التنديد بإنكار شمس الدين بروبي لأقسام التوحيد
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: التنديد بإنكار شمس الدين بروبي لأقسام التوحيد

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المشاركات
    16

    Arrow التنديد بإنكار شمس الدين بروبي لأقسام التوحيد

    بسم الله الرحمان الرحيم

    التنديد بإنكار شمس الدين بروبي لأقسام التوحيد

    الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده، وبعد.
    قال الشيخ شمس الدين بروبي في جريدة العربي العدد 288 من 16 إلــــــى23 أبريل2009 في زاوية مظلمة لإحدى صفحاتها تحت عنوان" :رد خاص عن { العجالة} في تشويه الرسالة..؟" وهو هنا يقصد كتاب الشيخ الفاضل :بن عابدين حنفية:" العجالة في شرح الرسالة" التي شرح فيها رسالة ابن أبي زيد القيرواني المالكي، و بالضبط مقدمته التي تناولت قضايا التوحيد،شرحا رائقا، وافيا بقصد ابن أبي زيد القيرواني، جامعا لشتات المسائل في التوحيد.
    ولما كان الشيخ شمس الدين غارقا في علم الكلام البدعي الذي ذمه أئمة الإسلام لم يعجبه أن يقوم شيخ سني بشرح الرسالة، لا، لأن صاحبها كان متكلما، ولكن لأنه كان مالكيا.
    وقبل أن ندخل معه في مسألة "أقسام التوحيد" التي ينكرها و يتحدى فيها،لابد أن نبين له باختصار شديد عقيدة ابن أبي زيد القيرواني السنية المناقضة لعقيدة شمس الدين بروبي ،و إن اشتركوا في المذهب الفقهي، ثم نخر على إنكاره أقسام التوحيد عند أهل السنة .
    ترجمة ابن أبي زيد القيرواني:
    هو أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني المالكي. ويُقال له: مالك الصغير. قال عنه الذهبي: "الإمام، العلامة، القدوة، الفقيه، عالم أهل المغرب... وكان رحمه الله على طريقة السلف في الأصول، لا يدري الكلام، ولا يتأوّل". توفي سنة 386
    انظر: سير أعلام النبلاء {17/10}، و"شذرات الذهب"{ 3/131}
    قال الشيخ ابن أبي زيد «وأن الإيمان قولُ باللسان وإخلاص بالقلب وعملٌ بالجوارح يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقص الأعمال فيكون فيها النقص وبها الزيادة» ، وهو جار على طريقة السلف من إقرار ظواهر القرآن والسنة ، في الأمور الاعتقادية ولكن وصف الإيمان بالنقص لا داعي إليه لعدم وجود مقتضيه لعدم وصفه بالنقص في القرآن والسنة ولهذا قال مالك الإيمان يزيد ولا ينقص ."التحرير و التنوير" لابن عاشور{75/6}.
    قلت: وفي هذا رد مفحم على الشيخ شمس الدين الذي قال في العربي هذا الأسبوع أن الإيمان هو التصديق فقط، الذي هو مذهب الجهمية، و ليس مذهب أهل السنة و الجماعة، بما فيهم الإمام مالك، فضلا عن النصوص الكثيرة التي سنتحف بها ردنا الخاص بهذه المسألة، إن شاء الله، لنبين من السني ومن المبتدع بالأدلة، لا بالتهويل و التحريف.
    وقال الشيخ العلامة المحدث عبد المحسن بن حمد العباد البدر -حفظه الله-في شرحه لمقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني:
    "رسالة ابن أبي زيد القيرواني، عبد الله بن أبي زيد القيرواني، ت: 386هـ، مطبوعة مع شرحها الثمر الداني في تقريب المعاني، للشيخ صالح بن عبد السميع الآبي الأزهري، طبع: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
    جاء في "سير أعلام النبلاء"{252/16}:"قال عبدالله بن الوليد: سمعت أبا محمد بن أبي زيد يسأل ابن سعدي لما جاء من الشرق: أحضرت مجالس الكلام ؟ قال: مرتين ولم أعد،فأول مجلس جمعوا الفرق من السنة والمبتدعة واليهود والنصارى والمجوس والدهرية، ولكل فرق رئيس يتكلم وينصر مذهبه، فإذا جاء رئيس قام الكل له، فيقول واحد: تناظروا ولا يحتج أحد بكتابه، ولا بنبيه، فإنا لا نصدق بذلك ولا نقر به.
    بل هاتوا العقل والقياس، فلما سمعت هذا لم أعد، ثم قيل لي: ها هنا مجلس آخر للكلام، فذهبت فوجدتهم على مثل سيرة أصحابهم سواء، فجعل ابن أبي زيد يتعجب، وقال: ذهبت العلماء،
    وذهبت حرمة الدين.
    قلت: فنحمد الله على العافية، فلقد جرى على الإسلام في المئة الرابعة بلاء شديد بالدولة العبيدية بالمغرب، وبالدولة البويهية بالمشرق، وبالأعراب القرامطة.
    فالأمر لله تعالى.".
    قلت: فهذه هي عقيدة ابن أبي زيد القيرواني في الصفات كالعلو وفي الأسماء و الأحكام، وهذا هو منهجه في ذم علم الكلام ،فأين هو و أين الشيخ شمس الدين؟!!
    مسألة أقسام التوحيد:
    قال الشيخ شمس الدين :" كنت منذ ثلاث سنوات تحديت الحشوية أن يذكروا لنا آية واحدة قسم الله فيها التوحيد إلى ثلاثة أقسام و تحديتهم أن يذكروا لنا حديثا واحدا قسم فيه النبي صلى الله عليه و سلم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، حديثا واحدا ولو ضعيفا... ولا زال التحدي قائما،ولازلنا ننتظر".
    أقول و بالله أستعين:
    لقد كثر التفاوض حول مسائل الاعتقاد وتطاحنت الفرق و الجماعات فيما بينها حتى أصاب أمتنا ما أصابها من تشتت جهدها و تلاشي قواها وتفكك عرى الألفة و التضامن في ما بين أبنائها ، حتى إن بعض فضلاء أهل العلم من غير السلفيين ممن لهم مساع كبيرة في الدفاع عن الإسلام والمسلمين والوقوف في وجوه أعدائهم من المستشرقين والعلمانيين ودعاة الانحلال ،يعيبون أقرب الناس إلى الحق من أهل السنة والحديث، فيطعنون في طريقتهم ومنهجهم ويصفونهم بالجهل والتقليد و الجمود والتحجر على النصوص و حشو القول،مما تلقوه عن المعتزلة في ثلبهم أهل السنة.
    وحتى يكون كلامنا بعلم وعدل وإنصاف، لابد من سلوك سبيل الموضوعية مع التجرد من الهوى والتعصب، ومن البغي والعدوان، و إن كانت هذه الدعوى قد يزين بها كل كاتب صحفه و كل متحدث مقاله فإن معرفة سبيل المؤمنين المتبعين لسنة نبيهم صلى الله عليه و سلم و تمييزها عن سبيل المبتدعين في دينهم ما ليس منه هو من يعطي هذه الشعارات تزكيتها.
    فمن لم يعرف طريق المنحرفين عن السنة استدلالا و اعتمادا، ولم يعرف خلفية البدع و مصدرها قد يظن في بعض أدلة المبتدعين أنها من سبيل المتبعين.
    فمن أهل العلم من عرف السنة و ميز بين ما يوافقها و ما ينافرها على التفصيل علما وعملا.
    ومنهم من صرف جهده و طاقته إلى معرفة السنة دون ضدها، فهو يعرف ضدها من حيث الجملة والمخالفة، وأن كل ما خالف سبيل المؤمنين من الصحابة فهو باطل وإن لم يتصوره على التفصيل، بل إذا سمع شيئا مما خالف سبيل الصحابة و التابعين لهم بإحسان صرف سمعه عنه، ولم يشغل نفسه بفهمه ومعرفة وجه بطلانه.
    وهكذا من عرف البدع والشرك والباطل وطرقه، حذر منها، ودفعها عن نفسه،وعن أمته ما وسعه الجهد، ولم يدعها تطعن في إيمانه فتورثه الشبه و تدعه شاكا في دلالات النصوص حائرا في مقارنتها بما يعارضها، بل يزداد بمعرفتها بصيرة في الحق ومحبة له.
    ومنهم من عرف البدع مفصلة، والسنة مجملة، وهذا حال كثير ممن اعتنى بمقالات الفرق فعرفها على التفصيل، ولم يعرف ما جاء به الرسول على التفصيل لأنه لم يعتن به، بل عرفه معرفة مجملة وإن فصّلها في بعض الأشياء.
    ومن تأمل كتبهم رأى ذلك واضحا جليا.
    ومسألة إنكار أقسام التوحيد أخذها الشيخ شمس الدين عن بعض الشيعة المعتزلة وهو علوي السقاف فهو من كتب فيها،و الاعتماد على السقاف يورث إشكالات عويصة في الفهم، فإن من يلج مسائل الاعتقاد طالبا للحق و الإنصاف غير من يلجها طالبا إبطال قول خصومه بأي سبب ووسيلة، فالأول يعتمد منهجا علميا معياره الصدق و اعتماد الدليل الصحيح الصريح المعتبر مع الأمانة في نقل مقالات الخصوم و استعراض أدلتهم، لا إهمالها كلية أو عرضها بإيجاز مخل، و الاسترواح عند بسط أدلته هو.
    فالشيخ شمس الدين باعتماده على السقاف ـ سنترجمه بعد قليل ترجمة علمية ـ كان الأولى به أن يدافع عن الحق لا عن مذهب معين، و أن يبحث عن حجج تؤيد الحق لا لتبطل مذهب خصومه وترد عليه إذ كان يرمي إلى الحياد و المناصفة و العدل ،فإن تلفيق النقول و ترتيب الأدلة يعود لقصد المتكلم، و قد يظهر منه أن سياق كلامه يتمتع بنوع من المنطق، ولكننا نعرف أن الحقيقة اكبر من السياق المنطقي المحدود، فالحقيقة تتوقف أولا على النصوص وما ستنبط منها.
    ومتى دخل الرجل مسائل الاعتقاد مشبعا بفكر معين فإنه سيكون حبيس خلفيته الفكرية ولو من غير شعور، و بالتالي تجده حريصا على الإشارة إلى وسائل مغالطة الخصم الذي احكم حجته.
    ولو كان الشيخ شمس الدين حريصا على الدفاع عن مذهب ما مع الموضوعية في الطرح، و التأول للأئمة التأويل الحسن، لكان الأجدر به تتبع مغالطات السقاف فإنه أبعد عن الأشاعرة من السلفيين الذين يتعرض لهم الشيخ في مقالاته.
    ولابد أن نشير إلى أن المؤمن لا يكون كذابا، فمن ثبت عليه الكذب سقط كلية، فإما هو من العوام ممن لا يأنف من الكذب، ولا يعرف مخاطره على الدين، و يريد أن ينتصر لمذهبه بما وقع تحت يديه ،و إما هو رافضي يتلبس بدعوى السنة ليهدها من الداخل، فالرافضة وحدهم هم من يستحل الكذب على الناس، و يعتبره من وسائل الدعوة و نصرة الحق، كما هو معروف عنهم في تسمية النفاق بالتقية، وكون علوي السقاف يكذب على أهل العلم، وفي الدين ثابت عليه في كتبه.
    يبقى على من يحسن الظن به، ممن ينتسب إلى السنة ـ ربما شعورا فقط ـ أن ينظر من أين يأخذ دينه؟ وهل يهمه أمر دينه كما يهمه صيته بين الناس؟ لا أقول أكثر من ذلك، بل نرضى منهم بالمساواة، فإن أمر هؤلاء عجيب، كيف يلعب بعقولهم رجل بلغ به الجهل هذا الحد؟ أبسبب بغضهم و حقدهم على السلفية عموما، و ابن تيمية و الألباني خصوصا؟فلينظروا في أعماق أنفسهم، و ليصدقوا مع الله ثم مع أنفسهم، وليحترموا عقولهم التي سنحيلهم عليها في هذا الرد .
    ولا أقول هذا تقليلا من قدرهم، ولكن لا أجد سببا يدفعهم إلى التشبث بالسقاف، وهو ساقط في العلم و التقوى إلى هذا الحد إلا هذا العذر،فلو أن احدهم اكتفى بما قعده في هذا الميدان الجويني أو الرازي لكان أحسن له، فإن الرجل يخربط في العقيدة أيما خربطة، و ظني بهؤلاء أنهم ممن ينتسب للعلم، وله به عناية، فكيف يجمعون في عقولهم بإتباعهم هذا الرجل بين المتناقضات العقلية، و بين الأشعرية و الاعتزال، ونحن نعلم ما بينهما من الفرق، إلا عند من هو معتزلي عقيدة وفكرا و مرجعا، أشعري بالنسبة فقط.
    فهذا الرجل ليس له من الصنيع سوى مدح ما يوافقه، وتكلف الأدلة له بصورة مستبشعة، وما لم يوافقه حط عليه،فما وافق هواه في الصحيحين جزم بصحته، وإن لم يدل مفهومه على ما ذهب إليه، وما خالف ضعفه بشتى وسائل الطعن. وكذلك يصنع مع العلماء يمدح هنا و يذم هناك، يرفع من قيمة هذا لأنه خالف ابن تيمية في موضع،و يضع من قيمته هناك لأنه خالف المعتزلة.
    المهم لا يمكن وصف حال هذا الرجل، جمع بين دعوى السنة والرفض و الاعتزال،و أحيانا التجهم الصراح ،وخلاصة القول أنه انتهى بمن يحسن الظن به إلى نوع سفسطة في العقليات و قرمطة في السمعيات.
    وعليه،فإن الشيخ شمس الدين باعتماده على مثل شبه السقاف يساهم في الجناية على عقيدة أهل السنة و الجماعة أولا، و يخلط بين النسبة إليهم ،وعقائد الفرق المنحرفة: من جهمية، ومعتزلة، و جبرية، و قدرية نفاة.
    ـ قاموس السقاف في الطعن في الأشعري:
    كما أن السقاف سيء الأدب مع أهل العلم ومع أتباعهم،ومن عجيب وقاحته وسماجة عقله وقوعه في الأشعري،فلقد أغرق شرحه لإبانة الأشعري بسيل من الشتائم تعافها النفوس السوية منها:
    ـ إما أن المصنف يعرفه و أخفاه و إما أنه يجهله و أحلاهما مر.
    ـ لكن مكايدة المعتزلة و أتباع مدرسة آل البيت ومناحرتهم تجري في دمه و لحمه.
    ـ وهذا المصنف كذاب أشر.
    ـ وهذا يدل على انه مفلس من أساليب الاحتجاج ويتهم الناس بما هم برءاء منه.
    ـ من العجيب الغريب أن جهله مكعب و يصف الناس بالجهل.
    ـ ما شاء الله أعجب من هذه التخريفات التي ليس لها خطام ولا زمام، يبني كلامه و عقيدته وحججه على خرافات و يصدقها،لأنها دالة على أن قائلها يصوغ الكلام بلا عقل.
    ـ يا ليت المصنف كان يتقي الله و يفهم العربية ولا يغالط.
    ـ أيها المصنف المفلس.
    ـ وهو لا شيء في اللغة.
    ـ إني أتصور أن هذا المصنف لم يكن عقله معه بل كان يحلم فهو يخرط الأقوال خرطا .
    ـ مثل هذه العبارات يجب أن تشحن إلى مختبرات خاصة للتحليل... ربما نكتشف أنه أراد أن يثبت القدر بالضغط الاسموزي.
    ـ كلام غير مترابط،وهذا مثل قول القائل الدليل على أن صلاة الظهر أربع ركعات قوله تعالى{ لم يلد ولم يولد}.
    ـ ذكرني هذا المصنف بأدلة جحا و بالحمقى و المغفلين.
    ـ وهذا الإيراد يدل على حمق المصنف.
    ـ هناك احتمال ثالث وهو أنه كان غبيا."شرح الإبانة" للسقاف
    قلت: هذا هو أدب من ينسب نفسه إلى النسب الشريف و يدعي العلم مع من هو خير منه بآلاف المرات لا يراعي حرمته ولا حرمة أتباعه، فإن الأشعري رحمه الله له أتباع كثر، و إذا قدر أن خالفه أحد في مسألة لا يعني أبدا استحقاقه لكل تلك الشتائم فما بالك و المخطئ هو السقاف أخذ وثنية أرسطو و ابن سينا و أضاف إليها شيئا من حقد الشيعة الرافضة وزعم أن هذا هو دين محمد صلى الله عليه و سلم.
