هل بدأ الدور الصفوي في أفغانستان؟
النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: هل بدأ الدور الصفوي في أفغانستان؟

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المشاركات
    201

    Exclamation هل بدأ الدور الصفوي في أفغانستان؟

    بسم الله الرحمن الرحيم


    هل بدأ الدور الصفوي في أفغانستان؟

    المأزق الأمريكي
    (1)

    د. أكرم حجازي

    19/4/2009






    قبل الهجوم الأمريكي على إمارة أفغانستان طالبت الولايات المتحدة بتسليم بن لادن لها باعتباره مسؤولا عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ولم يكن هذا المطلب بالنسبة لطالبان ليعني، بأي حال، استمرار نظام الإمارة وتوجهاتها ولا السماح باستمرار نشاط القاعدة دون بن لادن. فالأمريكيون، بحسب الملا محمد عمر، سعوا لإسقاط الإمارة منذ إعلانها، ولو لم يكن حدث 11 سبتمبر مبررا قويا لسعوا لإيجاده. كما أن الأمريكيين كانوا موقنين، أيضا، بأن مطلبهه ليس سوى تعلة لغزو البلاد، وعليه فقد ذهبوا إلى المعارضين للإمارة وخيّروهم بين التعاون معهم لإسقاط الإمارة وإعادة إعمار البلاد أو الوقوف إلى جانب طالبان وخسارة كل شيء.

    وعلى شدة الهجوم الأمريكي والمجازر الفظيعة التي ارتكبت في أفغانستان ما كان لأحد أن يتوقع قيامة لطالبان أو القاعدة وهما وسط أهوال من الركام التي طمرتهما تحت أشد الأسلحة الأمريكية تدميرا وفتكا. فما تعرضت له الجماعتان كان كافيا لاختفائهما عن وجه الأرض لألف سنة قادمة. ولو أصيبت جماعة أخرى ما أصاب طالبان والقاعدة لما قامت لها قيامة أبد الدهر.

    لكن مع مضي سنوات الحرب الطاحنة كانت الاستراتيجية الأمريكية تتآكل كلما تبين أن طالبان تتضخم ويثمر جهادها ابنة شرعية هي طالبان الباكستانية ونفوذ واسع النطاق، حينها أدرك الأمريكيون أن استمرار تراجع قوات الناتو في أفغانستان سيعني بالنهاية سيطرة طالبان والقاعدة، وهذا لن يهدد المنطقة برمتها وفي مقدمتها باكستان فحسب بل سيكون وبالا على الغرب. لهذا أعلنت الولايات المتحدة عن استراتيجية جديدة في المنطقة لوقف الزحف الطالباني وتأمين المنطقة. والسؤال: لماذا تبدو باكستان بعد كل هذه الخدمات تحت المطرقة الأمريكية والتهديد بتفكيكها؟ وفي المقابل تبدو الولايات المتحدة مضطرة إلى الاستعانة بإيران بصورة غير مسبوقة وهي التي فضلت احتكار الملف الأفغاني منذ احتلال البلاد؟ ما الذي لم تقدمه باكستان ويمكن أن تقدمه إيران؟

    لما تتحدث الولايات المتحدة عن الحاجة إلى استراتيجية جديدة فهذا يعني أن القديمة إما أنها فشلت تماما أو أنها لم تعد كافية لمواجهة المستجدات على الساحة. أما القديمة فقد استندت بالدرجة الأساس إلى معيار القوة عبر التدخل العسكري العنيف الذي لم يأخذ بعين الاعتبار مصالح أي طرف آخر. ولتحقيق أهدافها اعتمدت على باكستان كقاعدة انطلاق في تدمير أفغانستان وضرب طالبان والقوى الجهادية فيها سواء كانت القاعدة أو أية قوة أخرى. وباعتبارها قوة غزو فقط، فمن الطبيعي أن تمارس أمريكا المراوغة والكذب، كعادتها، فيما يتعلق ببناء أفغانستان والقضاء على تجارة المخدرات فيها والتي نمت صادراتها أضعافا مضاعفة في ظل احتلالها العسكري للبلاد. وكعادتها أيضا جاءت بعملائها ونصبت منهم حكاما على البلاد وأفسحت المجال لأوكار الفساد والإفساد حتى تجري عملية النهب للثروات دون أن تجد من يحاسبها.

    ولأن الاستناد إلى معيار القوة كان مصحوبا، كالعادة، بحزمة من القيم الوحشية التي تميز الأمريكيين وتهيمن على عقليتهم كالغرور والحقد والاستعلاء والرغبة في الانتقام فقد اعتقدوا أن بمقدورهم تحقيق أهدافهم في أفغانستان دون عناء كبير، بل أنهم نزلوا في أفغانستان، كما غيرها من البلدان، وهم محملين بثقافة الصيد والقتل العشوائي والتدمير والاستخفاف بالسكان والإثخان فيهم. وفي ضوئها هاجمت الولايات المتحدة أكثر من 500 هدف مدني كالمدارس والمساجد والأعراس ودور تحفيظ القرآن والقرى النائية في محاولة لإرهاب السكان وفك أي ارتباط بينهم وبين المقاتلين، فضلا عن أن جرائمهم الوحشية ارتكبت كما لو أنها عربون نقاهة في معالجة آثار الصدمة النفسية التي خلفتها هجمات 11 سبتمبر. وفي المحصلة بدت التصرفات الدموية للأمريكيين في أفغانستان أقرب إلى تلبية احتياجاتهم النفسية من قربها لأية احتياجات أمنية أو استراتيجية كما زعمت الولايات المتحدة بقيادة المحافظين.

    لذا، فبعد سنوات من الحرب الظالمة عادت طالبان والقاعدة إلى الساحة كقوى متمرسة وأشد بأسا وخبرة وعدة وعتادا من ذي قبل، وتبعا لذلك لم يعد قتل قياداتهما ورموزهما أو اعتقالهم أهدافا استراتيجية لا للأمريكيين ولا للناتو ولا حتى للأمم المتحدة. ولا ريب أن هذا التوصيف، للوضع الراهن وفي هذه اللحظات بالضبط، يعني لكل مراقب أن الولايات المتحدة منيت بخسائر فادحة في أفغانستان لدرجة أن تصريحات القوى الجهادية بدت أكثر تفاؤلا وهي تتحدث عن تباشير النصر القادمة مقارنة بتشاؤم تصريحات الكثير من المصادر الغربية وهي تتحدث، بنوع من التسليم، عن انتصار طالبان أو على الأقل استحالة هزيمتها عسكريا. ولما يكون الأمر بهذه القتامة والخطورة فما هو المبرر لوجود قوات احتلال، في مكان ما، بلا أهداف قابلة للتحقيق ولو في حدها الأدنى؟ لا شيء يذكر.

