سلسلة: الأحاديث المشكلة لآيات القرآن (للشيخ القصير) [متتابع] - الصفحة 2
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 21 إلى 24 من 24

الموضوع: سلسلة: الأحاديث المشكلة لآيات القرآن (للشيخ القصير) [متتابع]

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    الدولة
    بلاد الحرمين
    المشاركات
    3,088

    افتراضي رد: سلسلة: الأحاديث المشكلة لآيات القرآن (للشيخ القصير) [متتابع]

    المسلك الثالث: مسلك الجمع بين الآيات والاحاديث:
    ويرى أصحاب هذا المسلك أن أهل الفترة معذورون بالفترة في الدنيا، كما هو صريح الآيات، إلا أن الله يمتحنهم يوم القيامة بنارٍ يأمرهم باقتحامها، فمن اقتحمها دخل الجنة، وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا، ومن امتنع دخل النار وعذب فيها، وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا؛ لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل.
    وقد اختار هذا المسلك جمع من المحققين، كابن حزم، والبيهقي، وعبد الحق الإشبيلي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر، ومحمد الأمين الشنقيطي.
    وهو اختيار الشيخين الجليلين ابن باز، وابن عثيمين.
    وظاهر تقرير السيوطي لهذه المسألة يوحي باختياره لهذا المسلك.
    قال ابن حزم: (وأما المجانين، ومن مات في الفترة ولم تبلغه دعوة نبي، ومن أدركه الإسلام وقد هرم، أو أصم لا يسمع، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تبعث لهم يوم القيامة نار موقدة، ويؤمرون بدخولها، فمن دخلها كانت عليه برداً ودخل الجنة ...، ونحن نؤمن بهذا ونقر به، ولا علم لنا إلا ما علمنا الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم). أهـ
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (من لم تبلغه الدعوة في الدنيا امتحن في الآخرة..، ولا يعذب الله بالنار أحداً إلا بعد أن يبعث إليه رسولاً، فمن لم تبلغه دعوة رسول إليه، كالصغير والمجنون والميت في الفترة المحضة، فهذا يمتحن في الآخرة، كما جاءت بذلك الآثار). أهـ

    أدلة هذا المسلك :
    للقائلين بهذا المسلك حجتان:
    الأولى: ما ورد من أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بامتحان أهل الفترة في الآخرة، وهي مروية عن ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه سلم:
    الأول: عن الأسود بن سريع رضي الله عنه، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "أربعة يوم القيامة، (يعني يدلون على الله بحجة)، رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة؛ فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: ربي لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم إن ادخلوا النار. قال: فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً".

    الثاني: عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلاً، وبالهالك في الفترة، وبالهالك صغيراً، فيقول الممسوخ عقلاً: يا رب لو آتيتني عقلاً ما كان من آتيته عقلاً بأسعد بعقله مني. ويقول الهالك في الفترة: يا رب لو أتاني منك عهد ما كان من أتاه منك عهد بأسعد بعهده مني. ويقول الهالك صغيراً: لو آتيتني عمراً ما كان من آتيته عمراً بأسعد بعمره مني، فيقول الرب تبارك وتعالى: إني آمركم بأمر فتطيعوني؟ فيقولون: نعم، وعزتك. فيقول: اذهبوا فادخلوا النار. ولو دخلوها ما ضرتهم، قال: فتخرج عليهم قوابص يظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شئ، فيرجعون سراعاً قال: يقولون: خرجنا يا رب وعزتك نريد دخلوها، فخرجت علينا قوابص ظننا أنها قد أهلكت ما خلق الله من شئ. فيأمرهم الثانية، فيرجعون كذلك يقولون مثل قولهم، فيقول الله تبارك وتعالى: قبل أن تخلقوا علمت ما أنتم عاملون، وعلى علمي خلقتكم، وإلى علمي تصيرون، فتأخذهم النار".

    الثالث: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى يوم القيامة: بالمولود، وبالمعتوه، وبمن مات في الفترة، والشيخ الفاني، كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب تبارك وتعالى لعنق من النار: ابرز. فيقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلاً من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم، ادخلوا هذه. فيقول من كتب عليه الشقاء: يا رب، أين ندخلها ومنها كنا نفر؟ قال: ومن كتبت عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مسرعاً، قال: فيقول تبارك وتعالى: أنتم لرسلي أشد تكذيباً ومعصية، فيدخل هؤلاء الجنة، وهؤلاء النار.

    الرابع: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه سلم قال: "يحتج على الله يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة، والمغلوب على عقله، والصبي الصغير، فيقول المغلوب على عقله: لم تجعل لي عقلاً أنتفع به، ويقول الهالك في الفترة: لم يأتني رسول ولا نبي، ولو أتاني لك رسول أو نبي لكنت أطوع خلقك لك وقرأ: [لولا أرسلت إلينا رسولاً]، ويقول الصبي الصغير: كنت صغيراً لا أعقل. قال: فترفع لهم نار ويقال لهم: ردوها قال: فيردها من كان في علم الله أنه سعيد، ويتلكأ عنها من كان في علم الله أنه شقي، فيقول: إياي عصيتم، فكيف برسلي لو أتتكم"؟.

    الخامس: عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: ربنا لم ترسل إلينا رسولاً، ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولاً لكنا أطع عبادك لك. فيقول لهم ربهم: أرأيتم إن أمرتكم تطيعونني؟ فيقولون: نعم. فيؤمرون أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها، فينطلقون، حتى إذا رأوها فإذا لها تغيظ وزفير، فيرجعون إلى ربهم فيقولون: يا ربنا فرقنا منها. فيقول ربهم تبارك وتعالى: تزعمون أنكم إن أمرتكم بأمر أطعتموني، فيأخذ مواثيقهم فيقول: اعمدوا إليها فادخلوها. فينطلقون، حتى إذا رأوها فرقوا ورجعوا إلى ربهم، فقالوا: ربنا فرقنا منها. فيقول: ألم تعطوني مواثيقكم لتطيعوني؟ اعمدوا إليها فادخلوها. فينطلقون، حتى إذا رأوها فزعوا ورجعوا، فقالوا : فرقنا يا رب، ولا نستطيع أن ندخلها. فيقول: ادخلوها داخرين. قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: لو دخلوها أول مرة كانت عليهم برداً وسلاماً".

    السادس: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أربعة كلهم يدلي على الله يوم القيامة بحجة وعذر: رجل مات في الفترة، ورجل أدركه الإسلام هرماً، ورجل أصم أبكم، ورجل معتوه، فيبعث الله إليهم ملكاً رسولاً فيقول: اتبعوه، فيأتيهم الرسول فيؤجج لهم ناراً ثم يقول: اقتحموها، فمن اقتحمها كانت برداً وسلاماً، ومن لا حَقَّت عليه كلمة العذاب.
    قال ابن القيم –بعد أن أورد هذه الأحاديث: (فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضاً، وتشهد لها أصول الشرع وقواعده، والقول بمضمونها هو مذهب السلف والسنة، نقله عنهم الأشعري – رحمه الله – في المقالات وغيرها). أهـ

    الحجة الثانية: أن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن بلا خلاف ، لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء احدهما ، ولا وجه للجمع بين الأدلة إلا هذا القول ، بالعذر والامتحان ، فمن دخل النار فهو الذي لم يمتثل ما أمر به عند ذلك الامتحان ، وتتفق بذلك جميع الأدلة.

    الإيرادات والاعتراضات على هذه الأدلة:
    أورد على هذه الأحاديث؛ أعني أحاديث الامتحان، بأنها ضعيفة، وبأنها مخالفة لكتاب الله عز وجل، ولقواعد الشريعة، لأن الآخرة ليست دار تكليف، وإنما هي دار جزاء، ودار التكليف هي دار الدنيا، فلو كانت الآخرة دار تكليف لكان ثم دار جزاء غيرها.
    أورد هذا الاعتراض: ابن عبد البر، وابن عطية، وأبو عبدالله القرطبي، والآلوسي.
    قال ابن عبد البر؛ وقد ذكر بعض هذه الأحاديث: (وهذه الأحاديث كلها ليست بالقوية، ولا تقوم بها حجة، وأهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب؛ لأن الآخرة دار جزاء، وليست دار عمل ولا ابتلاء، وكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله لا يكلف نفساًَ إلا وسعها، ولا يخلو من مات في الفترة من أن يكون مات كافراً أو غير كافر، فإن مات كافراً جاحداً فإن الله حرم الجنة على الكافرين، فكيف يمتحنون؟ وإن كان معذوراً بأنه لم يأته نذير ولا رسول فكيف يؤمر أن يقتحم النار وهي أشد العذاب؟). أهـ

    وأجيب عن هذه الاعتراضات من وجوه:
    الأول: أن أحاديث هذا الباب قد تضافرت وكثرت بحيث يشد بعضها بعضاً، وقد صحح الحفاظ بعضها، كما صحح البيهقي وعبد الحق وغيرهما حديث الأسود بن سريع. وحديث أبي هريرة إسناده صحيح متصل، ورواية معمر له، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، موقوفاً، لا تضره؛ فإنا إن سلكنا طريق الفقهاء والأصوليين في الأخذ بالزيادة من الثقة؛ فظاهر، وإن سلكنا طريق الترجيح، وهي طريقة المحدثين؛ فليس من رفعه بدون من وقفه في الحفظ والإتقان.

    الوجه الثاني: أن غاية ما يقدر فيه أنه موقوف على الصحابي، ومثل هذا لا يقدم عليه الصحابي بالرأي والاجتهاد، بل يجزم بأن ذلك توقيف لا عن رأي.

    الوجه الثالث: أن هذه الأحاديث بشد بعضها بعضاً، فإنها قد تعددت طرقها، واختلفت مخارجها، فيبعد كل البعد أن تكون باطلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتكلم بها، وقد رواها أئمة الإسلام ودونوها ولم يطعنوا فيها.

    الوجه الرابع: أنها هي الموافقة للقرآن وقواعد الشرع، فهي تفصيل لما أخبر به القرآن أنه لا يعذب أحد إلا بعد قيام الحجة عليه، وهؤلاء لم تقم عليهم حجة الله في الدنيا، فلابد أن يقيم حجته عليهم، وأحق المواطن أن تقام فيه الحجة يوم يقوم الأشهاد، وتسمع الدعاوى، وتقام البينات، ويختصم الناس بين يدي الرب، وينطق كل أحد بحجته ومعذرته، فلا تنفع الظالمين معذرتهم وتنفع غيرهم.

    الوجه الخامس: أن القول بموجبها هو قول أهل السنة والحديث، كما حكاه الأشعري عنهم في المقالات، وحكى اتفاقهم عليه.

    الوجه السادس: وهو قول ابن عبد البر: (وأهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب). جوابه:
    أنه وإن أنكرها بعضهم فقد قبلها الأكثرون، والذين قبلوها أكثر من الذين أنكروها، وأعلم بالسنة والحديث، وقد حكى فيه الأشعري اتفاق أهل السنة والحديث، وقد بينا أنه مقتضى قواعد الشرع.

    الوجه السابع: أنه قد نص جماعة من الأئمة على وقوع الامتحان في الدار الآخرة، وقالوا لا ينقطع التكليف إلا بدخول دار القرار، ذكره البيهقي عن غير واحد من السلف.

    الوجه الثامن: ما ثبت في الصحيحين، من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد رضي الله عنهما، في الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولاً إليها، أن الله تعالى يأخذ عهوده ومواثيقه ألا يسأله غير الذي يعطيه، وأنه يخالفه ويسأله غيره، فيقول الله له: "ما أغدرك"، وهذا الغدر منه لمخالفته العهد الذي عاهد ربه عليه، وهذه معصية منه.

    الوجه التاسع: قد ثبت أن سبحانه يأمرهم في القيامة بالسجود، ويحول بين المخالفين وبينه، وهذا تكليف بما ليس في الوسع قطعاً، فكيف ينكر التكليف بدخول النار اختياراً؟

    الوجه العاشر: أنه قد ثبت امتحانهم في القبور، وسؤالهم وتكليفهم الجواب، وهذا تكليف بعد الموت برد الجواب.

    الوجه الحادي عشر: أن أمرهم بدخول النار ليس عقوبة لهم، وكيف يعاقبهم على غير ذنب؟ وإنما هو امتحان واختبار لهم، هل يطيعونه أو يعصونه؟ فلو أطاعوه ودخلوها لم تضرهم، وكانت عليهم برداً وسلاماً، فلما عصوه وامتنعوا من دخولها استوجبوا عقوبة مخالفة أمره، والملوك قد تمتحن من يُظهر طاعتهم، هل هو منطوٍ عليها بباطنه؟ فيأمرونه بأمر شاق عليه في الظاهر، هل يوطن نفسه عليه أم لا؟ فإن أقدم عليه ووطن نفسه على فعله أعفوه منه، وإن امتنع وعصى ألزموه به، أو عاقبوه بما هو أشد منه.
    وقد أمر الله سبحانه الخليل بذبح ولده، ولم يكن مراده سوى توطين نفسه على الامتثال والتسليم، وتقديم محبة الله على محبة الولد، فلما فعل ذلك رفع عنه الأمر بالذبح.
    وقد ثبت أن الدجال يأتي معه بمثال الجنة والنار، وهي نار في رأي العين، ولكنها لا تحرق، فمن دخلها لم تضره، فلو أن هؤلاء يوطنون أنفسهم على دخول النار التي أمروا بدخولها طاعة لله ومحبة له، وإيثاراً لمرضاته، وتقرباً إليه بتحمل ما يؤلمهم؛ لكان هذا الإقدام والقصد منهم لمرضاته ومحبته يقلب تلك النار برداً وسلاماً، كما قلب قصد الخليل التقرب إلى ربه وإيثار محبته ومرضاته وبذل نفسه وإيثاره إياه على نفسه تلك النار بأمر الله برداً وسلاماً، فليس أمره سبحانه إياهم بدخول النار عقوبة ولا تكليفاً بالممتنع، وإنما هو امتحان واختبار لهم هل يوطنون أنفسهم على طاعته أم ينطوون على معصيته ومخالفته، وقد علم سبحانه ما يقع منهم، ولكنه لا يجازيهم على مدرد علمه فيهم ما لم يحصل معلومه الذي يترتب عليهم به الحجة، فلا أحسن من هذا يفعله بهم، وهو محض العدل والحكمة.

    الوجه الثاني عشر: أن هذا مطابق لتكليفه عباده في الدنيا؛ فإنه سبحانه لم يستفد بتكليفهم منفعة تعود إليه، ولا هو محتاج إليهم، وإنما امتحنهم وابتلاهم ليتبين من يؤثر رضاه ومحبته ويشكره، ممن يكفر به ويؤثر سخطه، قد علم منهم من يفعل هذا وهذا، ولكنه بالابتلاء ظهر ملعومه الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، وتقوم عليهم به الحجة.
    وكثير من الأوامر التي أمرهم بها في الدنيا نظير الأمر بدخول النار؛ فإن الأمر بإلقاء نفوسهم بين سويف أعدائهم ورماحهم، وتعريضهم لأسرهم لهم، وتعذيبهم واسترقاقهم، لعله أعظم من الأمر بدخول النار، وقد كلف الله بني إسرائيل قتل أنفسهم وأولادهم وأرواحهم وإخوانهم لما عبدوا العجل، لما لهم في ذلك من المصلحة، وهذا قريب من التكليف بدخول النار، وكلف على لسان رسوله المؤمنين إذا رأوا نار الدجال أن يقعوا فيها، لما لهم في ذلك من المصحلة، وليست في الحقيقة ناراً، وإن كانت في رأي العين ناراً، وكذلك النار التي أمروا بدخولها في الآخرة إنما هي برد وسلام على من دخلها، فلو لم يأت بذلك أثر لكان هذا هو مقتضى حكمته وعدله، وموجب أسمائه وصفاته.

    الوجه الثالث عشر: قول ابن عبد البر: (وليس ذلك في وسع المخلوقين). جوابه من وجهين:
    أحدهما: أنه في وسعهم، وإن كان يشق عليهم، وهؤلاء عباد النار يتهافتون فيها ويلقون أنفسهم فيها طاعة للشيطان، ولم يقولوا ليس في وسعنا، مع تألمهم بها غاية الألم، فعباد الرحمن إذا أمرهم أرحم الراحمين بطاعته باقتحامهم النار كيف لا يكون في وسعهم، وهو إنما يأمرهم بذلك لصلحتهم ومنفعتهم ؟
    الثاني: أنهم لو وطنوا أنفسهم على اتباع طاعته ومرضاته لكانت عين نعيمهم، ولم تضرهم شيئاً.

    الوجه الرابع عشر: أن أمرهم باقتحام النار، المفضية بهم إلى النجاة منها، بمنزلة الكي الذي يحسم الداء، وبمنزلة تناول الداء الكريه الذي يعقب العافية، وليس من باب العقوبة في شئ، فإن الله سبحانه اقتضت حكمته وحمده، وغناه ورحمته، ألا يعذب من لا ذنب له، بل يتعالى ويتقدس عن ذلك، كما يتعالى عما يناقض صفات كماله، فالأمر باقتحام النار للخالص منها هو عين الحكمة والرحمة والمصلحة، حتى لو أنهم بادروا إليها طوعاً واختياراً ورضى، حيث علموا أن مرضاته في ذلك قبل أن يأمرهم به لكان ذلك عين صلاحهم، وسبب نجاتهم، فلم يفعلوا ذلك ولم يمتثلوا أمره، وقد تيقنوا وعلموا أن فيه رضاه وصلاحهم، بل هان عليهم أمره وعزت عليهم أنفسهم أن يبذلوا له منها هذا القدر الذي أمرهم به، رحمة وإحساناً، لا عقوبة.

    الوجه الخامس عشر: أن أمرهم باقتحام النار كأمر المؤمنين بركوب الصراط، لذي هو أدق من الشعرة، وأحد من السيف، ولا ريب أن ركوبه من أشق الأمور وأصعبها، حتى إن الرسل لتشفق منه، وكل منهم يسأل الله السلامة، فركوب هذا الجسر الذي هو في غابة المشقة كاقتحام النار، وكلاهما طريق إلى النجاة.

    الوجه السادس عشر: قول ابن عبد البر: (ولا يخلو من مات في الفترة من أن يكون كافراً أو غير كافر، فإن كان كافراً فإن الله حرم الجنة على الكافرين، وإن كان معذوراً بأنه لم يأته رسول فكيف يؤتمر باقتحام النار؟) جوابه من وجوه:
    أحدها: أن يقال هؤلاء لا يحكم لهم بكفر ولا إيمان؛ فإن الكفر هو جحود ما جاء به الرسول، فشرط تحققه بلوغ الرسالة، والإيمان هو تصديق الرسول فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، وهذا أيضاً مشروط ببلوغ الرسالة، ولا يلزم من انتفاء أحدهما وجود الآخر إلا بعد قيام سببه، فلما لم يكن هؤلاء في الدنيا كفاراً ولا مؤمنين، كان لهم في الآخرة حكماً آخر غير حكم الفريقين.
    الوجه الثاني: سلمنا أنهم كفار، لكن انتفاء العذاب عنهم لانتفاء شرطه، وهو قيام الحجة عليهم، فإن الله تعالى لا يعذب إلا من قامت عليه حجته.
    الوجه الثالث: قوله: وإن كان معذوراً فكيف يؤمر أن يقتحم النار، وهي أشد العذاب؟، فالذي قال هذا يوهم أن هذا الأمر عقوبة لهم، وهذا غلط، وإنما هو تكليف واختبار، فإن بادروا إلى الامتثال لم تضرهم النار شيئاً. انتهى كلام ابن القيم.

    أجوبة أصحاب المسلك الأول والثالث – وهم القائلون بنجاة أهل الفترة، والقائلون بامتحانهم في الآخرة – عن الأحاديث الواردة في المسألة، والتي تفيد بظاهرها تعذيب أهل الفترة:
    اختلف أصحاب هذين المسلكين في الجواب عن الأحاديث الواردة في المسألة، وخاصة الأحاديث الواردة في أبوي النبي صلى الله عليه وسلم، وسأذكر أولاً أجوبتهم عن الأحاديث بعامة، ثم أذكر مذاهب العلماء في مصير والدي النبي صلى الله عليه وسلم، يلي ذلك أجوبة أصحاب هذين المسلكين عن الأحاديث الواردة في تعذيب أبوي النبي صلى الله عليه وسلم:

    أولاً : أجوبتهم عن أحاديث تعذيب أهل الفترة بعامة :
    أما القائلون بامتحانهم في الآخرة فلا إشكال عندهم في تلك الأحاديث؛ لأنها محمولة على أن هؤلاء ممن لا يجيب يوم القيامة؛ فلا منافاة بينها وبين الآيات.
    وأجاب بعضهم باحتمال أن يكون هؤلاء الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم من أهل النار، ومنهم أبوي النبي صلى الله عليه وسلم؛ بلغتهم دعوة نبي من الأنبياء، قبل بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يؤمنوا بها، وإنما رضوا بدين قريش، من الشرك عبادة الأوثان، فخرجوا بفعلهم هذا أن يكونوا من أهل الفترة، واستحقوا العذاب في الآخرة، لقيام الحجة عليهم.

    وأما القائلون بنجاتهم مطلقاً فذكروا ثلاث أجوبة:
    الأول: أنها أخبار آحاد فلا تعارض القاطع، وهي نصوص القرآن الكريم.
    الثاني: قصر التعذيب على هؤلاء، والله أعلم بالسبب.
    الثالث: قصر التعذيب المذكور في هذه الأحاديث على من بدل وغير من أهل الفترة بما لا يعذر به من الضلال، كعبادة الأوثان، وتغيير الشرائع، وشرع الأحكام.

    وقد ذكر محمد بن خليفة الأبي أن أهل الفترة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
    الأول: من أدرك التوحيد ببصيرته، وهؤلاء على نوعين:
    الأول: لم يدخل في شريعة؛ كقس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل.
    الثاني: من دخل في شريعة حق قائمة، كتبع وقومه.
    القسم الثاني: من بدل وغير وأشرك ولم يوحد، وشرع لنفسه فحلل وحرم، وهم الأكثر، كعمرو بن لحي، فإنه أول من سن للعرب عبادة الأصنام، وشرع الأحكام، فبحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي.
    القسم الثالث: من لم يشرك ولم يوحد، ولا دخل في شريعة نبي، ولا ابتكر لنفسه شريعة، ولا اخترع ديناً، بل بقى عمره على حال غفلة عن هذا كله، وفي الجاهلية من هذا القسم كثير.
    قال الأبي: (فإذا انقسم أهل الفترة إلى الثلاثة أقسام؛ فيحمل من صح تعذيبه على أهل القسم الثاني؛ بكفرهم بما يعذبون به من الخبائث، والله سبحانه قد سمى جميع هذا القسم كفاراًُ ومشركين، وأما القسم الأول، كزيد بن عمرو، وورقة؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في كل منهما: "إنه يبعث أمة وحده"، فحكمهم حكم الدين الذي دخلوا فيه ما لم يلحق أحداً منهم الإسلام الناسخ لكل دين.
    وأما القسم الثالث: فهم أهل الفترة حقيقة، وهم غير معذبين، لقطع القرآن بنجاتهم).