    إني أشفق على هؤلاء الذين وقعوا ضحية وفريسة لهذا الرجل، فلعل الله يخرج ما في بطونهم من حسن الظن بالسلف، ومن بركة القرآن و السنة ما يزيل عنهم شبه السقاف و ألاعيبه، ولكن عليهم ترك الغرور بالنفس والأحقاد جانبا فإنها من أعظم ما يصد عن الحق و يزين الباطل،وهي أمور باطنة تتلبس بصور شتى و تدفع الإنسان في اتجاهات وهو لا يدري، كذلك عليهم ملاحظ الفرق بين اعتقاد الرجحان و رجحان الاعتقاد، بين العلم بالعدم وعدم العلم،فإنه ما ضاع أحد بين أهل البدع إلا لتقصيره في السنة اعتقادا و استدلالا، أعانهم الله و هداهم لما اختلف فيه من الحق بإذنه أنه ولي ذلك و القادر عليه.
    ولكن عليهم أولا : أن يعلموا أن كل شيء حتى الشعور و الاعتقاد و الهواجس و الظنون و الخواطر و الوساوس قد خلقها الله، وخلق ما يدفعها و يداويها، لكن بشرط أن يعتقد المرء أن الله عنده الحق و يهدي للحق، و أن يطلب منه أن يهديه للحق.
    على كل حال الأمثلة على انحراف السقاف و تعاطيه التحريف و التلبيس و التلفيق في الروايات كثيرة جدا ليس هذا موضع سردها.
    منهج الشيخ بلقرد:
    وبهذا تعرف أن منهج الشيخ شمس الدين ليس محاولة استخلاص الحقائق العلمية أو البحث عن المشترك بين المسلمين للتنبيه عليه و الإشارة إليه وتركيز الجهود على إبرازه ليكون وسيلة للتقريب بين المسلمين و معالجة الخلاف عن طريق إدارة هذا الخلاف و عدم العمل على تضخيمه بطمس الحقائق العلمية و التاريخية و طلب العذر للأئمة و فهم طبقاتهم في العلم ، بل جهده يصب في إطار محاولة تأصيل الأخطاء سواء العلمية أو السلوكية فمثله و مثل السلفيين الذين يبحث لهم على الهفوات و الأخطاء ولو بالتضخيم مثل ما قال الشاعر
    ولو أسقيتهم عسلا مصفى... بماء النيل أو ماء الفرات
    لقالــوا أنــه ملــح أجـــاج... أراد بــه لنا إحدى الهنات
    فهذا الذي وقع بين الأئمة ما كان ليبلغ هذه الدرجة من العداوة لو التزم الأتباع في ردودهم على الأدلة العلمية وحدها، و لم يزيدوا عليها تلك الأمور الشخصية التي أخرجت ردودهم عن حد الاعتدال و كانت أحرى بأن تعود عليهم بالذم سواء كانوا من هذا الفريق أو من ذاك .
    و المسائل التي ينقمها الشيخ شمس الدين على السلفيين كان يمكن أن نعذره عليها بغض النظر عن كونه أصاب أم أخطا لو انه التزم بالموضوعية و الروح العلمية ولم يستعين بمن هب ودب كالسقاف و بعض الرافضة كجعفرالسبحاني ممن يستحل الكذب و التحريف في النقل.
    وإن كنا نعلم أن الشبهات قد ترد و تدخل على قوم لهم دين وعندهم إيمان و خير و لكنهم عجزوا عن دفعها فقد يتخذونها دينا و يظنونها تحقيقا لمنهج أهل لسنة و الجماعة، فإن لم يحاربوا عليها و يستحلوا من مخالفهم ما حرمه الله من الطعن و البهتان و القذع كان المرجو أن يتداركهم الله برحمته فيلهمهم الصواب.
    أما إن فعلوا غير ذلك فإنهم يصيرون بغاة معتدين و هذا لازم للشيخ شمس الدين فإن ما يعتقد انه هو الحق سنبين في هذه السلسلة بالأدلة الدالة على مدلولاتها أنه باطل لبس بحق و أن أخطأه العلمية كثيرة جدا.
    والشيخ شمس الدين يخطئ السلفيين على مسائل هي عين ما قاله أهل السنة، و ما دل عليه الكتاب و السنة.
    إن السلفيين إذ يؤكدون على ضرورة تنقية التوحيد من مظاهر الشرك لا ينطلقون من تصور كلامي استوردوه من بنات أفكار الإغريق أو الفرس ولكنهم ينطلقون من كتاب الله ،هذا الكتاب المبارك الذي لم يجدوا فيه أدنى إشارة إلى استحباب الدعاء عند القبور و اعتقاد أن لذلك مزية على ما سواه من بقاع الأرض، كما لم يجدوا فيه تعظيم الموتى و نسبة النفع و الضر إليهم.
    كما أن السلفيين ليس من أصولهم العلمية تشريع العبادات بمجرد أن بعض الأئمة أو الفضلاء استحبها أو فعلها،فإنه و إن قدر وجود بعض أهل العلم ممن فعلها فإنه يوجد في من تركها ونهى عنها من هو اجل و أعظم منهم، و العبرة بمن وافق الكتاب و السنة،أما الاستدلال على جوازها أو استحبابها بمجرد فعل بعض الفاضلين لها فليس هذا من أصولهم ولا من أصول الإسلام.
    فالسلفيون بما يذيعونه من عقيدة في هذا الباب توحيد الألوهية إنما قصدهم أن يكون الله هو معبودهم وحده، و إياه يعبدون و عليه يتوكلون وله يخشون ويرجون و به يستعينون و يستغيثون وله يدعون و يسألون، فإن خرجوا إلى الصلاة في المساجد كانوا مبتغين فضلا منه و رضوانا، كما قال تعالى في نعت الصحابة:{ تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا}"الفتح".
    و كذلك إذا سافروا إلى أحد المساجد الثلاثة لا سيما المسجد الحرام الذي أمروا بالحج إليه، قال تعالى:{ لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام و لا الهدي و لا القلائد، ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا}" المائدة"، فهم يؤمون بيته يبتغون فضلا من ربهم و رضوانا لا يرغبون إلى غيره ولا يرجون سواه ولا يخافون إلا إياه .
    وقد علمنا أن الشيء لا يكتسب شرعيته من مجرد كونه مختلفا فيه إذ الناس اختلفوا في كل شيء، و إنما يكون الشيء مشروعا في ديننا إذا كان مما أمر الله به ورسوله.
    وعليه، فالمشكل الذي تعاني منه الأمة الإسلامية في هذا العصر ليس هو مشكل تراثها وما يوجد فيه من نعرات و عصبيات و اختلاف في أهم مسائل الدين ولكنه مشكل أهل العلم وكيفية تعاملهم مع هذا الموروث،فإن الواحد منهم إما يدخل هذه المسائل محاولا تحري الحقائق العلمية و تصفية الشرع المنزل من الشرع المبدل مراعيا مشاعر الناس، مجتنبا قدر الإمكان طريقة الاستعراض أي إظهار الخلاف في شكل استعراضي و إبقائه داخل دوائره العلمية.
    أما محاولة تبرير الأخطاء السابقة بتكرارها وتكرير الأدلة الواهية فهذا ما يبقي الأمة الإسلامية تتخبط في صراعاتها الداخلية، في حين كان من المفروض أن يمثل الاختلاف العلمي المبني على الأدلة المعتبرة خصوبة الفكر عند المسلمين صار نتيجة سلوكيات خاطئة تتلبس في كثير من الأحيان بالبغي على الآخر يمثل الضعف و الهوان و التخلف.
    فإذا كان بعض المنسوبين إلى العلم لا يتركون فرصة تمر إلا وهم يصّفون حسابهم مع من لا يوافقهم في بعض المسائل فهذا دأب ذوي القصور في الفهم ومن حرمهم الله معرفته.
    من المعلوم أن أهل السنة لم يكووا متوافقين في كل شيء حتى في العبارات بل المعتبر عندهم الاتفاق في الكليات و إن اختلفوا في جزئيات القضية وعلى هذا عشرات الأمثلة فالناظر في المسائل الشرعية إما ناظر في أصولها أو في جزئياتها الفرعية و قد يلوح الخلاف إذا كان أحد المتقاولين ناظرا في أصول المسألة والآخر ناظر في جزئياتها و متى كانا متفقين على كلية القضية مختلفي في جزئياتها كان ذلك تعارضا وترجيحا.
    فالخلاف إن كان لفظيا لم يكن ذلك منافيا لاتفاقنا من جهة المعنى و إن كان النزاع معنويا فهو أيضا قسمان أحدهما اختلاف تنوع كأن يثبت العالم الفلاني شيئا و ينفي العالم الآخر شيئا آخر، و لكن لعدم الدقة يظن المقتبس عن احدهما أن الثاني ينفي ما أثبته الأول.
    والشيخ شمس الدين لم يتصور مسألة تقسيم التوحيد تصورا صحيحا، ولذلك أوقفها على أصلها اللغوي وهذا خطأ جسيم، فإن الأنبياء جاؤوا بمعاني كلية تعم ما تحتها من جزئيات نستخلصها بأنواع من الدلالات ،ومن قال من المسلمين أن الحقائق العلمية متوقفة على ألفاظ الأنبياء و يجب أن تطابقها بالتمام فقد قال ما ليس له به علم.
    و الشيخ شمس الدين حاول نقض تقسيم التوحيد بذكر لوازم لم يقصدها السلفيون معتمدا على أدلة جدلية وليست علمية،و قد علمنا أن الحقيقة العلمية لا تتوقف على السياق الجدلي وخلوه من التناقض اللفظي، لأن الدليل لا يكون علميا حتى يكون مستندا على دليل شرعي أما كون المقدمة صحيحة أو فاسدة فهذا من قسم الجدل وليس من قسم العلم يبينه:
    أنه إذا منع الشيخ شمس الدين السلفيين الاستدلال على أصل المسألة بأن قال هذا التقسيم لم يرد في شيء من نصوص الكتاب و السنة ولا في كلام السلف فيجب أن يفرق حينئذ بين الاستحداث اللغوي و بين استحداث المعاني،فهل هذا التقسيم مستحدث المعاني أم الألفاظ هي المستحدثة فقط.
    فإذا عرفنا بالأدلة الشرعية أن الله عز وجل قد بين في كتابه وجوب إفراده بالعبادة زيادة على أنه الرب الخالق المدبر ووصف نفسه في القرآن بصفات الكمال و تسمى بالأسماء الحسنى و كذلك في سنة النبي صلى الله عليه و سلم ولم نجد من السلف الصالح من الصحابة و التابعين لهم بإحسان ـ يعني من غير مخالفة لهم لان الباء هنا باء التعليل أو المصاحبة ـ من أجاز أن يقصد غير الله بالصلاة و النسك و الدعاء و غيرها من عبادات علمنا حينئذ أن معاني هذا التقسيم ليست مستحدثة و إنما استحدث المصدر الصناعي كما هو الحال في علوم اللغة و الفقه و أصوله و مصطلح الحديث و سائر الفنون .
    فنحن نعلم أن العرب لم تكن تستعمل المصادر الصناعية و إنما تجدد المعاني و تطورها و اتساعها ،و ظهور الخلاف هو ما اضطر إلى استحداث المصادر الصناعية بقصد الدقة وترك الإجمال في الكلام هذا الإجمال الذي و إن كان في زمن السلف كافيا لسلامة فطرتهم و بعدهم عن البدع لم يعد يكفي في الأزمنة المتأخرة و قد ظهر من احدث في الدين ما ليس منه و نسبه لله ورسوله.
    وعليه ، لم تنقطع أدلة السلفيين لمجرد كون هذا التقسيم مستحدث الألفاظ،فإننا لو سايرنا الشيخ شمس الدين لوجب علينا رفض الصوفية برمتها حتى السنية منها لان لفظ" الصوفية" مصدر صناعي مستحدث، و كذلك "الماهية" و "الهوية" و "الفاعلية" و "المفعولية" و" الحاكمية".
    ومعلوم أن تقسيم التوحيد هو من جنس الاستقراء والاستدلال لبيان أنه لا يكفي المسلم أن ينطق بالشهادتين دون فهم لمعناها ومعرفة ما يناقضها فلما كثرت في الأزمان المتأخرة ـ بعد القرون المفضلة ـ البدع والجهل بحقائق الرسالة و آثار النبوة و ضعفت اللغة عند عامة الناس بحيث صاروا يطلقون عبارات لا يعلمون معانيها كما كان يعلمها الصحابة و التابعون لهم بإحسان صار واجبا تعليم الناس معاني التوحيد ونواقضه و أنهم ليكونوا موحدين لا يكفي الإقرار بالله ربا خالقا فقط ثم طلب النصر و الرزق و الشفاء و الولد من بعض المقبورين فإن هذا يناقض الإقرار بالربوبية كما هو واضح .
    فالمقصود بهذا التقسيم إشعار التنبيه بالعلة المؤثرة و الملائمة وهي وجوب إفراد الله بالعبودية بجميع أشكالها و أنواعها، فهذا هو حقيقة التوحيد لا الإقرار بالله ربا خالقا ثم التوجه بالعبادة إلى بعض المخلوقين.
    فالسلفيون لا يحتاجون إلى الشيخ شمس الدين و السقاف و الرافضة ممن يرى الحج إلى المشاهد بحجة تعظيم أئمة البيت أو الأولياء أو لا يعتبر تحري الدعاء عند القبور و قصدها بالتعظيم و الاستغاثة بالمقبورين و الذبح عند الأضرحة واعتقاد في رجال الغيب و الأبدال يدبرون هذا الكون من الشرك ومن نواقض الإقرار بالربوبية لتقرير هذا التقسيم إذا كانوا ملتزمين بما دل عليه كتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه و سلم .
    فالحقائق لا تتوقف على اعتقاد هؤلاء و لا على اعتقاد السلفيين ولكن على أدلة الكتاب و السنة، و أدلة الكتاب و السنة تقر هذا التقسيم لا تقر مفهوم التوحيد عند المعتزلة و من سلك سبيلهم .
    فليس من شرط الاستنباط والاستقراء و استخراج العلة أن تكون مؤثرة بالإجماع بل هذا كلام المعتزلة ، وعلة هذا التقسيم من قسم العلل المسطورة فهي واضحة في القرآن و السنة كما سنبينه بعد قليل.
    فالسلفيون عندما اقروا هذا التقسيم وهو من جنس الاستقراء و الاستنباط ونهوا عن القياس بالرأي أرادوا أنه لابد في القياس من أصل يرد الحكم إليه يريدون بذلك مخالفة ما عليه أهل الرأي من الاستحسان وهو وضع المسائل بالرأي و المناسبة المجردة ثم التفريع عليها ولذلك فالقياس عندهم ـ إذا قدرنا أنهم انتهوا إلى هذا التقسيم بنوع قياس و استنباط ـ أن يقيس على أصل، أما أن تجيء إلى الأصل فتهدمه ثم تقول قياس فعلى أي شئت قست؟
    و تقسيم التوحيد و بيان الفرق بين توحيد الربوبية و توحيد العبودية أصل ثابت في الشريعة وإن زعم الشيخ شمس الدين أنه لا دليل عليه لأن تأثير ذلك الوصف ـ وجوب إفراد الله بالعبودية كلها ـ في الحكم الذي في الأصل بنص الكتاب و السنة.
    ومتى علمنا تأثير الوصف في حكم الأصل بالاستنباط وكان الوصف مناسبا فإما أن يعلم تأثيره في غير الأصل بنص أو إجماع أو لا يعلم له تأثير والأول هو المناسب المؤثر الملائم.
    وعليه فكلام السلفيين في هذا التقسيم و ضرورته الشرعية و استدلالهم مناسب و مؤثر وملائم.
    و إذا قدر أن الشيخ شمس الدين قد أفسد بعض أدلة السلفيين الفرعية فيما يخص إثبات هذا التقسيم من الناحية اللغوية، فهذا لا يعني أن أدلته هو صحيحة، بل قد يكون الحق خارجا عنهما و يكون الصواب إثباته أحيانا ونفيه في أحيا أخرى بحسب الحاجة في الخطاب،فمن فهم التوحيد من القرآن و السنة و عرف وجوب إفراد الله بالعبودية كلها و عرف حقيقة لا إله إلا الله العلمية و العملية لم يحتاج إلى هذا التقسيم كما كان الحال بالنسبة للصحابة و التابعين.
    و كما أن الأحكام تكون عامة فالعلل كذلك يعتريها العموم، والسلفيون خصّوا العلل التي احتجوا بها على هذا التقسيم وهي وجود الفرق بين معنى الربوبية ومعنى الإلوهية بعموم الأدلة وخاصتها ، والحكمة أو العلة لها تأثير في الأحكام من جهة التنبيه المعتبر.
    و ما يقوم به الشيخ شمس الدين من تفسير لأدلة السلفيين على خلاف ظاهرها لا يقبل منه فإنه بذكر تلك اللوازم التي لم يقصدها السلفيون فقد زاد في عللهم و أسبابهم أوصافا لم تكن فيها و هذا باطل قطعا .
    و قد تكون بعض أدلة السلفيين إنما ذكروها لبيان جواز هذا التقسيم عقلا و نقلا ، فلا يمكن أن ينتقض أصل تقسيمهم بنقض هذه الأدلة لان أصل التقسيم يعتمد على أدلة شرعية صحيحة صريحة .
    ونحن نعلم أنه لا يجوز لأحد أن يلزم خصمه مالا يقول به أو أن يحتج عليه بأدلة لا يعتقدها هو فيعارضه بما ليس دليلا عنده، و إن كانت معارضة الشيخ شمس الدين لأدلة السلفيين في فرع كمسائل السياسة و الدعوة وهجر المبتدع لهان الأمر فهناك أدلة أخرى أقوى تبين ما أراد السلفيون تبيانه .
    أما إن كانت معارضة في الأصل فهي باطلة قطعا إذ قاعدة السقاف أن كل لفظ لم يرد في القران و السنة أو عند الصحابة فمعانيه باطلة قطعا قاعدة سفسطائية القصد منها إبطال الحقائق و إلا فإن جل مصطلحات الشيعة و المعتزلة و المتكلمين لا أصل لها في الكتاب و السنة و عند الصحابة.
    نعم رعاية الألفاظ عمل جيد، ولكن رعاية المعاني بسبب تجدد اللغات و تطورها و تجدد الفكر و تطوره و تنوع لغات الناس هي القاعدة الشرعية الثابتة بنص الكتاب و السنة .
    ومعلوم أن الاستنباط قياس و استدلال، و الاستدلال يكون بأمارة أو علة ، و يكون بشهادة الأصول، ومعلوم كذلك عند علماء الأصول أن الاستدلال بالعلة أو الأمارة هو المعتبر قال ابن برهان: الحق ما قاله الشافعي قال: إن كانت ملائمة لأصل كلي من أصول الشريعة أو لأصل جزئي جاز لنا بناء الأحكام عليها و إلا فلا"
    وعلة التقسيم عند السلفيين دلت عليها أصول الإسلام و الإيمان.
    وبعض السلفيين يبنون منهجهم على قول الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ في رواية الميموني:" إياك أن تتكلم بكلمة واحدة ليس لك فيها إمام"
    فهذه الكلمة قد تعلق بها قوم من السلفيين وهم مخطئون إذ يجب بيان الحق و رد الباطل ، و تعلق آخرون بغيرها وقد ذكر كل ذلك ابن حامد في كتابه"تهذيب الأجوبة"ضمن مسألة هل يجوز للمجتهد أن يحكم في الحادثة و إن لم يحكم فيها قبله وهل الأفضل به ذلك أو التوقف إذا وجد غيره؟ و بين أن الحنابلة اختلفوا في ذلك ومنهم من فرق بين الأصول و الفروع ورجح هو أن الأفضل أن يحكم في الجميع مطلقا انظر " المسودة"{ص:45}.
    هذا إذا افترضنا أن السلفيين ـ ابن تيمية ـ قد جاءوا بمسألة لم يسبقهم إليها أحد فلا إشكال عليهم، أما إذا عرفنا أنه رحمه الله لم يكن بدعا من العلماء في تقريره هذه القاعدة كما سنبينه، و أن اللوازم الباطلة التي يقيمها الشيخ شمس الدين ومن سبقه في هذا الإنكار على هذا التقسيم ليست لازمة له و لا للسلفيين عموما.
    الموضوع:
    يجب هنا ملاحظ أصلين معتبرين هما:
    1 ـ عدم خوض السلف في بعض المسائل لا يعني أن أتباعهم أحدثوها، فإن عدم قيام المقتضى عند السلف للكلام في هذه المسائل العقدية هو عدم وجود المبتدعين فيها،أما و قد تكلم بعض الناس بالباطل فواجب أتباع السلف الرد عليهم بما يحفظ أصالة النصوص ومنزلتها في التشريع.
    فكما كان القرآن و السنة هما مصدر التلقي عند المسلمين حتى احدث المحدثون بدعا تلقوها عن الفلاسفة جعلت كتاب الله و سنة نبيه من الأدلة الظنية التي لا تفيد اليقين وزعموا أن ظاهرهما كفر وجب رد هذا الباطل حتى يبقى الكتاب و السنة هما مصدر التلقي عند المسلمين كافة تماما كما كان الحال عند السلف الصالح.
    2 ـ لو ترك أهل السنة الرد على المبطلين لكانوا مقصرين في تبليغ الدين، مقصرين في رد ما يناقضه و يعارضه، فإنه لا يتم بيان مراد الله ومراد رسوله و تبليغه إلا بدرء ما يعارضه من شبهات.
    والفرق بين السلفيين و غيرهم أنهم يأخذون الدين على فهم السلف الصالح لا يخالفونهم في شيء مهما لفق لهم خصومهم الشبهات و التهم، بينما غيرهم ينتسب إلى السلف و يأخذ بأقوال اليونان في عقيدته.
    دلالة القرآن على هذا التقسيم:
    قوله تعالى:{ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله}
    قلت:مثل هذه الآيات التي يحتج بها السلفيون في هذا الباب مستغنية بنفسها عن الخصوص كما هو واضح من سياقها،وكونها نزلت في حق مشركي العرب فهذا سبب نزولها لا يعني انتفاء هذه المعاني في غيرهم، فمن يزعم أن الله هو خالقه ورازقه ومدبره ومع ذلك يذبح لغير الله و يقسم بغير الله و يستنصر بغير الله و يدعو ويستغيث بغير الله تعمه معاني هذه الآيات شاء المنكرون أم أبوا إذا العبرة بالمعاني و المقاصد و ليس بالألفاظ.
    والقرآن نزل ليبقى دالا على الهدى و الحق إلى يوم القيامة لا يهم ذكر الأسماء فيه بل الذي يهم المعاني التي أمر بها و المعاني التي نهى عنها كما ستراه في موضعه.
    الآيات التي ورد فيها اسم الجلالة بدل اسمه الرب تدل على وجود الفرق بين الاسمين،فنحن مثلا نقول: رب البيت ونقصد به صاحب البيت،ورب الإبل ونقصد به صاحب الإبل ورب الأمر، ولا نقول: أله البيت و إله الإبل و إله الأمر، لما كان اسم الله هو الجامع للأسماء الحسنى فكلها تضاف إليه فيقال الغفور الرحيم السميع البصير من أسماء الله و لا يقال العكس قال تعالى:{ و لله الأسماء الحسنى}كاسم الله تعالى فإنه دال على صفة الألوهية ولم يجيء قط تابعا لغيره بل متبوعا وهذا بخلاف العليم والقدير والسميع والبصير ونحوها ولهذا لا تجيء هذه مفردة بل تابعة،فاسم (الله) متضمّن لصفات الألوهيّة, واسم (الرب) متضمّن لصفات الربوبية, واسم (الرحمن) متضمن لصفات الإحسان والجود والبر، ومعاني أسمائه تدور على هذا كان توحيد الألوهية جامعا لتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء و الصفات.
    وكما جاء في النص الصحيح الذي رواه البخاري في" صحيحه"{2644}عن معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه انه قال:" كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له عفير فقال يا معاذ هل تدري حق الله على عباده وما حق العباد على الله قلت الله ورسوله أعلم قال فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا فقلت يا رسول الله أفلا أبشر به الناس قال لا تبشرهم فيتكلوا " أي متى صرف العبد شيئا من عبادته لغير الله كان مشركا بالله ما لا يجوز له، و بالتالي لم يستحق النجاة من عقاب الله كما هو مفهوم الحديث.
    توحيد الربوبية كسائر الاعتقادات له طرفان ووسط:
    توحيد الربوبية كسائر المعاني و العقائد له طرفان ووسط،قد يتحقق الإنسان بكل معناه و قد يحقق بعضه و يضيع بعضه وقد ينكره كلية كما هو حال الملحدين و الدهرين،و إذا قدر أن بعض المشركين أنكروا بعض لوازمه وملحقاته فهذا لا يعني أنهم ينكرونه كلية.
    بيان مشكلة الشيخ شمس الدين مع المصدر الصناعي:
    قلت: الشيخ له مشكلة مع المصادر الصناعية ،فالسلف كذلك لم يتكلموا بلفظ: "الصوفية "، و "الجسمية"، و "الماهية" و "الهوية" و "الجهة" و "الحيز" و "الافتقار" و "التركيب" وغيرها من مصطلحات، ولا دل عليها القرآن بخلاف هذا التقسيم الذين دل عليه القرآن في مواضع كثيرة ودلت عليه السنة النبوية و يدل عليه العقل،ودل عليه كلام السلف كما سنوضحه لاحقا.
    كما أن هذا التقسيم لا يستدل عليه بعمومات القرآن و السنة ولكن بأدلة خاصة تعينه و تخصه من كل وجه، وما اندرج من العبادات تحت العموم لا يقول به السلفيون ليسا تعطيلا للعموم أو توقفا فيه بحثا عن تخصيصاته إذ عموم الدليل لا يترك إلا في صورة التخصيص و تبقى باقي الصور محفوظة.
    أما تقسيم التوحيد إلى هذه الأقسام الثلاثة فقد دل عليه كلامهم وحالهم، فلم نجد واحدا منهم صرفا شيئا من عبادته لغير الله، فذبح لغيره أو سجد عند قبر أو استغاث بغير الله وهذا هو توحيد العبودية أو توحيد الإلوهية.
    بيان خطأ الشيخ شمس الدين و تناقضه في اعتبار الدليل السمعي هنا:
    قلت:اشتراط الشيخ شمس الدين آية او حديث ولو ضعيف يذكر هذا التقسيم وهو استدلال بعدم العلم على النفي وعدم الدليل السمعي على التقسيم اللفظي على تنوع معاني التوحيد، مع فرض انه لا يوجد دليل سمعي يدل على هذا التقسيم.
    و إذا جئنا إلى باب المعاني و جعلنا المعتبر في صحتها أو فسادها وجود الدليل السمعي كان جل دين الشيخ شمس الدين ساقطا إذ لا يوجد دليل سمعي على جل معتقد المتكلمين و مصطلحهم و ألفاظهم وكذلك مصطلحات الصوفية و غيرها.
    لقد جعل الشيخ شمس الدين عدم العلم علما ، وعدم الدليل دليلا، دون تفريق بين المسائل التي يعد عدم الدليل السمعي فيها دليلا على عدمها، و بين المسائل التي عدم الدليل فيها ليس إلا عدم العلم وهو الجهل ، فهذا الخلط تجده في بحوث بعض المعاصرين ينفون بعض الحقائق لعدم علمهم بها، ويعدون عدم علمهم بها علما ودليلا على عدمها، كما هو موضح في ردنا على بعضهم .
    الجواب المفصل لبيان ما اغفل الشيخ شمس الدين ذكره:
    قلت:
    1 ـ الشيخ شمس الدين في نقد غيره لفظي يقف عند الألفاظ ولا يتجاوزها إلى المعاني ،ويفهم من كلامه أنه يمنع تجدد الاصطلاحات، فإذا لم يستعمل السلف الصالح لفظ "الربوبية" و "الألوهية" فهو بدعة و باطل.
    وعليه فكل اصطلاح بل واشتقاق لم يجر العهد عليه عند السلف، ولم يكن من عاداتهم في الكلام فهو بدعة و باطل، ومعلوم شناعة هذا الاستلزام.
    و الشيخ دخل عليه الخطأ في هذه المسألة المهمة جدا لأن التوحيد أو مفهوم التوحيد الذي يدعو إليه ليس هو التوحيد الذي كان الأنبياء يدعون إليه،بل توحيد عنده عبارة عن خليط من مفاهيم إسلامية و أخرى إغريقية منطقية ليس هو التوحيد القرآني النبوي بحال.
    فالشيخ ممن لا يفيد القرآن عندهم العلم، بل جله في مسائل الاعتقاد ظواهر غير مرادة، فهو إما يظهر من نصوصه الكفر و الضلال الذي يجب تأويله أو لا يدل بحال على شيء، كأن نصوصه أعلام لا معاني تحتها حسب ترجحه بين التأويل و التفويض.
    وقد دخل عليه الخطأ من جهتين اثنين:
    1 ـ من حيث دراسة ألفاظ التقسيم من جهة صحة الاشتقاق اللغوي و استعماله عند كثير من أهل العلم قبل ابن تيمية ـ رحمه الله ـ لا كما زعم الشيخ شمس الدين.
    ومن جهة معاني هذه الألفاظ هل يدل عليها الاستقراء من القرآن و السنة و بالتالي هل هي معان صحيحة؟
    وهذا الشق يبين مدى ابتعاد الشيخ عن المنهج العلمي و الموضوعية في المقاربة إذ لازم قوله انه لا يجوز تجدد مصطلحات في الدين الإسلامي تتحملها قواعد اللغة العربية، في حين يجوز أن ندخل مصطلحات يونانية على التوحيد الإسلامي ثم نعرّبها، وهي تحمل معاني مضادة و مناقضة لمعاني القرآن، فهذا جائز!
    ثم هو من جهة يقول ببدعية هذا التقسيم، مما يدل على عدم فهمه القرآن، لأنه ليس مصدرا لعلم التوحيد عنده و إن زين مقاله ببعض الآيات وهذا معروف عن الذين ينقل عنهم شبهه و يدافع عن تصورهم لمسائل العقيدة أمثال السقاف.
    فعند هؤلاء القرآن ظواهر يجب صرفها إلى معاني مرجوحة موافقة للمنطق الأرسطي اليوناني مثل الجوهر الفرد و تماثل الأجسام وغيرها مما ستراه في موضعه .
    فمن جهة يجب تعطيل الدلالة اللفظية للقرآن لصالح الدلالة العقلية خدمة لعلم الكلام المبتدع، ومن جهة لا اعتراف إلا بالدلالة اللفظية أما العقلية الاستقرائية من النصوص كدلالة اللزوم و التضمن ودلالة السياق و قياس الأولى فبدعة ضلالة!
    وهذا وجه التناقض في فهم الشيخ شمس الدين يدلك عليه انه زعم في مقاله هذا أن العقائد توقيفية، فلم يفهم معنى توقفية إذ ظن أن مقصودهم بتوقيفية الحرفية اللفظية وليس هذا مقصود أهل العلم،فكل ما دل عليه القرآن و السنة بأحد أنواع الدلالات المعتبرة دخل في معنى التوقيف.
    وفي هذا الرد سنثبت له بالقرآن أن قياس الأولى و قاعدة الكمال طرق قرآنية في إثبات العقائد.
    أما الشبهة الثانية التي أوجبت له هذا الخطأ وهي شبهة تلقاها عن المعتزلة إذ يخالف بها مكنونات نفسه و فطرته هو ظنه أن معرفة الله نظرية من النظريات خاضعة للتدليل العقلي، فهذا الذي دفعه إلى أن ينكر هذا التقسيم لانه يستلزم كما في عدة آيات قرآنية أن المشركين كانوا مقرين بتوحيد الربوبية ولم ينفعهم ذلك إذ أشركوا في توحيد الألوهية .
    ثم هو من جهة أخرى لم يفهم مبدأ التفاضل في هذا التوحيد و أن الإقرار بأصله الذي هو أن الله تعالى هو الخالق المميت المحي الرزاق أي المدبر لا ينفي الشرك فيه ،كما أشار إلى ذلك القرآن،فالآيات التي يحتج بها السلفيون على أن مشركي العرب كان عندهم توحيد الربوبية إنما تفيد وجود أصله عندهم و تلومهم على عدم طرده و العمل بلوازمه من صرف العبادة إلى الله سبحانه و تعالى.
    وعليه سنخوض في المسألة كالتالي:
    نذكر صحة ألفاظ هذا التقسيم وشرعية معانيه ومن استعمله من العلماء غير ابن تيمية و أنواع التوحيد و الفروق بينها و أوجه تداخلها ثم نختم ببيان مفهوم التوحيد عند المتكلمين ومفهوم التوحيد في القرآن و السنة.
    1 ـ مسألة ألفاظ التقسيم وموجبه ومورده:
    أول من تنبه إلى هذه المسألة أو اضطر إلى تفصيلها وشرح الشبه التي يمكن أن تورد عليها و ردها بالأدلة و بين أقسام التوحيد و أن العبادة تدخل في توحيد الإلوهية و أنها من خصائصه سواء سميت توحيد العبودية أو توحيد الألوهية هو الإمام أبو جرير الطبري في كتابه" التفسير" ، قال رحمه الله :
    بيان أن توحيد الألوهية هو صرف العبادة إلى الله:
    قال الطبري في"تفسيره"{123/1}:" وأما تأويل قول الله تعالى ذكره "الله"، فإنه على معنى ما رُوي لنا عن عبد الله بن عباس-: هو الذي يَألَهه كل شيء، ويعبده كل خلْقٍ.
    فإن قال لنا قائل: فهل لذلك في "فعل ويفعل" أصل كان منه بناءُ هذا الاسم؟
    قيل: أمّا سماعًا من العرب فلا ولكن استدلالا[1].
    فإن قال: وما دلّ على أن الألوهية هي العبادة، وأنّ الإله هو المعبود، وأنّ له أصلا في "فعل ويفعل".
    قيل: لا تمانع بين العرب في الحكم لقول القائل - يصف رجلا بعبادة، وبطلب مما عند الله جل ذكره: "تألَّه فلان" - بالصحة ولا خلاف. ومن ذلك قول رؤبة بن العجاج:
    للهِ دَرُّ الغانِيات المُدَّهِ سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِن تَأَلُّهِي
    يعني: من تعبدي وطلبي اللهَ بعملي.
    ولا شك أنّ "التألُّه" ، التفعُّل من: "ألَه يأله"، وأن معنى "أله" - إذا نُطق به:- عَبَدَ اللهَ. وقد جاء منه مصدر يدل على أن العرب قد نطقت منه ب "فعل يفعل" يغير زيادة.
    وذلك ما حدثنا به سفيان بن وكيع، قال حدثنا أبي، عن نافع بن عُمر، عن عَمرو بن دينار، عن ابن عباس: أنه قرأ(وَيَذَرَكَ وإلاهَتَكَ) [سورة الأعراف] قال: عبادتَك، ويقال : إنه كان يُعبَد ولا يَعبُد.
    - حدثنا سفيان، قال: حدثنا ابن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن عمرو بن الحسن، عن ابن عباس:(وَيَذَرَكَ وَإلاهَتَك)، قال: إنما كان فرعونُ يُعبَد ولا يَعبُد وكذلك كان عبدُ الله يقرؤها ومجاهد.
    - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: أخبرني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: قوله "ويذرَكَ وإلاهتك" قال: وعبادتَك ولا شك أن الإلاهة - على ما فسره ابن عباس ومجاهد - مصدرٌ من قول القائل: ألَه اللهَ فلانٌ إلاهةً، كما يقال: عَبَد الله فلانٌ عبادةً، وعَبَرَ الرؤيا عبارةً. فقد بين قول ابن عباس ومجاهد هذا: أنّ "أله" عَبد، وأن "الإلاهة" مصدرُه.
    وقال الطبري أيضا : أن يقال : الله جل جلاله ألَهَ العبدَ، والعبدُ ألَهَه. وأنْ يكون قولُ القائل "الله" - من كلام العرب أصله "الإله"[2].
    فإن قال: وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك، مع اختلاف لفظيهما؟
    قيل: كما جاز أن يكون قوله:(لكِنَّ هُوَ اللهُ رَبِّي) [سورة الكهف] أصله: لكن أنا، هو الله ربي، كما قال الشاعر:
    وَتَرْمِينَنِي بالطَّرْف، أَيْ أَنتَ مُذْنبٌ... وتَقْلينَني، لكِنَّ إياكِ لا أَقْلِي
    يريد: لكن أنا إياك لا أقلي، فحذَف الهمزة من "أنا" فالتقت نون "أنا" "ونون "لكنْ" وهي ساكنة، فأدغمت في نون "أنا" فصارتا نونًا مشددة. فكذلك "الله" أصله "الإله"، أسقطت الهمزةُ التي هي فاء الاسم، فالتقت اللام التي هي عين الاسم، واللام الزائدة التي دخلت مع الألف الزائدة وهي ساكنة، فأدغمت في الأخرى التي هي عين الاسم، فصارتا في اللفظ لامًا واحدة مشددة ، كما وصفنا من قول الله(لكنَّ هوَ الله رَبي)."
    وهذا نقل آخر عن الطبري يبين أن معنى الألوهية هو العبودية:
    قال{133/1}:"فبدأ الله جل ذكره باسمه الذي هو "الله"، لأن الألوهية ليست لغيره جلّ ثناؤه من وجهٍ من الوجوه، لا من جهة التسمِّي به، ولا من جهة المعنى. وذلك أنا قد بينَّا أن معنى "الله" تعالى ذكره المعبود ، ولا معبودَ غيرُه جل جلاله، وأن التسمِّي به قد حرّمه الله جل ثناؤه، وإن قصد المتسمِّي به ما يقصدُ المتسمِّي بسعيد وهو شقي، وبحسَنٍ وهو قبيح.
    أوَلا تَرى أنّ الله جلّ جلاله قال في غير آية من كتابه:(أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ) فاستكبر ذلك من المقرِّ به، وقال تعالى في خُصوصه نَفسَه بالله وبالرحمن:( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) [سورة الإسراء]. ثم ثنَّى باسمه، الذي هو الرحمن، إذ كان قد مَنع أيضًا خلقه التسمي به، وإن كان من خلْقه من قد يستحق تسميته ببعض معانيه،وذلك أنه قد يجوز وصْف كثير ممّن هو دون الله من خلقه، ببعض صفات الرحمة. وغير جائز أن يستحق بعضَ الألوهية أحد دونه. فلذلك جاء الرحمن ثانيًا لاسمه الذي هو "الله".
    وأما اسمه الذي هو"الرحيم" فقد ذكرنا أنه مما هو جائز وصْف غيره به. والرحمة من صفاته جل ذكره، فكان - إذ كان الأمرُ على ما وصفنا - واقعًا مواقع نعوت الأسماء اللواتي هنّ توابعُها، بعد تقدم الأسماء عليها. فهذا وجه تقديم اسم الله الذي هو "الله"،
    [1] ـ لم يرد عند العرب استعماله لأنه لفظ :" الربوبية" و "الألوهية" من المصادر الصناعية التي كلما تجددت الأحداث و الأعراف و الحياة العلمية و الثقافية للعرب اشتقت مصادر صناعية جديدة حسب الحاجة، ومعلوم أن العرب قبل الإسلام لم يكن لهم عهد بهذا التقسيم ولا بألفاظه فلم نجدهم يستعملون هذه الألفاظ لأنها شرعية و ليست عرفية و لذلك قال الطبري أن العرب لم تعهدها ولكن يستدل عليها بالقرآن و السنة، فهي من خصوصيات الدين الإسلامي،فليس لكونها مصدرا صناعيا يعني أنها باطلة.
    شرح المصادر الصناعية:
    قد ورد عن العرب بضع عشرات من المصادر الصناعية، منها: الجاهلية، الأريحية، الفروسية، العبقرية، العبودية، الألمعية، الألوهية، الربوبية، الوحدانية...
    وكثير من المصادر الصناعية قد تحوّلت في الأصل عن أسماء منسوبة أُنزلت منْزلة الصفات المشتقة للدلالة على حال الموصوف وهيئته، واستُعملت كذلك، نحو قولك: (إنسانيّ، حيوانيّ، كَمِّيّ، كيفيّ، جزئيّ، كلّيّ...). فإذا أُريد التعبير بها عن جوهر حال الموصوف ومجرّد حقيقته، أُحيل الوصف إلى (مصدر صناعي) بإلحاق تاء "النقل من الوصفية إلى الاسمية" نحو: الإنسانية، الحيوانية، الكمية، الكيفية، الجزئية، الكُلِّية...
    وقد أكثر المولَّدون من هذه المصادر بعد ترجمة العلوم بالعربية، وقرر مجمع اللغة العربية بالقاهرة قياسيّة صوغ هذا المصدر، لِسَدِّ حاجة العلوم والصناعات إلى ألفاظ جديدة تعبِّر عن معانٍ جديدة، وعليه فمعنى الربوبية و الألوهية و العبودية معان صحيحة من جهة لغة العرب و صحيحة من جهة المعاني بحيث تعبر عن النقلة من الوصفية إلى الاسمية بحيث صار لفظ الألوهية تعبيرا عن مجموعة أشياء و أفعال من قام بها فقد تأله الله بمعنى عبده و أحبه.
    ولكن متى نصنع مصدراً من المصدر الأصلي؟ أو من اسم المعنى عامةً؟
    الجواب: لا معنى لإلحاق الياء والتاء بالمصدر إذا كنت تبغي معنى المصدر، أو الاسم، وحَسْب. فإن اتخاذ (العدلية) بمعنى العدل، و(الخيرية) بمعنى الخير، غير سائغ، واللغة تأباه، والعرب لم تَجْرِ به وإنما قالت: فَعَلَ ذلك على جهة العدل، وعلى جهة الخير... ولم تقل: على العدلية، ولا على الخيرية... لذلك كان الأصل في إلحاق الياء والتاء بالمصدر أو اسم المعنى عامةً، أن تزيد في معناه شيئاً، أو تبتغي خصوصية في دلالته.
    · فَ (الإنتاج) مثلاً مصدر. فإذا قلت (الإنتاجية)، فلا بد أنك أردت به شيئاً آخر لا يمكن التعبير عنه بمجرد لفظ (الإنتاج). والإنتاجية في الاقتصاد: العائد من سلعة أو خدمة في مدةٍ مّا، مقدّراً بوحدات عينية أو نقدية، منسوباً إلى نفقة إنتاجه.
    و(الاشتراك) مصدر، معناه معروف. أما (الاشتراكية) فتعني المذهب السياسي والاقتصادي القائم على سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج وعدالة التوزيع والتخطيط الشامل...
    و(التقدم) مصدر معناه معروف. أما (التقدمية) فتعني المذهب السياسي والاقتصادي الذي يدافع عنه أنصار التطور (التقدميون).
    و(الشيوع) مصدر معناه معروف. أما (الشيوعية) فمذهبٌ يقوم على إشاعة الملكية، وأن يعمل الفرد على قدر طاقته، وأن يأخذ على قدر حاجته..
    و(الرأسمال) اسم، وهو المال المستثمر في عمل ما. أما (الرأسمالية) فتعني النظام الاقتصادي الذي يقوم على الملكية الخاصة لموارد الثروة.
    و(الشخص): كل جسم له ارتفاع وظهور، وغَلَبَ في الإنسان. أما (الشخصية) فهي مجموعة الصفات التي تميز الشخص من غيره. يقال: فلان ذو شخصية قوية.
    و(الخاص): خلاف العام. أما (الخاصية) فهي صفة لا تنفك عن الشيء وتُميّزه من غيره.
    · و(الإحصاء) مصدر أحصى الشيءَ: عَرَف قَدْره. أما (الإحصائية) فهي إحصاءٌ مبني على منهج علم الإحصاء، لحالةٍ تقع تحت الإحصاء، كإحصائية السكان في بلدٍ ما.
    · و(الخصوص) مصدر. ولكن (الخصوصية) تدل على معنى (الخصوص) وزيادة. وقد أشار الأئمة إلى هذا بقولهم: التاء فيه للمبالغة، (المراد: تاء النقل).
    ولعل من السائغ أن نكرر قول الأئمة هذا في توجيه بعض المصادر الصناعية التي استُعملت حديثاً، مثل: الاحتفالية والجمالية...
    و(المنهج): الخطة المرسومة. أما (المنهجية) فهي نظام طرق البحث.
    - ويؤدي المصدر الصناعي أحياناً معنى (القابليّة لِ...) كما في المصطلحات الآتية مثلاً: التطورية (قابلية التطور) ؛ الصيانيّة؛ الأدائية ؛ تَحَمُّليّة الكلفة ، الالتصاقية، النفاذية...
    - ويكون أحياناً أخرى مصطلحاً يعبّر عن حالة الشيء واتّصافه بكونه كذا... مثل: مُتاحِيّة الشيء (أي كونه مُتاحاً) ؛ الموثوقية الجاهزية؛ السُّمّيّة؛ الحمضية، القلوية...
    - ويستعمل المصدر الصناعي أيضاً للتعبير عن أسماء بعض الفروع أو المقادير المميِّزة العلمية، نحو: المِطيافية ؛ المِجراعية ؛ المِضوائية ؛ المِحْساسية ؛ المعلوماتية ؛ التأثرية؛ الاستقطابية؛ النفوذية؛ التحريضية؛ المقاومّية، الناقلية، الأنتروبية... البرمجية (الحاسوبية).
    ومن المصادر الصناعية الشائعة:
    الحرية، الوطنية، الأهمية، الهُوِيّة، الأنانية، الغَيْرية، الماهِيّة، الألفية، الأربعينية، الخمسينية، الآلية، الأولية، الآخرية، الأولوية، الأفضلية، الأرجحية، الأكثرية، الأقلية، الجنسية، البشرية، المفوضية، المندوبية... الفردية، الطائفية، القومية، الحزبية، الروحانية، العدوانية، الهمجية، الوحشية... الجسمية، الصوفية، الرومانسية، الواقعية، السريانية، التجديدية، الحتمية...المسؤو ية، المصداقية، المشروعية، المديونية، المعقولية، المفهومية، المشغولية، المحدودية، المجهولية...
    ويستعمل النحاة:
    المصدرية، الاسمية، العَلَمية، الفاعلية، المفعولية، الحالية، الوصفية، الظرفية، المعِية...
    والأصل - كما ذكرت في بداية هذا البحث - أن يستعمل المصدر الصناعي لأداء معنىً لا يؤديه المصدر الأصلي. و إلا كان هذا من الإباحية اللغوية التي تخرب اللغة.
    نقلا عن مكي الحسني"إتقان الكتابة باللغة العربية".



    [2] ـ قال الصاحب بن عباد في "المحيط في اللغة"{320/1}:"اله التأله التعبد. والآلهة الأصنام التي تعبد. ويقرأ " ويذرك وإلاهتك " يعني عبادتك. والإله - عز وجل - إنما قيل لأن القلوب تأله عند التفكر في عظمته أي تتحير. واسم الله الأعظم الله. والأصل فيه إلاه - على فعال - . ويقولون لله ما فعلت يريدون والله ما فعلت. ويقولون في الاستغاثة يا لله - بالفتح - ما صنع، وفي التعجب يا لله - بكسر اللام - . ولاه أنت. ولاهم اغفر لي بمعنى اللهم. ولاه ابن عمك. واختلفوا في معنى اللهم فقالوا معناه 112أ يا الله أمنا بخير، وقيل يا أللهم. وألهت على فلان اشتد جزعه. والإلاهة عين الشمس، وكذلك الأليهة. والله - منقوص مثل الدم والفم - لغة في المدود."

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    المشاركات
    16

    Arrow رد: التنديد بإنكار شمس الدين بروبي لأقسام التوحيد

    على اسمه الذي هو "الرحمن"، واسمه الذي هو "الرحمن" على اسمه الذي هو "الرحيم".
    وقد كان الحسنُ البصريّ يقول في "الرحمن" مثل ما قلنا، أنه من أسماء الله التي مَنَعَ التسميَ بها العبادَ.
    - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا حماد بن مسعدة، عن عوف، عن الحسن، قال: "الرحمن" اسمٌ ممنوع.
    مع أن في إجماع الأمة من منع التسمِّي به جميعَ الناس، ما يُغني عن الاستشهاد على صحة ما قلنا في ذلك بقول الحسن وغيره.
    وقال الطبري أيضا:{265/3}:"قد بينا فيما مضى معنى"الألوهية"، وأنها اعتباد الخلق.
    فمعنى قوله:"وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إلهَ إلا هو الرحمن الرحيم": والذي يستحق عَليكم أيها الناس الطاعةَ له، ويستوجب منكم العبادة، معبودٌ واحدٌ وربٌّ واحد، فلا تعبدوا غيرَه، ولا تشركوا معه سواه، فإنّ من تُشركونه معه في عبادتكم إياه، هو خَلقٌ من خلق إلهكم مثلكم، وإلهكم إله واحد، لا مثلَ لهُ وَلا نَظير."
    "وأما قوله:"لا إله إلا هو"، فإنه خبرٌ منه تعالى ذكره أنه لا رب للعالمين غيرُه، ولا يستوجبُ على العبادِ العبادةَ سواه، وأنّ كلّ ما سواه فهُم خَلقه، والواجبُ على جميعهم طاعته والانقيادُ لأمره، وتركُ عبادة ما سواه من الأنداد والآلهة، وهجْر الأوثان والأصنام. لأنّ جميع ذلك خلقُه، وعلى جميعهم الدينونة له بالوحدانية والألوهة، ولا تَنبغي الألوهة إلا له، إذ كان ما بهم من نعمة في الدنيا فمنه، دون ما يعبدونه من الأوثان ويشركون معه من الأشراك؛ وما يصيرون إليه من نعمة في الآخرة فمنه، وأن ما أشركوا معه من الأشراك لا يضر ولا ينفعُ في عاجل ولا في آجل، ولا في دنيا ولا في آخرة.
    وهذا تنبيه من الله تعالى ذكره أهلَ الشرك به على ضلالهم، ودعاءٌ منه لهم إلى الأوبة من كفرهم، والإنابة من شركهم."
    وقال:"148/6":"أما معنى قوله:"لا اله إلا هو"، فإنه خبرٌ من الله جل وعز، أخبرَ عبادَه أن الألوهية خاصةٌ به دون ما سواه من الآلهة والأنداد، وأن العبادة لا تصلحُ ولا تجوز إلا له لانفراده بالربوبية، وتوحُّده بالألوهية، وأن كل ما دونه فملكه، وأنّ كل ما سواه فخلقه، لا شريك له في سلطانه ومُلكه احتجاجًا منه تعالى ذكره عليهم بأن ذلك إذْ كان كذلك، فغيرُ جائزة لهم عبادةُ غيره، ولا إشراك أحد معه في سلطانه، إذ كان كلّ معبود سواه فملكه، وكل معظَّم غيرُه فخلقهُ، وعلى المملوك إفرادُ الطاعة لمالكه، وصرفُ خدمته إلى مولاه ورازقه ومعرِّفًا مَنْ كان مِنْ خَلقه يَوم أنزل ذلك إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بتنزيله ذلك إليه، وإرساله به إليهم على لسانه صلوات الله عليه وسلامه - مقيمًا على عبادة وثن أو صنم أو شمس أو قمر أو إنسي أو مَلَك أو غير ذلك من الأشياء التي كانت بنو آدم مقيمةً على عبادته وإلاهته - ومتَّخذَه دون مالكه وخالقه إلهًا وربًّا أنه مقيم على ضلالة، ومُنعدلٌ عن المحجة، وراكبٌ غير السبيل المستقيمة، بصرفه العبادة إلى غيره، ولا أحدَ له الألوهية غيره."
    قلت: بين الطبري ـ رحمه الله ـ في هذه النقول الفرق بين توحيد الربوبية و توحيد الإلوهية و بين أن هذا الأخير هو العبادة أو العبودية الذي يسميه السلفيون توحيد العبودية أو توحيد الإلوهية ،وهو كما قال الطبري صرف العبادة إلى الله ومن لم يأتي به فهو مشرك .
    وكون بعض الناس يقول الشهادة و يدعو غير الله أو يطوف بقبة و ضريح أو يدعو مقبورا من المقبورين أو يذبح لولي أو يقسم به و يتوكل عليه ويرجوه و يحبه أكثر مما يحب الله فهذا صرف للعبادة أي الألوهية لغير الله ،وهذا هو الشرك الذي ذم به الله مشركي العرب و غيرهم كالنصارى و اليهود.
    فنطق الرجل بالشهادة ليس مجرد التلفظ بها وهو لا يدري معانيها فإنه حينما يقول:لا إله إلا الله يقصد نفي الإلوهية عن كل ما سوى الله، و إذا كانت الإلوهية هي العبودية لله فما ذكرناه عن بعض الناس من استغاثة ونذر و ذبح و غيرها هو عين العبادة.
    كذلك يدل على هذا الشطر الثاني من الشهادة، فإن دل الأول على انه لا معبود بحق إلا الله دل الشطر الثاني:محمد رسول الله على أننا لا نعبد الله إلا بما شرع،فما لم يتقرب به النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله ولم يتخذه عبادة لا يجوز لنا أن نتخذه عبادة و إن استحسنه من استحسنه إذ الدين لا يتلقى إلا عن الله ورسوله.
    وزيادة في التوضيح ننقل ما قاله الطبري :
    قال:{213/14}:"قوله:(وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا)، فإنه يعني به: وما أمر هؤلاء اليهود والنصارى الذين اتخذوا الأحبارَ والرهبان والمسيحَ أربابًا، إلا أن يعبدوا معبودًا واحدًا، وأن يطيعوا إلا ربًّا واحدًا دون أرباب شتَّى، وهو الله الذي له عبادة كل شيء، وطاعةُ كل خلق، المستحقُّ على جميع خلقه الدينونة له بالوحدانية والربوبية "لا إله إلا هو" ، يقول تعالى ذكره: لا تنبغي الألوهية إلا للواحد الذي أمر الخلقُ بعبادته، ولزمت جميع العباد طاعته (سبحانه عما يشركون)، يقول: تنزيهًا وتطهيرًا لله عما يُشرك في طاعته وربوبيته، القائلون:(عزير ابن الله)، والقائلون:(المسيح ابن الله)، المتخذون أحبارهم أربابًا من دون الله."
    قلت: بين الطبري ـ رحمه الله ـ في هذا النقل والتفسير الدقيق أن الله تعالى لم يلم اليهود و النصارى على دعواهم بنوة عزير و المسيح بل كذلك على طاعتهم أحبارهم و رهبانهم فيما لم يأمر به الله تعالى،وهذا الذي أجاب به النبي صلى الله عليه و سلم عدي بن حاتم لما قرأ عليه هذه الآيات فقال عدي: لم يعبدوهم، فقال النبي صلى الله عليه و سلم:ألم يحلوا لهم الحرام و يحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم فتلك عبادتهم.
    أي أن الطاعة لا تكون إلا لله ولهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم: لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق، فهذا شرك الطاعة وهناك شرك المحبة وشرك الخوف وغيرها من الأنواع.
    قال الطبري :"فاعبدوا ربكم الذي هذه صفته ، وأخلصوا له العبادة ، وأفردوا له الألوهية والربوبية ، بالذلة منكم له ، دون أوثانكم وسائر ما تشركون معه في العبادة"
    يقصد أن الشرك في العبادة هو الشرك في الألوهية وهو منافي للتوحيد مناف للشهادة.
    وكون الشهادة لا تعصم إلا بحقها" يعصموا مني دماءهم إلا بحقها" ظاهر من القرآن،فإنها لم ترد في كلام النبي صلى الله عليه و سلم إلا مقرونة بالإخلاص و الإخلاص في الشهادة ينافي كل أنواع الشرك وصرف العبادة لغير الله..
    بيان من استعمل هذه الألفاظ من العلماء:
    الفرق بين الربوبية و الألوهية[1]:
    قال ابن حجر في"فتح الباري"{22/8}:" قال تعالى:{ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمهَا} و قوله :إله محمد ، إله الناس ورب الناس و إضافة الربوبية إلى المخلوقات المعظّمة تنويها بتعظيمها لأن الرّب هو المالك و القائم بالشيء".
    ثم بين ـ رحمه الله ـ خلافا للشيخ بلقرد أن مشركي العرب كانوا مقرين بتوحيد الربوبية و أن القرآن احتج عليهم بذلك ليلومهم على الشرك فقال:
    {126}:" وصله الطبري عن هناد بن السري عن أبي الأحوص عن سماك بن حرب عن عكرمة في قوله تعالى ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) قال يسألهم من خلقهم ومن خلق السماوات والأرض ؟ فيقولون : الله فذلك إيمانهم وهم يعبدون غيره ، ومن طريق يزيد بن الفضل الثماني عن عكرمة في هذه الآية ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) قال هو قول الله ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) فإذا سئلوا عن الله وعن صفته وصفوه بغير صفته وجعلوا له ولدا وأشركوا به وبأسانيد صحيحة عن عطاء وعن مجاهد نحوه وبسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : من إيمانهم إذا قيل لهم من خلق السماوات ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال قالوا الله وهم به مشركون"[2]
    فهذا ابن حجر يبين نقلا عن الطبري بأسانيد موصولة عن ابن عباس و غيره أن معنى الآيات التي يحتج بها السلفيون على أن توحيد الربوبية كان معروفا عند مشركي العرب، وكانوا مقرين به خلافا للشيخ بلقرد الذي يزعم ـ مخالفا نص القرآن ـ أنهم لم يكونوا مقرين بتوحيد الربوبية، لأنه في زعمه ووهمه أنهم إذا نسبوا خلق أنفسهم و خلق السماوات و الأرض و خلق أرزاقهم و أن الله يحي و يميت و انه إله آلهتهم كما كانوا يقولون في تلبيتهم " تملكه وما ملك" فليس هذا من توحيد الربوبية في شيء؟!
    فلم يفرق بين المقر بتوحيد الربوبية و المشرك فيه عندما ينسب الإعانة و النصر إلى غير الله ، فكون الشخص يقر بتوحيد الربوبية لا يعني أنه لا يشرك فيه، وكونه يقر بتوحيد الأولهية و يأتي بغالبيته لا يعني أنه لا يشرك فيه عندما يصرف بعض أعماله العبادية إلى غير الله، فهناك فرق واضح بين الإقرار و الشرك فيه.
    ثم إن من عجيب ما يستدل به الشيخ بلقرد على أن مشركي العرب لم يكونوا مقرين بتوحيد الربوبية هو أنهم لم يكونوا يؤمون بالبعث و النشور، ومعلوم أن من العرب من كان يؤمن بالبعث و النشور كأمية بن أبي الصلت و زهير بن أبي سلمى كماهو موضح في كتب السيرة.
    كما أن الإيمان بالبعث و النشور ليس من لوازم صفات الربوبية بل هو مما نتلقاه بالخبر الشرعي قد يستدل عليه بالعقل بعض الناس، ولكن هو من الأخبار الشرعية ولو كان من لوازم الربوبية ليس من لواحقها كان من ينكر حشر الأجساد من المتكلمين و الفلاسفة وينكر عذاب القبر من منكري هذا التوحيد.
    عودة إلى بيان من استعمل هذه الألفاظ من العلماء:
    قال المناوي في "فيض القدير"{206/6}:" - (من شهد أن لا إله إلا الله) أداة الحصر لقصر الصفة على الموصوف قصر إفراد لأن معناه الألوهية منحصرة في الله الواحد في مقابلة من يزعم اشتراك غيره معه وليس قصر قلب لأن أحدا من الكفار لم ينفها عن الله وإنما أشرك معه غيره (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله) [ لقمان : 25 ]"
    قلت: فهذا المناوي يستعمل مصطلح الألوهية في معنى العبودية، و يبين أن مشركي العرب لم ينفوا استحقاق الله معنى الشهادة ولكنهم أشركوا به.
    قال في "عون المعبود"{106/3}في تفسير دعاء الإصباح:" أُشْهِدك":أي أجعلك شاهدا على إقراري بوحدانيتك في الإلوهية و الربوبية وهو إقرار للشهادة و تأكيد لها و تجديد لها في كل صباح ومساء".
    ومثله في " تحفة الأحوذي"{400/8}:" من الإشهاد أي نجعلك شاهدا على إقرارنا بوحدانيتك في الألوهية و الربوبية وهو إقرار للشهادة و تأكيد لها و تجديد لها في كل صباح و مساء و عرض من أنفسهم أنهم ليسوا عنها غافلين".
    ومعلوم أن دلالة الاقتران في السياق تدل على المغايرة في المعنى فهنا إثبات للوحدانية في الإلوهية وللوحدانية في الربوبية وهي معان متغايرة كما هو واضح.
    قال في " العرف الشذى للكشميري"{180/3}: ( اللَّه اللَّه الخ ) الأول مبتدأ و الثاني تأكيد له و"ربي" خبر، وجملة " لا أشرك" خبر بعد خبر، ومعنى " لا أشرك به" أي في العبادة أو إثبات الإلوهية".
    قال المناوي في"فيض القدير"{18/1}:"الشريك من المشاركة وهي المعاونة والمساعدة في الشئ أو عليه وذلك ينافي الألوهية وهو تأكيد لتوحيد الذات والمتوحد ذو الوحدانية وزاد مقام الخطاب بالثناء توضيحا وتقريرا بقوله ضرورة احتياجه إلى الغير فانتفائه ضروري قطعا وهو توكيد لتوحيد الأفعال ردا على المعتزلة".
    وهذه نقول أخرى عن بعض العلماء تبين استعمالهم لهذه الألفاظ في التوحيد ولو على مرادهم هم المقصود أنهم لا يعدونها مستحدثة.
    قال أبو حيان التوحيدي في"البصائرو الذخائر"{113/1}:" وكذلك يفعل الله بمن لا يحفظ شرائط العبودية، ولا يقف عند حدود البشرية، ولا ينصاع لأمر الألوهية، ولا يسلم لله أحكام الربوبية."
    قال أبو حاتم محمد ابن حبان البستي في"روضة العقلاء و نزهة الفضلاء"{1/1}:" الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية".
    قال المقري في ترجمة أبي العباس المرسي في كتابه"نفح الطيب"{192/2}:" قال، رضي الله تعالى عنه: التقوى في كتاب الله، عزّ وجلّ، على أقسام: تقوى النّار، قال الله سبحانه وتعالى " واتّقوا النّار " وتقوى اليوم، قال الله تعالى " واتّقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، وتقوى الربوبية، قال الله تعالى " يا أيّها النّاس اتّقوا ربّكم " وتقوى الألوهية " واتّقوا الله " وتقوى الإنّية " واتّقوى يا أولي الألباب "
    قال ابن عجيبة التطواني في"إيقاظ الهمم شرح متن الحكم العطائية"{133/1}:" حكمة الحكيم اقتضت تغطية أسرار الربوبية بأنوار سبحات الألوهية"
    قال محي الدين بن عربي في"الفتوحات المكية"{213/1}:" توحيد الذات وتوحيد المرتبة وهي الألوهية بلوازمها من الأحكام المشروعة التي هي حق الإسلام في قوله صلى الله عليه وسلم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله"
    وقال" منه ما هو توحيد الواحد ولهذا يرى بعض العلماء الإلهيين أن الله هو الذي توحيد الألوهية ومنه ما هو توحيد الهوية".
    معنى ذلك أن اسم الجلالة"الله" يدل على الألوهية التي هي صرف الأحكام المشروعة لله تعالى.
    وقال:" قد يكون عتق الرقاب من الألوهية بالعبودة فإن الشخص يتقيد بالربوبية فيطلب منه ما ليس بيده منه شيء وإنما ذلك بيد الله فيحار فيعتقه الله من هذه النسبة إليه بما أظهر فيه عند المعتقد فيه ذلك من الجبر والافتقار وسلب هذه الأوصاف فعاد حرّاً في عبوديته فلم يكن له قدم في الربوبية فاستراح فهذا عتق أيضاً شريف حيث تخلص لنفسه من تعلق الغير به كما خلص بالتهليل الألوهة لله"
    هذه النقول عن ابن عربي لبيان انه كان يعلم أن الألوهية المقصود منها صرف العبادة إلى الله و أن معناها غير معنى الربوبية.
    نقل أبو نعيم الأصبهاني في"حلية الأولياء"{380/4}:" حدثني عنه عثمان قال: كنت أمشي مع الجنيد فلقيه الشبلي فقال له: يا أبا القاسم ما تقول فيمن الحق حسبه نعتاً وعلماً ووجوداً؟ فقال له: يا أبا بكر جلت الألوهية، وتعاظمت الربوبية، بينك وبين أكابر الطبقة ألف طبقة في أول طبقة منها ذهب الاسم."
    قال الزركشي في"البرهان في علوم القرآن"{201/2}:"قوله تعالى: {ادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ}{شُهَدَا ءَكُمْ} احتمل معنيين: أحدهما : أن يكون المعنى ادعوا الذين تجاوزتم في زعمكم شهادة الله أي شهادتهم لكم يوم القيامة والثاني: على أن يراد بشهدائكم آلهتكم أي ادعوا الذين تجاوزتم في اتخاذكم ألوهية الله إلى إلوهيتهم"
    أي شرككم في عبادته بجمعكم بين ألوهية الله و إلوهية أصنامكم.
    قال الألوسي في "تفسيره"{394/2}:"{ وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ } في الخيانة وإنكار الحق وفي الجمع بين عنوان الألوهية وصفة الربوبية من التأكيد والتحذير ما لا يخفى ، وقد أمر سبحانه بالتقوى عند الوفاء حسبما أمر بها عند الإقرار تعظيماً لحقوق العباد وتحذيراً عما يوجب وقوع الفساد ."
    "آمن { بالله } أي صدق به وبصفاته ونفى التشبيه عنه وتنزيهه عما لا يليق بكبريائه من نحو الشريك في الألوهية والربوبية وغير ذلك"
    وقال في تفسير طلب عيسى عليه السلام نزول المائدة{189/5}:" دعا الله تعالى فقال : { اللهم رَبَّنَا } ناداه سبحانه وتعالى مرتين على ما قيل مرة بوصف الألوهية الجامعة لجميع الكمالات وأخرى بوصف الربوبية المنبئة عن التربية إظهاراً لغاية التضرع ومبالغة في الاستدعاء وإنما لم يجعل نداء واحداً بأن يعرب { رَبَّنَا } بدلاً أو صفة لأنهم قالوا : إن لفظ اللهم لا يتبع، وفيه خلاف لبعض النحاة . وحذف حرف النداء في الأول وعوض عنه الميم وكذا في الثاني إلا أن التعويض من خواص الاسم الجليل أي يا الله يا ربنا ."
    قوله تعالى:{ قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُ مْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ{ قُل لِلَّهِ } تقرير للجواب نيابة عنهم أو إلجاء لهم إلى الإقرار بأن الكل له سبحانه وتعالى وفيه إشارة إلى أن الجواب قد بلغ من الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكر ولا على دفعه دافع فإن أمر السائل بالجواب إنما يحسن كما قال الإمام في موضع يكون فيه الجواب كذلك ، قيل : وفيه إشارة إلى أنهم تثاقلوا في الجواب مع تعينه لكونهم محجوجين ، وذكر عصام الملة أن قوله سبحانه وتعالى : { قُل لّمَنِ } الخ معناه الأمر بطلب هذا المطلب والتوجه إلى تحصيله . وقوله عز وجل : { قُل لِلَّهِ } معناه أنك إذا طلبت وأدى نظرك إلى الحق فاعترف به ولا تنكره . وهذا إرشاد إلى طريق التوحيد في الأفعال بعد الإرشاد إلى التوحيد في الألوهية وهو الاحتراز عن حال المكذبين . وفي هذا إشارة إلى وجه الربط وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً ما يعلم منه الوجه الوجيه لذلك ، والجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف أي لله تعالى ذلك أو ذلك لله تعالى شأنه .
    قوله تعالى:{ { قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا }أي أنعبد متجاوزين عبادة الله تعالى الجامع لجميع صفات الألوهية التي من جملتها القدرة على النفع والضر ما لا يقدر على نفعنا أن عبدناه ولا على ضرنا إذا تركناه ، وأدنى مراتب المعبودية القدرة على ذلك ."
    قال الشوكاني في"فتح القدير"{90/8}:"{ إله الناس } هو أيضاً عطف بيان كالذي قبله لبيان أن ربوبيته ، وملكه قد انضمّ إليهما المعبودية المؤسسة على الألوهية المقتضية للقدرة التامة على التصرف الكلي بالاتحاد والإعدام ، وأيضاً الربّ قد يكون ملكاً ، وقد لا يكون ملكاً ، كما يقال ربّ الدار ، وربّ المتاع ، ومنه قوله : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله } [ التوبة : 31 ] فبين أنه ملك الناس . ثم الملك قد يكون إلها ، وقد لا يكون ، فبيّن أنه إله؛ لأن اسم الإله خاصّ به لا يشاركه فيه أحد ، وأيضاً بدأ باسم الربّ ، وهو اسم لمن قام بتدبيره ، وإصلاحه من أوائل عمره إلى أن صار عاقلاً كاملاً ، فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك ، فذكر أنه ملك الناس . ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه ، وأنه عبد مخلوق ، وأن خالقه إله معبود بيّن سبحانه أنه إله الناس ، وكرّر لفظ الناس في الثلاثة المواضع؛ لأن عطف البيان يحتاج إلى مزية الإظهار؛ ولأن التكرير يقتضي مزيد شرف الناس ."
    قال الرازي في "تفسيره" {321/7}:" الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر ، من لوازم الإيمان بالله وحده ، إذ المراد من قوله : { وَحْدَهُ } هو وحده في الألوهية ، ولا نشك في أن الإيمان بإلوهية غيره ، لا يكون إيماناً بالله ، إذ هو الإشراك في الحقيقة ، والمشرك لا يكون مؤمناً"
    قال في "تفسير البيضاوي{351/3}:" كما ذكر الواحد في قوله : { إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ } للدلالة على أن المقصود إثبات الوحدانية دون الإِلهية ، أو للتنبيه على أن الوحدة من لوازم الإِلهية"
    قلت: هذه بعض النقول عن السلف وعن العلماء تبين وجه الفرق بين الربوبية و الألوهية ومشروعية هذا التفريق و التقسيم، وتبين أن توحيد الألوهية هو توحيد العبودية أي صرف العبادة كل العبادة لله تعالى كما تبين أن مشركي العرب كانوا مشركين في الألوهية أكثر من شركهم في الربوبية التي كانوا مقرين بها.
    قال الطبري :حدثني يونس ، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال: قال: سمعت ابن زيد يقول:( وما يؤمن أكثرهم بالله ) ، الآية ، قال: ليس أحدٌ يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله ، ويعرف أن الله ربه ، وأن الله خالقه ورازقه ، وهو يشرك به. ألا ترى كيف قال إبراهيم:( أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ ) [سورة الشعراء: ]؟ قد عرف أنهم يعبدون رب العالمين مع ما يعبدون. قال: فليس أحد يشرك به إلا وهو مؤمن به. ألا ترى كيف كانت العرب تلبِّي تقول:"لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك ، إلا شريك هو لك ، تملكه وما ملك".
    قال القرطبي في"تفسيره"{303/9}:"(قل أفأتخذتم من دونه أولياء) هذا يدل على اعترافهم بأن الله هو الخالق [ وإلا ] لم يكن للاحتجاج بقوله: " قل أفاتخذتم من دونه أولياء " معنى، دليله قوله: " ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله " [ الزمر: ] أي فإذا اعترفتم فلم تعبدون غيره ؟ ! وذلك الغير لا ينفع ولا يضر، وهو إلزام صحيح.
    ثم ضرب لهم مثلا فقال: (قل هل يستوي الأعمى والبصير) فكذلك لا يستوي المؤمن الذي يبصر الحق، والمشرك الذي لا يبصر الحق."
    "قوله تعالى:{ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم} قوله تعالى: " ولئن سألتهم " يعني المشركين.
    " من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم " فأقروا له بالخلق والإيجاد، ثم عبدوا معه غيره جهلا منهم."
    بيان معنى توحيد الربوبية:
    لكي نفهم توحيد الربوبية وكونه من المعارف الفطرية الضرورية ولذلك لم يأت القرآن على ذكره إلى لبيان أنه يستلزم توحيد الإلوهية يجب أن نبحث ولو بإيجاز مسألة معرفة الله فإن الذين أنكروا تقسيم التوحيد إنما ينطلقون من خلفية اعتزالية في هذه المسألة معروفة عنهم وهي أن المعارف نظرية أي تحصل بالعقل و النظر.
    أما من أدرك أن معرفة الله من المعارف المغروسة في فطرة الإنسان فهي ضرورية أصلا، ولكنها تدرك كذلك بالعقل و النظر ،يفهم أهمية تركيز القران على توحيد الإلوهية و قيام الخصومة بين الأنبياء و قومهم من آجله.
    1 ـ معرفة الله تعالى[3]:
    الدليل على أن المخلوقات تعرف الله من غير طريق النظر:
    لقد أخبر الله سبحانه و تعالى في كتابه عن معرفته فقال:{ و إن من شيء إلا يسبح بحمده} قال ابن عباس: حتى النبات الذي خلقه يسبح بحمده، و قال تعالى:{يا جبال أوبي معه و الطير}، وقال:{أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين و الشمائل سجدا لله وهم داخرون} يعني :صاغرون، و قال سبحانه:{ ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض و الشمس و القمر و النجوم و الجبال و الشجر و الدواب وكثير من الناس و كثير حق عليه العذاب}،وهذا إعلام للبشر بأن كل شيء يسبح بحمده و يسجد لعظمته، ويعترف بإلوهيته ووحدانيته ، وقد علمنا أنه لا يجوز أن تسجد الأشياء و تسبح لمجهول.
    كذلك اعتراف المخلوقات بفضائل رسله و ما استفاض من مخاطبات الجمادات له صلى الله عليه و سلم و سلامها عليه وحنين الجذع إليه يدل على هذه المعرفة.
    فالبهائم أبهمت إلا عن معرفة بارئها.
    و النتيجة أن هذه الأشياء عرفت الله من غير طريق العقل و الاستدلال مما يلزم منه أن معرفة الله مغروسة في الإنسان من طريق أولى، فهو لا يكتسبها نتيجة نظره و استدلاله إنما النظر و الاستدلال يزيدان فيها.
    لماذا لا تعتمد معرفة الله على غيره؟
    ـ لقد علمنا أن معرفة الله حق لنفسه إذ هو الخالق لكل شيء ، وهو خلق الأشياء مجهولة ثم عرّفها لخلقه و جلاها لهم بالأسماء فعرفت من بعد جهلها، وهذا دليل حدوثها،فلزم منه أن الله سبحانه ليس كالحوادث التي عرفت بغيرها،لأن كل معروف بغير نفسه مجهول وكل تام بغيره معلول.
    إذ معرفة الله بغيره دليل قاطع على وجود علة المجهول فيه، فمتى عرف بغيره استلزم ذلك ارتفاع الجهالة عنه بغيره الذي لولاه لم يعرف الله، فصارت معرفته بغيره صارخة بفقره إلى من ارتفعت عنه به علة المجهول،و الغيرية علة،و العلة لا تصحب إلا معلولا.
    فلولا وجود زيد ما عرف عمرو، وبوجود زيد زالت الجهالة عن عمرو، فصار زيد مفتقرا إلى وجود عمرو و اسمه لزوال الجهالة عنه به و باسمه.
    فمن المعارف الضرورية الأولية أن المخلوق يفتقر إلى علة يعرف بها، بخلاف الله سبحانه الذي لا نظير له فهو غير مفتقر إلى علة يعرف بها ويقوم بها،بل الخلق كلهم مفتقرون إليه و على معرفته
    فهذا إشارة إلى المعرفة الفطرية، فإنه لم يعرف فيها بغيره،بل كان هو المعروف بها بنفسه إلى خلقه، فالمعرفة الفطرية هي التي تنفي عنه سبحانه أن يقوم بالعلل فيصير مدلولا بعدما كان دليلا.
    فمن ثبت بغيره و نفي بغيره كان إثباته تخييرا، وتلك علل المحدثات الممكنات، والله ثابت بثباته معروف بنفسه، لم يعرف بعد جهل.
    وعليه فهذه المعرفة الفطرية هي أساس توحيد الربوبية ولكنها ليست هذا التوحيد بتمامه لذلك كانت معرفة لا يقع بها إيمان ولا توحيد لأنها إقرار للضرورة، ليس للكافر فيها اختيار ولو كانت كذلك لجحدها،والملحد في حقيقته معاند في جحوده الخالق إذ لا يوجد ملحد زعم انه خلق نفسه لأنه من المعارف الضرورية فيه انه لم يوجد نفسه وسواء سمى من أوجده الطبيعة أو البكتريا فقد نسب إيجاده إلى محدثات مثله علم بالضرورة انه هو الآخر لم يوجد نفسه.
    ولو كانت هذه المعرفة الفطرية مكتسبة لوقع بها إيمان و ثواب بل هي ضرورة يرجع إليها في الشدائد، قال تعالى:{ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون}.
    فهذه الضرورة ألزم بها الخلق كما في قوله تعالى :{وله اسلم من في السماوات و الأرض طوعا وكرهافالله سبحانه المعروف الذي لا ينكره شيء و المعلوم الذي لا يجهله شيء.
    ولذلك بين القرآن أن الرسل دعت إلى توحيد الإلوهية، وبه وقع الكفر من منكريه، وهو مكتسب لم يجب بالعقل كما زعمت المعتزلة،لان هذه المقالة تضاهي مقالة البراهمة حيث زعمت أن في قوة العقل كفاية عن بعثة الرسل، و الله تعالى لم يخبرنا أنه ما كان يعذبنا حتى يرزقنا عقولا ولكن حتى يبعث رسولا.
    و إن كان العقل حجة فهو حجة تابعة و الرسل حجة الله الظاهرة فالسمع يرشد العقل،وبوجود الرسل صح التكليف فهم الحجة الظاهرة المبلغة عن الله مراده والمخبرة بأمره و الداعية إلى سبيله،و الرسل لم تأت للإقرار المعارف الفطرية و لكن لإتمامها ،وقد قيل لبعض العارفين : بم عرفت الله؟ قال: بالله،فقيل:فأين العقل؟، فقال: العقل عاجز يدل على عاجز.
    ولو كان توحيد الله بالربوبية معروفا عن طريق العقل لما قالت قريش مع كونها ذوي عقول كما اخبر الله عنهم:{أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب}، فإن كان لا عقل لها فلا حجة عليها، و إن كانت ذوي عقول فما أغنت عنهم عقولهم.
    خلاصة هذا الباب:
    معرفة الله أجل و أعظم و اكبر من أن تخفى ، و أشرف من أن يتناولها معقول،فالله سبحانه و تعالى ليس في حيز المجهولات فيستدل عليه، ولا محدود بالعقل ،عرفه المسلمون و غيرهم بما تعرف به إليهم، ووصفه أهل السنة بما وصف به نفسه،إذ به عرفت المعارف ووجدت الدلائل،عرّفنا نفسه،وعرّفنا رسله بما اظهر على أيديهم من المعجزات و البراهين والآيات،وتعرّف إلينا على ألسنتهم،إذ لا وصول لنا إلى مراده منا إلا بما أرسل،فوجب أن نوحده بما وحد به نفسه، ونثني عليه بثنائه ونشكره على آلائه كما علمنا رسوله،إذ الله جل في علاه الغني عن كل شيء، وكل شيء إليه فقير،فلفقرنا لم نعرفه بنا ولغنائه عنا عرفناه به.
    لقد خلق البشر على الفطرة، وبعث إليهم الرسل،وعلمهم العلم،وركب فيهم العقل بالفكر و النظر و القياس،فبالفطرة عرفوه، و بالوسائل عبدوه،فلولا ما عرفوه من طريق ربوبيته بالفطرة و الضرورة، ولولا إرسال الرسل ما عرفوا توحيده حقيقة التوحيد ولا كيف يطيعوه.
    وإذا أثبت أهل الكلام معارف ضرورية كمعرفة الإنسان بوجود نفسه لزم أن معرفة الربوبية أولى بهذا الإنسان ولازمة لمعرفة نفسه.
    تعريف الفطرة:
    هي معرفة الربوبية، فهو سبحانه يخلق خلقه مقرين عارفين، لا موحدين ولا جاحدين،وقد بين القران أن الله خلق عباده على الفطرة قال تعالى:{ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم}،ومعناه أن الرسل بعثوا بتكميل الفطرة و تقريرها لا إفسادها و تغييرها.
    وفي صحيح مسلم:"إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم و أمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا"[4].يعني عارفين عرفوه بوحدانيته، و أقروا له بمعرفة ربوبيته، و إنما جحدوا معرفة توحيد الألوهية الذي تعبدهم به على ألسنة الرسل، وهو قوله تعالى:{وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}.
    وعليه يستلزم أن العقول السليمة مفطورة على معرفة الحق كالإقرار بالخالق و الاعتراف بوجود واجب الوجود أزلي،فالمحدث يعلم ضرورة أنه لم يحدث نفسه،ويعرف أنه لكل أثر مؤثر، ولكل بناء بان، ولكل كتابة كاتب،فالمحدث يعلم انه في وجوده وكماله عاجز فكيف في عدمه و عجزه؟
    قال الله تعالى :{ أفي الله شك}،وقال:{ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله}، و قال:{و لئن سألتهم من خلق السماوات و الأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم}.
    بيان أن النزاع بين الرسل و أقوامهم في توحيد الإلوهية:
    فهذه الآيات و غيرها تبين أن التكليف لم يرد بمعرفة الصانع، و إنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشريك، قال النبي صلى الله عليه و سلم:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" ، لم يقل:حتى يعرفوا الله أو حتى يقولوا:إن ربهم ربا،إذ هم عارفون بذلك، و إنما أمرتهم الرسل أن يصلوا معرفة توحيد الربوبية بتوحيد العبودية ، فالأنبياء لهم مدخل في معرفة توحيد الألوهية دون معرفة الوحدانية و الربوبية، إذ لكل معرفة مقام، فليس للعقل و النظر و الاستدلال في معرفة الربوبية حكم، لكونها عامة موجودة ممن يصح منه النظر والاستدلال وممن لا يصح منه،فلو كلفهم كلهم النظر و الاستدلال لكان مكلفا لهم شططا،إذ لا يصح من الكل النظر و الاستدلال ،ويصح من الكل المعرفة الضرورية، فحملهم من ذلك ما رفع به عنهم الشطط.
    ولهذا جعل محل النزاع بين الرسل و بين الخلق في توحيد الألوهية، قال تعالى:{ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم و إن يشرك به تؤمنوا}، و قال:{و إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة}،و قال:{و إذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولو على أدبارهم نفورا}.
    فالتوحيد عند أهل السنة كما دل عليه القرآن و السنة ليس مجرد الإقرار بالصانع، بل يجب أن يتبعه عبودية لله بالحب و التعظيم ،و إخلاص الدين له،و أصل الإيمان: قول القلب وعمله أي: علمه بالخالق و عبوديته للخالق، والقلب مفطور على هذا وهذا،و بعض الناس يخرج عن الفطرة بما يعرض له من المرض بسبب الجهل أو الظلم الذي هو جحود آيات الله المتلوة و المجلوة.
    ومعلوم أن وجود حب الله و خشيته و الرغبة إليه و تألهه في القلب فرع وجود الإقرار به، وهذا الثاني مستلزم للأول، فإذا كان هذا يكون ضروريا في القلب فوجود الإقرار السابق عليه اللازم له أولى أن يكون ضروريا، فإن ثبوت الملزوم لا يكون إلا مع ثبوت اللازم.
    وهذا لا يمنع من أن صحة الفطرة تحتاج إلى حسن النظر لمعرفة فساد الاعتراضات على الكتاب و السنة قال تعالى:{ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا}، و قال:{ و لقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا}، و قال:{ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون}،و قال:{ ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق و أحسن تفسيرا}.
    فالعلوم الفطرية الضرورية حاصلة مع صحة الفطرة و سلامتها، وقد يعرض للفطرة ما يفسدها ويمرضها فترى الحق باطلا،فما يخطر على البال من شبهات فلا يمكن أن يبينه خطاب على وجه التفصيل:
    و كون معرفة الله بالفطرة و الضرورة لازم للبشر حتى في علومهم فغنها لا تقوم بدون هذه الفطرة و الضرورة المغروسة فيهم،فبدون معرفة الله المغروسة فيهم لا يقوم للبشر علم صحيح.
    فالبرهان الذي ينال بالنظر فيه العلم لابد أن ينتهي إلى مقدمات ضرورية فطرية، فإن كل علم ليس بضروري لابد أن ينتهي إلى علم ضروري،إذ المقدمات النظرية لو أثبتت بمقدمات نظرية دائما لزم الدور القبلي أو التسلسل في المؤثرات في محل له ابتداء وكلاهما باطل بالضرورة،فإن العلم النظري الكسبي هو ما يحصل بالنظر في مقدمات معلومة بدون النظر، إذ لو كانت تلك المقدمات أيضا نظرية لتوقفها على غيرها، فيلزم تسلسل العلوم النظرية في الإنسان، و الإنسان حادث كائن بعد أن لم يكن، و العلم الحاصل في قلبه حادث، فلو لم يحصل في قلبه علم إلا بعد علم قلبه، للزم أن لا يحصل في قلبه علم ابتداء،فلابد من علوم بديهية أولية يبدؤها الله في قلبه، و غاية البرهان أن ينتهي إليها ثم تلك العلوم الضرورية قد يعرض فيها شبهات ووساوس.
    و الشبهات القادحة في تلك العلوم لا يمكن الجواب عنها بالبرهان، لأن غاية البرهان أن ينتهي إليها، فإذا وقع الشك فيها انقطع طريق النظر و البحث، ولهذا كان من أنكر العلوم الحسية و الضرورية لم يناظر بل يجب مداواته ،ولهذا اتفق العقلاء أن كل شبهة تعرض لا يمكن إزالتها بالبرهان و النظر و الاستدلال، و إنما يخاطب بالبرهان و النظر و الاستدلال من كانت عنده مقدمات علمية ،وكان ممن يمكنه أن ينظر فيها نظرا يفيده العلم بغيرها،فإن لم يكن عنده مقدمات علمية ،أو لم يكن قادرا على النظر لم تمكن مخاطبته بالنظر و الاستدلال.
    فإذا كان لا طريق إلى المطلوب من معرفة الله إلا الاستشهاد بالأفعال الإلهية، ولا شهادة للفعل إلا من حيث احتياج الفطرة و اضطرار الخلقة فحيثما كان الاضطرار و العجز أشد كان اليقين أوفر و أوكد،قال تعالى:{ و إذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه}،{أمن يجيب المضطر إذا دعاه} و المعارف التي تحصل من تعريفات أحوال الاضطرار أشد رسوخا في القلب من المعارف التي هي نتائج الأفكار في حال الاختيار".
    الخلاصة:
    معرفة الله الأولية ليست معدودة من النظريات التي يقام عليها البرهان، و أن الفطرة تشهد بضرورتها، و بديهة فكرتها بالصانع الحكيم، و أن ما تنتهي إليه مقدمات الاستدلال بإمكان الممكنات أو حدوثها من القضايا الضرورية، دون ما شهدت به الفطرة الإنسانية من احتياج الإنسان في ذاته إلى مدبر.
    الأدلة على أن معرفة الله تكون أولا بالفطرة ثم بالسمع:
    الدليل على أن معرفة الله الكاملة إنما تدرك بالسمع، وأنه لا مدخل للعقول فيها قبل ورود السمع بها : أن العقل مخلوق كالحواس الخمس من البصر والسمع والشم واللمس والمذاق، ثم المقسوم منه يتفاضل الخلق فيه، يعلم ذلك كل أحد ضرورة ،فإذا كان كذلك وجملة هذا أن الله لم يجعل اللمس سبيلا إلى إدراك الأراييح، ولا الشم سبيلا إلى إدراك المسموعات، بل جعل كل واحد منهما سبيلا لإدراك ما خص به، وإن كنا نجوز أن يفعل ذلك.
    كذلك العقل لم يجعل الله له سبيلا إلى إدراك السواد والبياض، ولا إلى إدراك المشام والطعوم، بل جعل الله له سبيلا إلى التمييز بين الموجودات، وإلى إدراك فهم السمعيات والفرق بين الحسن منها والقبيح، والباطل منها والصحيح، فإذا نظر إلى المصنوعات التي لا سبيل للخلق إلى مثلها، ويعجز كل فاعل عنها، وتحقق بصحة التمييز المركب فيه - إذا أراد الله هدايته - أن المحدثات لا تصنع نفسها علم أنها مفتقرة إلى صانع ،غير أنه لا يعرف من هو قبل ورود السمع، فإذا ورد السمع بأن الصانع هو الله قبله العقل، ووقع له فهم في السمع، وتحقق صحة الخبر، وعرف الله من ناحية السمع، لا من ناحية العقل، لأن العقل بمجرده لا يعلم من الصانع قط، وأكثر ما في بابه أن يقع به التمييز، فيبقى أن يفعل الجماد نفسه، ويقتضي بالشاهد على الغائب، فأما أن يعرف من الصانع، فمحال إلا من جهة السمع .
    والدليل على صحة اعتبارنا أن الله خاطب العقلاء بالاعتبار فقال { فاعتبروا يا أولي الأبصار } يعني البصائر وقال : { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب } أي عقل وقال : { ليتذكر أولو الألباب } فأمرهم باعتبار ما جعل لهم سبيلا إلى اعتباره دون غيره.
    ثم الدليل القاهر هو القاضي بصحة ما ذكرت : أن الله عز وجل حجب عن الخلق - من الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين وسائر الخلق أجمعين - معرفة ما هو، ولم يجعل لهم طريقا إلى علم مائيته، ولا سبيل إلى إدراك كيفيته، جل أن يدرك، أو يحاط به علما وتعالى علوا كبيرا : { ولا يحيطون به علما } فمنع من إحاطة العلم به، فلا سبيل لأحد إليه.
    وقال : { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } فنفى عن نفسه الأشباه والأمثال، فمنع من الاستدلال عليه بالمثلية، كما منع الدليل على إدراك كيفيته أو علم ماهيته، فهذا الذي لا سبيل للعقل إلى معرفته، ولا طريق له إلى علمه.
    ثم كلف جل اسمه سائر بريته، وأفترض على جميع المكلفين من خليقته علم من هو ليعرف الخلق معبودهم، ويعلموا أمر إلههم وخالقهم، فلما كلفهم ذلك نصب لهم الدليل عليه سمعا، ليتوصلوا به إلى أداء ما افترض عليهم من عبادته، وعلم ما كلفهم من معرفته، علمنا منه، جلت عظمته بأن لا طريق للعقل إلى علم ذلك بحال فقال تعالى : { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني } وقال : { ذلكم الله ربكم } وقال : { الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم } وقال : { هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم * هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون * هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم }
    ولو سألهم قبل أن يسمعوا باسمه عن تأويل من خلقهم ما كان لهم طريق إلى علم ذلك، لأن الأسماء لا تسمع من جهة العقل.
    قال : فثبت وتقرر بالدليل الذي لا يحتمل إلا ما ذكرناه : أن الله العظيم لم يعرف إلا من جهة السمع، لإحاطة العلم أنه لا طريق للعقل بمجرده إلى معرفة هذه الأسماء، ولا إلى معرفة المسمى، لو لم يرد السمع بذلك، ومدعي ذلك ومجوزه من ناحية العقل يعلم بطلان دعواه ضرورة .
    وعليه فمعرفة الله الأولية فطرية ضرورية، ومعرفته الشرعية الكاملة تقع استدلالا، لا اضطرارا، لأنه لو كانت تعلم بضرورة لاستوى فيها العقلاء، فثبت أن هذه المعرفة الثانية وهي معرفته بأسمائه و صفاته وما يحب و ما يبغض و ما يسخط وما يرضى لا تقع إلا من ناحية السمع على ما نقول : إن الله لا يخلى خلقه في وقت من الأوقات، ولا في عصر من الأعصار ممن يعرفه إليهم، فتعرف إليهم على ألسنة رسله، وأرسل الرسل بالدعاء إليه، والدلالة عليه لكيلا تسقط حجج الله.
    وكان كل نبي يعرف أمته معبودهم كقول نوح لقومه : { يا قوم إني لكم نذير مبين * أن اعبدوا الله } وكقول شعيب : { يا قوم اعبدوا الله }
    وكذلك في قصص غيرهم من الرسل، كل منهم يديم الدعوة لقومه، فإذا قبض كان حكم شريعته قائما في حال الفترة إلى أن ينسخها الله بإرسال نبي آخر، فيقوم الثاني لأمته في التعريف والدعوة قيام الماضي لأمته، فما أخلى الله الخلق من سمع يعرفونه به، ويستدلون به على ربوبيته ومعرفة أسمائه.
    تعليق ابن تيمية
    قلت : ففي هذا الكلام قد جعل العلم ثلاثة أنواع : أحدها : هو الذي يعرف بالعقل والثاني : المعرفة التي لا تحصل إلا بالسمع والثالث : ما لا سبيل إلى معرفته لا بعقل ولا بسمع.
    إن المعرفة لو كانت بالعقل لكان كل عاقل عارفا، ولما وجد جماعة من العقلاء كفارا دل على أن المعرفة لم تثبت بالعقل،ألا ترى أن ما يدرك بالضرورة لا يختلف أرباب النظر فيه ؟ وهذا إنما ينفي المعرفة الإيمانية، وإلا فعامة العقلاء يقرون بالصانع.
    وأيضا فهذا ينفي أن تكون المعرفة الإيمانية ضرورية، وهو أيضا يوجب أن الطرق العقلية لا تفصل مورد النزاع، ولا يحصل عليها الإجماع، فإن الطرق القياسية العقلية النظرية وإن كان منها ما يفضى إلى العلم، فهي لا تفصل النزاع بين أهل الأرض تارة لدقتها وغموضها، وتارة لأن النفوس قد تنازع في المقدمات الضرورية، كما ينازع أكثر النظار في كثير من المقدمات الضرورية.
    ولهذا لم يأمر الله عند التنازع إلا بالرد إلى الكتب المنزلة،قال تعالى : { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } فجعل الحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه الكتاب المنزل من السماء.
    وقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } فأمر عند التنازع بالرد إلى الله والرسول.
    ولهذا المعرفة لا تحصل بمجرد العقل ،لأن المعرفة لو كانت بالعقل لوجب أن يكون كل عاقل عارفا بالله تعالى، مجمعا على رأي واحد في التوحيد، ولما وجدنا جماعة من العقلاء كفارا مع صحة عقولهم ودقة نظرهم - دل على أن المعرفة لم تحصل بالعقل، لأن العقل حاسة من جملة الحواس، فالحواس لا تختلف في محسوساتها، ألا ترى أن ما يدرك بالنظر من أسود وأحمر وأخضر وأصفر وحيوان وحجر لا يختلف أرباب النظر فيه ؟ فدل على أن معرفة الله حصلت بمعنى غير العقل لوجود الاختلاف في المعرفة، والاتفاق فيما طريقة العقل والحواس .
    لو كان العقل علة في معرفة الباري لوجب أن تحصل المعرفة بوجوده وتعدم بعدمه كالمنظورات تدرك بوجود البصر وتعدم معرفتها ونظرها بعدم البصر وكذلك المسموعات وسائر المحسوسات،ولما رأينا المسلم يرتد عن الإسلام مع وجود عقله الذي كان به قبل الارتداد مؤمنا، علمنا أن المعرفة حصلت له بغير ذلك، وكذلك نرى المؤمن بالله يذهب عقله، ويحكم بجنونه، وهو باق على المعرفة ،مقر بالتوحيد، عارف بالله، وعقلاء كثيرون يكفرون بالله، ويشركون به، فدل على أن المعرفة مستفادة بمعنى غير العقل.
    وهذا الكلام يقتضي أن مجرد الغريزة ولوازمها لا تستلزم المعرفة الواجبة على العباد وهذا مما لا ينازع فيه أحد فإن من يقول : إن المعرفة تحصل بالعقل يقول : إن أصل الإقرار بالصانع يحصل بعلوم عقلية، ولكن ليس ذلك هو جميع المعرفة الواجبة، ولا بمجرد ذلك يصير مؤمنا.
    وهذا العقل هوالعقل الذي هو شرط في الأمر والنهي، وقد يراد بالعقل ما تحصل به النجاة كما قال تعالى عن أهل النار : { وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير }
    وقال تعالى : { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا }،وقال تعالى : { إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون }
    وقال : { وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون } وأمثال ذلك في القرآن.
    واحتجوا على أن المعرفة لا تحصل بمجرد العقل بقوله تعالى : { وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله }
    وهذه الآية وأمثالها تدل على أن السمع والأبصار والأفئدة لا تنفع صاحبها مع جحده بآيات الله، فتبين أن العقل الذي هو مناط التكليف لا يحصل بمجرده الإيمان النافع، والمعرفة المنجية من عذاب الله، وهذا العقل شرط في العلم والتكليف لا موجب له.
    فالآيات الدالة على الرب تعالى : آياته القولية التي تكلم بها كالقرآن، وآياته الفعلية التي خلقها في الأنفس والآفاق تدل عليه، وتحصل بها التبصرة والذكرى، وإن كان الرب تعالى قد عرفته الفطرة قبل هذا، ثم حصل لبعض الناس نوع من الجهل أو الشك أو النسيان ونحو ذلك.
    وبهذا البحث المقتضب عن معرفة الله نعرف لم أكد القرآن على توحيد العبودية و الألوهية ولم الشرك في هذا التوحيد هو الشرك الذي ابتلي به أكثر البشر.
    أنواع الشرك :
    قال الألوسي في"تفسيره"{263/3}:"أما في الإشراك بالربوبية فظاهر إذ كيف يأمر الله سبحانه باعتقاد أن خالق العالم اثنان مشتركان في وجوب الوجود والاتصاف بكل كمال ، وأما الإشراك في الألوهية الذي عليه أكثر المشركين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأنه يفضي إلى الأمر باعتقاد أشياء خلاف الواقع مما كان المشركون يعتقدونه في أصنامهم وقد ردّه عليهم"
    {82/4}:"والشرك يكون بمعنى اعتقاد أن لله تعالى شأنه شريكاً إما في الألوهية أو في الربوبية ، وبمعنى الكفر مطلقاً وهو المراد هنا كما أشار إليه ابن عباس فيدخل فيه كفر اليهود دخولاً أولياً فإن الشرع قد نص على إشراك أهل الكتاب قاطبة وقضى بخلود أصناف الكفرة كيف كانوا ، ونزول الآية في حق اليهود على ما روي عن مقاتل لا يقتضي الاختصاص بكفرهم بل يكفي الاندراج فيما يقتضيه عموم اللفظ ، والمشهور أنها نزلت مطلقة ، فقد أخرج ابن المنذر عن أبي مجلز قال : «لما نزل قوله تعالى : { قُلْ يا عِبَادِى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ } [ الزمر : 53 ] الآية قام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فتلاها على الناس فقام إليه رجل فقال : والشرك بالله؟ فسكت ، ثم قام إليه فقال : يا رسول الله والشرك بالله تعالى؟ فسكت مرتين أو ثلاثاً فنزلت هذه الآية : { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } » الخ والمعنى أن الله تعالى لا يغفر الكفر لمن اتصف به بلا توبة وإيمان لأنه سبحانه بت الحكم على خلود عذابه ، وحكمه لا يتغير ، ولأن الحكمة التشريعية مقتضية لسد باب الكفر ولذا لم يبعث نبي إلا لسده وجواز مغفرته بلا إيمان مما يؤدي إلى فتحه ، وقيل : لأن ذنبه لا ينمحي عنه أثره فلا يستعد للعفو بخلاف غيره ، ولا يخفى أن هذا مبني على أن فعل الله تعالى تابع لاستعداد المحل ، وإليه ذهب أكثر الصوفية وجميع الفلاسفة ، فإن { يُشْرَكَ } في موضع النصب على المفعولية؛ وقيل : المفعول محذوف والمعنى لا يغفر من أجل أن يشرك به شيئاً من الذنوب فيفيد عدم غفران الشرك من باب أولى ، والذي عليه المحققون هو الأول"
    أهمية توحيد الألوهية:
    من يشاهد ربوبية الله تعالى لعباده التي عمت جميع البرايا يعلم أن دين الله في البراءة من عبادة الأوثان واتخاذ الشركاء والشفعاء من دونه، وسواء كان الرجل مؤمنا بالله وكتبه و رسله و ينطق بالشهادتين فمتى اتخذ الشركاء و الشفعاء دون الله وصرف بعض عبادته لغير الله فقد أشرك وحينئذ من ينفي وجود توحيد العبودية وهو توحيد الألوهية فهو ممن يسوون بين الذين آمنوا وعملوا الصالحات وبين المفسدين في الأرض وبين المتقين والفجار، ويجعلون المسلمين كالمجرمين ويجعلون الإيمان والتقوى والعمل الصالح بمنزلة الكفر والفسوق والعصيان، وأهل الجنة كأهل النار، وأولياء الله كأعداء الله، وهؤلاء نفاة توحيد الألوهية ينتهوا إلى مشاهدة القدر التي يستوي فيها الموحد و المشرك برسم العبودية الكونية لله فهؤلاء لم يتفطنوا على أن توحيد الربوبية الذي يقربه المشركون هو من الحقيقة الكونية،ضروري في نفوس جميع الخلق لا يتميز به الموحد المؤمن عن المشرك الكافر أو الفاجر، وهؤلاء النفاة لتوحيد الألوهية غير المميزين بينه و بين توحيد الربوبية في ثبوت رسالة الأنبياء و ظهور التكليف و الحجة عند الله، يتوسعون في ذلك حتى ينتهون إلى الاتحاد أو وحدة الوجود إذ برسم توحيد الربوبية كل الخلق موحدون إذ كلهم مقر بأنه مخلوق غير خالق من غير تعيين الرب الخالق، ويقولون ما في الوجود غيره ولا سواه، بناء على وحدة الحقيقة في الربوبية و القدر، وهؤلاء مشركون في بأصل الإسلام، وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن التوحيد الواجب أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً فلا نجعل له نداً في ألوهيته ولا شريكاً ولا شفيعاً، فأما توحيد الربوبية وهو الإقرار بأنه خالق كل شيء فهذا قد قاله المشركون الذين قال الله فيهم { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } ، قال ابن عباس: تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله وهم يعبدون غيره.
    وقال تعالى: { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله }، { قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون، سيقولون لله قل أفلا تذكرون، قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم، سيقولون لله قل أفلا تتقون، قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون الله فأنى تسحرون }.
    فالكفار المشركون مقرون بأن الله خالق السموات والأرض وليس في جميع الكفار من جعل لله شريكاً مساوياً له في ذاته وصفاته وأفعاله، هذا لم يقله أحد قط لا من المجوس الثنوية ولا من أهل التثليث ولا من الصابئة المشركين الذين يعبدون الكواكب والملائكة ولا من عباد الأنبياء والصالحين ولا من عباد التماثيل والقبور وغيرهم فإن جميع هؤلاء وإن كانوا كفاراً مشركين متنوعين في الشرك فهم يقرون بالرب الحق الذي ليس له مثل في ذاته وصفاته وجميع أفعاله ولكنهم مع هذا مشركون به في ألوهيته بأن يعبدوا معه آلهة أخرى يتخذونها شركاء أو شفعاء - أو في ربوبيته بأن يجعلوا غيره رب الكائنات دونه مع اعترافهم بأنه رب ذلك الرب وخالق ذلك الخالق كما كان مشركو العرب يقولون في التلبية.
    وقد أرسل الله جميع الرسل وأنزل جميع الكتب بالتوحيد الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى: { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } . وقال تعالى: { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون }
    وقال تعالى: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة }
    وقال تعالى: { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً أني بما تعملون عليم، وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون } .
    مفهوم التوحيد عند المتكلمين:
    إن السبب الذي يدعو أمثال الشيخ شمس الدين إلى إنكار تقسيم التوحيد و غرضهم إنكار توحيد الإلوهية حتى يسلموا من الوصم بالشرك لاتخذاهم أندادا من دون الله سواء كانوا أئمة غائبين محجوبين ينسبون لهم الخوارق و تدبير الكون أو بعض المقبورين أو لإباحتهم الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله و غير ذلك هو مفهومهم للتوحيد ، فحتى تفهم سبب هذا الإنكار و الجحود للحقائق القرآنية النبوية نستطلع بإيجاز مفهوم هؤلاء للتوحيد.
    الوحدانية في عرف المتكلمين سلف الشيخ شمس الدين و اتبعهم معناها سلب تصور الكمية في ذاته وصفاته سبحانه وتعالى : سواء الكمية المتصلة و الكمية المنفصلة ،أي: فهو سبحانه وتعالى ليس مركبا من أجزاء ولا مكونا من جزئيات ، وكذلك صفاته تقتضي عندهم هذا التركيب و الجزئية و الافتقار و التبعيض فهذا هو نفي الأجزاء عنه.
    هذا هو مفهوم التوحيد عند المعتزلة و من قلدهم ، وليس هو التوحيد الذي جاء به الأنبياء ، بل هو توحيد الفلاسفة، وهو توحيد لا ينجي من عذاب الله إذ لا يخرج به الإنسان من دائرة الشرك ، فهذا التوحيد كما تراه في كلام بعض المعروفين هو عقائد ميتافيزيقية لعباد الأولنب من اليونان، الذين قسموا الموجودات إلى مقولات عشر و أدرجوا الله في هذه الموجودات، ثم حكموا أنه واحد بمعنى بسيط، لا يقبل التجزؤ والتفكك وغير ذلك مما بيناه بالأدلة العقلية والنقلية في غير هذا الموضع. ولكن لا بأس بان نعيد الرد عليهم من أوجه أخرى لتعم الفائدة ، ويظهر مدى بعد هؤلاء عن الكتاب والسنة وكيف جعلوا الكليات المنطقية أصل دينهم و النصوص تبعا لها ، فنقول وبالله نستعين :
    الجواب المجمل:
    التوحيد عند المعتزلة وأتباعهم ثلاثة أنواع أو معاني[5]:
    فيقولون : 1 ـ هو واحد في ذاته لا قسيم له ،2 ـ وواحد في صفاته لا شبيه له ،3 ـ وواحد في أفعاله لا شريك له ، فبالأول ينفون الصفات والأسماء كل على قدر بدعته، لأن الواحد في ذاته الذي لا قسيم له يقصدون منه نفي التجزؤ والتبعض والتركيب، لأن هذه عندهم تقتضي الافتقار ، فالكل مفتقر إلى أجزائه التي بها يكون كلا ،وقد خالفوا العقل والضرورة في هذا الباب إذ حصروا التركيب والافتقار والتجزؤ في معاني قررها الفلاسفة في المنطق، وهي تنطبق على الأجناس العشرة التي زعموا أنه لا يخرج عنها موجود ، وقد بينا قبل هذا أن معنى التركيب لغة وشرعا وعقلا غير ما ذهبوا إليه ، وبينا من جميع الاحتمالات وجوب وصف الله بصفات الكمال حتى ولو سميت تركيبا ، وذلك بنفي معاني النقص في لفظ التركيب .
    أما المعنى الثاني للتوحيد عندهم وهو قولهم: واحد في صفاته لا شبيه له ، فقد أوضحنا معنى التشابه وبينا غلطهم في هذا الباب و انه قد علم بالعقل امتناع أن يكون له مثل في المخلوقات يشاركه فيما يجب أو يجوز أو يمتنع عليه ، فإن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين ، وبينا كذلك أن كل موجودين قائمين بأنفسهما فلا بد بينهما من قدر مشترك كاتفاقهما في مسمى الوجود ، والقيام بالنفس والذات ونحو ذلك ، فإن نفي ذلك يقود للتعطيل المحض ،و أن الاشتباه في هذا الباب يزول بذكر خصائص الربوبية والفروق المميزة .
    الفرق بين معنى الواحد في القران وفي الكلام:
    لفظ الواحد مثلا في القرآن هو الذي لا شريك له كما في قوله تعالى :{ و إلهكم إله واحد} البقرة ، و قوله :{ وهو الواحد القهار} الرعد، أما الواحد عند هؤلاء هو الذي لا جزء له ولا قسيم له أي: ذات مجردة عن الصفات ، فهذا الواحد لا ذكر له في النصوص ، بل لا وجود له في الخارج إنما هو تقدير ذهني لأنه يمتنع وجود حي عليم قدير مريد متكلم لا حياة له ولا قدرة ولا علم ولا إرادة ولا كلام فإثبات الأسماء دون الصفات سفسطة في العقليات وقرمطة في السمعيات كما يقول شيخ الإسلام.
    فهذه الألفاظ التي يستعملها المتكلمة في حقه تعالى ، مثل : المركب ، والجزء ، والجسم ، والجوهر ، والكل،وغيرها ألفاظ محدثة مبتدعة غريبة عن لغة العرب بالمعاني التي ركبتها عليها المتكلمة .
    والذي عليه السلف أن إثبات وجود الله إثبات وجود لا إثبات تكييف وكذلك إثبات الصفات ، وما لم ينفه الشرع لا ننفيه وما لم يثبته لا نثبته ،فتسلم العقائد و تعرف المخلوقات ربها و خالقها كما أراد لها أن تعرفه.
    حقيقة التوحيد عند السلف :
    التوحيد عند السلف ما دل عليه الكتاب والسنة ، وهو الذي أنزلت من أجله الكتب ،وبعثت به الرسل و اتفقت عليه جميع الديانات السماوية ، هو شهادة أن لا إله إلا الله ، وعبادة الله وحده لا شريك له ، قال تعالى :{ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون }النحل.
    فالتوحيد في كتاب الله وسنة نبيه عبادة الله وحده ، وينافيه الشرك بعبادة غيره من المخلوقات كعبادة الملائكة والكواكب والأنبياء و الصالحين وعبادة الموتى والقبور والتماثيل والقباب والأضرحة وغيرها مما هو موجود في كثير من المعتزلة والشيعة و غيرهم ممن يزعم تحقيق التوحيد بنفي التجزؤ والانقسام والتركيب الذين يستغيثون بالموتى ويدعونهم ويرجونهم ويستشفعون بهم في الحياة الدنيا ، ويذبحون لهم القرابين .
    وعليه فما يثبته هؤلاء المتكلمون من توحيد الربوبية ويجعلونه الغاية من التوحيد ، وأسمى المطالب العالية قد ذكره الله عن الكفار والمشركين فقال:{ و ما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}يوسف، وبين أنهم كانوا مقرين به ربا خالقا ولكنهم أشركوا معه غيره من تماثيل وكواكب وموتى وملائكة وغيرهم ، فلم ينفعهم إقرارهم به ربا لما أشركوا في عبادته.
    قال تعالى :{ شهد الله انه لا إله إلا هو والملائكة و أولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام}آل عمران.
    قال شيخ الإسلام في تفسيرها:" فذكر أن الدين عند الله الإسلام ، بعد إخباره بشهادته وشهادة الملائكة و أولي العلم أنه لا إله إلا هو ،والإله هو المستحق للعبادة ، فأما من اعتقد في الله أنه رب كل شيء وخالقه وهو مع هذا يعبد غيره فإنه مشرك بربه متخذ من دونه إلها آخر .
    فليست الإلهية { توحيد الألوهية } هي الخلق أو القدرة على الخلق أو القدم ، كما يفسرها هؤلاء المبتدعون في التوحيد من أهل الكلام ، إذ المشركون الذين شهد الله ورسوله بأنهم مشركون من العرب وغيرهم ، لم يكونوا يشكون في أن الله خالق كل شيء وربه ، فلو كان هذا هو إلهية { توحيد الألوهية } لكانوا قائلين : إنه لا إله إلا هو".{ التسعينية :801/3}
    لقد ضلت طوائف عظيمة من الأمة في أصل الإسلام حتى أدخلوا فيه جملة عظيمة من الشرك المنافي للإسلام وهم لا يحسبونها شركا ، وأدخلوا في التوحيد أمورا باطلة ظنوها من التوحيد وهي تنافيه وبالمقابل أخرجوا من الإسلام والتوحيد أمورا عظيمة لم يظنوها من التوحيد وهي من أصله كعدم دعاء غيره والاستعانة به والتوكل عليه .
    وحقيقة التوحيد الذي هو الإسلام هو توحيد الإرادة والقصد ، وهو توحيد العبادة بصرف جميع العبادات والأعمال البدنية من صدقة وصلاة وزكاة وحج ودعاء وجهاد وذبح ، وجميع أعمال القلوب من محبة وتعظيم وخوف ورجاء وتوكل ويقينا إلى الله وحده لا شريك له ، فتحقيق شهادة لا إله إلا الله التي هي أصل الإسلام لا يكون إلا بتوحيد الإرادة والقصد ، فلا يراد من وراء العبادات إلا الله و لا يقصد بها إلا هو .
    أصول الإسلام :
    إن الإسلام يتضمن أصلين :
    الأول : الاستسلام لله ، ولا يكون ذلك إلا بالخضوع له قلبا وضميرا ، اعتقادا وعملا ، فالاستسلام يعني عدم المعارضة وعدم المنازعة ، فمن يعارض أمر الله و ينازعه لم يكن مستسلما له تمام الاستسلام ، وكذلك الاستسلام له لا يكون إلا بطاعة رسوله وإتباعه ، فمن زعم أنه مسلم مستسلم لله ، ومع ذلك لا يطيع الرسول الذي أمره الله بطاعته ، ولا يتبعه ويري إتباع رأيه ، أو إتباع غيره من الناس ، أو يري أنه يمكنه أن يجد ما عند الرسول من الحق والهدى والمعرفة عند غيره كالفلاسفة والمتكلمين وغيرهم لم يكن مستسلما لله ، و بقدر نقصان استسلام العبد لله بقدر نقصان إسلامه.
    الثاني : أن يكون هذا الاستسلام له سالما من الشريك ، فالاستسلام يكون لله دون ما سواه ، فلا يستسلم لله في شيء ، ويستسلم لغيره ، ولأعدائه من شياطين الجن والإنس في أشياء أخرى فإذا تعارضت طاعة الله مع طاعة رئيسه أو شيخه أو مخلوق من المخلوقات قدم طاعته لهؤلاء على طاعته لله ، بل يجب توحيد الاستسلام ليتبعه توحيد العبادة.
    أقسام التوحيد عند السلف :
    التوحيد عند السلف يكون بالعلم والقول والعمل ، فتوحيد الإرادة والقصد أو التوحيد العملي وهو عبادة الله وحده لا شريك له بصرف جميع الأعمال البدنية واللسانية والقلبية له وحده ، وهو المسمى توحيد الألوهية يسبقه التوحيد العلمي الخبري المسمى توحيد الأسماء والصفات ، فلا بد أن يعلم و يشهد أن لا إله إلا الله ولا يعرف ما الله؟ حتى يعرف أسمائه وصفاته فبها يتعين الإله المستحق للعبادة ، الإله الحق ويتبين بطلان ما سواه من معبودات البشر ، فالمسلم لا يعرف ربه حقيقة المعرفة إلا بمعرفة صفاته و أسمائه فيميزه عن غيره فيعرف بالتالي من يعبد وكيف يعبد.
    و أما التوحيد القولي فهو توحيد اللسان المترجم لما يصدقه القلب وهو الإخبار عن الله بكونه واحدا لا شريك له و، والإخبار عن أسمائه وصفاته وعبادته بدعائه بها ، فهذه أقسام التوحيد يصب بعضها في بعض ، ولا يكون المسلم موحدا مسلما إلا بها مجتمعة ، كل على قدر فهمه وعلمه واستطاعته .
    والمتكلمون لا يعرفون من التوحيد إلا توحيد الربوبية الذي يشركهم فيه المشركون الذين أقروا بأن الله رب كل شيء ومع ذلك لم ينجيهم حتى أقروا بتوحيد الألوهية وهو تحقيق معنى لا إله إلا الله .
    هذا خلاصة موجزة في هذه المسألة المتعلقة بأقسام التوحيد ردا على الشيخ شمس الدين وغيره، أعاننا الله و إياه لقول الحق ووفقنا للصواب بمنه وكرمه.
    و الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده
    أرزيو/ الجزائر بتاريخ 2009-04-27


    مختارالأخضر طيــباوي




الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •