأمنيّة، فيما يبدي العديد من القانونييّن العراقييّن ومنظمات حقوق الإنسان اعتراضها عليها، بل ان العديد من المسؤولين الحكوميين والمشاركين فيما تسمى بالعملية السياسة اعترفوا بوجود المخبر السري ودوره في تضليل الأجهزة الحكومية التي تعرف قبل غيرها حقيقة هذه الدعاوى الكيدية، حيث يقول في ذلك عضو مجلس النوّاب الحكومي عن جبهة التوافق (سليم الجبوري) أن ظاهرة المخبر السري ظاهرة مستحدثة على القضاء العراقي، بدأت تستخدم للتشويه السياسي، ويشير الجبوري كذلك إلى أن أعداد كبير من القضاة وبالذات قضاة التحقيق يأخذون بالاعتبار ما يدلي به شخص مجهول الهوية بصفة مخبر سري، يتهم فيه من يشاء وتصدر مذكرات القبض بناء على ذلك
.
(بهاء الصفار) مستشار لجنة حقوق الإنسان في العراق أشار إلى أن هؤلاء العملاء أو المجندين تسببوا بقتل واعتقال عشرات الآلاف من العراقيين زوراً وبهتاناً، وأغلبها كان بسبب عداء شخصي أو طائفي مذهبي، وليس استنادا إلى معلومات دقيقة أو واقعية، موضحا أن النسبة الأكبر منهم من الفاشلين اجتماعيا أو المجرمين السابقين ممن لا يملكون ذمة أو ضميراً
.
المحامي (بديع عارف عزّت) له رأي هو الأخر في هذا الموضوع حيث يؤكد أن المخبر السري لا يعتد به من الناحية القانونية, لأنه لا بد أن يعلن عن اسم ذلك المخبر, ليتمكن الدفاع من معرفة ما إذا كان لديه عداء شخصي مع المتهم
.
ويؤكد كذلك (عزّت) أن ظاهرة المخبر السري لم تكن موجودة في السابق بالمحاكم العراقية، وأنها وليدة الاحتلال والحكومة الحالية
.
(وجدان ميخائيل) مسؤولة حكومية تشغل منصب وزيرة حقوق الإنسان في الحكومة الحالية أوضحت أن المخبر السرّي سبباً في تأخير إطلاق سراح المئات من المعتقلين، الذين تتزايد أعدادهم بصورة مرعبة
.
تصريحات المعتقلين العراقييّن أكدتها الأمم المتحدة، والتي كشفت في تقريرٍ صدر عنها مؤخراً عن تفشي انتهاكات حقوق الإنسان في السجون العراقية, وذكرت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق أن الوضع في السجون العراقية بشكل خاص قاس
.
وبيّن التقرير أن كثيراً من المعتقلين في السجون العراقية محتجزون منذ شهور أو سنوات، دون أن يوجه إليهم اتهام، أو يسمح لهم بالاتصال بمحامين أو حتى قاض
.
ونقلت وسائل الإعلام عن مصدر مسؤول في محافظة ديالى قوله إن العشرات منالمعتقلين ضمن سجن مديرية شرطة مدينة المقدادية شمال شرق بعقوبة مركز المحافظة، وأن هناك العديد من المعتقلين يقضون أشهر طويلة دون ان تكون هناك تهم واضحة موجهة إليهم

ان اعتماد الأجهزة الأمنية الحكومية على أقوال المخبر السري من دون وجود أي إثبات أو قرينة قانونية زاد من نسب المعتقلين حتى وصلت أرقاماً خيالية، إذ وصلت بحسب هيئة علماء المسلمين إلى قرابة الثلاثمائة ألف معتقل، وان الاستمرار في العمل بهذا (القانون) المستحدث سيزيد من إعداد المعتقلين في السجون الحكومية أكثر مما هو عليه اليوم.
أخيراً يتساءل من ناله ظلم المخبر السري، ونام في أقبية السجون والمعتقلات، أشهراً وسنيناً طوال، دون ان توجه له تهمة محددة عن الذنب الذي جناه ليتم اعتقاله، تماماً كما تتساءل الموءودة، بأي ذنب قتلت؟!

المصدر: وكالة يقين