    هكذا تبدو الاستراتيجية القديمة، على فرض وجودها أصلا، قد ولت إلى غير رجعة. وبات الحديث عن لغة جديدة ضرورة يعكسها شبه الإجماع العالمي الذي أقرّ بفشل معيار القوة العسكرية، وحدها، في التعامل مع الملف الأفغاني بصورة مريعة ومخزية مقابل تقدم بارز للمشروع الجهادي، في المنطقة، على المستوى الميداني وعلى مستوى الأطروحة الجهادية ذاتها. وزيادة على ذلك؛ فالذين لفظوا طالبان والمجاهدين، من السكان، حين الغزو الأمريكي وازدروهم في أفغانستان ووزيرستان وباعوا الكثير منهم إلى القوات الباكستانية وعبرها إلى الولايات المتحدة هم اليوم في صفوف طالبان والقاعدة مقاتلين أشداء ومساندين لهم ودعاة لتطبيق الشريعة ومواصلة الجهاد في مناطق أخرى.

    لكن لأن الأمن القومي الأمريكي والأوروبي والإقليمي مرتبط بواقع الحال في أفغانستان فمن الصعب توقع انسحاب مفاجئ للناتو ناهيك عن انسحاب أمريكي في المدى المنظور. إذ أن الانسحاب سيعني انتحارا ميدانيا وتهديدا إقليميا خطيرا وتوترا دوليا شديدا كونه سيسمح للقوى الجهادية بالانتصار الساحق ويعزز من أطروحة الجهاد العالمي في مناطق أخرى. وعليه فالمأزق أبعد من الساحة الأفغانية، بما أن طالبان الباكستانية باتت أشد خطرا وفتكا من طالبان الأفغانية، وبما أن التمدد باتجاه الأقاليم الباكستانية يهدد بابتلاع البلاد وجرها إلى عرين الشريعة وعبرها إلى عرين الجهاد العالمي. وبما أن العالَم الرسمي لم يتحمل بضعة جبهات جهادية فمن الأولى به ألا يتحمل انفجارات كبرى في مناطق عديدة من البلاد الإسلامية.

    هكذا تبدو أمريكا قد جنت على نفسها بسياساتها وغطرستها. فمشكلتها التاريخية الأعوص أنها لا تقيم وزنا للخصم ولا تسعى لإدراكه، ولا تعترف بمرارة الواقع إلا بعد فوت الأوان، وما أن تقع في ورطة حتى تستفيق وتبدأ بالصراخ والعويل وإطلاق التهديدات. فكل التصريحات والتقارير والنصائح والتقييمات التي تتناقلها وسائل الإعلام العالمية، منذ عام وحتى الآن، عن العسكريين والسياسيين والمحللين والاستراتيجيين والخبراء تدور في حلقة مفرغة وهي تبحث عن مخرج لنتائج السياسات الأمريكية والغربية وفعالياتهما العسكرية في المنطقة. وهذا مؤشر دقيق على أن الأمريكيين وحلفائهم لم يدركوا خصومهم، ولم يعرفوا بعد لا طالبان ولا القاعدة ولا أنماط تفكيرهما ولا خلفيات العقل الجهادي لما تكون مرجعياته ومصادر تشكله الشريعة الإسلامية وليس السياسات الوطنية ولا الرغبات النفسية. فهل يمكن محاربة خصم لا يُعرف منه سوى أهدافه؟ وهل يمكن للمنطق الغربي أو الوطني فهم العقلية الجهادية بسهولة؟

    إذن وسط قناعة باستحالة الانتصار أو تحقيق أي حسم عسكري برزت الحاجة إلى إعادة النظر في الأداء السياسي والعسكري للقوات الأمريكية في أفغانستان وباكستان على السواء. لكن الخروج من المأزق الأفغاني لا يعني بالضرورة الاستعداد للانسحاب بقدر ما يعني البحث عن وسائل مهمتها وقف اندفاع طالبان والقاعدة وخفض وتيرة العمليات العسكرية لهما وحماية القوى الدولية من خطر الاستنزاف البشري. وعلى امتداد السنة الماضية، حيث وقائع الانتخابات الأمريكية، لوحظ أن الأمريكيين في حالة تمايز في المواقف تجاه ما يجب القيام به في أفغانستان. فقد تحدثت أمريكا بلسان الجمهوريين عن مفاوضات مع طالبان ثم تحدثت بلسان الديمقراطيين فقط عن زيادة في عدد القوات لكنها اليوم، بعد فوز أوباما، تتحدث عن استراتيجية جديدة.

    يتبع ...


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المشاركات
    201

    افتراضي رد: هل بدأ الدور الصفوي في أفغانستان؟

    هل بدأ الدور الصفوي في أفغانستان؟

    إعادة التأهيل
    (2)

    د. أكرم حجازي
    20/4/2009







    لعل أقصى ما أدركته أمريكا من الوضع في أفغانستان وباكستان أنه يحتاج إلى جهد دولي وإقليمي لمواجهته! هذه المحصلة، من وجهة نظر عسكرية وسياسية بعيدا عن الأزمة الاقتصادية، جاءت:
    • على خلفية سيطرة طالبان على 72% من الأراضي الأفغانية واحتمال سقوط البلاد بيدها.
    • وفي أعقاب الإقرار بخطورة طالبان الباكستانية واحتمال تمددها إلى أقاليم باكستانية أخرى، وترجيح الحل الجذري للأزمة في باكستان، وتحديدا في الحزام القبلي البشتوني وليس في أفغانستان.
    • وفي أعقاب فشل الحل العسكري خاصة مع انهيار ممر خيبر الذي يمثل خط الإمداد الرئيسي لقوات الناتو بين باكستان وأفغانستان.
    • والأهم أنها تأتي في أعقاب إقرار الولايات المتحدة بأنها عاجزة وحدها عن مواجهة ما تراه مخاطر جدية تهدد الأمن الأمريكي مثلما تهدد دول الجوار والعالم، وأن في المنطقة والعالم لاعبون غيرها لا يقلون دهاء وخبرة عنها في التعامل مع الملف الأفغاني الذي احتكرت التصرف به وحدها طوال السنوات الماضية، وأنه من الحماقة عدم الاستفادة ممن يقدمون خبراتهم.

