بسم الله الرحمان الرحيم

اقرأ هذا المقــــــــال عن عوامل قوة الإسلام

الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على من لا نبيّ بعده،وبعد
فقد كنت من مدة قريبة أنزلت على "منتدى الشروق" بعض الأجوبة العلمية على انتقادات الشيخ شمس الدين للسلفية ، لم يكن الغرض منها تكريس الفرقة وصب الزيت على النار، ولكن لبيان حقيقة علمية واضحة اختفت تحت غطاء تصنيف الناس ووسمهم بصور نمطية، وردمت تحت اللبس المعرفي ،ذلك أن السلفيين و إن كان لبعض الناس عليهم انتقادات ولا يوافقونهم في مسائل عديدة، فهذا شيء قابل للنقاش و المساجلات العلمية.
ولكن جل المسائل التي انتقدها عليهم الشيخ شمس الدين ليست حكرا على السلفيين ،ولا هي من ممتلكاتهم الثقافية، بل هي الإسلام الصحيح الذي قامت على صحته أدلة العقول و النقول، و إلحاقها بالسلفيين ظلم للإسلام الصحيح إسلام الكتاب و السنة، الإسلام الذي يدعو جميع المسلمين للانطواء تحته ،و الانضمام إلى دعوته لإنقاذ الناس من سخط رب العالمين.
إضافة إلى ذلك وجب تصحيح الغلط التاريخي الذي وقع فيها الشيخ شمس الدين عندما يستحوذ على كيانه من غير شعور منه حب تسمية السلفيين بالحشوية، فكان تفصيل هذا الموضوع ،و بيان المغالطة التاريخية التي وقعت فيه من باب رد الاعتبار للحقيقة التاريخية، و إلا فإن الحشو ليس صفة ذاتية لطائفة ما، بل هو صفة اعتبارية لكل من ابتعد قوله عن الإسلام الصحيح، إسلام الكتاب و السنة ، هذا إذا جاز لنا أن ننعت أحدا بهذا اللقب الشنيع.
ومعلوم أن من يريد تصحيح الأخطاء و انتقاد الناس ليعودوا إلى جادة الصواب، و يبصرهم بالحقيقة العلمية عليه أن يعتمد خطابا مرنا، الغرض منه الإحاطة بالمخالف و استيعابه، ليكون طاقة فعالة للإسلام، لا هدر حقوقه، وهدر الحق الذي معه، و بالتالي استفزازه فتتأجج نار العداوة .
و العاقل يعلم من خلال فحص خطاب الشيخ شمس الدين أنه يصوغه في قالب عدائي، فإننا لم نسمعه يوما يشيد بما أصاب فيه السلفيون ، و يسميهم حشوية، و إن كانت العداوة الدينية حقيقة قائمة ، و قد يمدح صاحبها، أو تدل على إيمانه و تعلقه بالدين ، وولاءه لله ورسوله، فإنها متى اصطبغت بالجهل مثل: سوء الخطاب، و إنكار الحقائق العلمية و التاريخية، و بالعناد مثل: إنكار ما مع المخالف من حق ، و بالاعتداء على المخالف : مثل سبه و شتمه و تحقيره وتصغير أمره عرفنا أن هذه العداوة ليست لله، و إنما هي حقد طائفي يتوارثه بعض المسلمين أحيانا من غير شعور منهم.
فلهذه الأسباب و المبررات سأشرع بداية من الليلة إن شاء الله ـ إذا وافق الأخ الفاضل و الصديق الوفي عبد القادر بوهلة ـ في إنزال بعض المقالات أصوغها في عبارات عصرية، محاولا اجتناب لغة الفقهاء و أهل الحديث التخصصية قدر الإمكان، نعالج من خلالها بعض القضايا التي أراها حاسمة في مصير أمتنا الإسلامية، إضافة إلى الاستمرار في إنزال باقي المواضيع الدينية العلمية.
ـ إن الإسلام كما جاء به النبي صلى الله عليه و آله وسلم و كما مارسه أدى إلى تشكيل الإنسان المسلم القرآني، و أمده بنموذج إنساني معرفي قادر على اختراق كل البنيات الثقافية و الاجتماعية الموجودة آنذاك، وهذا ما ساهم في انتشار الإسلام وتوسعه بأيسر السبل.
وعندما نلاحظ اليوم أن الإسلام رغم ما يعترض طريقه ـ كبعد النموذج النبوي في تشكيل الإنسان المسلم عن تناول المسلم المعاصر بسبب رفض بعض المسلمين تفعيل الكتاب و السنة من خلال فهمه فهم السلف الصالح ـ قادر على اختراق آفاق و ثقافات أخرى،أي رغم أزمته الداخلية لا يزال يعارض الحضارة الصناعية و يكشف عيوبها و سلبياتها، بل و يتوسع بداخلها، مما يعني حتما أن بقايا من هذا المنهج و النموذج لا زالت فعالة، ولعل أهمها قوة الخطاب القرآني و قدرته على تجاوز المكان و الزمان من خلال أسلوبه القصصي الموافق للفطرة الإنسانية ،و الذي لاتتمركز ولا تتموضع القصة البشرية فيه داخل أطر زمانية أو مكانية ،بل يركز على معناها و مثاليتها، مما يجعلها قابلة للتمثل في أي مجتمع ،وفي أي حضارة، في أي زمان و أي مكان.
إن الخطاب الإسلامي المشتت والخيالي لدى البعض منا، و الغارق في الإسلام المؤؤل "اجتهادات العلماء في عصر الضعف، و أحيانا المبدل " البدع و الخرافات و الأحاديث الضعيفة و الموضوعة " أي البعيد عن الإسلام المنزل، و الذي ينسج صورة براقة عن فترات من الماضي ملتهبة وصراعية ابتعدت عن إسلام الصحابة و التابعين و تابعيهم منهجا وسلوكا،يريد أن يبعثها في المستقبل دون معرفة بالعقبات و المتغيرات التي لا يمكن بعثها من جديد في هذا العصر، والذي لا يتسم بأية صورة من صور التسامح الإسلامي، و خال من أية صياغة منطقية لمبادئه، و يحاول أن يدفع التناقض الذي يعاني منه من خلال إدخال هذه المسائل الخلافية في مجال اللامفكر فيه أو الممنوع التفكير فيه، ولا اقصد من هذا التسوية بين الجلاد و الضحية ، بين المصيب و المخطيْ، بل يجب التفريق بين الأصيل المتمسك بالكتاب و السنة ،و الدخيل المستورد من شرق وغرب، من يونان ورومان.
هذا الخطاب الذي يكرس عند أتباعه القطيعة مع العصر الذي يعيشون فيه من خلال إعادة بعث مشاكل وقعت في التاريخ الإسلامي لا دواعي لها في هذا العصر كالعقائد الكلامية الميتة و التصورات الصوفية البدعية لعالم يديره رجال الغيب! وغيرها، و الأمة في غنى عنها، فيحاول أن يحيي مشاكل ميتة و ينسى المشاكل الحية هو من يرفض مجابهة الفكر المعاصر ويتجنب محاربة التنصر و العلمنة وردعهما، و يرفض الكلام عن البدع الهدامة لجوهر الإسلام وروحه أي للوحدانية في العقيدة و التعبد.
إننا، لا يجب أن نرفض مجابهة الفكر المعاصر أو الهروب منه لأننا غارقون في عبادة القبور و الاعتقاد في الخرافات ورجال الغيب يدبرون الكون، يرزقون وينصرون، ويهبون لهذا الذكور ولذاك الإناث، وبالتالي عاجزون عن مجابهة فكر يعتمد ظاهرا الموضوعية ويعتمد التجربة منهجا،لأن هذا الفكر منه ما يخص بالذات الحضارة الغربية ذات الخلفية المسيحية، ومنه ما هو من الفكر الكوني العالمي المرتبط بالحقائق العلمية كما شاء لها الله سبحانه و تعالى أن تكون ، فلم لا يمكن أن يشكل هذا الفكر الكوني الصحيح بعض نقاط الارتكاز لسؤال الذات ،ومنصة لدخول الحضارة الغربية كدعاة لخير الأديان، وسفراء خاتم الرسل و الأنبياء ،و بالتالي لا خشية على الإسلام من هذا الفكر بل العكس صحيح، بحيث يمكن للمسلمين من استخدام هذا الفكر لنشر فكرهم الإسلامي.
إن رفض مجابهة الفكر المعاصر بكل ألوانه أو مجابهته على استحياء هو ما يعيق الإسلام الصحيح إسلام الكتاب و السنة عن اجتياح مساحات فكرية و علمية هامة و مفيدة للأمة الإسلامية في داخلها وخارجها.
إن فرص اختراق الفكر الغربي المتشبث في مجتمعاتنا بسبب أخطائنا و قصورنا، و المثقل بمخالفة الفطرة، و المتناقض مع الحقائق الكونية، و المعارض لضروريات الإنسان الحقيقية ،والغارق في الاجتهادات المتضادة، والواقع تحت مؤثرات المجتمع الاستهلاكي عديدة للوصول إلى زعزعته وهيمنة الفكر الإسلامي عليه ، لكن بشرط أن يتخلص المسلمون من عقدتهم أمامه،و لا يحاولون تكييف الإسلام مع أهوائه، ولا يغفلون عن أصل رسالتهم الحقيقي، وهو إنقاذ ما أمكن إنقاذه من البشر من براثن النار ومن جور الشرك و الكفر، ومن استعباد الإنسان لغير الله تعالى.
فالفكر الإسلامي المعاصر نسي في معظمه المعنى الأصلي لرسالته وهي الدعوة إلى الله وتبليغ الإسلام ، وراح يخوض عملية دفاع ورد هجومات الفكر الغربي .
إن خطابنا الديني لا يجب أن يندرج في إجراءات عدم الزوال و الذوبان في مختلف التيارات الفكرية المعاصرة، بل يجب أن يندرج في معنى الآية الكريمة:{ ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلا يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}، وفي معنى قوله تعالى:{ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله}أي: ليهيمن خطابه على كل خطاب، و يهيمن منهاجه على كل المناهج، كما أن الإسلام هو الدين المهيمن على جميع الأديان، وهو لا يهيمن عليها إلا إذا سد نقاط النقص في الأديان الأخرى، و أحدث التوازن للإنسان، هذا التوازن الذي يفتقده في الديانات الأخرى، فإذا كان موسى بعث بالجلال، و عيسى بالجمال، فمحمد صلى الله عليه و سلم بعث بالكمال.
فإذا كانت أبرز خصائص اليهودية التشدد و الغلو و التنطع، و أبرز خصائص النصرانية الرهبانية والابتداع ،فإن المنهج العلمي الإسلامي وخطابه يجب أن يكون معتدلا متوسطا، لا إفراط فيه ولا تفريط.
فهو منهج وخطاب يهيمن على كل المناهج سواء كانت داخلية أو خارجية، و المناهج الداخلية هو تجريد إتباع الرسول، و نبذ التقليد كمنهج علمي، و اجتناب التعصب المذهبي عند العرض و التحليل، فالمنهج الرباني النبوي يقتضي التخير من أقوال العلماء، فما وافق الكتاب و السنة يأخذ به وماخالفهما ينزهان عنه، فلا نتخذ من دون الله و رسوله رجلا يصيب و يخطئ نتبعه في كل ما قال، لا في العلم، ولا في الحكم و القضاء، ولا في رئاسة الجماعات و الطوائف.
فالمنهج العلمي الإسلامي وخطابه منهج وخطاب علمي لا يعارض البحث العلمي و الحقيقة العلمية الثابتة[1] في شيء، وهو كذلك طريق إيماني، و هدي أخلاقي ،أي يجمع بين العلم و الإيمان و الأخلاق.
و بطبيعة الحال المنهج و خطابه بهذه الخصائص يكون منهجا وخطابا عقليا فطريا، معيار الصدق فيه موافقة الكتاب و السنة و الإجماع،و دليل الإجماع ليس دليلا عقليا في أصل اعتباره، لأن الناس قد يجتمعون عن تواطؤ و شعور، ولكن الإجماع الإسلامي إجماع له بعد إيماني لا يخص إلا هذه الأمة ،لأن الله تعالى قد جعل معيار الصدق و الحرز من الضلال للأمم السابقة أنه كلما مات نبي و اندثر الدين بعث نبي آخر،أما هذه الأمة فعوضها عن ذلك بأن جعلها لا تجتمع على ضلالة، فهذا بعد إيماني في بناء المنهج العلمي وخطابه عند المسلمين، قد ينتقده بعضهم ،ولكن النظر في أصل الإجماع عند المسلمين من حيث صيغته و طريق نقله ووقوعه عبر التاريخ الإسلامي يبطل كل هذه الانتقادات.
هذه قيمتك وقيمة دينك ونبيك عند الله أيها المسلم :
لقد بعث الله محمدا صلى الله عليه و سلم بأفضل المناهج والشرع ، وأحبط به أصناف الكفر والبدع ، وأنزل عليه أفضل الكتب والأنباء ، وجعله مهيمنا على ما بين يديه من كتب السماء . وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله ، يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله ، هو شهيد عليهم، وهم شهداء على الناس في الدنيا والآخرة، بما أسبغه عليهم من النعم الباطنة والظاهرة، وعصمهم أن يجتمعوا على ضلالة، إذ لم يبق بعده نبي يبين ما بدل من الرسالة، وأكمل لهم دينهم، وأتم عليهم نعمه، ورضي لهم الإسلام دينا وأظهره على الدين كله، إظهارا بالنصرة والتمكين، وإظهارا بالحجة والتبيين ، وجعل فيهم علماءهم ورثة الأنبياء يقومون مقامهم في تبليغ ما أنزل من الكتاب ، وطائفة منصورة لا يزالون ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم إلى حين الحساب ، وحفظ لهم الذكر الذي أنزله من الكتاب المكنون كما قال تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ، فلا يقع في كتابهم من التحريف والتبديل كما وقع من أصحاب التوراة والإنجيل ، وخصهم بالرواية والإسناد الذي يميز به بين الصدق والكذب الجهابذة النقاد، وجعل هذا الميراث يحمله من كل خلف عدوله أهل العلم والدين، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، لتدوم بهم النعمة على الأمة، ويظهر بهم النور من الظلمة ، ويحيا بهم دين الله الذي بعث به رسوله ، وبين الله بهم للناس سبيله ، فأفضل الخلق أتبعهم لهذا النبي الكريم المنعوت في قوله تعالى { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم }.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين ، وإله المرسلين ، وملك يوم الدين ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله إلى الناس أجمعين، أرسله والناس من الكفر والجهل والضلال في أقبح خيبة وأسوأ حال ، فلم يزل صلى الله عليه وسلم يجتهد في تبليغ الدين، وهدي العالمين، وجهاد الكفار والمنافقين، حتى طلعت شمس الإيمان ، وأدبر ليل البهتان ، وعز جند الرحمن ، وذل حزب الشيطان ، وظهر نور الفرقان، واشتهرت تلاوة القرآن ، وأعلن بدعوة الأذان ، واستنار بنور الله أهل البوادي والبلدان ، وقامت حجة الله على الإنس والجان ، لما قام المستجيب من معد بن عدنان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، صلاة يرضى بها الملك الديان وسلم تسليما مقرونا بالرضوان[2] ،هذا تصورنا للإسلام ، و ما يجب أن تكون عليه مكانته بين الأنام.
وعليه، يجب أن يكون خطابنا مهيمنا في وضع الهجوم، لا مترددا في وضع الدفاع .
الأمر الثاني من عوامل قوة الإسلام:
تزاوج العقلي و الشعوري النفسي الوجداني في الخطاب القرآني، فالقياس العقلي فيه يقدم صورة تجارب شعورية تخاطب الوجدان و تثير انتباهه لفائدة التركيز العقلي لنمط الإدراك و التصور.
و عليه يجب علينا الابتعاد عن الخطاب الإسلامي العاجز حتى على تحريك العواطف و الانفعالات عند الناس، أو الخطاب الحاد و الخالي من أية إشارة إلى العقل و النفس و الوجدان، الذي يشبه الخطاب العسكري القانوني الذي انتشر مؤخرا في الأمة، و الذي لا يحمل أي روح تمس المشاعر و الأحاسيس إلا ما كان سلبا، ولذلك يعاني من عجز كبير في مجال الوعظ، و ينفر منه الناس لعدم إحساسهم بمشاعر الإيمان تفيض منه.
إنا الخطاب الإسلامي الغافل عن الفكر المعاصر قد زاد من قدرة المجتمع المسلم على توليد ظاهرة التهميش الثقافي و المعرفي ، في حين كان المفروض حسب شعاراته أن يدعو إلى الطموح نحو التعالي الروحي و السلوكي و العملي و الفكري، هذا الطموح الكفيل بتزويد الشباب بقدرة على اختراق المجالات الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية في الداخل والخارج ، ولكن هذا الخطاب البدعي البعيد عن جوهر الإسلام وروحه الحقة ،والذي لا نستطيع باستعماله مواجهة الفكر الغربي المتغلغل داخل أمتنا يدعونا إلى إقصاء النفس و الابتعاد عن مركز العالم المعاصر إلى الحواشي و الأطراف.
ثالثا:ـ الخطاب القرآني يحمل المضامين المعنوية للأمل البشري للخلاص و النجاة في الدنيا و الآخرة،فكذلك يجب أن يكون خطابنا الدعوي.
رابعا: إدراكه و تعيينه لمفاتيح السعادة، و طرد الهم الهاجس البشري الأول، إضافة إلى أسرار مودعة فيه تجعل قارئه و المستمع إليه يشعر بحالة نفسية مطمئنة لا يمكنه أن يفسرها.
خامسا: تنوع منظومة الإسلام الفقهية بين فقه الأوليات و المصالح، و فقه الضروريات، مما يعني أنه يكتسي في الممارسة اليومية مرونة تسمح له بتجاوز الاختلافات القائمة بين البيئة الإسلامية و البيئات الأخرى، ففقه الضرورة و عامل الاختلاف الفقهي بين مختلف مدارسه أتاح له تجاوز كل العقبات التي تفرضها عليه الاختلافات الجنسية العرقية و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية.
سادسا: قواعد الإسلام التي هي من جهة بسيطة ،و من جهة أخرى مفصلة، و نظامه التشريعي القانوني المغاير للديانات الأخرى زوداه بآلية إيمانية موحدة، بحيث أن الإنسان المسلم لا تدفعه التحديات و المستجدات إلى تبني صورة إيمانية جديدة ،فالإسلام بحكم منظومته و أصوله دين عملي لا مكان فيه لإيمان عقلي لا يستتبعه عمل، بخلاف الديانات الأخرى التي بحكم العلمنة أوجدت نوعا من الإيمان لا يستتبعه عمل،ففرق بين الإقرار بالله أو الاعتراف به كما هو عند غير المسلمين، و بين القبول به ربا بمعنى الرضا به و الرضا عنه كما هو عند المسلمين.
سابعا: علاقة المسلم بربه لا تمر عبر وسائط كهنوتية كما هو الحال في الديانات الأخرى، وهي تتكرر في اليوم خمس مرات يقرأ المسلم فيها كلام الله و يتأمله عبادة وتقربا إلى الله، و ليس لمجرد الدراسة.
هذه كانت بعض المحطات أردت من خلالها إبراز التصور السلفي الحقيقي للإسلام بعبارات يفهمها الناس قدر الإمكان، فإن الاصطلاح الديني بات هاجسا مخوفا عند البعض خاصة و أن بعضهم يحاول تخويف الناس من السلفيين ،و أنا لا أنكر الممارسات الخاطئة لبعضهم، ولكني هنا عندما أتكلم عن السلفية أقصد السلفية التي عبر عنها الألباني رحمه الله بمقولته المشهورة:" التصفية و التربية" تصفية الدين من الدخيل عليه، و تربية المسلمين على الإسلام المصفى ،فهل يجب علينا الحفاظ على بعض العادات و الأعراف و الممارسات الدينية الخاطئة و المخالفة لمقررات الكتاب و السنة، و التي بات خطؤها واضحا إلا لأننا ورثناها عن بعض أجدادنا، و لمجرد وجودها في المسلمين كواقع لا يريد البعض تغييرها، أم أنه يجب علينا السير بهذا الواقع الموجود أقصد السلبي و الفاسد منه نحو الواقع المقصود، واقع المسلمين كما أراد لهم رب العزة أن يكونوا وكما كان النبي صلى الله عليه و أصحابه.
هذه أفكار للمداولة و الإثراء بعيدا عن تشنجات الأنفس و العصبية و الأحقاد،و الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على اشرف المرسلين .
أرزيو في 2009-04-11

مختار الأخضر طيباوي
[1] ــ يعتقد بعض الإسلاميين أن بعض العلوم تعارض الدين و تقود للإلحاد و الكفر، وليس لهم على ذلك أية حقيقة علمية ثابتة ولا مستند شرعي إلا فساد التحليل بتأثير السرد التاريخ لتطور العلوم، فلما تطورت هذه العلوم على يد الغرب، و أول من احتك بالغرب و استفادها منه هم العقلانيون و العلمانيون و الشيوعيون العرب و المسلمين، وكان لهؤلاء خلفية عقدية مذهبية فكرية معارضة للإسلام، ظن بعض الناس أن هذه العلوم تعارض الدين، و الحقيقة تقال:فإن أكثر قواعد هذه العلوم و أقصد القواعد الثابتة لا تعارض الدين بل تؤيده و تدل عليه، وهناك فرضيات مجرد فرضيات لم تثبت مال بها أصحابها نحو خلفيتهم العقدية، فما العلم الصحيح في النفس والاجتماع هو الذي نصب الخلاف مع الدين، ولكن الخلفيات النفسية العقدية هي التي تعارض الدين، أما العلم الذي يخضع في معايير الصدق إلى الحقيقة العلمية و الموضوعية فإنه من أعظم الشهود على هيمنة الإسلام على الديانات، و أنه المنهج الحقيقي للبشرية.
وهذه ظاهرة موجودة حتى داخل المذاهب الفقهية الإسلامية، فما أصحاب هذه المذاهب ولا أصولها و قواعدها نصبت الخلاف مع الرسول صلى الله عليه و سلم، ولكن خلق التعصب و التقليد الأعمى هو الذي قاد إلى مثل هذه التضاربات مع الحقائق الشرعية.

[2] ـ نقلا عن خطبة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .