(اللامنتمي)

اللامنتمي ذلك الإنسان الذي يلتبس عليك أمره وتستعجم عليك قراءة أفكاره ,كأرضٍ بلا حدود , وكمدينةٍ بلا خارطة تعينك على كشف طرقاتها ,لا ينضوي تحت راية بينة, جلية الملامح, لعلك أن تجده تحتها عند فقده.
كل شخصية ولها المفتاح الذي تنفذ من خلاله إلى العوالم النفسية للآخرين , لكن اللامنتمي رجل تصيبك الحيرة واليأس وينالك القنوط دون أن تعثر على مفتاح شخصيته.
اللامنتمي لا يملك ما يعادي عليه ويوالي عليه لذلك فهو لا يرغب في صناعة العداء مع الآخرين البتة,وطالما أن الجميع يرومون الحق فسيصلون له حتماً ولو كان بينهما بعد المشرق والمغرب في المسالك والسبل والمناهج فالنية تكفي في هذا المقام.
كل الأطراف يأسرها اللقاء به , تنفق من وقتها الساعة والساعتين تنصت لمنطق الرجل (اللامنتمي).
يبرع في سرد ولملمة مفاصل حديثه , لكنه حديث دون ملامح, كلامه تجريدي كعقله , عمومياته تخدعهم و تسلب ألبابهم.
يجالسه الحداثي مجلس الظهيرة فيخرج من عنده راضياً كل الرضا, معتقداً أن الرجل في صفه لا يختلف عنه البتة.
وعندما يأتي المساء و يباسطه السلفي الكلام, ويهدران ساعة من الزمن في شقشقة الأحاديث, يقنع من الرجل بسلامة رأيه وحسن طويته ويغادر المكان مطمئناً أنه في حزبه.
الحداثة لديه فيها الكثير من الإيجابيات والكثير من السلبيات , وكذلك قضايا كالعلمانية وتحرير المرأة.
وعندما تعمد إلى الوقوف على هذا التقسيم الثنائي الملازم لخطابه , يدعوك إلى التجرد من انتماءك والوقوف على أرضيته المحايدة لتبصر الحقيقة دون غبش .
اللامنتمي رجل هلامي , الحقيقة لديه نسبيه و معنى الشر غامض, والخير لا يمكن توضيح كنهه ..طبيعة اللاعنف تسكنه , حتى عندما سُب الرسول عليه الصلاة والسلام ....ظل قلبه يتأمل الموقف من بعيد , يرصد الواقعة من زوايا عده ,لعله أن يجد للمُسي عذراً أو حقاً سمح له بتلك المذمة.
تجده شغوفاً بالعلم, جاحظي الاطلاع , يقرأ وبنهم كل ما يقع تحت يده, يظل لصيقاً بالشبكة العنكبوتية يرصد الجديد في عالم الكتب ويبذل من ماله الكثير لإرضاء تلك الشهوة.
لكن تلك القراءة الشاملة لا تجعل قلبه ينقبض ووجهه يتمعر عندما يجد مساساً بالذات الإلهية أو انتقاصاً من كتبه السماوية,يبحث عن تأويلات وصيغ وقوالب أكثر لطفاً وأقل حده.
اللامنتمي يفر من النظر في كتب العقائد فراره من الأسد , العقيدة- كما يزعم - تفرق وهو يهفو إلى الجمع ,العقيدة كقاضي يفصل بين الخصوم وهو الرجل الذي يساوي بينهما .
تعجبه كتب التأريخ ,لا يجد حرجاً في تأويل مجرياته كما يريد , يقرأ التاريخ قراءة بيضاء وادعه ,يبعث شخوصه من مرقدهم ويلبسهم الحلية التي تناسب فكره اللامنتمي .
عندما تشتد بينكما ساعة الجدل , تراه يملأ الدنيا ضجيجاً بأنك لا تعبأ بالفردانية , تلك الفردانية التي تصْام عنها الكثيرون , ظلت مهجورة لا تلقون لها بالا ً , تضعونها بمنائ عن ثقافتكم واهتمامكم.
اللامنتمي موجود بين ظهرانينا ..... ينظر إلينا ويكتب عنا ... قد تجمعك
به الصدفة ذات مساء....عندها تكلم معه وبصدق عن ضرورة الانتماء ,
فهو الترياق لعلته المزمنة , و قارب النجاة في الزمن الذي تشظت وتعددت فيه الانتماءات.
[