بسم الله الرحمان الرحيم


سلسلة كشف المناهج الخفية و بيان المناهج الشرعية

نقض علم المنطق و تطبيقاته في العلوم الإسلامية


تابع نقض تعريف المنطق وبيان حكم الاشتغال به


تعريف المنطق:
يعرف أرسطو المنطق بأنه "أورغانون"العل م، يعني آلة العلم،وموضوعه الخاص هو العلم نفسه، فهو إذن صورة العلم أو شكل العلم ليس مادته،بينما المنطق عند الفلاسفة الرواقيين ليس أداة للعلم بل هو علم حقيقي هو جزء لا يتجزأ من الفلسفة موضوعه الاستدلالات.
وقد عرفه بعضهم بأنه:الصناعة التي تجعلنا نتصرف بنظام وسهولة و بدون خطأ،في عمل العقل ذاته"،
و أما التعريف الذي يميزه عن علم المناهج فهو:" المنطق هو علم شروط مطابقة الفكر لذاته و شروط مطابقة الفكر لموضوعاته،التي متى اجتمعت كانت الشروط الضرورية و الكافية للصدق".
وبما أن أرسطو قد عالج القياس من حيث هو قياس في تحليلاته الأولى فوجب التفريق و التمييز بين المنطق الصوري الذي هو دراسة قوانين الفكر المجرد من كل مضمون،و بين علم المناهج الذي هو علم مطابقة الفكر لموضوعاته، وهو يشمل المناهج و الطرق التي يمكن تطبيقها على العلوم الخاصة سواء كانت عقلية أو تجريبية.
تعريف المنطق الصوري وموضوعه:
إن المنطق الصوري يحد بصفته ناجما من طبيعة الفكر العامة ومنتجا بمقتضى الصورة بقطع النظر عن المضمون،فهو يدرس قوانين الفكر الضرورية حتى لا تتكون تصورات متناقضة و أحكاما غير جائزة لا مادة الفكر،وعبارة :" القوانين الضرورية " لا تعني أنها قوانين ملزمة بحيث تكون شروطا لوجود الفكر ذاته،أي أن الفكر موجود و خصيب من غير قوانين المنطق، وبمعنى آخر أكثر دقة إنه الفكر و التصور عندما ينفصل عن الواقع فهو عاجز خلال مراحل الاستدلال عن ترجمة المعاني الذهنية إلى ظواهر وهذا عيبه الكبير وهو كونه عديم الفائدة فهو لعب رفيع المستوى ولكنه عقيم،لا يكفي نفسه بنفسه بل يجب عليه أن ينطبق على شيء و أن يكون معمولا من أجل شيء آخر،
وبالتالي يمكن أن نعرف المنطق الصوري بأنه علم اللزوم،أو علم الصدق الصوري ، لا الصدق الواقعي.
مصادر المنطق:
من المعلوم أن الروح النقدية لدى الناس في مختلف المجتمعات و الحضارات لم تنتظر الإغريق و بالضبط أرسطو للتولد لديهم وتنبثق،وفي افسلام تطورت بعد تدوين علم أصول الفقه في وظيفة متميزة تقتضي تجردا من الميل لا يقوى عليه إلا العلماء المخلصون.
أما المنطق الصوري الأرسطي فلابد أنه ظهر كنتيجة للعمل الفلسفي الذي قام به الفلاسفة الإغريق قبل أرسطو،خاصة و أن الجدل الإغريقي الفلسفي باعتباره منهجا في المناقشة موضوعه الاحتمالات وعماده المقدمات الظنية سبق ظهور المنطق فعرف الإغريق الجدل الإيلي و اشتهر زينون بجدل واعي.
ومعلوم أيضا أن المنطق هو فلسفة التصور كونه يبحث عن الماهية ومبدأ القياس هو الماهية و أول من بحث من الفلاسفة عن الماهية هو سقراط.
كذلك يوجد في أعمال أفلاطون ومحاورته عناصر هامة لتكوين منطق ولكن نظرية المثل التي أغرقت فلسفة أفلاطون وبقي متقيدا بها حالت دون تكوين منطق متكامل كما هو الشأن عند أرسطو.
لقد اكد أرسطو أن العلم موضوعه التصور، و المعنى العام و الكلي،و إذا كان موضوع العلم هو العام فإن الواقعي إنما هو الفرد فقط،فكان المنطق متعلق بالوجود الذهني أكثر من تعلقه بالواقع الذي يمثله الفرد، و عليه وجب على العلم في عرف المناطقة طلب الماهية أي مجموع الصفات الضرورية للكائن،و بالتالي يحل تعريف الشيء القائم على الماهية محل التصنيف في بقية العلوم.
و عليه،فإن المنطق الصوري لا يحافظ على اتصاله بالواقع الذي يمثل الفرد و ينفصل عن العلم التجريبي ليصبح علما نظريا بحث لأنه باهتمامه بالماهية وهي أمر ذهني بقي مرتبطا بميتافيزياء الوجود التي هو أداتها فهو في الحقيقة منهج موضوع من اجل الفلسفة .
ومن هنا نستخلص أن غرض المنطق هو القياس الذي يمثل الأداة الضرورية للفلسفة المشائية و بتعبير أدق المنطق هو علم القياس ذي المقدمتين الضروريتين.
و الفرق بينه و بين الجدل في عرف المناطقة أن موضوع الجدل هو الظن" ما يكون في غالب الأحيان" فهو لا يؤدي إلى العلم بل إلى الرأي وهو إنما يستعمل للتخلص من التناقض لا للحل المشاكل و إيجاد الإجابات، وهو مرتبط بالنفي و الإثبات دون تقديم السبب الحقيقي الذي هو الماهية عندهم.
ومن هنا يظهر سبب تسمية المتكلمين و المناطقة علم الفقه و العلم الشرعي رأيا أو ظنا ولا يسمونه علما لأنه في عرفهم قائم على مقدمات ظنية بخلاف المنطق الذي يقوم على مقدمات يقينية.
ومعلوم أن هذا الفصل بين القياس الجدلي و القياس المنطقي البرهاني فصل وهمي إذ كما هو الإشكال دائما في المنطق الصوري هو متعلق بشكل القياس و ليس بمادته،إذ ليس كل مقدمة غير خاضعة لقوانين المنطق يجب أن نسميها ظنية بل يجب أن نفحصها فكثير من المقدمات التي يستعملها الناس ضرورية بديهية .
وعليه فتسمية كل قياس لا ينضبط بشروط المنطق الصوري ظنيا مصادرة على المطلوب، فكون الشيء يقينيا أو ظنيا مرتبط بمادة القياس لا بصورة القياس و شكله،وما كان برهانيا من المقدمات كان صالحا للاستعمال في الجدلي و الخطابي بشرط أن يكون مشهورا،لأن الخطاب المقصود به مخاطبة الجمهور،وهم لا يدركون البراهين الخفية، فالخطابيات يراد بها خطاب الجمهور، وهذا إنما يكون بالقضايا المشهورة عند الجمهور، وان كانت ظنية.
فإذا كانت علمية فهو أجود، فليس من شرط الخطابية أن لا تكون علمية.
وأما الجدلي فإنما هو خطاب لناس معينين فإذا سلموا تلك المقدمات حصل مقصود الجدلي وان لم تكن مشهورة.
ومتى كانت القضية مبرهنة وهي مشهورة مسلمة من المخالف صلحت للبرهان والخطابة والجدل ،بخلاف القياس الشعري، فانه معمول لتحريك النفس ليس المراد به أن يفيد لا علما ولا ظنا.
ولذلك يسمي الفلاسفة أهل الكلام بأهل الجدل و أنهم ليسوا أصحاب برهان ويجعلون نفوسهم هم أصحاب البرهان،ويجعلون أدلة المتكلمين من المقاييس الجدلية، إذ قد قسموا القياس خمسة أقسام: برهاني وخطابي وجدلي وشعري وسوفسطائي ،ولهذا تجد ابن سينا وابن رشد وغيرهما من المتفلسفة يجعل المتكلمين أهل الجدل وان مقدماتهم التي يحتجون بها جدلية ليست برهانية ويجعلون أنفسهم أصحاب البرهان.
ونحن و إن وافقناهم بأن أكثر كلام المتكلمين باطل ،لكن المتكلم إذا تكلم بإنصاف وعدل كان كلامه أحسن من كلام الفلاسفة المناطقة، فمن نظر في كلام الفلاسفة في الإلهيات وجد جلها سفسطة و جهل،و المتكلمون يوجد في كلامهم من المقدمات البرهانية اليقينية أكثر مما يوجد في كلام الفلاسفة.
وبعض الفلاسفة يجعل البرهان والجدل والخطابة هي المذكورة في قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.
فالحكمة هي البرهان و الموعظة الحسنة هي الخطابة و المجادلة هي الجدل ،و أن الأنبياء جاؤا بجنس الخطابة لم يقصدوا تعريف الحقائق، ولذلك فخطابهم ظاهره لا يدل على الحق و إنما خيلوا للجمهور حتى يعملوا.
المقصود أن يعرف المسلم السني السلفي أن كل ما يقولونه هو من الجهل والكفرو الضلال إنما يقولونه فرارا من لازم علم المنطق الذي استحوذ على عقولهم بحيث صار طلب ماهيات الأشياء مسيطرا على عقولهم فنفوا لأجله الصفات وزعموا أن كلام الأنبياء ظواهر غير مرادة.
و أما ما جعلوه من القران مطابقا لأنواع القياس عندهم فليس صحيحا بالمرة،نعم لا شك أن ما جاء به الرسول من الحكمة والموعظة الحسنة والجدل يخالف أقوال الفلاسفة المناطقة أعظم مخالفة ومن كل وجه.
فالأقسام الثلاثة المذكورة في القران هي البرهان الصحيح، والخطابة الصحيحة والجدل الصحيح، وان لم تكن هي عين ما ذكره الإغريق، إذ المنطق الصوري لا يتعرض لشيء من مادة العلم ،إنما الغرض أن صورة هذه الثلاثة هي جنس هذه الثلاثة.
ومع ذلك نقول :هذا أيضا باطل، فان الخطابة عند المناطقة هي ما كان مقدماته مشهورة سواء كانت علما مجردا أو علما يقينيا،بينما الوعظ في القران هو الأمر والنهي والترغيب والترهيب كقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُ مْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً}.
فقوله: {مَا يُوعَظُونَ بِهِ} أي ما يؤمرون به وقال: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أي ينهاكم عن ذلك.
وأيضا فالقرآن ليس فيه أنه قال: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ}
لأن الإنسان له ثلاثة أحوال: إما أن يعرف الحق ويعمل به، وأما أن يعرفه ولا يعمل به، وأما أن يجحده، فأفضلها أن يعرف الحق ويعمل به.
والثاني: أن يعرفه لكن نفسه تخافه فلا توافقه على العمل به.
والثالث: من لا يعرفه بل يعارضه، فصاحب الحال الأول هو الذي يدعى بالحكمة فأن الحكمة هي اللم بالحق والعمل به، فالنوع الأكمل من الناس من يعرف الحق ويعمل به فيدعون بالحكمة.
والثاني: من يعرف الحق لكن تخالفه نفسه فهذا يوعظ الموعظة الحسنة فهاتان هما الطريقان الحكمة والموعظة، وعامة الناس يحتاجون إلى هذا وهذا، فأن النفس لها أهواء تدعوها إلى خلاف الحق، وان عرفته، فالناس يحتاجون إلى الموعظة الحسنة والى الحكمة فلا بد من الدعوة بهذا وهذا.
وأما الجدل فلا يدعى به، بل هو من باب دفع الصائل، فإذا عارض الحق معارض جودل بالتي هي أحسن، ولهذا قال: وجادلهم، فجعله فعلا مأمورا به مع قوله ادعهم فأمره بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وأمره أن يجادل بالتي هي أحسن، وقال في الجدال بالتي هي أحسن، ولم يقل بالحسنة، كما قال في الموعظة ،لأن الجدال فيه مدافعة ومغاضبة، فيحتاج أن يكون بالتي هي أحسن حتى يصلح ما فيه من الممانعة والمدافعة، والموعظة لا تدافع كما يدافع المجادل، فما دام الرجل قابلا للحكمة أو الموعظة الحسنة أو لهما جميعا لم يحتج إلى مجادلة فإذا مانع جودل بالتي هي أحسن.
والمجادلة بعلم كما أن الحكمة بعلم، وقد ذم الله من يجادل بغير علم فقال تعالى: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} والله لا يأمر المؤمنين أن يجادلوا بمقدمة يسلمها الخصم أن لم تكن علما، فلو قدر أنه قال باطلا لم يأمر الله أن يحتج عليهم بالباطل، لكن هذا قد يفعل لبيان فساد قوله وبيان تناقضه، لا لبيان الدعوة إلى القول الحق، والقرآن مقصوده بيان الحق ودعوة العباد إليه، وليس المقصود ذكر ما تناقضوا فيه من الأقوال"الرد على المنطقيين".
فالمقدمات الجدلية التي ليست علما غنما فائدتها بيان خطأ المخالف مجملا لا إقرار الحق و المؤمن مأمور بٌرار الحق ونفي الباطل.
و المناطقة يجعلون النبوة من باب الخطابة، وتارة يجعلون الخطابة أحد أنواع كلامها فيتناقضون، وسبب ذلك أن القرآن أمر عظيم باهر لم يعرفوا قدره ولا دروا ما فيه من العلم والحكمة، وأرادوا أن يشبهوا به كلام قوم كفار اليهود والنصارى أقل ضلالا منهم في معرفة الله ومعرفة أنبيائه وكتبه وأمره ونهيه ووعده ووعيده ولو شبه مشبه القرآن بالتوراة والإنجيل لظهر خطأه غاية الظهور والجميع كلام الله تعالى، فكيف بكلام هؤلاء الملاحدة؟!
و الخلاصة المقصودة من هذا الباب أن ما تلقوه من القواعد الفاسدة المنطقية من نفى ما لم يعلم نفيه أوجب لهم من الجهل والكفر ما قادهم إلى الزندقة[1] و ما صاروا به أسوأ حالا من اليهود والنصارى فإن لم يصلح علم المنطق في الإلهيات و استغني عنه في أصول الفقه بمناهج علمية صحيحة خاصة بهذا العلم ففي أي علم يحتاجه المسلم؟!
وعليه فإن الفروق و الفواصل التي جعلها لانواع الأقيسة هي فروق وفواصل شكلية لا تتعلق بمادة القياس، فكون القضية برهانية معناه عندهم أنها معلومة للمستدل بها، وكونها جدلية معناه كونها مسلمة، وكونها خطابية معناه كونها مشهورة أو مقبولة أو مظنونة، وجميع هذه الفروق و الفواصل هي نسب وإضافات عارضة للقضية، ليس فيها ما هو صفة ملازمة لها، فضلا عن أن تكون ذاتية لها على أصلهم.
فهذه صفات نسبية باعتبار شعور الإنسان بها، ومعلوم أن القضية قد تكون حقا والإنسان لا يشعر بها، فضلا عن أن يظنها أو يعلمها، وكذلك قد تكون خطابية أو جدلية وهى حق في نفسها، بل قد تكون برهانية أيضا كما قد سلموا ذلك.
وإذا كان كذلك فالرسل صلوات الله عليهم أخبروا بالقضايا التي هي حق في نفسها لا تكون كذبا باطلا قط، وبينوا من الطرق العلمية التي يعرف بها صدق تلك القضايا ما هو مشترك ينتفع به جنس بني آدم وهذا هو العلم النافع للناس.
وأما هؤلاء المتفلسفة فلم يسلكوا هذا المسلك، بل سلكوا في القضايا الأمر النسبي فجعلوا البرهانيات ما علمه المستدل وغير ذلك لم يجعلوه برهانيات وإن علمه مستدل آخر، والجدليات ما سلمه المنازع، وإن لم يسلمه غيره .
وعلى هذا فتكون من البرهانيات عند إنسان وطائفة ما ليس من البرهانيات عند إنسان وطائفة أخرى، فلا يمكن أن تحد القضايا العلمية بحد جامع مانع بل تختلف باختلاف أحوال من علمها، ومن لم يعلمها، حتى أن أهل الصناعات عند أهل كل صناعة من القضايا التي يعلمونها ما لا يعلمها غيرهم،ومن هنا يظهر استغناء جميع العلوم بنفسها عن علم المنطق الذي لا يكفي نفسه بنفسه.
وحينئذ فيمتنع أن يكون علم المنطق طريقة مميزة للحق من الباطل والصدق من الكذب، باعتبار ما هو الأمر عليه في نفسه، ويمتنع أن تكون منفعته مشتركة بين الآدميين ،بخلاف طريقة الأنبياء فإنهم اخبروا بالقضايا الصادقة التي تفرق بين الحق والباطل، والصدق والكذب، فكل ما ناقض الصدق فهو كذب، وكل ما ناقض الحق فهو باطل، فلهذا جعل الله ما انزله من الكتاب حاكما بين الناس فيما اختلفوا فيه، وانزل أيضا الميزان وهو ما يوزن به ويعرف به الحق من الباطل، ولكل حق ميزان يوزن به، بخلاف ما فعله الفلاسفة المنطقيون فانه لا يمكن أن يكون هاديا للحق، ولا مفرقا بين الحق والباطل، ولا هو ميزان يعرف بها الحق من الباطل.
وعليه فما عينوه من مواد العلم لم يكن مستوعبا لجميع ما عند البشر لان البشر علموا إما بالحس او العقل او الخبر الصادق من المعارف و العلوم الكثيرة من غير طريقهم فتبين أنهم كاذبون فيما زعموه من ان طريقتهم محيطة بطرق العلم الحاصل للبشر،و إن لم يعينوا مواد العلم و هذا هو المعروف عن المنطق فقد بطل أهم جزء في المنطق الصوري.
ومما علمه البشر من غير المنطق ما تلقوه عن الأنبياء صلوات الله عليهم فأراد المناطقة إجراء ذلك على قانونهم الفاسد، فجعلوا علوم الأنبياء تحصل بواسطة القياس المنطقي، فقالوا: النبي له قوة أقوى من قوة غيره في العلم والعمل، وربما سموها قوة قدسية كما فعل ابن سينا،و المقصود بالقوة القدسية قوة حدسية أي علم حدسي بديهي متى تصور طرفي القضية ينتهي إلى النتيجة من غير حاجة إلى الحد الأوسط الذي يعجز غير الأنبياء عن إدراكه بغير تعلم.
لأن قوى الأنفس في الإدراك غير محدودة، فجعلوا ما تخبر به الأنبياء من أنباء الغيب إنما هو بواسطة القياس المنطقي وهذا في غاية الفساد.
فان القياس المنطقي إنما يعرف به أمور كلية كما تقدم وهم يسلمون ذلك والرسل أخبروا بأمور معينة شخصية جزئية ماضية وحاضرة ومستقبلة كما في القرآن من قصة نوح والخطاب والأحوال التي جرت بينه وبين قومه وكذلك هود وصالح وشعيب وسائر الرسل وكذلك ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من المستقبلات فعلم بذلك أن ما علمه الرسول لم يكن بواسطة القياس المنطقي.
على كل حال فإن الفلاسفة عندما أعجزهم علم النبوة قالوا :إن غاية ما عند النبي قياس من جنس القياس الفلسفي أو خيال من جنس الخيال الصوفي ولهذا كانت النبوة عندهم مكتسبة وصار كثير منهم يطلب أن يؤتى مثل ما أوتي رسل الله وأن يؤتى صحفا منشرة كما طلب ذلك غير واحد في زماننا وكما طلبه السهروردي المقتول وابن سبعين وغيرهما وسبب ذلك أن هذه النبوة التي أثبتوها أمرها من جنس منامات الناس.
ولهذا كان عمدتهم في إثبات النبوة هو المنامات كماهو ثابت في كتبهم في كتب ابن سينا و الغزالي و السهروردي وغيرهم ليس لهم دليل على النبوة إلا المنامات.
الفرق بين الجدل المنطقي و الجدل الأصولي:
نعم ينطبق هذا الفصل بين الجدل و المنطق على الجدل الأرسطي لا على الجدل بمعناه العام، إذ الجدل في المنطق الصوري هو صناعة تلمس المعرفة أو فحص المعرفة و يستعمله المناطقة كمساعد على اكتشاف المبادئ المشتركة للعلوم أو البديهيات لا سيما مبدأ التناقض، الذي يقرره الجدل عن طريق إبطال الاحتمالات الوهمية.
أما الجدل عند المسلمين فهو غير خاضع لهذا التعريف، فالمقصود منه ليس مجرد إقناع الخصم ولو بالمقدمات الوهمية و الباطلة،فهذا جدل شيطاني، بل لإقرار الحق للخصم المعاند بالمقدمات التي يسلم بها، وهو قد يسلم بالمقدمات الظنية و قد يسلم باليقينيات و البديهيات،وحينئ ذ يكون يقيني برهاني.
وتوقيف التصور على البرهان بقولهم الحقائق لا تعلم إلا بالبرهان باطل و خطأ إذ التصور يسبق التصديق.
إن حصر العلم في المعنى العام الذي هو الكلي و الماهية و الذي يمثل عمود المنطق الصوري هو ما جعل هذا العلم عقلانيا بإطلاق بعيدا عن الواقع و معلوم ان الحقيقة يمثلها الواقع، والواقع هو الفرد و الجزء وعليه لزم أن التصورات الجزئية هي موضوع العلم عندما نقوم بربطها ببعضها البعض للحصول على صورة للواقع الحقيقي الوحيد الذي هو واقع الأفراد،فحقيقة الإنسان ليست الإنسانية التي يتصورها العقل في المنطق الصوري كماهية فيخرج علينا بحكم وتعريف هو أن الإنسان هو كل حي متحرك بإرادة بل هي الإنسان في الواقع بكل صفاته الذاتية اللازمة و العرضية اللازمة وغير اللازمة.
إن المنطق الصوري هو عمل تحضيري لعلم الميتافيزياء اهتم بالمضمون الذهني للتصور حتى اصرف في الاستدلالات الصورية الصرفة و المحضة يتردى في الآلية الصرفة و يتيه في ممحاكات سخيفة وينتهي إلى الاستدلال الفارغ من كل مضمون،فتجريد التصور من مضمونه الواقعي بإلغاء صفات الأفراد الموجودة في الواقع أثقل المنطق بتعقيدات لا طائل وراءها وجعله ضربا من الجهل والضلال لا يليق بمن تشبع بنور النبوة أن يعظمه و لا أن يظن به خيرا.
إن المنطق الذي يعتقد بعض المسلمين خطا ووهما أنه يمكن تجريده من مصطلحاته الميتافيزيقية كالهيولي هو نفسه ميتافيزيقي إذ ليس هو إلا فلسفة للصورة و للتصور منظورا إليها من جانبها الكيفي، فإن واضعه الأول قسم الوجود إلى عالم الصور و المثال و العقل، وعالم المادة و الحس.
شكلية المنطق:
المنطق في حقيقته لا ينظر إلى الفكر من حيث هو عملية الفكر بل من حيث هو نتاج الفكر فهو لا يعالج التصور و الحكم و الاستدلال بل التصورات و الأحكام و الاستدلالات وهو لا يقدر على غير ذلك،بمعنى لا يهتم بمادة الفكر او العلم ولكن بصورة الفكر و العلم أي بشكله لا بموضوعه، و لذلك يفرق المناطقة بين الحقيقة المنطقية و الحقيقة الضرورية، و إذا كان المنطق بهذه الصورة بحيث صار لا يعالج التصور و الحكم و الاستدلال بل التصورات و الأحكام و الاستدلالات وجب الفصل بين الضرورة المنطقية و الضرورة العلية بين الحقيقة المنطقية الخاصة بالإمكان الذهني التي تجري في عالم مثالي بحيث تثبت لنا الإنسانية و بين الحقيقة الطبيعية الخاصة بالموجود خارج الذهن والتي لا توجد فيها الإنسانية بل الإنسان بكل مميزاته و خصائصه.
إن الحقيقة المنطقية عديمة التأثير على العمليات الفكرية الواقعية ولذلك استغنت العلوم عن المنطق ولم تعمل بأي مبادئه ومع ذلك أنتجت علما و أدركت حقائق لأنها علوم لا تكترث بالصواب و الخطأ المثالي أو التجريدي بل بالصواب و الخطأ في الواقع.
فالمنطق علم صوري بحثا فهو علم تطابق الفكر مع نفسه بقطع النظر عن التجربة و الواقع فقط الاستناد إلى مبدأ التناقض لا غير،بحيث أن التصورات و الاستدلالات و القضايا تثبت نفسها بمجرد فعل قوانين العقل الذي قررها و بدون اهتمام بشيء آخر عدا اجتناب التناقض، وهو بذلك يجتنب كل ما يتعلق بمادة المعرفة ولا يأخذ بعين الاعتبار إلا الصورة المشتركة الكلية فهو لا يهتم بالوجود الواقعي بل فقط بالوجود الذهني و بالعلاقات التي تظهر تحت شروط الفكر و يتحكم فيها الفكر أي ليست خارجة عن سيطرته أو تصوره، ففي المنطق كل ما ليس متناقضا هو صادق.
و يمكن أن نقول: إن علم المنطق هو علم الممكن من حيث هو ممكن أو هو العلم الذي يأخذ بعين الاعتبار صورة الفكر دون مادته.
و المنطق الصوري منطق يدور بين المنطق الخالص و المنطق التطبيقي، أن التصور الذي هو وعي العقل للوحدة ضمن التمثلات الحسية والذي هو في المنطق الصوري محور الحكم و الاستدلال لا وجود له، فالصور الجزئية التي هي تعبير مباشر وفوري عن الواقع الشخصي هي التي يمكن أن تتكون و أن تترابط ، وعلى هذا يكون المنطق اسميا مثل منطق الرواقيين، فكل قضية وكل استدلال سواء أكان استنتاجيا أو استقرائيا يؤولان إلى مجرد استنباطات من الجزئي إلى الجزئي، تؤل بدورها إلى ترابط بين تمثلات، و إذا كان هذا المنطق اسميا فيكون كذلك واقعيا ليس بمعنى أرسطو يبحث عن إدراك الماهية بل لأن موضوعه الأشياء و الظواهر الشخصية التي هي وحدها الظواهر الواقعية من الناحية الذاتية ولذلك يسمي ستوارت مل منطقه بمنطق الصدق في مقابل المنطق الصوري الذي هو منطق اللزوم.
و إذا كان كل استدلال يرتد إلى استنباط ينصب على الجزئي يصبح المنطق الصوري في صورته القياسية بلا موضوع ما دامت القضايا الكلية غير موجودة،وهنا يفارق ستوارت مل المنطق الاستقرائي الذي ينطق من الوقائع لكي يرتفع بتجمع الاستنباطات الجزئية إلى قوانين عمومها عموم تجريبي و ضامنها مبدأ العلية الكلية متكون هو في ذاته من التجربة.فالمنطق التجريبي نوعان : المنطق الاسمي الواقعي، و المنطق الاستقرائي.
تعريف المنطق:
المنطق الأرسطي : العلم موضوعه التصور و المعنى العام و الكلي فموضوع العلم هو العام و الواقعي هو الفرد فقط فلا يوجد العام إلا في الجزئي و لذلك ينبغي تفسير المثال تفسيرا مفهوميا فيجب على العلم أن يطلب الماهية أي مجموع الصفات الضرورية للفرد ولا تعود كلية المعنى إلا نتيجة لضرورته و دليلا عليها و يحل تعريف الشيء القائم على الماهية محل التصنيف الذي يتوصل إليه المنطق الجدلي منطق أفلاطون الذي يعمل بالتفسير الماصدقي.
فائدة المنطق عند أصحابه:
قال ابن سينا في كتاب"المنطق"{203/1}:"وقصدنا الأول وبالذات في صناعة المنطق هو: معرفة القياسات، والقسم الناظر منها في القياسات البرهانية. ومنفعة ذلك لنا هي، التوصل بهذه الآلة إلى اكتساب العلوم البرهانية. وقصدنا الثاني: معرفة أصناف القياسات الآخرى، فبعضها ينفعنا بالارتياض فيها، والتخلص الى العلوم البرهانية، كالجدليات، ولها منافع أخرى؛ وبعضها ينفعنا العلم بها في التحرز عنها عند ابتغاء العلوم البرهانية، كالسوفسطائية؛ وبعضها ينفعنا في مصالح المدينة، ونظام المشاركة، كالخطابة والشعر. وجميع هذه كالمشتركة إما بالفعل، وإما بالقوة، في هيئة القياس وصورته. وأكثر اختلافها في موادها."
يقصد ابن سينا أن الغرض الأقصى من صناعة المنطق هو الوصول إلى القياس البرهاني ، الوسيلة الوحيدة عندهم التي تفيد علما يقينيا و بالتالي التوصل إلى حقائق الأشياء،وما سوى ذلك لإما غرضه التمهيد لنظرية البرهان أو الاحتراز من الوقوع في أنواع القياسات التي لا تفيد علما يقينيا او معرفة الصناعة الأدبية من الخطابة و الشعر و ما ينفع في تدبير المدن و السياسة.
وقال الفارابي في"اللفاظ المستعملة في المنطق"{23/1}:" والمقصود الأعظم من صناعة المنطق هو الوقوف على البراهين. وسائر أصناف المقاييس إذا عرفت وتميزت عند الإنسان عن البراهين وقف بتلك على ما ينبغي أن يستعمله إذا قصد الاعتقاد الحق، وما ينبغي أن يتجنبه."
قلت: كانت نظرية أرسطو في القياس عمل تحضيري لنظرية العلم و البرهان.
إذا قدر بعض الناس كابن سينا و الغزالي[2] و غيرهم أن المنطق هو علم الشروط العليا للصادق و الصدق المعرفي لأنه أداة عصمة العقل من الزلل، وقد تبينا من خلال هذا البحث أن المنطق الصوري لا يكفي نفسه بنفسه و انه محتاج دائما أن يطبق على شيء و أن يكون معلوما من اجل العلم الفلسفي فهو غير خارج عن أصول الفلسفة ومعمول لتبرير هذه الأصول،فنظرية القياس فيه ليست سوى عمل تمهيدي لنظرية البرهان و العلم الموجودة في التحليلات الخيرة عند أرسطو و التي الغرض منها تبرير فلسفة أرسطو في الوجود وتقسيمه إلى مادة وصورة وجعل منتهى العلم غدراك العلة الأولى ، و إذا عجزت فلسفة أرسطو و أفلاطون عن تبرير صدور الكثرة عن الواحد المحض البسيط وعجزت عن تبرير و شرح الاتصال بين عالم الوجود الحسي و عالم المثل عند أفلاطون و عالم العقل عند أرسطو رغم أن الإسنكدرانييين أسعفوها بنظرية الفيض و الصدور لزم أن المنطق المعلوم لعصمة العقل من الزلل وليكونه معارف صادقة في أعلى شروط الصدق قد اخفق هو الآخر و بالتالي كان عقيما في أخص خصائصه لا يولد علما متساوقا مع فطرة الإنسان خال من التناقض وهو علم يزعم له الخلو من التناقض.
لماذا نحن في غنية عن القياس المنطقي:
الطريق الطبيعي و الفطري لتحصيل المعارف هو الاستدلال المبني على الترابط بين العلة و المعلول، و الاستدلال القياسي هو استدلال طبيعي فطريته تغني عن اكتسابه بالتعلم، فالمنطق الصوري الصناعي ليس سوى تعقيد لمنطق طبيعي هو أوضح منه و أدل على مسالك التفكير.
إن المنطق الصوري ليس مفاهيم ثابتة وصائبة نهائيا بل هو قابل للنقد في كل جزئياته فلو كان المنطق ذاك العلم الذي يسير العمل العقلي بشكل منظم وبدون خطأ لما اختلف من يستعمله فيما بينهم وفي كل شيء و بذلك يتبين انه لا يعصم من الخطأ و التناقض ، و إذا كان المنطق عند واضعه الأول هو دراسة قوانين الفكر المجرد من كل مضمون بحيث يعالج القياس من حيث هو قياس ولذلك يسمى بالمنطق الصوري بينما علم المناهج هو علم مطابقة الفكر لموضوعاته وهو يشمل مجموع المناهج و الطرق التي يمكن تطبيقها على العلوم الخاصة سواء أكانت عقلية أو تجريبية لم يعد الناس بحاجة إلى المنطق الصوري بشكله المعهود إلا ما استبطن من منطق فطري.
فالمنطق الصوري هو علم مطابقة الفكر لذاته لا علم استنباط العلم أو هو علم اللزوم أو علم الصدق الصوري أو علم الممكن و اللزوم الضروري فهو منتج بمقتضى الصورة بقطع النظر عن المضمون حيث أنه ينطلق من تصورات خالية من التناقض بتجريد الأشياء و تمثلها في الذهن وهذا ما يسميه الماهية و العام.
فإذا لم يكن الممكن مطابقا للواقع ولم يكن التصور مطابقا للحقيقة كما في المباحث الدينية فإنه الله ليس كمثله شيء سبحانه فكيف يجعل مقدمة أو نتيجة لقياس شمول أو قياس تمثيل، ومن جهة كونه علم اللزوم الضروري أي علم تمييز الأحكام التحليلية التي يستبطن محملوها مفهوم الموضوع كقولك: المثلث مضلع ذو ثلاثة أضلاع،ومن هنا يفارق الأحكام التركيبية التي يحتوي موضوعها على المحمول بالمفهوم مثل: الجبال عالية،فالمنطق الصوري لا يعالج إلا الأحكام التحليلية التي تعبر عن العلاقة بين المحمول و الموضوع إذ المحمول محتوى في الموضوع،
لماذا لا يمكن أن نجرد المنطق من خلفيته الميتافيزيقية:
لابد ان نعلم أن الفلسفة هي التي انجبت المنطق و ليس العكس، وبالتالي هو نتاج نظر فلسفي، ومعلوم ان الفلسفة كما قال ابن سينا"المنطق"{2/1}:" إنَّ الغرضَ في الفلسفة أنْ يُوقَفَ على حقائِق الأشياءِ كلِّها على قدر مايمكن الإنسان أن يقف عليه[3]. والأشياء الموجودةُ إما أشياء موجودةٌ ليس وجودُها باختيارنا وفِعُلِنا، وإما أشياء وجودها باختيارنا وفعلنا. ومعرفة الامور التي من القسم الأول تسمى فلسفةً نظرية، ومعرفة الأمور التي من القسم الثاني تسمى فلسفةً عملية. والفلسفة النظرية إنما الغاية فيها تكميل النفس بأن تعلم فقط، والفلسفة العملية إنما الغاية فيها تكميل النفس، لا بأن تعلم فقط، بل بأن تعلم ما يُعْمَل به فتَعْمَل. فالنظريةُ غايَتُها اعتقادُ رأىٍ ليس بعمل، والعملية غايَتُها معرفة رأى هو في عمل، فالنظرية أوْلى بأن تُنْسب إلى الرأى."
يقصد ابن سينا ان الفلسفة النظرية هي المتعلقة بالإلهايات و العملية هي المتعلقة بالأخلاق و السياسة و غيرها،و المنطق إنما وضع لإدراك الحقائق المتعلقة بالفلسفة النظرية.
فهذا المنطق علم يجري استنتاجاته وفقا لقوانين العقل الذي يعمل به وهو عقل وثني عميق في الميتافيزيقا اليونانية بل أي عقل آخر كيف له أن يضع قوانين توجب لله هذا و تمنع عنه ذاك؟
يعتبر كنط المنطق علما صوريا صرفا لا يبالي بمضمون التصورات، فالفكرة الصادقة هي التي لا تتضمن تناقضا، وقد وضع كنط إلى جانب المنطق الصوري منطقا آخر يسميه" منطق متعال" كما في كتابه" نقد العقل الخالص" وفي هذا المنطق يثبت وجود تصورات أو مقولات للفهم بإمكانها أن ترتبط قبليا و أن تتعلق قبليّا بموضوعات،فهو يعمل على تحديد أصل للمعرفة الخالصة بهذه الطريقة وعلى تحديد مداها و قيمتها،فالمنطق المتعالي صوري نوعا ما من حيث هو يدرس المقولات القبلية و لكنه يدرسها في مقابل مادة المعرفة المتكونة من العناصر التجريبية.
ويقابل كنط التحليلات الصورية بالجدل الذي هو منطق الظاهر بحيث يعالج المعرفة التي نعتقد أننا نحصل عليها عندما نطبق على عالم " النومينات" "أفكار العقل الخالص" التي هي: الروح و العالم و الإله.
فهذه المعرفة في نظر كنط معرفة وهمية،وذلك لأن أفكار العقل الخالص ليست سوى القواعد التي تقود التفكير الذاتي و التي تبين قدرته على التركيب و قد تولدت من هذا الاستعمال غير المشروع"نقائض العقل الخالص" التي تثير أيضا قضاياه و نقائضها صعوبات لا حل لها.
بمعنى أن امتداد المنطق الميتافيزيائي لا يمكن التخلص منه أولا فمنبعه تأملات ميتافيزيائية ونهايته ميتافيزيائية بدون حل.
إن المنطق والميتافيزيقا شيء واحد كما يقول ذلك الرواقيون، فهو لا يدرس الادراكات الحسية كما تفعل الهندسة في تمثلات مجردة مستمدة من الحواس ، وإنما هو يبحث في تجريدات خالصة ،وهو صعب لأنه يتطلب مقدرة ومهارة على الانسحاب إلى الفكر الخالص والمحافظة على البقاء فيه ، أقصد بالفكر الخالص الفكر المجرد عن كل المحسوسات .
فالمنطق بهذا الاعتبار تفكير مستحيل ،فكيف لرجل أن يتصور في ذهنه إنسانا مجردا عن كل المحسوسات ، كيف له أن يضع إنسانا وسط العدم لينظر إليه محاطا بالعدم ؟ هذا جهل ألبس صورة الفكر والمعرفة.
و إذا كان المنطق هو الأداة للبحث عن الحقيقة، فإن الدين هو الحقيقة فما لم ينته المنطق إلى طلب الدين و أخبار الأنبياء علمنا أنه أداة للضياع والجهل.
لماذا لا يصلح المنطق في العلم الإلهي:
إن علم المنطق هو علم الكلي و الكليات و قال أرسطو أن العلم موضوعه التصور و المعنى العام و الكلي، لذلك كانت قواعده تجري في عالم مثالي هو العالم الذهني وهذه القواعد عديمة التأثير على العمليات الفكرية الواقعية لأنها لا تفرق بين الحقيقة المنطقية التي هي حقيقة ذهنية و بين الحقيقة الطبيعية التي هي حقيقة واقعية ، ولا تفصل بين الضرورة المنطقية التي همها إرجاع العلل إلى العلة الأولى بناء على تصور أرسطو للوجود وبين الضرورة العلية التي لا تغفل العلل الثانوية والتي هي مناط التجربة و الحس،فالحد الوسط في المنطق الصوري الذي هو العلة و هو الماهية و هو الكلي يمثل العلة الساكنة أو العلاقة السكونية بين الجناس و الأنواع، لان الماهية لا تستخلص إلا من الصفات الساكنة في كل جنس ونوع و تغفل الصفات المتحركة التي هي عندهما عرضية غير ذاتية ومعلوم أن العلل الثانوية علل متحركة هي مناط التأثير والحكم الحقيقي بمعنى الواقعي لا العلاقات الساكنة.
ومعلوم أن الوجود متحرك غير ساكن فالأولى به العلل المتحركة لا الساكنة، و إذا جاز أن نقول إن الحد الأوسط و إن كان هو العلة و يمثل الجانب التجريبي في المنطق الصوري إذ لا يستخلص الحد الوسط إلا من الحس وهذا يعطينا قيمة التجربة الحسية في بناء المعرفة التي لم يتركها أرسطو تنطلق إلى وجهتها حتى جاء المنطق التجريبي ومنطق الاستقراء لان المنطق وقياسه بقي رغم تجريبية الحد الوسط بقي مرتبطا بمتيافزياء الوجود التي هو أداتها رغم انف المتكلمين فهو في الحقيقة منهجية موضوعة لعلم الطبيعة وهنا لا يجب أن نقف بل نستمر لنقول: علم الطبيعة الذي هو أساس و أصل علم ما وراء الطبيعة عند أرسطو.
فأرسطو يرى أن الطبيعة كلها في متناول العقل باستثناء المصادفات و لذلك عجز عن تبرير الاتصال بين عالم المادة و الصورة وعدم العقل وهذا يناقض مقولته هذه.
و إذا زعم أرسطو أن تفسيرها بالاستنتاج ممكن فقد تبين لنا بعده أنه عجز كل من سلك منطقه عن تفسير ظواهرها حتى جاء منطق الاستقراء ، فالقياس هو الأداة الضرورية للعلم المشائي ونحن لا نناقش هذا ولكن نناقش هل العلم المشائي في شقه الطبيعي و الميتافيزيائي علم صادق خال من التناقض أو علم انتهى أتباعه إلى اليأس منه و الاكتفاء بدراسة النبات و الحيوان، كما بينته في مقدمة المراحل الفلسفة.
3 ـ من معلوم لكل قارئ يقرا أقسام العلوم عند الفلاسفة و مقدمتهم في المنطق أنهم جعلوه علما يكتسي طابعا وثوقيا ذهنيا ثم يتبين أن القائلين به لم يتفقوا على شيء واحد مما ينتجه هذا المنطق عند ممارسته في المعرفة ، نعم قد يكونون متوافقين عليه في إطاره النظري أو قل متوافقين على المنطق اللفظي منه أما عند إعماله لم نجدهم متفقين على شيء حتى المقولات أو المحمولات اختلفوا فيها زيادة و نقصا وهذا يدل على عقمه .
4 ـ إن المنطق الصوري في جوهره يمثل فلسفة للصورة و التصور في الجانب الكيفي في حين أن العلم الحديث أصبح كميا ورياضيا وهذا هو السبب في نجاحه و إخفاق المنطق الصوري.
من المعلوم إن إمكان التصور هو صلاحيته الميتافيزيائية للوجود،فالموجود ات المنطقية إنما ينظر إليها من حيث هي ممكنات سيان وجودها بالفعل و عدمها،بل يمكن أن تكون موجودات ذهنية أو تعبيرا عن مجرد نفي"العدم" وهذا هو العقم بعينه.
إشكالية التصور الفلسفي:
إن المنهج المعرفي في الفلسفة يعتمد على مبدأ تعليق المعارف والأفكار الموجودة ولو كانت حقا قام عليه الوجود شاهدا،فالفيلسوف لا يسلم بما هو موجود حتى يثبت هو بعقله أنه موجود ، ولو جاز لنا التعبير عن هذا الموضوع لقلنا : إن الموجود بالنسبة للفلسفة لا يكون موجودا حتى تثبت الفلسفة انه موجود ،ومع ذلك نقول:إذا لم تستطع الفلسفة إثبات وجوده وهو مع ذلك موجود وعرفنا وجوده بما رفضت الفلسفة استعماله من طرق المعرفة النبوية والفطرية الضرورية ،أفيكون الخلل في الموجود أم في منهجها في المعرفة؟
فإذا كان الذهن المفكر لا يرتفع إلى المعرفة إلا بتكوين أفكار شاملة هي تمثلات ذهنية ، كان هذا افتراض للوجود الذهني ، ومعلوم بالاتفاق وببداهة العقول أن وجود الأشياء لا يفتقر إلى وجودها في الأذهان.
وعليه كان وجود الموجودات في الفلسفة وجودا ذهنيا لا حقيقة له في الواقع ، فثبت إذن الشك في قدرة الذهن على إثبات الحق الموجود بكل صفات وجوده كما يثبته الأنبياء إلها موصوفا بصفات الكمال .
وبهذا تعرف أن التصور لم يكن ولن يكون مناط لمعرفة الحق الموجود فلم تبق إلا الضروريات وأخبار الصادقين و هي عند الأنبياء و أتباعهم.
الفلسفة ـ كما عند هيجل ـ فكر ثان أو لاحق أو تال ، وهو يقصد أن هناك فكرا أولا، هو الذي يكون في حياة الناس اليومية ، والفلسفة تدرس هذا الفكر وتستخلص منه فكرا ثان ، فالفلسفة تأتي متأخرة بعد أن تكون الحياة قد دبت بين الناس بالفعل ، فلا تظهر الفلسفة حتى يكتمل بناء الواقع ، وهكذا كان في التاريخ البشري لم تظهر حتى عرف الناس كل الحقائق المتعلقة بوجودهم ومصيرهم فظهرت متأخرة بعد عصر موسى عليه السلام .
و إذا كانت الفلسفة فكرا ثان فتصورها للأشياء تصور ثان،ولذلك لم تستطع التخلص من إشكالية الدور في التعريف فإذا كان الحاد للشيء لا يحده إلا بمعرفة سابقة للحد قد تكون مجملة تعقبها بواسطة الحد معرفة أكثر تفصيلا منها،علمنا أن عملية التحديد التي يجريها الفيلسوف هي عملية استثمار للمعرفة المجلة يبقى الإشكال هو ان المعرفة المجملة هي الفكر الأول و المعرفة التي تعقب التحديد المنطقي فكر ثان،ولم تبرهن الفلسفة أن الفكر الثاني أحسن و أصدق من الفكر الأول في كل ما ادعته،فهاهنا قضيتان:
1 ـ ليس التحديد وحده من طرق التعريف و التمييز،مادام مسبوقا بمعرفة وهذه المعرفة أنتجت معارفا منها المنطق، بينما بقي المنطق عقيما لا ينتج معرفة ملموسة بحيث أننا وجدنا المعارف المنطقية عند ممارسة المعرفة تصطدم دائما بالمعارف الحسية و التجريبية وتصير مجرد نظرية لها نوعا من القوة و الوجود ما دامت في إطار التجريد الذهني.
2 ـ التحديد هو وصف اصطلاحي لعملية فكرية فطرية،فمن المتفق عليه بين العقلاء أن الإنسان يمكنه أن يفكر بدون المنطق ، تماما كما يمكنه أن يبصر دون أن يدرس البصريات ، فإذا كان تفكيره بعد دراسة المنطق لا يعدو القدرة على التصنيف والمقابلة لم يكن في هذا أي مدح للمنطق ، فلإن قدرة الإنسان على الإبصار دون أن يدرس البصريات لا تتغير بعد أن يدرسها .
الفرق بين التصور الفطري عند المسلم والتصور المنطقي :
إذا كان التصور هو الفكر بارتسام الصور في الذهن مجردة عن المحسوسات ، و كان الحسي هو الجزئي المفرد في الخارج ،كان تصور الحسي هو عرض هذه الأجزاء مصفوفة إلى بعضها البعض لاستخلاص كلياتها ، فهذه الكليات كليات لحسيات هي جزئيات وأفراد ، وهذه الكليات بالتالي هي الكليات الحق التي لابد منها في كل علم ، ومن دونها يكون العلم ضربا من التخييل ،وهي القواعد المستخلصة بالفكر الاستقرائي.
ومع ذلك نقول: إن هذا التصور الذي تنتج عنه هذه الكليات تصور حسي ، وهناك التصور المعنوي ،مثل تصور الدين والأخلاق والعقائد ، وإن لم يكن هذا التصور فكرا بارتسام الصور الحسية ، فإنه فكر بارتسام المعاني الحسية وليس الصور الحسية ، لأنه وإن لم يكن الحياء والتقوى والصبر والتوكل صورا حسية فإنها إحساسات ومشاعر ، فالحس إما يكون خارجيا ظاهريا و غما يكون داخليا باطنيا وهذه من قسم المحسوسات الباطنية وهي المشاعر والأحاسيس، التي يأخذها المفكر من نفسه وباطنه لينظر فيها في ذهنه ، فلا العقل البشري لم يزود فقط لتصور المادة و إنما زود ليتصور المعاني أكثر من تزوده لتصور المادة .
أما الكليات عند الفلاسفة فهي نابعة من تجريد الأشياء من كل وجود حسي خارجي وباطني ، فهي كليات لا حقيقة لها، لأنها كليات لأشياء لا وجود لها في الواقع المحسوس ظاهرا وباطنا، فلا يوجد في الواقع إنسان من حيث هو إنسان ، وإنما يوجد إنسان ليس هو الملك ولا هو الشيطان ولا هو الحيوان ولا هو النبات ولا هو الجماد ولا هو الهواء ولا هو أي شيءمن الأشياء الموجودة معه والتي لا يسميها أغبى الناس إنسانا،
إن كليات الفلاسفة ومن اتبعهم من المتكلمين تصور قاصر للموجود.
فقوة افنسان الشعور والاعتقاد والإدراك ، فما شعر به بحسه الباطن أو بحسه الخارج كان موجودا في الخارج فهو بالتالي تصور صحيح ، وما اعتقده وطابق اعتقاده كان اعتقاده اعتقادا صحيحا ، وما أدركه على ماهو عليه كان موجودا فالإنسان لا يدرك ولا يحس بالمعدوم ، نعم قد يدرك ذهنيا مالا وجود له في الخارج ولكن ليس هذا إحساسا،فإن كانت كليات الفلاسفة لا شعور فيها ،ولا غدراك لموجود محسوس لم تكن صورتها في عقل افنسان إلا وهما وخيالا ، ولم تكن في الحقيقة إلا كذبا وزورا.
فأي فكر يصدر عن الإنسان لا ينبع من شعوره وإدراكه و اعتقاده الموافق للفطرة والضرورة فهو فكر يمكن أن نقول عنه إنه جنون مرصوص أو منضود أو الجنون المعقلن إذا صح التعبير.
إن كليات المسلم أن الله هو الخالق البارئ المصور الرازق الغفور الحليم المحي المميت الجبار العلي المستكبر القيوم ، وكليات الفيلسوف أن الله هو الله لأنه لا يعدو أن يقول : إن الله هو العلة الأولى ، أو المحرك الأول ومع ذلك يبقى اسم الله أكثر دلالة و أعمق تأثيرا في النفس من أن نقول عنه هو العلة الأولى أو واجب الوجود .
فالفيلسوف الحق عنده إن عرفه هو الحق بمعنى الحق من حيث هو الحق هو الوجود المطلق والعقل الكلي ، بينما الحق عند المسلم هو الإله الخالق الرازق التواب الشديد العقاب المستحق للعبادة وحده لا شريك له .
إن معرفة المسلم بربه معرفة ترتبط ارتباطا وثيقا بمعرفته بالجنة والنار والحشر والعقاب والموت وعذاب القبر والحسنة والسيئة ، بينما معرفة الفيلسوف بالله سبحانه ليست مرتبطة إلا بالوجود كوجود، ولذلك لا يترتب عن علمهم أي عمل.
إن الفرق بين تصور الفيلسوف وعلمه وتصور المسلم وعلمه ، هو أن تصور وعلم الفيلسوف مجرد ترتيب لصور جوار بعضها البعض باتصال غير مؤثر ، فما يفصل المقدمة الأولى عن المقدمة الثانية مجرد حرف الواو ، بينما علم المسلم السني هو ربط العلاقة بين الكلي والجزئي ، بين السبب والنتيجة ، بين العلم والعمل، بين العمل والجزاء .

علم المنطق ثلاثة أشياء:
ينقسم المنطق إلا ثلاثة أقسام: نظرية التصور والحد و نظرية الحكم و القضية و نظرية الاستدلال الذي يعبر عنه في الغالب بالقياس.

[1] ـ


[2] ـ قال الغزالي في" معيار العلم"{53/1}:" وموضوع المنطق تمييز المعقولات وتلخيص المعاني".
قلت:


[3] ـ يعرف الفارابي الفلسفة بأنها العلم بالموجودات بما هي موجودة، و يعرفها ابن سينا في"الشفا" حيث يقول: موضوع العلم الإلهي الوجود المطلق،و منه أخذه الجرجاني في" التعريفات" عندما قال: هي العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه،وكذلك قال ابن خلدون في "المقدمة":علم الإلهيات علم ينظر في الوجود المطلق".
وهذه العبارات كما ترى أخذت من كتاب أرسطو "ما بعد الطبيعة" من المقالة الأولى.
2 ـ ولو نظرنا في قول الغزالي :"ليس بالإمكان أكثر مما كان" ثم نظرنا في قول أفلاطون و أرسطو: إن بداية الفلسفة التعجب ومنتهاها عدم التعجب،حيث يتحقق الإنسان أن الوجود لا يمكن أن يكون على غير ما هو عليه علمنا مأخذ الغزالي وكيف أن المتكلمين دخلوا في الفلسفة ولم يستطيعوا الخروج منها.
و الفلسفة منذ أن وجدت لم تنقطع عن مهاجمة الدين ، فأنكرت عقائد راسخة في الملل ، لأنها مهما ادعت لنفسها من فكر وعقلانية ومعرفة فإنها عجزت عن إنجاز ما أخذت على عاتقها وهو إسعاد البشر في الدنيا والآخرة، إن الدين الذي جاء به الأنبياء دين متكامل يدبر شؤون الحياة في جميع نواحيها بينما الفلسفة لا دين فيها ولا حقيقة ، إلا أن لهذا العالم محرك أول ، أو علة أولى ،و أحمق بني البشر يفرق بين هذا وبين الدين ،ولا يعد هذا معرفة بالله بله أن يعده دينا. .
و إذا كان الأمر كذلك فحتى الدين في أقصى ما يدعيه في معرفة الباري يقر بجهل كيفية صفاته فيأتي المنطق بجملة معارف سلبية تصب كلها في إثبات الكيف للباري،لأن معرفة كيفية الشيء إما بإثبات خصائصه أو نفيها لا فرق في ذلك.
يقول أهل الإسلام من أهل السنة والحديث : إن إثبات الله إثبات وجود لا إثبات تكييف ، فهم يعرفون الله ، ويعرفونه بأسمائه و صفاته ، لكن لا يعرفون كيفية ذاته ،فإذا كانت الحقيقة المطلقة عند الفلاسفة هو الله ، وكانت معرفتنا بالله معرفة ظاهرية ، لكن ظاهريتها لا تتنافى وكونها معرفة عميقة ، لأنها أولا معرفة فطرية غريزية ضرورية ، فهي كامن في أعماق النفس الإنسانية ، فليس كل ماهو ظاهري يكون سطحيا ثانويا مهملا مادام يفي بغرض التعريف و التمييز ، فالاعتبار يتعلق بالمعروف ،فمعرفة الإنسان غير معرفة الله ، فميزة الإنسان أنه محدد مخلوق مفتقر قابل للعدم والفناء يمكن أن تحيط به المعرفة ، بينما الأول والأخر الكبير المتعال فإن من لوازم ذاته عدم مماثلتها لشيء للمخلوقات ، فلا يحيطون به علما ، فإذا عدم معرفة كيفية ذاته من لوازم إلهيته فلا تنافي بين كون معرفتنا به لا تتوقف على معرفتنا بكيفية ذاته .
إن معرفة المسلمين بربهم ليست معرفة عقلية فلسفية ، إنها معرفة مقتبسة عن الأنبياء فهي معرفة مستمدة منه سبحانه ، ولذلك اتسمت معرفة المسلمين بربهم بمعرفة صفاته و أسمائه ، لأن العقل إذا أدرك أن الله مبدع خالق قوي عليم عزيز لا يستطيع أن يدرك أنه مستو على عرشه و ينزل في كل ليلة ، فمن صفات الله ما يدرك بالعقل ، ومنها ما لا طريق إلى معرفته إلا السمع .
لقد شعر الفلاسفة أن الله الذي أحسن صور خلقه ، وهداهم لأكمل المعارف في معاشهم، لا يتركهم بدون حبل منه يصلهم به فيعرفونه ، ويعرفون مصيرهم عنده ، فقال هيجل : وتبدأ الشكوك تظهر حول ما إذا كان يمكن أن يكون هناك جسر بين المتناهي واللامتناهي ، ولكن كبرهم الفلسفي منعهم من اللجوء إلى الأنبياء والنظر فيما عندهم ، وهذا حال المبطلين لا يكترثون بالحقيقة التي يصلون إليها لأنهم غرقوا في الوسيلة وصارت غاية عندهم لغرورهم بذاتهم .
وعليه فثقة الإنسان في قدرته الخاصة على معرفة الحقائق باستقلال عن تعليم الله بواسطة الأنبياء ليست إلا اعتقادا فاسدا ، ظهر فساده بتناقض الفلاسفة في جميع المسائل بدون استثناء،لم يتفقوا على شيء واحد حتى في أصول الطبيعيات ولزمتهم الحيرة في أواخر أعمارهم فانتهوا إن نوع من التصوف.
إشكالية التصور المنطقي في مبحث الإلهيات:
المحمولات في علم المنطق ليست سوى صيغ محدودة للفهم تفرض حدا للحقيقة بدلا من أن تعبر عنها ، والذهن الإنساني يشعر شعورا فطريا بأن المحمولات التي موضوعها الله أو الغيب تخفق في استيعاب الموضوع فمما لا شك فيه أن كل ما يتصوره الإنسان محدود إلا الله فإنه لا يمكنه تصوره كما يتصور ما سواه.
والفهم الإنساني يجد نفسه في مجاله الفطري عندما يحدد المحدود الطبيعي فهذا نشاطه لأنه لا يعرف من الصور إلا ما كان محدودا لكنه يدرك عدم قدرته على التصور إذا كان موضوع التصور هو الله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار ولا تدرك كنهه العقول كما يقول أهل السنة والجماعة .
ولما كان الله ليس كمثله شيء فإن أي قياس منطقي يكون محموله الله تبقى مقدمات هذا القياس منفصلة عن محمولها ومنعزلة لأنها غريبة عن محمولها الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
إن الفلاسفة يسوقون موضوعاتهم على نسق شمولات وإطلاقات وعليه جعلوا الله هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق ،فلهم تصورات شائعة في عقائدهم المنطقية منها يفترضون موضوعاتهم ، فخذ أية قضية تجد المحمول محتاج إلى التصور الشائع ، وهذه التصورات الشائعة تجدها تحتاج إلى تعريف ثابت ودائم وهم لا يعرفون الله ولا يستطيعون التعريف به لاتهم ينفون صفاته وأسمائه فكيف يعرف بدون صفاته و أسمائه ؟وعليه تجد محمولات القياس الفلسفي الكلامي مناطا لكثير من التأويلات التي يتنازعون حولها و ما كان كذلك لم يصلح أن يكون مقدمة القياس.
فالله سبحانه وتعالى ليس قضية جزئية تقع تحت قياس تمثيلي ولا قاعدة كلية يناط بها الحكم في قياس شمولي إنه رب العالمين و مالك يوم الدين ن لا يحيطون بشيء من علمه و سع كرسيه ، كرسيه السموات والأرض.
لا يمكن استبعاد التصور في دراسة الواقع فلكي ننظر في شيء ما يجب أن نكون متصورين له لكنه لا يلزم من ذلك أن يكون للتصور وجود مسبق بالضرورة أو أن يكوّنه العقل بدون مواد من الخارج و الواقع،وعليه فالعلم يكون بالاهتمام بالمضمون الواقعي للتصور لأنه هو المضمون الحقيقي للتصور،فإن تجريد التصور يوقعنا في مكننة الفكر و يتردى بنا في الآلية الصرفة التي لا تنسجم مع نفسية الإنسان و نفسية الفكر،فجرد التصور من كل مضمونه الواقعي يتيه معه الإنسان في مماحكات سخيفة تنتهي به إلى الاستدلال الفارغ من كل مضمون، و إذا كان التصور هو إدراك العقل موضوعه في ماهيته دون إثبات ولا نفي،وقد علمنا أن هذا لا يكون إلا في الذهن فإنه في الخارج لا واسطة بين النفي و الإثبات،ومن هنا لم يكن التصور واقعيا بل كان نظريا بحثا ،ففكرة العلة فطرية في الإنسان كما هوة فطري طلبها و العقل يكون فعالا في إدراكها عند ملاحظة اطراد الوقائع.
وبهذا تعرف أن الاستمرار في تحليل الظواهر الذهنية إلى أقصى حد كما هو في المنطق الصوري يكدر العقل البشري ولا ينتج معرفة ذات قيمة واقعية،و التصور تعتريه أحوال النفس فمن جهة قد يكون مجرد وعي بقضية وقد يكون هو فعل العقل كما في التصور الصوري،و يكون موضوعيا عندهم إذا تكون من الماهية.