    ثانياً: مذاهب العلماء في مصير والدي النبي صلى الله عليه وسلم :
    اختلف العلماء في مصير والدي النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة مذاهب:
    الأول: أنهما في النار.
    وهذا مذهب أبي حنيفة، والبيهقي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن كثير، والألباني، وغيرهم .
    وقد بسط الكلام في عدم نجاة الوالدين: إبراهيم بن محمد الحلبي، في رسالة بعنوان: (رسالة في حق أبوي الرسول صلى الله عليه وسلم)، والملا علي بن سلطان القاري في رسالة بعنوان: (أدلة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول عليه الصلاة والسلام).
    ومن أظهر ما استدل به أصحاب هذا المذهب: حديث أنس رضي الله عنه، والذي فيه إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأن أباه في النار، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه، والذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن الاستغفار لأمه، وكلاهما عند مسلم، وكذا إخباره صلى الله عليه وسلم بأن أمه في النار، وقد تقدمت جميعها في أول المسألة.
    وادعى الإجماع على عدم نجاتهما الملا علي بن سلطان القاري فقال: (وأما الإجماع؛ فقد اتفق السف والخلف من الصحافة والتابعين، والأئمة الأربعة وسائر المجتهدين –على ذلك، من غير إظهار خلاف لما هنالك، والخلاف من اللاحق لا يقدح في الإجماع السابق، سواء يكون من جنس المخالف أو صنف الموافق). أهـ
    ويرى هؤلاء أن إخباره صلى الله عليه وسلم عن أبويه بأنهما من أهل النار، لا ينافي الأحاديث الواردة بامتحان أهل الفترة، لأن أهل الفترة منهم من يجيب يوم القيامة، ومنهم من لا يجيب، فيكون هؤلاء من جملة من لا يجيب، فلا منافاة.

    المذهب الثاني: التوقف فيهما، فلا يحكم لهما بجنة ولا نار.
    قال تاج الدين الفاكهاني: (والله أعلم بحال أبويه).
    وقال السخاوي بعد أن أورد حديث إحياء والدي النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي أراه الكف عن التعرض لهذا إثباتاً ونفياً).
    وحكى هذا المذهب شمس الحق العظيم آبادي ومال إليه واستحسنه.
    وإليه نحا الدكتور يوسف القرضاوي؛ فإن أورد حديث "إن أبي وأباك في النار" وقال: (أتوقف في الحديث حتى يظهر لي شئ يشفي الصدر).

    المذهب الثالث: أنهما في الجنة.
    ولأصحاب هذا المذهب في سبب نجاتهما ثلاثة مسالك:
    الأول: أنهما لم تبلغهما الدعوة، ولا عذاب على من لم تبلغه الدعوة:
    أشار لهذا المسلك: السيوطي، والسندي، واختاره من المعاصرين: محمد الغزالي.
    المسلك الثاني: أنهما كانا على التوحيد، ملة إبراهيم عليه السلام:
    وهذا المسلك قال به الطاهر بن عاشور، ومحمد الجزيري.
    قال الطاهر بن عاشور في تفسيره لقوله تعالى: [وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين] قال: (ولعل ممن تحقق فيه رجاء إبراهيم عمود نسب النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كانوا يكتمون دينهم تقية من قومهم). أهـ
    المسلك الثالث: إن الله تعالى أحياهما لنبيه صلى الله عليه وسلم في آخر حياته، فآمنا به واتبعاه:
    وهذا المسلك مال إليه طائفة من حفاظ المحديثن وغيرهم، منهم ابن شاهين، والخطيب البغدادي، والسهيلي، وأبوعبد الله القرطبي، والمحب الطبري، وناصر الدين بن المنير، والأبي، وابن حجر الهيثمي، والعجلوني، وغيرهم.
    وانتصر له السيوطي فألف فيه عدة مؤلفات من أشهرها: كتابه (مسالك الحنفا في والدي المصطفى)، وقد أطال في تقرير نجاة الأبوين، وحشد العديد من الأدلة التي تؤيد ما ذهب إليه، حتى قال: (وإذا كان قد صح في أبي طالب أنه أهون أهل النار عذاباً؛ لقرابته منه صلى الله عليه وسلم وبره به، مع إدراكه الدعوة وامتناعه من الإجابة، وطول عمره، فما ظنك بأبويه، اللذين هما أشد منه قرباً، وآكد حباً، وأبسط عذراً، وأقصر عمراً، فمعاذ الله أن يظن بهما أنهما في طبقة الجحيم، وأن يشدد عليهما العذاب العظيم، هذا لا يفهمه من له أدنى ذوق سليم). أهـ
    ومن أظهر ما استدل به أصحاب هذا المسلك: ما روى عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل إلى الحجون كئيباً حزيناً، فأقام به ما شاء ربه عز وجل، ثم رجع مسروراً، فقالت: يا رسول الله، نزلت إلى الحجون كئيباً حزيناً فأقمت به ما شاء الله، ثم رجعت مسروراُ، قال: "سألت ربي عزل وجل فأحيا لي أمي فآمنت به، ثم ردها".
    وأورد السهلي في الروض الأنف بسند قال: إن فيه مجهولين، عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يحيي أبويه، فأحياهما له، فآمنا به، ثم أماتهما.
    قال السهيلي بعد إيراده للحديث: (الله قادر على كل شيء، وليس تعجز رحمته وقدرته عن شيء، ونبيه صلى الله عليه وسلم أهل أن يختص بما شاء من فضله، وينعم عليه بما شاء من كرامته). أهـ
    وقال العلامة ناصر الدين بن المنير المالكي في كتاب (المقتفى في شرف المصطفى): (قد وقع لنبينا صلى الله عليه وسلم إحياء الموتى، نظير ما وقع لعيسى ابن مريم ....، وجاء في حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما منع من الاستغفار للكفار دعا الله أن يحيي له أبويه فأحياهما له فآمنا به وصدقا وماتا مؤمنين). أهـ
    وقال أبوعبد الله القرطبي: (فضائل النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل تتوالى وتتابع إلى حين مماته، فيكون هذا مما فضله الله به وأكرمه، وليس إحياؤهما وإيمانهما به يمتنع عقلاً ولا شرعاً، فقد ورد في القرآن إحياء قتيل بني إسرائيل، وإخباره بقاتله، وكان عيسى عليه السلام يحيي الموتى، وكذلك نبينا عليه الصلاة والسلام أحيا الله على يديه جماعة من الموتى ...، وإذا ثبت هذا فما يمتنع من إيمانهما بعد إحيائهما زيادة كرامة في فضيلته). أهـ
    وقال ابن سيد الناس بعد أن ذكر قصة الإحياء، والأحاديث الواردة في التعذيب: (وذكر بعض أهل العلم في الجمع بين هذه الورايات ما حاصله أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل راقيا في المقامات السنية، صاعداً في الدرجات العلية، إلى أن قبض الله روحه الطاهرة إليه، وأزلفه بما خصه به لديه من الكرامة حين القدوم عليه، فمن الجائز أن تكون هذه درجة حصلت له صلى الله عليه وسلم بعد أن لم تكن، وأن يكون الإحياء والإيمان متأخراً عن تلك الأحاديث فلا تعارض). أهـ

    وأجاب أصحاب هذا المسلك عن أحاديث تعذيب أبوي النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أجوبة :
    الأول: أنها منسوخة بحديث إحياء والديه صلى الله عليه وسلم.
    قال أبو عبد الله القرطبي: (لا تعارض بين حديث الإحياء، وحديث النهي عن الاستغفار؛ فإن إحياءهما متأخر عن الاستغفار لهما، بدليل حديث عائشة أن ذل كان في حجة الوداع، ولذلك جعله ابن شاهين ناسخاُ لما ذكر من الأخبار). أهـ

    الثاني: أن قوله صلى الله عليه وسلم: "إن أبي وأباك في النار" المراد عمه أبوطالب؛ لأن اسم الأب يطلق على العم، وقد كان أبوطالب ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستحق إطلاق اسم الأب من تلك الجهة.
    ذكره السيوطي.
    وذهب الجزيري إلى أن المراد عمه أبو لهب، حيث قال: (وحديث مسلم هذا يمكن تأويله، وهو أن المراد بأبي النبي صلى الله عليه وسلم أبو لهب؛ فإن الله تعالى قد أخبر أنه في النار قطعاً، والأب يطلق في اللغة على العم). أهـ

    الثالث: أنها ضعيفة.
    قال السيوطي: (فإن قلت: فما تصنع بالأحاديث الدالة على كفرهما وأنهما في النار، وهي: حديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ليت شعري، ما فعل أبواي؟ فنزلت: [ولا تسأل عن أصحاب الجحيم]، وحديث أنه استغفر لأمه فضرب جبريل في صدره وقال: لا تستغفر لمن مات مشركاً، وحديث أنه نزل فيها: [ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين]، وحديث أنه قال لابني مليكة: "أمكما في النار". فشق عليهما، فدعاهما فقال: "إن أمي مع أمكما".
    قلت: الجواب أن غالب ما يروى من ذلك ضعيف، ولم يصح في أم النبي صلى الله عليه وسلم سوى حديث أنه استأذن في الاستغفار لها فلم يؤذن له، ولم يصح أيضاً في أبيه إلا حديث مسلم خاصة، وسيأتي الجواب عنهما.
    قال: وأما الأحاديث التي ذكرت؛ فحديث: "ليت شعري ما فعل أبواي؛ فنزلت الآية" لم يخرج في شئ من الكتب المعتمدة، وإنما ذكر في بعض التفاسير بسند منقطع لا يحتج به، ولا يعول عليه.
    أما حديث أن جبريل ضرب في صدره وقال: لا تستغفر لمن مات مشركاً، فإن البزار أخرجه بسند فيه من لا يعرف. وأما نزول الآية في ذلك فضعيف أيضاً، والثابت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب.
    وأما حديث: "أمي مع أمكما" ، فأخرجه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح. وشأن المستدرك في تساهله في التصحيح معروف، وقد تقرر في علوم الحديث أنه لا يقبل تفرده بالتصحيح، ثم إن الذهبي في مختصر المستدرك لما أورد هذا الحديث ونقل قول الحاكم صحيح قال عقبة: قلت: لا والله، فعثمان بن عمير ضعفه الدار قطني. فبين الذهبي ضعف الحديث، وحلف عليه يميناً شرعياً).
    قال السيوطي: (فإن قلت: بقيت عقدة واحدة، وهي ما رواه مسلم عن أنس أن رجلاً قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: "في النار. فلما قفى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار"، وحديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه صلى الله عليه وسلم استأذن في الاستغفار لأمه فلم يؤذن له، فاحلل هذه العقدة.
    قلت: على الرأس والعين. والجواب:
    أن هذه اللفظة وهي قوله: "إن أبي وأباك في النار"، لم يتفق على ذكرها الرواة، وإنما ذكرها حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، وهي الطريق التي رواه مسلم منها، وقد خالفه معمر، عن ثابت، فلم يذكر: "إن أبي وأباك في النار"، ولكن قال له: "إذا مررت قبر كافر فبشره بالنار". وهذا اللفظ لا دلالة فيه على والده صلى الله عليه وسلم بأمر البتة، وهو أثبت من حيث الرواية؛ فإن معمراً أثبت من حماد، فإن حماداً تكلم في حفظه، ووقع في أحاديثه مناكير، ذكروا أن ربيبه دسها في كتبه، وكان حماد لا يحفظ، فحدث بها فوهم فيها، ومن ثم لم يخرج له البخاري شيئاً، ولا خرج له مسلم في الأصول إلا من روايته عن ثابت، قال الحاكم في (المدخل): ما خرج مسلم لحماد في الأصول إلا من حديثه عن ثابت، وقد خرج له في الشواهد عن طائفة).
    قال السيوطي: (وأما معمر فلم يتكلم في حفظه، ولا استنكر شئ من حديثه، واتفق على التخريج له الشيخان، فكان لفظه أثبت، ثم وجدنا الحديث ورد من حديث سعد بن أبي وقاص، بمثل لفظ رواية معمر، عن ثابت، عن أنس؛ فأخرج البزار، والطبراني، والبيهقي، من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه: أن أعرابياً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أين أبي؟ قال: "في النار". قال: فأين أبوك؟ قال: "حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار". وهذا إسناد على شرط الشيخين، فتعين الاعتماد على هذا اللفظ وتقديمه على غيره.
    وأخرجه ابن ماجة، من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أبي كان يصل الرحم، وكان؛ فأين هو؟ قال: "في النار". قال: فكأنه وجد من ذلك فقال: يا رسول الله، فأين أبوك؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حيث مررت بقبر مشرك فبشره بالنار". قال: فأسلم الأعرابي بعد وقال: لقد كلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعباً، ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار").
    قال السيوطي: (فهذه الزيادة أوضحت بلا شك أن هذا اللفظ العام هو الذي صدر منه صلى الله عليه وسلم، ورآه الأعرابي بعد إسلامه أمراً مقتضياً للامتثال، فلم يسعه إلا امتثاله، ولو كان الجواب باللفظ الأول لم يكن فيه أمر بشئ البتة، فعلم أن هذا اللفظ الأول من تصرف الراوي، رواه بالمعنى على حسب فهمه).

    أجوبة القائلين بتعذيب أبوي النبي صلى الله عليه وسلم على أدلة القائلين بنجاتهما:
    أولاً: أجوبتهم عن حديث الإحياء:
    أجاب القائلون بتعذيب أبوي النبي صلى الله عليه وسلم عن حديث الإحياء بأنه حديث باطل وموضوع.
    وممن قال ببطلانه: الدار قطني، والحافظ ابن دحية الكلبي، وابن الجوزي، وابن عساكر، والذهبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن سيد الناس، والحافظ بن كثير، والحافظ ابن حجر، والجوزقاني، ومحمد شمس الحق العظيم آبادي، والألباني، وغيرهم.
    قال ابن الجوزي بعد روايته للحديث: (هذا حديث موضوع بلا شك، والذي وضعه قليل الفهم، عديم العلم، إذ لو كان له علم لعلم أن من مات كافراً لا ينفعه أن يؤمن بعد الرجعة، لا بل لو آمن عند المعاينة لم ينتفع، ويكفي في رد هذا الحديث وقوله تعالى: [فيمت وهو كافر]، وقوله في الصحيح: "استأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي"). أهـ
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية وقد سئل: هل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله تبارك وتعالى أحيا له أبويه حتى أسلما على يديه ثم ماتا بعد ذلك؟ فأجاب:
    (لم يصح ذلك عن أحد من أهل الحديث؛ بل أهل المعرفة متفقون على أن ذلك كذب مختلق، وإن كان قدر روى في ذلك أبوبكر – يعني الخطيب – في كتابه ( السابق واللاحق) وذكره أبو القاسم السهيلي في (شرح السيرة) بإسناد فيه مجاهيل، وذكره أبو عبد الله القرطبي في ( التذكرة)، وأمثال هذه المواضع لا نزاع بين أهل المعرفة وأنه من أظهر الموضوعات كذباً كما نص عليه أهل العلم، وليس ذلك في الكتب المعتمدة في الحديث؛ لا في الصحيح ولا في السنن ولا في المسانيد، ونحو ذلك من كتب الحديث المعروفة، ولا ذكره أهل كتب المغازي والتفسير، وإن كانوا يرون الضعيف مع الصحيح، لأن ظهور كذب ذلك لا يخفى على متدين، فإن مثل هذا لو وقع لكان مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، فإنه من أعظم الأمور خرقاً للعادة من وجهين: من جهة إحياء الموتى، ومن جهة الإيمان بعد الموت. فكان نقل مثل هذا أولى من نقل غيره، فلما لم يروه أحد من الثقات علم أنه كذب). أهـ
    وقال الألباني: (كثيراً ما تجمح المحبة ببعض الناس، فيتخطى الحجة ويحاربها، ومن وفق علم أن ذلك مناف للمحبة الشرعية، وممن جمحت به المحبة السيوطي – عفا الله عنه – فإنه مال إلى تصحيح حديث الإحياء الباطل عند كبار العلماء، وحاول في كتابه (اللاليء) التوفيق بينه وبين حديث الاستئذان وما في معناه بأنه منسوخ، وهو يعلم من علم الأصول أن النسخ لا يقع في الأخبار وإنما في الأحكام! وذلك أنه لا يعقل أن يخبر الصادق المصدوق عن شخص أنه في النار ثم ينسخ ذلك بقوله: إنه في الجنة! كما هو ظاهر معروف لدى العلماء). أهـ

    ثانياً: أجوبتهم عن دعوى ضعف حديث مسلم: "إن أبي وأباك في النار":
    ما ادعاه السيوطي من ضعف حديث: "إن أبي وأباك في النار"، وتفرد حماد بن سلمة بلفظه؛ أجاب عنه بعض المتأخرين كالألباني وتلميذه أبي إسحاق الحويني، وقد أطال الأخير في الرد على السيوطي، وسأنقل مناقشته كاملة نظراً لأهميتها وتناولها لجميع ما أورده السيوطي:
    قال أبو اسحاق الحويني: الجواب عما ادعاه السيوطي من وجوه:
    الأول: أن السيوطي ضعَّف حديث مسلمٍ، وبنى تضعيفه على مقدمةٍ، وهي: أن معمر بن راشد خالف حماد بن سلمة في لفظه، ومعمر بن راشد أوثق من حماد بن سلمة، وهذه المقارنةُ حيدةٌ مكشوفة، فإن الأمر لا يخفى على أحدٍ من المشتغلين بالحديث، ومنهم السيوطي نفسه، فإن أهل العلم بالحديث قالوا: أثبت الناس في ثابت البناني هو حمادُ بن سلمة، ومهما خالفه من أحدٍ فالقولُ قولُ حمادٍ.
    قال أبو حاتم الرازي: (حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابتٍ وفي علي بن زيد). وقال أحمد بن حنبل: (حماد بن سلمة أثبت في ثابتٍ من معمر). وقال يحيى بن معينٍ: (من خالف حماد بن سلمة فالقول قول حمادٍ. قيل: فسليمانُ بن المغيرة عن ثابت؟ قال: سليمانُ ثبتٌ، وحماد أعلم الناس بثابت). وقال ابنُ معينٍ مرة: (أثبت الناس في ثابت: حماد بن سلمة). وقال العقيلي في (الضعفاء): (أصح الناس حديثًا عن ثابت: حماد بن سلمة).
    قال الحويني: وقد أكثر مسلمٌ من التخريج لحماد بن سلمة عن ثابت في الأصول، أما معمر بن راشد فإنه وإن كان ثقةً في نفسه إلاَّ أن أهل العلم بالحديث كانوا يضعفون روايته عن ثابت البناني، ولم يخرج له مسلمٌ شيئًا في (صحيحه) عن ثابت إلا حديثًا واحدًا في المتابعات، ومقرونًا بعاصم الأحول، وهذا يدلك على مدى ضعف رواية معمر عن ثابت. ولذلك قال ابنُ معين: (معمر عن ثابت: ضعيفٌ). وقال مرَّةً: (وحديث معمر عن ثابت، وعاصم بن أبي النجود، وهشام بن عروة وهذا الضرب مضطربٌ كثيرُ الأوهام). وقال العقلي: (أنكرُ الناس حديثًا عن ثابت: معمر بن راشد).
    قال الحويني: وبعد هذا البيان فما هي قيمة المفاضلة التي عقدها السيوطي بين الرجلين، فالصوابُ: رواية حماد بن سلمة، ورواية معمر بن راشد منكرة.

    الثاني: قولُ السيوطي: (إن ربيب حماد بن سلمة دسَّ في كتبه أحاديث مناكير وانطلى أمرها على حمادٍ لسوء حفظه). وهذه تهمة فاجرةٌ، كما قال الشيخ المعلمي رحمه اللَّه، ومستند كل من تكلَّم بهذه التهمة ما ذكره الذهبي في (ميزان الاعتدال) من طريق الدولابي قال: (حدثنا محمد بن شجاع بن الثلجي، حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي، قال: كان حماد بن سلمة لا يعرف بهذه الأحاديث - يعني أحاديث الصفات - حتى خرج مرة إلى عبادان، فجاء وهو يرويها، فلا أحسب إلا شيطانًا خرج إليه من البحر فألقاها إليه. قال ابن الثلجي: فسمعتُ عباد بن صهيب يقول: إن حمادًا كان لا يحفظ، وكانوا يقولون: إنها دُسَّت في كتبه. وقد قيل: إن ابن أبي العوجاء كان ربيبه فكان يدس في كتبه، وعلَّق الذهبي على هذه الحكاية بقوله: ابن الثلجي ليس بمصدق على حمادٍ وأمثاله، وقد اتُهم. نسأل اللَّه السلامة). أهـ.
    قال الحويني: وابن الثلجي هذا كان جهميًا عدوًا للسنة، وقد اتهمه ابنُ عدي بوضع الأحاديث وينسبها لأهل الحديث يثلبهم بذلك، فالحكاية كلُّها كذب، فكيف يُثلب حماد بن سلمة بمثل هذا.

    الوجه الثالث: قولُهُ: (ولم يخرج له البخاري شيئًا). وقد تقرر عند أهل العلم أن ترك البخاري التخريج لراوٍ لا يعني أنه ضعيفٌ، وقد عاب ابنُ حبان على البخاري أنه ترك حماد بن سلمة وخرَّج لمن هو أدنى منه حفظًا وفضلاً، فقال: (ولم ينصف من جانب حديث حماد بن سلمة، واحتج بأبي بكر بن عياش، وبابن أخى الزهري، وبعبد الرحمن بن عبد اللَّه بن دينار، فإن كان تركُه إياه لما كان يخطئُ، فغيرُهُ من أقرانه مثل الثوري وشعبة وذويهما كانوا يخطئون، فإن زعم أن خطأه قد كثر من تغير حفظه، فقد كان ذلك في أبي بكر بن عياش موجودًا، وأنَّى يبلغُ أبو بكر حماد بن سلمة في إتقانه، أم في جمعه؟ أم في عمله؟ أم في ضبطه). أهـ.

    الوجه الرابع: في ذكر الشاهد الذي احتج به السيوطي لتقوية لفظ معمر بن راشد، فهذا الحديث أخرجه البزار، وابن السني، والطبراني، والبيهقي، وأبو نعيم، والضياء المقدسي، من طريق زيد بن أخزم، ثنا يزيد بن هارون، ثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه: أن أعرابيًّا قال لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أين أبي؟ قال: "في النار". قال: فأين أبوك؟ قال: "حيثما مررت بقبر كافرٍ فبشره بالنار".
    قال السيوطي: (وهذا إسنادٌ على شرط الشيخين).
    قال الحويني: وليس كما قال لما يأتي.
    وذكر ابنُ كثير هذا الحديث في (البداية والنهاية)، وقال: (غريبٌ). وقد خولف زيد بن أخزم في إسناده؛ فخالفه محمد بن إسماعيل بن البختري الواسطيُّ، فرواه عن يزيد بن هارون، عن إبراهيم بن سعد، عن سالم، عن أبيه. فذكره.
    قال الحويني: ولا شك في تقديم رواية زيد بن أخزم لأمرين:
    الأول: أنه أثبت من محمد بن إسماعيل بن البختري.
    الثاني: أنه توبع عليه، كما في رواية البزار، والذي تابعه هو محمد بن عثمان بن مخلد، وقد سُئل عنه أبو حاتم فقال: (شيخ)، وقال ابنُ أبي حاتم: (صدوق)، ووثقه ابنُ حبان، وقد ذكر البزار أن يزيد بن هارون تفرّد به، وليس كما قال، فقد تابعه محمد بن أبي نعيم الواسطي، قال: ثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه. أخرجه الطبراني في (الكبير) قال: حدثنا عليُّ بن عبد العزيز، نا محمد بن أبي نعيم. وهذه متابعةٌ جيدة، وابن أبي نعيم وثقه أبو حاتم وابن حبان، وكذا صدَّقه أحمد بن سنان القطان. وكذبه ابنُ معينٍ وأبعد في ذلك. وقد أعلَّ أبو حاتم هذا الحديث بقوله: (كذا رواه يزيد وابن أبي نعيم، ولا أعلمُ أحدًا يجاوز به الزهري غيرهما، إنما يروونه عن الزهري، قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ...، والمرسل أشبه). ذكره ولده في (العلل).

    قال الحويني:وقولُ أبي حاتم متعقَّبٌ أيضًا بأنه قد رواه اثنان آخران متصلاً وهما: الوليد بن عطاء بن الأغر، عن إبراهيم بن سعد، به. ذكره الدارقطنيُّ في (العلل). والوليد صدوق.
    والثاني: الفضل بن دكين، عن إبراهيم بن سعد. أخرجه البيهقيُّ في (الدلائل)، وسنده صحيحٌ. وقد رجح الضياء المقدسي الرواية المتصلة، بينما رجح أبو حاتم الرواية المرسلة، وقول أبي حاتم هو الصواب، وهذه الرواية المرسلة أخرجها عبد الرزاق في (المصنف) عن معمر بن راشد، عن الزهري قال: جاء أعرابي ...، وساق الحديث. فهكذا اختلف إبراهيمُ بن سعد ومعمر بن راشد، ولا شك عندنا في تقديم رواية معمر المرسلة؛ لأن معمرًا ثبتًا في الزهري، وأما إبراهيم بن سعد فقال قال صالح بن محمد الحافظ: (سماعه من الزهري ليس بذاك؛ لأنه كان صغيرًا حين سمع من الزهري). وقال ابن معين؛ وسئل: إبراهيم بن سعد أحب إليك في الزهري أو ليث بن سعد؟ قال: (كلاهما ثقتان). فإذا تدبرت قول يعقوب بن شيبة في الليث: (ثقة وهو دونهم في الزهري - يعني: دون مالك ومعمر وابن عيينة - وفي حديثه عن الزهري بعض الاضطراب)، علمت أن قول ابن معين لا يفيد أنه ثبت في الزهري مثل معمر.
    قال الحويني: فالذي يتحرر من هذا البحث أن الرواية المرسلة هي المحفوظة، وهي التي رجحها أبو حاتم الرازي والدارقطني، فلا معنى للقول أنه على شرط الشيخين بعد ثبوت هذه المخالفة.
    قال الحويني: وأما حديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه، في (صحيح مسلم)، والذي فيه: أن اللَّه نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الاستغفار لأمه، فلم يتعرض له السيوطي إلا بجوابٍ مجملٍ، وهذا الحديث صريح في عدم إيمانها؛ لأن اللَّه عز وجل قال: [مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ]، وقد نزلت هذه الآية في أبي طالبٍ.
    وبهذا الجواب - على اختصاره – يتبين أن الحديثين صحيحان لا مطعن فيهما، والحمد للَّه رب العالمين. أهـ
    حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداءٌ له وخصوم
    كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغضاً إنه لذميم

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    الدولة
    بلاد الحرمين
    المشاركات
    3,088

    افتراضي رد: سلسلة: الأحاديث المشكلة لآيات القرآن (للشيخ القصير) [متتابع]

    المبحث الخامس
    الترجيح
    الذي يظهر صوابه – والله تعالى أعلم – هو مسلك الجمع بين الآيات والأحاديث، فيحكم لأهل الفترة في الدنيا بالعذر عند الله تعالى يوم القيامة، إلا أنه من باب العدل فإن الله يمتحنهم في دار الجزاء بنار يأمرهم باقتحامها؛ فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما، ومن أبى عذب فيها، وهذا الامتحان هو لقيام الحجة عليهم، وليظهر معلوم الله فيهم، وهم في ذاك الامتحان على فريقين: منهم من يجيب، ومنهم من لا يجيب، وما ورد من أحاديث في تعذيب أهل الفترة محمول على الذين لا يجيبون، وهذا المسلك هو الذي تجتمع به الأدلة، ويزول به التعارض بين الآيات والأحاديث، إن شاء الله تعالى.

    يدل على هذا الاختيار:
    1) أن إعمال الأدلة جميعا أولى من إعمال بعضها وترك الآخر، وعند النظر في المسالك الواردة في المسألة نجد أن هذا المسلك هو الذي تنطبق عليه القاعدة، دون بقية المسالك؛ إذ المسلك الأول فيه إعمال للآيات دون الأحاديث، والثالث فيه إعمال لبعض الأحاديث دون الآيات.
    2) أن القول بنجاتهم أو تعذيبهم مطلقا فيه إهدار للأحاديث الواردة بامتحانهم يوم القيامة، وقد تقدم أن هذه الأحاديث - اعني أحاديث الامتحان- قد رويت عن ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهي بمجموعها تدل على أن للحديث أصلا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
    3) أن سنة الله في خلقة قد مضت بأنه لا يعذب أحدا حتى تقوم عليه الحجة، والقول بتعذيبهم مطلقا مخالف لهذه السنة.
    4) أن الآيات الواردة في أهل الفترة ليس فيها ما يدل على أنهم ناجون أو هالكون مطلقا، بل غاية ما فيها الإخبار بأن هؤلاء لم ينذروا ولم يبعث فيهم رسول، وبقي مصيرهم في الآخرة مجهولا حتى بينت السنة النبوية وأخبرت بأنهم يمتحنون يوم القيامة.
    5) أن الأحاديث الواردة في تعذيب أهل الفترة إنما وردت بخصوص أشخاص بأعيانهم، ولم يأتي فيها ما يفيد تعذيب أهل الفترة مطلقا، على حين جاءت الآيات الواردة بعذرهم بصيغة العموم والإطلاق، ولم تنص على نجاة شخص بعينه، فتبقى الآيات على عمومها ويخص منها أولئك الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بتعذيبهم، لسبب ما أوجب عذابهم، وأما الباقون من أهل الفترة فيبقى مصيرهم مجهولا حتى يظهر معلوم الله فيهم عندما يمتحنون يوم القيامة.

    وأما أحاديث تعذيب أبويه صلى الله عليه وسلم فالحق أنه لم يثبت في تعذيبهما حديث سالم من المعارضة، إن في الدلالة، وإن في الثبوت؛ فيجب التوقف فيهما، وعدم القطع لهما بجنة أو نار.
    أما حديث أبيه صلى الله عليه وسلم فقد علمت ما فيه من اختلاف الرواة في لفظه، وهذا الاختلاف موجب للتوقف فيه وعدم القطع بمضمونه.
    وأما أحاديث أمه صلى الله عليه وسلم فلم يأت منها حديث صحيح صريح بأنها من أهل النار، والثابت هو النهي عن الاستغفار لها، وهذا النهي لا يلزم منه أن تكون من أهل النار.

    فإن قلت: فما معنى نهي الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم عن الاستغفار لها؟
    فجوابه: أن الله تعالى لم يأذن لنبيه صلى الله عليه وسلم بالاستغفار لأمه لأنها ماتت في الفترة، ومصير أهل الفترة مجهول، فلا يدرى ما يصيرون إليه، وقد شاء سبحانه أن يكون مصير أمه صلى الله عليه وسلم مخفيا عنه لحكم يريدها سبحانه، وقد يكون من هذه الحكم أن النبي صلى الله عليه وسلم لو أذن له بالاستغفار لأمه لفهم منه جواز الاستغفار لأهل الفترة عموما، ومعلوم أن من أهل الفترة من قضى الله تعالى بأنهم لا يجيبون، ولا يجوز الاستغفار لمن قضى الله تعالى بأنهم لا يجيبون، لأن حكم هؤلاء هو حكم أهل الكفر والشرك، والذين منع الله من الاستغفار لهم.
    كما أن الاستغفار فرع تصوير الذنب، وذلك في أوان التكليف، ولا يعقل ذلك فيمن لم تبلغه الدعوة، فلا حاجة إلى الاستغفار لهم، فيمكن انه ما شرع الاستغفار إلا لأهل الدعوة، لا لغيرهم، وان كانوا ناجين.
    ويمكن أن يقال: أن أهل الجاهلية يعاملون معاملة الكفرة في الدنيا فلا يدعى لهم ولا يستغفر لهم، لأنهم يعملون أعمال الكفرة فيعاملون معاملتهم، وأمرهم إلى الله في الآخرة.

    فإن قلت: فما معنى بكاءه صلى الله عليه وسلم عند قبرها؟
    فجوابه: أن بكاءه صلى الله عليه وسلم عند قبرها لا يلزم منه كونها تعذب، أو أنها ماتت على الكفر؛ والظاهر أن بكاءه إنما هو لعدم علمه صلى الله عليه وسلم بمصيرها، ولشفقته عليها، لا لأنها تعذب.

    فإن قلت: هذا التعليل يعارضه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما استأذن ربه في الاستغفار لامه نزل قوله تعالى: [ما كان للنبي والذين امنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم]، وهذا الحديث يفيد بأن العلة من النهي عن الاستغفار كونها ماتت على الشرك.
    والجواب: أن هذا السبب المذكور في نزول الآية لا يصح، والثابت أن هذه الآية نزلت في أبي طالب، وقد تقدم.

    فإن قلت: فما جوابك عن الإجماع الذي حكاه القرافي في تعذيب أهل الفترة عموما، وما حكاه الملا علي القاري من تعذيب الأبوين خصوصا؟
    والجواب: أن دعوى الإجماع على تعذيب أهل الفترة عموما معارض بما ورد في القرآن الكريم من عذرهم بالفترة، وهي نصوص قطعية لا تحتمل التأويل، ومعارض بما جاء في السنة النبوية من أن أهل الفترة يمتحنون يوم القيامة، ودعوى الإجماع لابد وأن يكون لها مستند من كتاب أو سنة، وأن لا تخالف شيئا من النصوص، وغالبا ما يحكى الإجماع ولا تجد له أصلا، أو يكون أصله مختلف في حجيته، وتحقق ثبوت الإجماع عزيز قل أن يثبت.
    وأما دعوى الملا علي بن سلطان القاري- الإجماع على أن الأبوين ماتا على الكفر- فهي دعوى عارية عن الصحة، فكيف يحكى الإجماع في زمن متأخر جدا، فوفاته كانت سنة (1014هـ)، ولا اعلم أحدا ادعى الإجماع قبله، على أن دعوى الإجماع تحتاج إلى تحقيق كما قلت سابقا، فليس كل ما يحكى في الإجماع يجب التسليم له.
    والمتأمل في كتابات الملا علي القاري حول حكم الأبوين يجد عنده تناقضا وترددا في مصيرهما، فهو في كتابه (أدلة معتقد أبي حنيفة) يذكر لنا أنهما ماتا على الكفر، ومصيرهما إلى النار، على حين نراه في كتابه (شرح الشفا) للقاضي عياض؛ يقول: (وأما إسلام أبويه ففيه أقوال: والأصح إسلامهما، على ما اتفق عليه الأجلة من الأئمة، كما بينه السيوطي في رسائله الثلاث المؤلفة). أهـ.
    وقال في الكتاب نفسه: (وأما ما ذكروه من إحيائه عليه الصلاة والسلام أبويه فالأصح أنه وقع، على ما عليه الجمهور الثقات، كما قال السيوطي في رسائله الثلاث المؤلفة). أهـ.
    وفي كتابه (مرقاة المفاتيح) يذكر لنا أن مذهب الجمهور على أن والديه صلى الله عليه وسلم ماتا على الكفر.
    وهذا التناقض من القاري يوجب التوقف في دعواه الإجماع، إذ لو كان ثمة إجماع لما تردد في مصيرهما.
    وعلى التسليم بثبوت الإجماع فهو محمول على أن حكمهما في الدنيا حكم من مات على الشرك، من عدم جواز الاستغفار لهما ونحو ذلك، ولا يجوز حمله على القطع بأنهما من أهل النار، لما علمت من أن هذا القطع لم يثبت به دليل صحيح صريح حتى يصار إليه.

    فإن قلت: فهذا ورقة بن نوفل مات في الفترة وقد أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فلو كان أهل الفترة يجب التوقف فيهم لما أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم؟
    والجواب: أن أهل الفترة كما ذكر محمد بن خليفة الأبي على أقسام: قسم عندهم بقية إنذار من الأمم السابقة، كمن سافر أو سمع شيئا عن الأديان السابقة، وهؤلاء قد بلغتهم الدعوة وقامت عليهم الحجة، وليسوا بأهل فترة؛ لأن أهل الفترة هم الغافلون، كما سيأتي.
    وأصحاب هذا القسم منهم من التزم بالدين الذي سمع به فتحققت له النجاة، كورقة بن نوفل، ومنهم من رفض أو غير وبدل فاستحق الهلاك؛ كابن جدعان، وعمرو بن لحي.
    وأما القسم الثاني من أهل الفترة: فهم الغافلون، الذين لم يسمعوا بشيء من تلك الأديان، ولم يبعث فيهم رسول ينذرهم ويحذرهم، وهؤلاء معذورون بجهلهم وغفلتهم، وقد نص تعالى على عذرهم بسبب غفلتهم حيث قال: [لتنذر قوما ما انذر آباءهم فهم غافلون]، وأبان في آية أخرى أن الغفلة موجبة لرفع العذاب في الدنيا فقال: [ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون]، فإذا كان تعالى لا يهلكهم في الدنيا إلا بعد الإنذار والإعذار، فمن باب أولى أن لا يعذبهم في الآخرة إلا بعد إنذارهم، والله تعالى أعلم.
    حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداءٌ له وخصوم
    كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغضاً إنه لذميم

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المشاركات
    15

    افتراضي رد: سلسلة: الأحاديث المشكلة لآيات القرآن (للشيخ القصير) [متتابع]

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    جزاكم الله خيرا على هذا الموضوع القيم، لكن لدي سؤال هل هذا البحث مطبوع في كتاب، وأرجو أن تدلوني على كتب أخرى تخدم هذا الموضوع.

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    289

    افتراضي رد: سلسلة: الأحاديث المشكلة لآيات القرآن (للشيخ القصير) [متتابع]

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة قطرة مشاهدة المشاركة
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    جزاكم الله خيرا على هذا الموضوع القيم، لكن لدي سؤال هل هذا البحث مطبوع في كتاب، وأرجو أن تدلوني على كتب أخرى تخدم هذا الموضوع.
    سؤالٌ مهمٌ من الأخت .. والمرجو من شيخنا السكران أو من يعلم الإجابة .

    وباركَ الله في الشيخ الصقير فما قرأتُ أجملَ ما كتبه من حسن عرضٍ وتوسُّعٍ بمفيدٍ ومختصر وترجيحٍ للمسائل .
    http://www.saaid.net/ صيدُ الفوائدِ

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •