نملتان في الفلفل..
النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: نملتان في الفلفل..

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    75

    افتراضي نملتان في الفلفل..

    نملتان في الفلفل ... للدكتور زكي نجيب محمود

    جلس الشيخ في دكانه محزونا، اعتمد رأسه على راحتيه و جعل يفكر: ماذا أنا صانع يا رباه في جحافل النمل التي تهجم على سكري في ظلمة الليل؟ إنها لتأكلني أكلا إذ هي تأكل قوت عيالي، و إني لعائل لأسرة أكاد أنوء بحملها الثقيل، لو كانت النَمِّال مما يرعى مبادئ الأخلاق، لناشدتها الضمائر ألا تسطو على ملك غيرها، فحرام عليها أن تستريح بياض النهار في أعشاشها، حتى إذا ما سترها الليل بعتمته، ملأت بطونها مما كدَّ غيرها في جمعه و كدح، حتى تندَّى منه العرق بالجبين.
    لكن – و أسفاه- ليس للنمل أخلاق يُراعيها.
    و تحير الشيخ في أمر هذا النمل، كيف يعرف موضع السكر و إنه لخبئ في علبة محكمة الغطاء، و إن الشيخ ليغير مكان العلبة كل مساء، فيضعها على الرف مرة، و تحت النضد مرة، و يكسوها باللفائف تارة، و يعلقها في الهواء طورا.. لكن النمل يعرف!!
    و لمعت فكرة في رأس الشيخ كاد يثب لها في مقعده: أما و الله إني لأحمق مأفون، أضع إصبعي في الفخ حتى إذا ما ضغط الفخ على إصبعي، صرخت من ألم! ... ألم أكتب على الصناديق بيدي هذه بطاقات، تعلن عما في بطونها، فلمن كتبت –يا أحمق- هذه البطاقات إن لم تكن للنمل يقرؤها في الليل و إنه لذو بصر حديد، فيعرف موضع السكر من الدكان في حندس الليل! لأنزعن من فوري هذه البطاقات عن أماكنها، و كفاني من بلاهتي ما لقيت كفاني... و نهض الرجل في حماسة لينزع .... لكن لا ! لقد لمعت عيناه بفكرة أخرى، فكرة افترت لها شفتاه بابتسامة عريضة، ثم انفجرت بقهقهة عالية.. أأنا الرجل الذي يغلبه النمل على أمره، و إن عُد النمل بالألوف لا بآحاد و أفراد؟ أأنا الرجل الذي يغلبه النمل على امره ثم لا ينتقم؟ فيم إذن كان مقامي في حلقات العلم أعواما إن قصرت بي عن ختام العلم فقد دنت منه؟! و يحك الليلة مني يا نمال!
    و نزع الرجل في زهو الظافر بطاقة السكر ووضعها على علبة الفلفل و كتب الفلفل على علبة السكر.
    ـ سيأتي النمل الليلة أسرابا كعهده، و سيقرأ العنوان فيظنه دالا على مضمون الكتاب، و سيدخل علبة الفلفل و في وهمه أنه سيجد حلاوة كل يوم، و ما كل ما يتمنى المرء ( يا نمل) يدركه، تأتي الرياح ( يا نمل ) بما لا تشتهي السفن..
    و أوشكت الخطة أن يصيبها الفشل، إذ جاء النمل و لم يقرأ، بل شم و انصرف، إلا نملتين حفظتا القراءة في مدرسة من مدارس الإلزام، فقرأتا و ضحكتا من جهل الأخوات، و تسللتا إلى السكر الموهوم، فإذا داخل العلبة ديجور لم تعهداه فيما سلف من الليالي، و بينما هما تسعيان وراء الرزق، صدمت نملة منهما في بعض الطريق: ـ
    ـ مالك الليلة ماذا دهاك؟
    ـ عتمة لم أعهدها ها هنا يا أختاه.
    ـ لست أرى في الأمر اختلافا عن المألوف.
    ـ بل ألفت أن يتسرب من سماء هذا المكان شعاع ضئيل من الضوء يعكس شيئا من بياض، و إذا الأمر كله الليلة في عيني سواد في سواد، ثم ألفت أن أسير على منبسط فسيح، فإذا بي الليلة أدور مع موطئ القدم حيث يدور، ثم .. لست أدري يا أختاه ماذا دهاني، لعله مرض في جوفي تغيرت معه طبيعة دنياي ثم ألفت على اللسان حلاوة فإذا بالشيء يلسع الليلة لساني لسعا أليما، حتى ليكاد اللسان من حدة اللسع يحترق.
    ـ لك الله يا مسكينة، ألا إن الأرض هي الأرض و السماء هي السماء، و المأكل كعهدنا طيب به حلو المذاق ، غيري من جوفك تتغير الدنيا في عينيك.
    ـ أواثقة أنت أننا في علبة السكر.
    ـ قرأت العنوان بعيني، و أذوق الطعم الآن بلساني، و ليس إلى الشك عندي من سبيل. و فيم الريبة و السؤال؟ دونك المكتوب فاقرئيه، و ليست الرحلة إليه بشاقة و لا عسيرة.
    ـ سأفعل، لا ارتيابا في صدق ما تقولين، و لكن ليطمئن قلبي.
    و خرجت النملة إلى ظاهر العلبة ثم عادت و التقت بأختها بعد تعثر في الطريق و بحث في الثنايا هنا و هناك.
    ـ صدقت، إنه السكر لا شك فيه.
    ـ لا ( يا أختاه) بل كل الشك فيه.
    ـ و ي ! ماذا تقولين؟ ماذا تظنين؟
    ـ كأنه ( يا أختاه) حبُّ فلفل، لأني أحس الان ما تحسين، فسواد شديد حالك يسد علي مسالك الطريق، و انبعاج في الأرض لا يكاد يمكنني من السير، ثم طعم لاذع يذيب اللسان و يمزق الأحشاء.
    ـ لكنه السكر، و البدال لا يخطئ الترقيم.
    ـ نعم، لابد أن يكون سكرا، لأن البدال لا يخطئ الترقيم، فصبرا جميلا، حتى نملأ جوفينا مما رزقنا الله، و إنه لحلو مستساغ و إن كره البصر و اللسان و الأحشاء جميعا!

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    75

    افتراضي رد: نملتان في الفلفل..

    و أصبح الصباح و عاد النمل إلى عشه، لا لتستريح النملتان هذه المرة من عناء الليل، بل لتتلويا من عذاب أليم كلما مغصت في جوفيهما الأمعاء، و التقت المسكينتان في منبطح من العش:
    ـ ليتنا ما أكلنا السكر.
    ـ السكر ؟!
    ـ و ماذا عساه في ظنك؟
    ـ اسمعي يا أختاه، لقد ذهبت مع ظلمة الليل غفلتي، و عادت إلي مع ضوء النهار حكمتي، إن هؤلاء الناس لأصحاب خدعة فما فتئوا الدهر يخدعون و يُخدعون، و إني لأعلم من أمرهم ما لا تعلمين، بل لعلي أعلم منه ما ليس يعلمون.
    ـ ماذا تريدين؟
    ـ سأوضح لك الليلة ما أريد
    و جاء المساء و خرجت النملتان، نملة تهدي و أخرى تهتدي، تعالي معي فادخلي خزانة الكتب، امسكي هذا الكتاب ما عنوانه؟
    ـ في الفلسفة الإسلامية
    ـ و من كاتبه؟
    ـ شيخ جليل في طليعة الشيوخ
    ـ دونك فاقرئيه، ماذا ترين فيه؟
    ـ لست و الله أطالع فيه إلا فقها و ما إلى الفقه.
    ـ نعم، و سماه فلسفة ليدخل المريدون خلال العنوان إلى فلسفة، فإذا بهم في فقه يتقلبون، كما دخلنا ليلة أمس على بطاقة من سكر، فإذا الفلفل يملأ منا الأمعاء و البطون..و هذا الكتاب الآخر ما عنوانه؟
    ـ خواطر أديب.
    ـ و من كاتبه؟
    ـ علم من أعلام القلم.
    ـ دونك فاقرئيه، ماذا ترين فيه؟
    ـ لست و الله أرى فيه إلا خليطا من معرفة لا هي إلى العلم في دقته و لا إلى الأدب في جمله و صورته.
    ـ نعم، و جعله الكاتب أدبا ليتسرب إليه الراغبون في أدب، فإذا هم في مرج آخر يمرحون.. اخرجي من بطون الكتب و هيا بنا إلى الحياة العريضة في المنازل و الشوارع، انظري هناك، ماذا تبصرين؟
    ـ كومة من قمامة.. لا بل آدمي يتحرك.
    ـ هذه القمامة البشرية يسمونها مدنية شرقية.
    ـ كلا ، لا تمزحي، بل..
    ـ و انظري هناك ماذا تبصرين؟
    ـ شرطي يضرب إنسانا في عرض الطريق.
    ـ و هذا الطغيان الساري يسمونه مدنية شرقية .
    ـ كلا ، لا تمزحي، بل ...
    ـ و انظري هناك ماذا تبصرين؟
    ـ كأني به مريض أو محموم أحاط به ذووه.
    ـ و هذه الجهالة يسمونها مدنية شرقية.
    ـ كلا، لا تمزحي ، بل...
    ـ و ادخلي هذه الدار فانظري، ثم ادخلي جماجم الرؤوس و انظري، سترين شيئا عجبا يسمونه مدنية شرقية.
    ـ كلا، لا تمزحي بل المدنية الشرقية شيء غير هذا كله سمعتهم هكذا يقولون.
    ـ و أنا سمعت آخرين يقولون إن المدنية لا تكون شرقية و لا غربية، إنما هي علم يعلمه الإنسان أنَّى كان، و فن يخلقه الإنسان أنى كان فحيثما وجدت الجهالة و المرض، وجدت ماذا؟
    ـ لكنهم يقولون ...
    ـ ويحك من نملة حمقاء، أفتنصتين بعد لما يقولون؟ إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، ألا يكفيك ليلة واحدة تقضينها في علبة الفلفل..

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المشاركات
    88

    افتراضي رد: نملتان في الفلفل..

    النمل تفكيره محلي .. وجهده محلي أيضا ..كما هو ديدن الكثير من أبناء هذه الأمة ..
    هذا إن كان هناك مايسمى بالمعنى الصحيح :جهد..
    وتفكر النملة لبني جنسها حيث خافت عليهم فنصحت قومها باللجوء للمساكن ...
    بينما الهدهد جهده عالمي ، وفكره لهداية غير بني جنسه ..
    وهو ماقام به بالفعل ،فكان سببا في إسلام دولة ومملكة سبأ ...!!!!
    فمع أي الفريقين أنت ...!!!!!!!

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    1,710

    افتراضي رد: نملتان في الفلفل..

    لقد تكلم الشيخ المقدم فى سياق كلامه عن الفلسفة تكلم عن كتاب الفلسفة المقرر على طلاب الثانوية العامة تأليف زكى نجيب وقال انه يقرن فيه بين الدين والخرافة
    وقال احد المتابعين للواقع انه لم يتابعه فى اتجاهه هذا ولو واحد

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •