من ُلجَجِ الاعتزال إلى لجاجة المنشئين في الحلية..! 3-3
د. حسن بن فهد الهويمل






لقد قرأت (أبا زيد) بوصفه متمكنا أمكن من مناهج النقد الحديث وبخاصة التفكيك والأنسنة، وشنآن المفكر بسبب انحرافه لا يجرمني على ألا أعدل أو ألا أستفيد، واستفادتي من مخالفي ومناوئي قد تفوق استفادتي من....


.....موافقي ومناصري، ومما زاد اهتمامي به ترديه في مهاوي الهلكة وإصراره وعناده وتمسكه بآرائه التي لا تلوي على شيء، إذ كان في موقفه ألجُّ من خنفساء، وما ان تجاوزته عدت إليه حين ضج الرأي العام في مصر وابتدر انحرافاته الفكرية وإخفاقاته المعرفية المعذِّرون واللوَّم، وكنت في مصر في أوج ضجيج المحافل، ولم أدع شاردة ولا واردة تمس المشكلة المثارة إلا قيدتها قيد الأوابد، سعياً وراء إحقاق الحق ونصرة الأخ ظالماً أو مظلوماً، وكأني بالتاريخ يعيد نفسه:


وكم ذا بمصر من المضحكات

ولكنه ضحك كالبكاء

ومشكلة الإعلام في مصر بالذات الاهتياج الأعزل والاندفاع العاطفي المتشنج، لقد مرت مشاهده الفكرية منذ (حملة نابليون) وعودة (الطهطاوي) بتمردات لوجوه شتى، وليست ثورات.


فالتمرد لا ينطوي على شيء، فيما تنطوي الثورات على فلسفات (أيديولوجيات) تفرض نفسها، والمتحسسون عن المتمردين وآثارهم يروعهم ما يعتري المشاهد من لوثات يضيع معها الرشد، ويعلو قتام الجهل، وان تركت ركاماً من القول وردّ القول، نجد ذلك عند طائفة من المتمردين ممن مهّد لهم (الطهطاوي) والأفغاني و(محمد عبده)، إذ جاء (قاسم أمين) و(طه حسين) و(مصطفي عبد الرزاق) و(عبد العزيز فهمي) و(محمد أحمد خلف الله) وآخرون تعرف منهم وتنكر، ولكل متمرد معوّله في الغرب، وآفاق العالم الإسلامي لا تخلو من متمردين يهدمون الأخلاق أو يقوضون الأفكار، ولكنهم ليسوا بحجم المتمردين في عالمنا العربي.


والذي ذهب إلى عدّ (أبي زيد) معتزلياً تعويله على العقل، وفاته أن جميع الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين ما أضر بهم إلا إقدام عقولهم وإيغالهم في عالم الغيب واستدبارهم للنص أو تأويله تأويلاً فاسداً، حتى لقد ملّ (الفخر الرازي) من التيه وندم على اشتغاله بالعلوم الغيبية، قال الطوغاني: قال الرازي: (يا ليتني لم اشتغل بعلم الكلام وبكى) ومن شعره:


نهاية إقدام العقول عقال

وأكثر سعي العالمين ضلال

وما وقع فيه (أبو زيد) من انحرافات فكرية لا أحسبُها ناتج تفكير مستقل واشتغال مباشر بالنص، وإنما هو ناتج ارتماء في أحضان الغرب والتقاط للخيط الماركسي الذي تلقفه من قبله (خليل عبد الكريم) وأنتج على ضوئه عدة كتب تاريخية تفيض بالمادية البغيضة، وإذا كان (عبد الكريم) مراوغاً مُموهاً فإن (أبا زيد) صادعاً برؤيته التي يأمره بها عقله المتجرد من كل التزام عقدي، واكتشاف أمره جاء عندما تقدم بأكثر من عشرة بحوث وكتابين للترقية إلى درجة أستاذ، وكان من بين الفاحصين الدكتور عبد الصبور شاهين الذي كشف خطأه وجهله وانحرفاته الفكرية التي استدركها عليه (شاهين) تتمثل في قوله: (إن من حقنا أن ننقد القرآن لأنه منذ نزل على الرسول محمد قد انفصلت عنه صفة الألوهية وأصبح بشرياً)، وبشريته أنه تلبس باللغة العربية وهي منتج بشري تخضع للنقد والتقويم، وان الإسلام هو سر تأخر المسلمين، وان الماركسية هي الإيمان، وان سلمان رشيدي شهيد وان أبا بكر وعمر وعثمان كانوا متآمرين على الحرية، فصنعوا قرآنا خاصا بقريش، وقضوا على تعددية النص، لأنه يتصور أن لكل قبيلة قرآناً، وهو قد نسب الشافعي إلى القبلية فيما نسب أبا حنيفة إلى الشعوبية نسبة تفكير وعقيدة وفقه، متوهماً أن منطلقاتهم الفقهية مرتهنة لهذه النزعات العرقية. ومن فحوى كلامه إنكاره لمعطى آيتين محكمتين: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} (89) سورة النحل، و{مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} (38) سورة الأنعام، وهو بالتالي إنكار لشمولية الإسلام وعالميته. إذ جاء في كتابه (الإمام الشافعي) إشارة إلى ما قرره الشافعي من أن في القرآن حلولاً لكل المشكلات، إذ وصف هذا القول بالخطورة، حيث حوّل العقل البشري إلى تابع يقتصر دوره على تأويل النص واشتاق الدلالة منه، ولهذا ذهب إلى أن الإسلام دين للعرب وحدهم، وان القرآن منتج ثقافي بيئي، والإيمان الميتافيزيقي الذي لا يجعل النص القرآني منتجاً ثقافياً يطمس هذه الحقيقة، ويعكر من ثم إمكانية الفهم العلمي للنص والوجود المتعين للنص القرآني المتشكل خلال فترة زادت على العشرين عاماً يصرف النظر عن أي وجود سابق في العلم الإلهي أو اللوح المحفوظ على حد قوله، فض الله لسانه وأوهى سلطانه، والهدف من كل هذا اللغط النزوع إلى التحرر من سلطة النص، وأي سلطة تعوّق مسيرة الإنسان.. وتلك الاطلاقات الجوفاء المتصيدة من مقولات استشراقية مغرضة ليست ناتج تفكير ولا معطى تمحيص، وكل اطلاقاته في كتبه توحي بالارتجالية والاستلاب، وان كان ثمة إمكانات معرفية أو مهارات ذاتية فإنه وظفها للتضليل ونسف الثوابت والمسلمات، والعلماء الذين تعقبوا آراءه توصلوا إلى نتائج في غاية الخطورة نلخصها فيما يلي:


- القرآن منتج ثقافي ومستمد من البيئة العربية.


- إسقاط سلطة النص وأي سلطة أخرى.


- إنكار صلاحية القرآن لكل زمان ومكان.


- عدّ الإسلام دينا عربيا ونفى العالمية والشمولية.


- الدعوة إلى التحرر من العبودية لله.


- نفى أن يكون القرآن في علم الله الأزلي.


ومماحكاته تلك تتقاطع مع مقولات (ماركس) الذي يذهب إلى أن الديانات والفلسفات مجرد (أيديولوجيا) تعكس أفكاراً زائفة للطبقات الحاكمة.


والذين انبروا للدفاع عن (أبي زيد) عبر وسائل الإعلام ثلاث فئات: العلمانيون، والحداثيون، والماركسيون، وان كان ثمة خطأ فإنه في إقحام الرأي العام ولهب مشاعره.


ومعتصر المختصر لكل الذين يتصورون أن (أبا زيد) مُعيد لخطاب الاعتزال، وان خطابه الجديد مجرد عصرنة لخطاب الاعتزال أن يلتمسوا مستقراً لمقولاته في الفضاء الاعتزالي، وسأكتفي بثلاثة نقول:


الأول قوله: (إن القرآن منذ أن نزل على محمد أصبح وجوداً بشرياً منفصلا عن الوجود الإلهي) والثاني قوله: (لم ينج القرآن من عمليات المحو والإثبات) الثالث قوله: (إن التصورات الأسطورية المرتبطة بوجود أزلي قديم للنص القرآني في اللوح المحفوظ باللغة العربية ما زالت تصورات حية في ثقافتنا).


وان كان ثمة دعوة مشروعة لحرية التفكير والتعبير، فإنها لا تكون حرية هدم لثوابت الأمة وتدنيس لمقدساتها وتشويه لمبادئها وسب واتهام لورثة الأنبياء، وليست ممارسة للإرهاب الفكري ومصادرة لحق الآخر في الدفاع عن مسلماته.


وأبو زيد الذي شغل المشاهد الفكرية والإعلامية ينطلق من فكر جدلي ماركسي، وتتجلى منهجيته الجدلية وفكره الماركسي في كتابه الضجة (الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية)، وهو كتيب صغير يقع في مائة وعشر صفحات نشر في عام 1991م يحتوي على مقدمة وأربعة فصول، ومنطلقه (الرسالة) للشافعي التي أسست لعلم أصول الفقه الإسلامي. وفيه تحرش وتطاول على الإمام الشافعي واتهام جائر له، والباحث ينقم على الشافعي تأسيسه للسنة وعروبة القرآن، ويعيب عليه تمسكه بالنصوص، وداء أبي زيد جهله مصطلح الحديث، وتاريخ الاعتزال الذي يدافع عنه، وأكاد أجزم بأن كل سطر من سطور الكتاب يشتمل على شبهة، وقد انبرى لتلك الشبهات عدد من الكتاب والمفكرين، وصدرت حول قضيته أكثر من أربعة كتب، تجلت من خلالها القضية بكل ملابساتها الفكرية والحقوقية بقي أن نقول: إنه لا علاقة له بالاعتزال وإن دافع عنهم وأشاد برموزهم.