    ومع ذلك فالجهد الدولي والإقليمي المطلوبين، في إطار الاستراتيجية الجديدة، سيظلان تحت سيطرة القيادة الأمريكية ورؤيتها. وعليه فإن الجهد الدولي ينبغي أن يضع بعين الاعتبار نظرية الجنرال ديفيد بتريوس قائد المنطقة الوسطى للقوات الأمريكية والقائمة على تبادل التفاهم في إطار تبادل "المصالح المشتركة"، وفي السياق لا خلاف على أن بقاء الاحتلال قائما في أفغانستان هو ضرورة ملحة للجميع، وهو ما عبر عنه أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وصولا إلى وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي.

    أما الجهد الإقليمي، وفقا للجنرال بتريوس، فيقضي بتوجيه السياسة الأمريكية ذاتها للعمل على أساس مبدأ: "الموازنة بين المصالح المتعارضة والمصالح المشتركة". فالسياسيون ينبغي أن يوازنوا بدقة بين ما هو مشترك وما هو متعارض خاصة فيما يتعلق بالملفات الساخنة. لكن ما هي حيثيات الجهد الإقليمي؟ ومن هي القوى المعنية؟ وما هي الأدوار التي يمكن أن تلعبها في المنطقة؟ لنبدأ من باكستان.

    فالصراع الباكستاني – الهندي يعدّ واحدا من ثلاث صراعات دولية، إلى جانب فلسطين وشبه الجزيرة الكورية، يمكن أن يؤدي الاشتباك في إحداها إلى حرب كونية ثالثة. وعليه فليس سباق التسلح بينهما إلا صراعا على البقاء. فالباكستان تأسست على خلفية صراع ديني بين "المسلمين" و"الوثنيين"، وحتى المجتمع والجيش الباكستانيين أُشبعا تاريخيا بمحتوى عقدي بارز ضد الهنود. ولأن أفغانستان تمثل بالنسبة للباكستان عمقا استراتيجيا لا مفر منه في مواجهة الهند فقد كان من الطبيعي، ولما يزل، أن تكون باكستان بمثابة القاعدة الآمنة للجهاد الأفغاني في مرحلته الأولى وأن تتبنى طالبان في المرحلة الثانية وأن تحتفظ بعض العناصر أو مراكز القوى في أجهزتها السياسية والأمنية والعسكرية، من منظور عقدي أو استراتيجي يلبي احتياجات دولة في مرحلة ما، بعلاقات واتصالات مع القوى السياسية وحتى الجهادية على السواء في مرحلة ما بعد هجمات 11 سبتمبر. وهكذا تبدو الباكستان دولة تصارع على وجودها منذ نشأتها، وليس من المنطقي أن تفرط بكل أوراقها مهما بلغت الضغوط الأمريكية.

    هذه الوضعية لباكستان لم تعد مقبولة منذ زمن لدى الأمريكيين. ومنذ صعود نجم طالبان بقوة على الأرض بدأت الطعون الأمريكية في الدور الباكستاني تتوالى ابتداء من أوائل العام 2005، وغدا الرئيس برويز مشرف أقوى حليف لأمريكا متهما بالتقصير في محاربة الإرهاب. بل أن باكستان متهمة بكونها "دولة فاشلة" أو في الطريق إلى ذلك، وبالتالي فهي مهددة بالتفكك. وقد تصاعدت حدة هذه الاتهامات مع وصول الرئيس أوباما إلى الحكم وإعلانه عن استراتيجية جديدة في أفغانستان.

    ومن جهتها نشرت صحيفة النيويورك تايمز تقريرا لها (25/3/2009) ذكرت فيه: "أن تقييم وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ربط بشكل محدد بين أعضاء بوكالة الاستخبارات الباكستانية وشبكة للمتشددين يرأسها مولاي جلال الدين حقاني الذي تعتقد الاستخبارات الأمريكية أن له صلات قوية بشخصيات بارزة في تنظيم القاعدة في المناطق القبلية بباكستان". وأن: واشنطن ستشن "حربا مفتوحة" على من قالت الصحيفة إنهم جواسيس يقدمون دعما ماليا ومعدات واستشارات استراتيجية لمسلحي طالبان في أفغانستان. وهكذا بات من الضروري تطهير الجيش وأجهزة المخابرات من العناصر والقيادات ذات الميول الدينية والتي تقول الولايات المتحدة، بلسان مبعوثها إلى المنطقة ريتشارد هولبروك، أنها تمتلك أدلة مادية قوية (روايات جنود ومخبرين ومكالمات لاسلكية ملتقطة!) على ضلوعها في تقديم الدعم لطالبان والقاعدة، واصفا الترابط بين القاعدة والمؤسسة العسكرية الباكستانية بالأمر المزعج الذي لن يتيح مجالا للنجاح في المنطقة خاصة وأن الولايات المتحدة، بحسب تصريحات لاحقة لهولبروك، لم تواجه وضعا مثيلا كالذي تواجهه في باكستان وأفغانستان، مشيرا أن الحرب ضد طالبان والقاعدة ستكون طويلة.

    وفي 2/3/2009 أشارت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية إلى أن: "الطبقة الوسطى من العاملين في جهاز المخابرات تقيم في أحيان علاقات دون علم وموافقة كبار المسؤولين". ومن جهته أكد ديفيد بتريوس وكذا قائد الجيوش الأمريكية الأميرال مايكل مولن على هذه التصريحات في رده على سؤال لمحطة “سي ان ان 28/3/2009” حول ما إذا كان هناك عناصر من الاستخبارات الباكستانية يقدمون الدعم للقاعدة وحلفائها الطالبان فأجاب: "هناك بالطبع مؤشرات ... إن الأمر كذلك”. مضيفا: "في الحقيقة، هذا واحد من الأمور التي يجب أن تتغير". وأوضح مولن أن: "هذه الصلات كانت قوية جدا وبعضها دون شك باق حتى يومنا هذا على ما أعتقد" مشيرا إلى أنه: "من الصعب توضيح إلى أي مستوى ما زالت هذه العلاقات قائمة".

    كل هذه التقارير والتصريحات المحمومة ضد الحليفة باكستان ظهرت كمقدمة لخطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما (27/3/2009) كي يعلن عن إستراتيجيته الجديدة في باكستان وأفغانستان حيث وصف تنظيم القاعدة بأنه "مرض سرطاني" يهدد المجتمع الباكستاني من الداخل، داعيا إسلام أباد أن تكون "شريكاً قوياً ... عليهم أن يعززوا نظامهم الأمني" لملاحقة تنظيم القاعدة وإلحاق الهزيمة بها، مما يحتم على باكستان العمل وفق ما تتطلبه الاستراتيجية الجديدة خاصة وأن أوباما كان صريحا في تهديده حين قال: " لا نستطيع أن نحرر شيكا على بياض".

    إذن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لا تستطيع المضي قدما في تأمين الحزام القبلي ما لم تقم باكستان بإجراء إصلاحات جذرية في هياكل مؤسساتها العسكرية والأمنية على السواء تؤدي إلى طرد هذه العناصر من مهامها واستبدالها بأخرى. ولو طبقت مثل هذه الإجراءات، بحسب المقاييس الأمريكية، فستؤدي قطعا إلى تفكيك العقيدة القتالية للجيش الباكستاني وتحويله، ببساطة، إلى جيش ليبرالي موال بالكامل للغرب بحيث ينتفي لاحقا مبرر وجود الدولة الباكستانية ذاتها. ولعل أخطر ما في الاستراتيجية الأمريكية واتهاماتها هي تلك التي تخيّر باكستان بين القيام بهذه الإصلاحات أو تفكك البلاد في غضون عقد من الزمان، ولا شك أن هذا تهديد أكثر منه تحذير خاصة وأنه لا يسمح لباكستان لا بالتفكير ولا بالمناورة. ولأن الولايات المتحدة مصرة على مطالبها فهي تحاول جاهدة إقناع باكستان بأن الخطر الوجودي عليها يكمن في الإرهاب وفي منطقة وزيرستان على وجه الخصوص وليس في الهند، وهذه محاولة أشبه بأحلام اليقظة.

    ومع ذلك فإن أوراق باكستان في المناورة ضعيفة في مواجهة الضغوط الأمريكية الملغومة، ولعلها أقرب إلى إعادة التأهيل من أي أمر آخر ولو لمرحلة معينة. فالغارات الجوية لطائرات الاستطلاع الأمريكية على معاقل طالبان لم تتوقف فضلا عن أنها تنفذ بموجب اتفاق سري بين باكستان وأمريكا خلافا للتصريحات المعلنة. لكن ماذا عن إيران؟

    يتبع ...


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المشاركات
    201

    افتراضي رد: هل بدأ الدور الصفوي في أفغانستان؟


    هل بدأ الدور الصفوي في أفغانستان؟



    تطبيقات مبدأ بتريوس

    (3)

    د. أكرم حجازي



    22/4/2009










    ما أنْ ظهرت حكاية التفاوض، قبل عام على الأقل، حتى نفتها طالبان في أكثر من بيان رسمي جملة وتفصيلا، وسادت معادلة ساخرة منها تقول: لو قبلت طالبان بالشروط الأمريكية والغربية للحوار معها لعادت إلى نقطة الصفر! بمعنى إذا كانت طالبان قد رفضت الحوار سابقا، وهي تحت ضغط القوة العسكرية وتداعي العالم عليها والإمارة بيدها، فهل من المنطقي أن توافق عليه الآن، بعد كل التضحيات، خاصة وهي على مشارف كابول؟

    الحقيقة أن المشكلة ليست بهذه الصورة حتى عند طالبان التي تدرك أن جوهر الدعوات الأمريكية والغربية ليس التفاوض معها بقدر ما هي محاولات لاختراق الحركة وتفكيكها. فالتفاوض جزء من عروض الاستراتيجية الأمريكية الجديدة. وهي آلية تمكن من إحداث فرز بين القوى ذات الميول السلمية، إن وجدت، وتلك القوى "المتشددة". أو بحسب ما يسميه الغرب فالتفاوض هو آلية عمل سياسي لفصل "المعتدلين من طالبان" عن "طالبان" نفسها. فهؤلاء المعتدلون المفترضون هم المعنيون بالتفاوض، وهم المطالبون بالعمل على فك الارتباط بين القاعدة وطالبان، وهم المطالبون بالتخلي عن "العنف"، وهم المطالبون بالموافقة على الدستور الأفغاني وهم الجسر الذي من خلاله سيتم الصعود على ظهر طالبان. ولتحقيق هذا الهدف لا بأس من التلويح بالاستعداد للعفو عن الملا محمد عمر أو شطبه من قائمة الإرهاب الأمريكية.

    ومع ذلك فقد جن جنون إيران التي سبق وأن اعترفت على لسان محمد علي أبطحي نائب رئيسها السابق بتسليم العراق وأفغانستان للولايات المتحدة مبديا في الوقت نفسه أسفه على تجاهل الأمريكيين لخدمات إيران التي لولاها لما استطاعت الولايات المتحدة احتلال البلدين! فما هي مصلحة إيران أن تساهم في إسقاط بلدين مسلمين وتسليمهما لقمة سائغة للأمريكيين بينما تزعم محاربتها للشيطان الأكبر؟ وإذا تجاوزنا، جدلا، تصريحات متكي حول "التطرف" في باكستان وأفغانستان، خاصة وأن عداء إيران لطالبان سبق هجمات 11 سبتمبر، فما علاقة العراق بالتطرف زمن صدام حسين حتى يقع فريسة للاحتلال الأمريكي والنفوذ الإيراني؟ هل هي المصالح؟ أم هي ضرورات المتعة الحرام؟ أم كليهما معا؟

    في مؤتمر صحفي عقده في العاصمة طهران (19/10/2008) حذر وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي الغرب من مغبة إجراء محادثات مع حركة طالبان الأفغانية قائلا: "نحن ننصحهم بالتفكير في عواقب المحادثات التي تجري في المنطقة وفي أوروبا وتجنب أن يلدغوا من الجحر نفسه مرتين". وأضاف بأن: "على الغرب أن لا يفكر أن بإمكانه حصر التطرف في أفغانستان وباكستان وآسيا الوسطى"، محذرا من أن التطرف سيصل في يوم من الأيام إلى أوروبا والغرب. لكنه تخلى عن النصح والتحذير ليبدي فزعا أكبر خلال كلمته التي ألقاها لاحقا أمام الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة حين أعلن صراحة عن وجوب دعم قوات الناتو في أفغانستان وعدم السماح بانتصار طالبان.

    وفي 16/3/2009 تناقلت وكالات الأنباء ردودا إيجابية على مقترحات إيطاليا، الرئيسة الدورية لمجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى، والتي دعت فيها إيران إلى المساعدة في احتواء الوضع في أفغانستان. إذ أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية حسن قشقاوي: "أن إيران مستعدة للتعاون مع المجموعة لنقل تجاربها حول إحلال الأمن والاستقرار وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في أفغانستان".

    وفي 31/3/2009 استجابت إيران لدعوة أوباما بتعزيز التعاون بين البلدين في مواجهة حركة طالبان الأفغانية. وقال نائب وزير الخارجية الإيراني محمد مهدي خوندزاده أن: "طهران ترحب بعروض التعاون التي قدمتها الدول المساهمة في أفغانستان، وتعلن استعدادها التام للمشاركة في المشاريع الهادفة لمكافحة تهريب المخدرات ومحاربة طالبان ومشاريع التنمية وإعادة الإعمار في أفغانستان".

    لم يطل الوقت كثيرا حتى أعلنت الحكومة الإيرانية (17/4/2009) أنها: "على وشك صياغة خطة جديدة تستهدف مساعدة قوات الاحتلال الأجنبية في أفغانستان على ضبط الوضع الأمني في هذا البلد". وكان وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي واضحا في كلمته أمام مؤتمر الدول المانحة لباكستان الذي انعقد في اليابان حين أشار إلى أن: "القلق الإيراني يتزايد من الوضع الأمني في منطقة جنوب آسيا" وهو الذي دفع "بلاده لوضع الخطة"، لذا فقد حث دول المنطقة على المشاركة في الخطة التي أعرب عن قناعته بأنها ستصدر قريبا دون أن يدلي بأية تفاصيل عنها.

    هكذا لم يتبق لدى إيران إلا انتظار لحظة النشوة مع الشيطان بعد أن ولجت، عميقا، في تحالفاتها مع الولايات المتحدة، وألقت بكل ثقلها إلى جانب الاستراتيجية الأمريكية في أفغانستان وباكستان تماما مثلما فعلت بالعراق. فالمسألة لا تتعلق بمكافحة تهريب المخدرات خاصة وأن إيران تعرف أكثر من غيرها أن زراعتها في أفغانستان زادت بمقدار أربعين ضعفا خلال الاحتلال الأمريكي مقارنة بعهد طالبان، ولا شك أن الرعاية الأمريكية والدولية لها يقعان خارج قدرة إيران على مواجهتها، هذا إنْ لم تكن هي نفسها متورطة بها حتى بموجب شهادات عراقية رسمية، كما لا تتعلق المساهمة الإيرانية بالتنمية أو الإعمار الذي لم يحظ به العراق وهو دولة نفطية. والحقيقة أن الدور الإيراني في العراق أو أفغانستان لا علاقة له بالتطرف ولا بالحرص على الغرب والتباكي عليه بقدر ما له علاقة بالمصالح الإيرانية واستثمار الضعف الأمريكي.

    فالمأزق الأمريكي في أفغانستان وتداعيات الانهيار الاقتصادي أضعفا الولايات المتحدة إلى الدرجة التي فقدت معها بامتياز صفة الدولة الأعظم التي تأمر وتنهى وباتت بحاجة إلى المساعدة. لهذا لم يعد أحد يتعامل معها إلا بموجب المصالح المتبادلة. ولكل شيء ثمنه. هذا ما فعله الروس بعد إغلاق قيرغيستان للقاعدة الأمريكية في أصعب الظروف كي يضطر الأمريكيون إلى التفاوض مع موسكو، وهذا ما يفعله الإيرانيون اليوم معها فيما يتعلق بأفغانستان. فهم يسعون إلى تحقيق أقصى المكاسب لقاء ما يقدمونه من خدمات سواء في مستوى استعداد الرئيس الأمريكي لفتح حوار بين البلدين لـ: "إنهاء ثلاثون عاما من الشقاق الدبلوماسي الظاهري" وعودة العلاقات بين البلدين أو فيما يتعلق بتنازلات حول البرنامج النووي الإيراني تقضي بالسماح لإيران بعمليات تخصيب منخفض التركيز لليورانيوم.

    العجيب أن في أفغانستان ما يقارب الـ80 جهاز استخبارات تعمل ضد طالبان والقاعدة والقوى الجهادية، وإذا كانت هذه الأجهزة بكل ما تمتلكه من دعم لوجستي قد فشلت في قراءة الواقع الميداني على امتداد سنوات الحرب، فما الذي يمكن أن تقدمه إيران بخبراتها الأمنية ولم تفعله خلال السنوات الماضية؟ وما الذي يريده الأمريكيون من الإيرانيين؟ ولماذا يتطلعون إلى الدور الإيراني وكأنه المنقذ؟

    • الأرجح أن الأمر يتعلق باستثمار الرغبة الإيرانية والمعطى الطائفي في أفغانستان. ففي هذا السياق يمكن أن يكون للتدخل الإيراني فاعليته، فمن جهة لم تظهر طالبان أي عداء طائفي للشيعة في أفغانستان خلال سنوات الصراع إلا فيما يتعلق بالتعامل مع الاحتلال وعزل العملاء منهم أو محاصرتهم، لكن إذا ما تدخلت إيران في هذا السياق فقد تعيث في البلاد فسادا عظيما لا يقل عما فعلته في العراق. ولعل تعيين الجنرال ديفيد بتريوس قائدا للقيادة العسكرية الأمريكية الوسطى لم يكن ضربا من الهوى. فالرجل كان صريحا أكثر من غيره حين قال بالحرف الواحد أمام مؤتمر نظمه المعهد الأمريكي للسلام: "إن الولايات المتحدة وحلفاءها لهم مصالح مشتركة مع إيران الشيعية ضد السنة في أفغانستان". وأوضح بأن إيران التي يهيمن عليها الشيعة لا تريد عودة حكم طالبان السني. وقال لصحفيين في المؤتمر: "إنهم لا يريدون أن يروا أفغانستان في قبضة قوات سنية متطرفة ... تماماً مثلنا ". لذا فإن بتريوس يقترح على السياسيين في بلده مبدأ موازنة المصالح فيقول: "إن الأمر يرجع إلى رجال السياسة ليزنوا المصالح المشتركة هناك مقابل نزاعات رئيسية بين واشنطن وطهران فيما يتعلق بقضايا أخرى".

    • يمكن اعتبار شبه السقوط العسكري لممر خيبر الاستراتيجي بمثابة الورطة الحقيقية للأمريكيين في أفغانستان. فالممر الرابط بين بيشاور وأفغانستان هو الوحيد الذي يؤمن قرابة 75% من الدعم اللوجستي للقوات الأمريكية في أفغانستان. وقد نجحت القوى الجهادية في باكستان وأفغانستان بشلّ حركته بصورة كبيرة جدا عبر مهاجمة قوافل الإمدادات وإحراق المئات من الآليات وغنم العشرات منها. والأسوأ أن القوى الجهادية نجحت بشن هجمات خاطفة ضد مخازن الإمداد والدعم في بيشاور نفسها بصورة أفقدت باكستان صفة القاعدة الآمنة للتحالف. أما روسيا فكانت للأمريكيين بالمرصاد عبر الإيعاز لقرغيزيا بإغلاق القاعدة الجوية في أوج الهجمات، وهكذا يكون الخناق قد ضاق كثيرا على القوات الأمريكية في أفغانستان. ولا شك أن الاستعانة بالجمهوريات الآسيوية الوسطى كأوزباكستان وكازاخستان ليس مأمونا سواء بسبب الضغط الروسي أو بسبب التوترات الشديدة التي تعاني منها هذه الدول داخليا بما لا ينفي احتمال سقوط الأنظمة الحاكمة فيها أو تعرض قوافل الإمدادات إلى خطر الهجوم من الحركات الإسلامية التي تعج بها المنطقة. وفي ظل هكذا أوضاع تبدو إيران القوية وذات الخبرات والاستعداد للتعاون أكثر ملاءمة للأمريكيين من أية دولة أخرى مجاورة حتى من باكستان.

    بقي أن نقول أن التدخل الإيراني في العراق ثم في أفغانستان يذكر بنفس سيناريو توسع الدولة الصفوية في العالم الإسلامي، ومن المثير أن الأمريكيين يصرون على أن تكون إيران ضمن الاستراتيجية الجديدة لكنهم لا يتحدثون عن دور تركي ولا ندري ما إذا كان هذا الاستبعاد يفسر، إلى حد ما، الصمت التركي؟ أم أن فرح تركيا بزيارة أوباما كانت جزء من الاستراتيجية الأمريكية؟ لكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن ويحتاج إلى إجابة: إلى أي مدى تبدو التهديدات الإسرائيلية بضرب المفاعلات النووية الإيرانية جدية في الوقت الذي تكون فيه إيران جزء مركزيا من الاستراتيجية الأمريكية وعلى وشك تطبيع علاقاتها مع واشنطن؟








  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المشاركات
    201

    افتراضي رد: هل بدأ الدور الصفوي في أفغانستان؟

    هل بدأ الدور الصفوي في أفغانستان؟

    دروع القاعدة والطالبان
    (4)

    د. أكرم حجازي

    25/4/2009






    لا شك أن تنظيم القاعدة هو ما يؤرق الغرب أكثر مما تؤرقه طالبان بشقيها الأفغاني والباكستاني. لذا فالعمل على فك الارتباط بين طالبان والقاعدة، بأية وسيلة كانت، هو جوهر كل الدعوات السياسية والتحالفات والاستراتيجيات الجديدة في المنطقة. والأكيد أن القاعدة وطالبان تعلمان جيدا أن فك الارتباط بينهما هو أحد أبرز الأهداف الاستراتيجية للقوى الحليفة، لذا فالسؤال الطبيعي هو: لماذا؟ وكيف تتعامل القوى الجهادية مع الاستراتيجيات الجديدة في المنطقة بما فيها محاولات فك الارتباط؟

    بعد أكثر من عشرين عاما على ظهوره وحتى اللحظة ظل تنظيم القاعدة أشبه ما يكون بالعاصفة التي لا يعرف أحد عنها شيء إلا من خلال آثارها. فكل ما نعرفه عنها هو آثار عملياتها العسكرية وبعض الشخصيات القيادية والإنتاج الإعلامي المرئي أو المسموع أو المكتوب لا أكثر ولا أقل. فلا نعرف لها تمويلا ولا مصادر تسلح ولا مؤسسات أو مواقع يمكن معاينتها ولا قيادات أو عناصر يمكن الالتقاء بها، بل أن كل ما فيها خفي حتى إعلامها ومؤسساته. وأصعب ما فيها، على الإطلاق، هو معرفة آليات اشتغالها من الداخل كتنظيم. هذه التجربة في العمل الجهادي ليست بعيدة عن طالبان التي شربتها عن آخرها، ولا هي بعيدة كثيرا حتى عن القوى الجهادية الأخرى خاصة في وزيرستان.

    هذا النموذج من الانتظام جعل من الاختراق الأمني عملية بالغة الصعوبة إن لم تكن مستحيلة في مستوى القيادات بالذات. وعليه فإن كل العروض الغربية التي استهدفت طالبان بالتفاوض، حقيقة أو مخادعة، اشترطت عليها قبل كل شيء "فك الارتباط" مع (أو) "عزل" القاعدة كمبادرة طوعية وجواز مرور يسمح لطالبان بالجلوس إلى مائدة المفاوضات! ومن المثير حقا أن هذا المطلب ذو نكهة راندية في الصميم. فقد سبق لمؤسسة راند أن لاحظت فروقا جوهرية في عقائد الجماعات الجهادية ومناهجها وأهدافها في العراق مكنت القوات الأمريكية من اختراقها بسهولة، فالتيار السلفي الجهادي على النقيض من تيارات الإسلام الوطني بحيث يسهل فك الارتباط بينهما. ويبدو أن راند تحاول اختبار النتيجة نفسها على الساحة الأفغانية بالاستناد إلى الاختلاف المذهبي بين طالبان والقاعدة. وفي المحصلة فإن "فك لارتباط" سيؤدي إلى "عزل" القاعدة في مرحلة أولى ورفع الغطاء عنها تمهيدا لمقاتلتها في مرحلة ثانية أو حتى تسليمها إلى القوى المعادية.

    إذن للمطالب الغربية فيما يتعلق بفك الارتباط مبرراتها القوية. فالقاعدة وطالبان يتقاسمان مسؤولية إدارة المشروع الجهادي في المنطقة، ويدركان أن استمرارهما يستدعي بناء قاعدة آمنة غير قابلة للانقلاب عليهما أو السقوط ثانية بيد القوى المعادية كما حصل في أعقاب هجمات 11 سبتمبر حيث تعرضت القاعدة على وجه الخصوص لما يشبه الإبادة فضلا عن مطاردة ما تبقى من مقاتليها.

    لكن هذه المطالب تبقى حتى اللحظة أقرب إلى الأماني من أية حقيقة ممكنة. فمن جهة تتداخل طالبان والقاعدة على المستوى التنظيمي والعملي، فالخبرة الأمنية وطول التجربة وسعتها بالنسبة للقاعدة يجعلها، بنظر طالبان، أمينة في إدارة (أو الإشراف على) بعض المراكز الحساسة فيها. وهذا ما يجعل من فك الارتباط بين الجانبين، فيما لو حصل على سبيل الاحتمال، عملية صعبة جدا وبالغة الخطورة. كما أنه يشكل، في نفس الوقت، جرس إنذار مبكر للجانبين على وجود اختراق ما يمكن محاصرته بسرعة فائقة. ومن جهة أخرى فإن فعاليات المشروع الجهادي في المنطقة يمكِّن طالبان من الفوز بحصة الأسد لأكثر من سبب، وهو ما نلاحظه عبر كثافة البيانات العسكرية والسياسية.

    لكن هذا لا يعني البتة تهميشا لدور القاعدة العسكري. إذ أن القاعدة تحملت من جهتها إدارة منظومة العلاقات الاستراتيجية مع القبائل ومع القوى الجهادية في المنطقة وخاصة في المناطق القبلية الباكستانية وصولا إلى مدينة بيشاور الحدودية. ولا ريب أن هذه المنظومة شكلت في الواقع الدرع القوي والآمن الذي مكن من حماية ظهر طالبان وهي تمارس فعالياتها العسكرية باطمئنان وتضخم وسعة في الانتشار. وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى أبي الليث الليبي الذي اغتيل على الحدود بين باكستان وطالبان (29/8/2008) وهو في مهمة تنسيق بين القاعدة وطالبان وزعيم طالبان الباكستانية بيعة الله مسحود حول الدور الجهادي الذي يمكن أن يلعبه في أفغانستان.

    ردود الجماعات الجهادية في وزيرستان

    ما من قوة سياسية أو اجتماعية في باكستان خاصة فضلا عن القوى الجهادية إلا وتدرك أن الغارات الأمريكية التي تشنها طائرات الاستطلاع الأمريكية تتم بالتنسيق مع قيادة الجيش وجهاز المخابرات العسكرية (ISI) وحتى مع أطراف في الحكومة الباكستانية. وهذا يعني أن الجيش والدولة قررا رفع الغطاء عن منطقة القبائل وتركها نهشا للتنازع وعمليات القصف والاغتيال والتدمير الأمريكي. بمعنى أن أحدا في المنطقة سواء كان فردا أو قبيلة أو جماعة لن يتمتع بأية حماية، كما أن التجربة أثبتت أن الاتفاقات مع الحكومات المحلية أو الحكومة المركزية لم تعد تشكل فارقا ولا حصانة لأحد. هذه الخلاصة تحتم على القوى الجهادية مواجهة مصيرها بيدها خاصة وأن الحديث يجري عن "حرب مفتوحة" في المنطقة وفق ما تبوح به الاستراتيجية الأمريكية ستكون قبائل المنطقة أول ضحاياها.

    ولمواجهة الموقف فقد أقدمت أقوى ثلاث جماعات متنازعة تضم عشرات الآلاف من المقاتلين الطالبان في 3/3/2009 على خطوة لم تكن في الحسبان لا بالنسبة لباكستان ولا للأمريكيين. إذ أعلن كل من ملا بيعة الله محسود، وملا نذير أحمد، وملا جول بهادور عن توحد قواتهم المسلحة تحت مسمى "اتحاد مجلس شورى المجاهدين" استجابة لدعوة سابقة بالتوحد وجهاد الأمريكيين وجهها الملا محمد عمر. ويتشكل المجلس من 13 عضوا مهمته حل النزاعات واتخاذ القرارات التي تحكم سيره. أما القيمة الأبرز لهذا الخطوة فتكمن في أنها:

    • أول تحالف باكستاني لجماعات مسلحة يعلن مبايعته للملا محمد عمر والشيخ أسامة بن لادن للرد على الاستراتيجية الأمريكية الجديدة. وبحسب ملا أحمد نذير أمير مجاهدي طالبان جنوب وزيرستان (مؤسسة السحاب – مارس / آذار 2009) فإن التحالف ولد بعد أن: " توصلنا إلى نتيجة مفادها أن الخلافات بيننا كانت أساساً بسبب تحريض وتحريش الـ ISI وأعداءنا الآخرين ... التي أججت الكراهية والعداوة بين قبيلتي محسود ووزير".

    • كما أنها تعني، بحسب المصدر نفسه، أن أي هجوم قد تتعرض له المنطقة من الجيش الباكستاني أو القوات الأمريكية أو أي طرف آخر سيتم الرد عليه جماعيا وفي وقت واحد: "سوف يكون ردنا واحد على هذا الهجوم. كل القبائل والمجاهدين في شمال وجنوب وزيرستان سوف ينتقمون معاً في وقت واحد، وسوف يكون الرد أكثر إيلاماً وصرامة من قبل".

    بطبيعة الحال فإن مثل هذه الخطوة ستؤدي قطعا إلى مزيد من التنسيق والسرعة في العمل والفاعلية. وبالفعل فقد تناقلت بعض وسائل الإعلام (20/4/2009) نبأ اكتشاف طالبان لاختراق كانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية "C.I.A" قد حققته في صلب قبيلتين في وزيرستان الشمالية، وقالت الحركة أنها حصلت على معلومات من مصادر موالية لها تعمل في المخابرات الأفغانية والباكستانية مكنتها من إلقاء القبض على معظم الجواسيس حيث أعدمت حوالي 100 منهم حتى الآن.

    أما على صعيد التدخل الإيراني فالمسألة مختلفة، وقد سبق وأشرنا أن إيران لم تعلن حتى اللحظة عن تفاصيل خطتها المقترحة لمساعدة القوات الأمريكية في أفغانستان على مواجهة طالبان. وبالتالي فمن الصعب الجزم بماهية التدخل الإيراني المنتظر. لكن حين تتحدث إيران عن تجاربها في إحلال الأمن والاستقرار فهي بالقطع تستلهم نفوذها وتجاربها في العراق. وإنْ كانت بصدد تكرار التجربة في أفغانستان فمن الأولى القول بأن تجربة العراق لم تعد خافية على طالبان ناهيك عن القاعدة. وبما أن العراق يشهد منذ بداية العام الجاري ملامح عودة تذكر بالأيام الخوالي سواء على صعيد استهداف الأمريكيين أو استهداف الشرطة الحكومية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: هل ساعدت إيران حقا في وأد المشروع الجهادي في العراق كي تنجح في أفغانستان؟ لا ريب أننا نطرح السؤال:

    (1) في ضوء التصريحات الأمريكية التي بدت أكثر تواضعا من التصريحات الإيرانية وهي تلتزم باستمرار، حين تقييم الوضع في العراق، وعلى لسان الجنرال ديفيد بتريوس بأن هناك: "انخفاض ملحوظ في وتيرة العنف لكن يبقى الوضع هشا"؛
    (2) وفي ضوء الضربة المؤلمة التي تلقتها إيران أمس الأول في أحد مطاعم بعقوبة والتي خلفت مقتل قرابة 52 إيرانيا. وهو ما يمكن قراءته كتحذير بالغ الشدة لإيران من أنها ستدفع ثمن تحالفها مع الأمريكيين في العرق كما في أفغانستان سواء بسواء.

    بقي أن نقول أنه لأول مرة بدا أن قادة القاعدة يتحدثون بدقة عن حجم النفوذ الإيراني في أفغانستان، وكأنهم أردوا بذلك تذكير إيران بحجمها الحقيقي في أفغانستان. ففي كلمته التي بثتها السحاب "ست سنوات على غزو العراق وثلاثون عاما على توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل - 20/4/2009) عقب د. أيمن الظواهري على الرئيس الأمريكي حول مسألة التفاهم مع إيران قائلا: "في أفغانستان لا تجرؤ إيران على أن تخطو فيها خطوة واحدة, وهي أعلم الناس بالأفغان وبتاريخهم. وكلّ ما تستطيعه إيران هو أن تُمِدَّ عملاءها في أفغانستان بالمساعدات والأسلحةِ والأموال وهو أمرٌ تصدّت له الإمارة الإسلاميّة ... من قبل وحشرت عملاء إيران في 5% من مساحة أفغانستان". فهل هؤلاء هم من تعول عليهم إيران؟

    هكذا، ففي حين يبدو الهاجس الأمني هو ما يؤرق العالم في أفغانستان وباكستان ويقض مضاجع القوى الأجنبية والإقليمية، نراه لدى الطالبان والقاعدة بمثابة الحصن الحصين في الرد على الاستراتيجيات الجديدة. صحيح أن القاعدة والطالبان تتحدثان، بثقة، منذ بضعة أشهر عن تباشير للنصر، إلا أن للشهور القادمة كلمة الفصل. فلننتظر.



    المصدر : مركز المقريزى للدرسات



  5. #5
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    المشاركات
    13

    افتراضي رد: هل بدأ الدور الصفوي في أفغانستان؟

    التحالف الأمريكي الإيراني كان منذ بداية الغزو الصليبي لأفغانستان والعراق

    فنسأل الله أن يثبت أقدام الموحدين ويجعل كيد أمريكا في نحرها

    بارك الله فيك وفي
    الدكتور حجازي
    تحليل قيم

    {إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك مايأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم}

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المشاركات
    201

    افتراضي رد: هل بدأ الدور الصفوي في أفغانستان؟

    شكرا اخى وبارك الله فيك انت

    وانما انا ناقل للدكتور حفظه الله تعالى
    ونفعنا واياكم وجموع المسلمين بما هو حق وصواب

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    1,101

    افتراضي رد: هل بدأ الدور الصفوي في أفغانستان؟

    بارك الله فيكم جميعا و اعلموا ان الصفويين لن يحققوا شيئا بإذن الله
    تفضلوا :
    لا ريب ـ كما ذكرنا ذلك مرارا ـ أن التحالف الصهيوغربي يدرك أنّ المشروع الصفوي لايشكل خطرا إستراتيجيا على الكيان الصهيوني ـ كما فضحهم ليبرمان آنفا ـ وأنَّ استعداده لعقد إتفاق مع الغرب يتنازل فيها عن دعمه للقضية الفلسطينية ، لايقـلِّ عن استعداد أيّ تاجر ماكر ، متى وجد صفقة مناسبة .
    كما تحدثنا عن أن المفاوضات السرية التي تجري على قدم وساق ، بين هذين العدوِّين اللدودين لأمّتنا ، تثمـر مـداً ، يظهر أحيانا ـ مؤخَّـراً ـ بصورة تصريح نجــاد ( إيران لاتمانع بحل الدولتين إذا وافق الفلسطينيون) ! ، وإطلاق الضباط الأربعة في لبنان ، إنسحاب بريطانيا من جنوب العراق ..إلخ ، وجَـزْراً يظهر في أشلاء تتطاير من الحرب الخفية بينهما في العراق ، أو التصعيد المصري ضد الجيب الإيراني في لبنان ، أعنـي حزب حسن نصر..إلخ.

    وكلّ ما في الأمر أنَّ الأمريكيين يريدون ( إيرانـا ) بحجم البيدق الذي يحدّدونه هم ، وصفقة تناسب هذا البيدق المتوسط الحجم ، أما الإيرانيّون فيطمعون بصفقة عالية المستوى جداً ، والمذهل في طموحهم ، أنهم يريدون صفقة تصل إلى درجة تساويهم بالصفقات الدولية التي يعقدها الغرب مع الصين ، أو روسيا ، أشار إليها نجــاد بقوله ( إيران مستعدة أن تشارك في إدارة العالم )! كما نقلتها الوكالات قبل أيام.
    وهـم حتَّى يصلون إلى هذه الصفقة ، سيبقى إظهارهم القدرة على الإيذاء مستمراً ، حتى لو وصل الأمـر في تحرشهم بالأمريكيين إلى أمريكا اللاتينية.
    ولهـذا فقـد قيـل أنهـم أوصلوا حتَّـى إلـى الطالبانييـن ـ عبر وسطاء لهم علاقة بهم ـ رغبتهم ( الخبيثة ) في إمداد الجهاد الأفغاني بالسلاح ، بشرطين أن لايستعمل ضدَّهم ، ويمكـَّن للشَّيعة بعد خروج الإحتلال ، فأبى الملاَّ عمر الدخول مع أغدر أعداء الإسلام في التاريخ في أيِّ إتفاق .
    ومعلوم أنَّ الصفوييّن لايتحركون خطوة واحـدة ، مع أيّ حركة جهادية سنيّة ، إلاّ مؤقـتاً في عملية إحراق لهذه الحركـَة ، في مخطَّطهم الخبيث للقضاء على الإسلام فحسب ، ولكن المغترّيـن بهم لايعلمون .
    وعلى أية حال فإنَّ تحـوُّل التصعيـد الصهيوغربي إلى الحالة الأفغاباكستانية ، متلائم تمامـاً مع منطقهم ، فالجهاد الأفغاباكستاني ، آخذٌ بالتصاعد إلى درجة كبيرة ، مستفيداً من الإنهاك الأمريكي الذي سبَّبـه المستنقع العراقي ، والأزمة الإقتصادية ، والأعياء الشعبي الأمريكي من الحروب الخارجية ، والغرق الصهيوني في ملفات عدِّة.

    المصدر :
    http://majles.alukah.net/showthread.php?t=33043

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المشاركات
    201

    افتراضي رد: هل بدأ الدور الصفوي في أفغانستان؟

    نعم أخى ولكن نتوقف عند بعض النقاط
    أولا: ما يدور الان فى حرب الامريكان والباكستان لى سنه البلدين لهو اكبر دليل !!

    ثانيا: أن ما يدور الان داخل كواليس السياسة بين الامريكان والايرانيون لهو اكبر خطر يمثل السنه فى افغانستان ..

    ثالثا : الحرب الباكستانية تم تاجيجها من واشنطن بمباركة الامريكان والحكومة العميلة داخل ( افغانستان , وباكستان) !!

    اللهم انصر اخوننا هناك على قوى الشر التى تحاول استئصال اهل الجهاد السنه والجماعة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •