المنافقون وخطر المداهنة
وواجب العلماء لإزالة هذا الداء
الملاحظ أن المنافقين يحتجون بحجج أوهى من بيت العنكبوت للتملص من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لغرض الحكمة والسلامة ـ زعموا ـ، والحق أنهم لمّا تعرضوا للفتنة والاختبار فرّوا من ميدان الجهاد إلى فتنة أكبر، فها هو الجد بن قيس وقد نزل فيه قول الله ـ تعالى ـ:
1- (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا..(49)[التوبة]
فعن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:
2- "يا جُد! هل لك في جلاد بني الأصفر؟!". قال جُد: أو تأذن لي يا رسول الله؛ فإني رجل أحب النساء، وإني أخشى إن أنا رأيت نساء بني الأصفر أن أفتن؟ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو معرض عنه: "قد أذنت لك"؛ فعند ذلك أنزل الله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ..الآية)".["الصحيحة"(2988)]
قال الطبري ـ رحمه الله ـ:
3- "أي: إن كان إنما يخشى الفتنة من نساء بني الأصفر وليس ذلك به، فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والرغبة بنفسه عن نفسه، أعظم".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
4- "إنه طلب القعود ليسلم من فتنة النساء، فلا يفتن بهنّ، فيحتاج إلى الاحتراز من المحظور، ومجاهدة نفسه عنه، فيتعذَّب بذلك، أو يواقعه فيأثم، .... فهذا وجه قوله: (وَلا تَفْتِنِّي) قال الله تعالى (أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا) يقول: إن نفس إعراضه عن الجهاد الواجب ونكوله عنه، وضعف إيمانه، ومرض قلبه الذي زيَّن له ترك الجهاد: فتنة عظيمة قد سقط فيها، فكيف يطلب التخلص من فتنة صغيرة لم تصبه بوقوعه في فتنة عظيمة قد أصابته؟! والله تعالى يقول:
5- (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ..(39) [الأنفال]
فمن ترك القتال الذي أمر الله به لئلا تكون فتنة، فهو في الفتنة ساقط بما وقع فيه من ريب قلبه ومرض فؤاده، وتركه ما أمر الله به من الجهاد".
وقال ـ رحمه الله ـ:
6- "وهذه حال كثير من المتديِّنة، يتركون ما يجب عليهم من أمر ونهي وجهاد، يكون به الدين كله لله، وتكون به كلمة الله هي العليا، لئلا يفتتنوا بجنس من الشهوات، وهم قد وقعوا في الفتنة التي هي أعظم مما زعموا أنهم فروا منها".["الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"(49-51)]
والمداهنة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خلق مذموم يؤدي بصاحبه إلى ترك منهج النبوة والسلف، فمخالطة الفسَّاق، وأهل البدع والأهواء، من غير إنكار عليهم، ينعش خلق المداهنة، ألا ترى إلى مداهنة أهل البدع بعضهم لبعض!!، فإن فرق الضلالة والبدع تسكت عن أمثالها من المبتدعة مداهنة، فالسكوت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو المداهنة فيه يعجِّل العقاب.
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ـ رحمه الله ـ:
7- "وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على سبيل المداهنة والمعاشرة وحسن السلوك ونحو ذلك مما يفعله بعض الجاهلين أعظم ضرراً، وأكبر إثماً من تركه لمجرد الجهالة، فإن هذا الصنف رأوا أن السلوك وحسن الخلق ـ مع الناس ـ ونيل العيش لا يحصل إلا بالمداهنة، فخالفوا الرسل وأتباعهم وخرجوا عن سبيلهم ومنهاجهم، لأنهم يرون بالعقل إرضاء الناس على طبقاتهم، ويسالمونهم ويستجلبون مودتهم ومحبتهم، وهذا مع أنه لا سبيل فهو إيثار للحظوظ النفسانية والدعة ومسالمة الناس، وترك المعاداة لله، وتحمل الأذى في ذاته. وهذا في الحقيقة هو الهلكة في العاجلة والآجلة، فما ذاق طعم الإيمان من لم يوالي في الله ويعادي فيه".
قال ابن العربي:
8-"والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل في الدين، وعمدة من عمد المسلمين، وخلافة رب العالمين، والمقصود الأكبر من فائدة بعث النبيين".[نقل هذا القول المناوي في "فيض القدير" (5/666)]
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على رأس الواجبات من الدين، وهو موجود في الأمم السابقة، بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب، قال ابن تيمية:
9- "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: هو الذي أنزل الله به كتبه، وأرسل به رسله، وهو من الدين". ["الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (ص:5)]
وقال الإمام عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ:
10- "وجميع الرسل بعثوا يدعون الناس إلى توحيد الله، الذي هو أعظم المعروف، وينهون الناس عن الشرك بالله، الذي هو أعظم المنكر". ["وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"(صفحة: 8)]
وقال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
11- "وتحقيق ذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من أوجب الأعمال وأفضلها وأحسنها". ["مجموع الفتاوى"(28/134)]
وقال الشوكاني ـ رحمه الله ـ:
12- "فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما السهمان من سهام الإسلام، والعمادان العظيمان من أعمدة هذا الدين، والركنان الكبيران من أركانه، وهو مجمع على وجوبهما إجماعاً من سابق هذه الأمة ولاحقها لا يعلم في ذلك خلاف".["حدائق الأزهار"(4/586)]
قال ابن باز ـ رحمه الله ـ:
13- "وقد كان المسلمون في عهده ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعهد أصحابه، وفي عهد السلف الصالح، يعظِّمون هذا الواجب، ويقومون به خير قيام، فالضرورة إليه بعد ذلك أشد وأعظم، لكثرة الجهل، وقلة العلم، وغفلة الكثير من الناس عن هذا الواجب العظيم".
وقال:
14- "وفي عصرنا هذا صار الأمر أشد، والخطر أعظم، لانتشار الشرور والفساد، وكثرة دعاة الباطل، وقلة دعاة الخير في غالب البلاد". ["وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"(صفحة: 6-7)]
والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حث المسلمين أن يكونوا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، فلبى أصحابه هذه الدعوة وقاموا بهذا الواجب العظيم، حتى عمَّ الخير في عهده ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعهد صحابته ـ رضوان الله عنهم ـ وهكذا نجد أثر الخير في عهد من نشطوا للقيام بهذه الشعيرة التي تحتاج إلى أهل العزائم.
وقام العلماء والدعاة إلى الله على منهاج النبوة والسلف ـ ولله الحمد ـ بهذا الواجب خير قيام، أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وعلموا أنه:
15- "بتحقيقه تصلح الأمة، ويكثر فيها الخير، وتظهر فيها الفضائل، وتختفي منها الرذائل، ويتعاون أفرادها على الخير، ويتناصحون ويجاهدون في سبيل الله، ويأتون كل خير، ويذرون كل شر. وبإضاعته والقضاء عليه تكون الكوارث العظيمة، والشرور الكثيرة، وتفترق الأمة وتقسوا القلوب أو تموت، وتظهر الرذائل وتنتشر، وتختفي الفضائل ويهضم الحق، ويظهر صوت الباطل، وهذا أمر واقع في كل مكان، وكل دولة، وكل بلد".["وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"(صفحة:10)]
ولمّا كان إبراهيم ـ عليه السلام ـ أمَّة، فأمثال سفيان الثوري ـ رحمه الله ـ ومن معه في زمانه ـ على سبيل المثال ـ هم أيضاً أمّة، فسفيان علم من أعلام السنة، وقد وصفه ابن مهدي بقوله:
16- "ما رأيت أحفظ للحديث من الثوري".
وقال شعبة، وابن عيينة، وأبو عاصم، ويحيي بن معين، وغيرهم:
17- "سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث".
وقال عنه ابن أبي ذئب:
18- "ما رأيت أشبه بالتابعين من سفيان الثوري".
وعن شعيب بن حرب قال:
19- "إني لأحسب أن يجاء غداً بسفيان حجة من الله على خلقه يقول لهم: لم تدركوا نبيكم، قد رأيتم سفيان".
وقال شعبة:
20- "إن سفيان ساد الناس بالورع والعلم".["سير أعلام النبلاء" (7/229)]
وسفيان ـ رحمه الله ـ وهو علم من أعلام الطائفة المنصورة لم يكن له أن يصل إلى هذه الأوصاف إلا لأنه كان حاملاً للواء الجرح والتعديل في زمانه، وآمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، فعن الوليد بن شجاع بن الوليد قال: قال أبي:
21- "كنت أخرج مع سفيان الثوري فما يكاد لسانه يفتر عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاهباً وراجعاً".["حلية الأولياء"(7/13)]
وهؤلاء القائمون على هذه الشعيرة العظيمة حصر الله ـ عز وجل ـ الفلاح فيهم فقال:
22- (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) [آل عمران]
ونقل ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عن بعض السلف قولهم:
23- "هم خير أمة إذا قاموا بهذا الشرط، فمن لم يقم بهذا الشرط فليس من خير الأمة".["مجموعة رسائل مستدركة على مجموع الفتاوى" اعتنى بنشرها عبد المجيد الجزائري ـ دار الإمام أحمد ـ القاهرة]
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ـ رحمهم الله ـ:
24- "فهذه الآية تدل على وجوبه ـ يعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ، وأن القائم به خير الناس وأفضلهم، وإن الخيرية لا تحصل إلا بذلك، وفيها أن الفلاح محصور في أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الفوز بالسعادة الأبدية".
وقال الشوكاني ـ رحمه الله ـ:
25- "وفي الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوبه ثابت بالكتاب والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم من أصولها، وركن مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها".["فتح القدير"]
وقال ابن عطية ـ رحمه الله ـ:
26- "فعلى هذا القول "من" للتبعيض، وأمر الله الأمة بأن يكون منها علماء يفعلون هذه الأفاعيل على وجوهها ويحفظون قوانينها على الكمال، ويكون سائر الأمة متبعين لأولئك، إذ هذه الأفعال لا تكون إلا بعلم واسع، وقد علم ـ تعالى ـ أن الكل لا يكون عالماً".
وقال:
27- "ومعنى الآية على هذا التأويل: أمر الأمة بأن يكونوا يدعون جميع العالم إلى الخير، الكفار إلى الإسلام، والعصاة إلى الطاعة، ويكون كل واحد من هذه الأمور على منزلته من العلم والقدرة". قال أهل العلم: وفرض الله بهذه الآية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من فروض الكفاية إذا قام به قائم سقط عن الغير".
وقول ابن عطية ـ رحمه الله ـ "يدعون جميع العالم إلى الخير"، يوضحه كلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ بقوله:
28- "وإذا أخبر الله بوقوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منها [يعني: من الأمة]لم يكن من شرط ذلك أن يصل أمر الآمر ونهي الناهي منها إلى كل مكلف في العالم؛ إذ ليس هذا من شرط تبليغ الرسالة، فكيف يشترط فيما هو من توابعها؟ بل الشرط أن يتمكن المكلَّفون من وصول ذلك إليهم. ثم إذا فرطوا فلم يسعوا في وصوله إليهم مع قيام فاعله بما يجب عليه كان التفريط منهم لا منه".["الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (ص:9)]
وقال ابن عطية ـ رحمه الله ـ:
29- "والناس في تغيير المنكر والأمر بالمعروف على مراتب، ففرض العلماء فيه تنبيه الحكام والولاة، وحملهم على جادة العلم، وفرض الولاة تغييره بقوتهم وسلطانهم، ولهم ـ هي ـ اليد، وفرض سائر الناس رفعه إلى الحكام والولاة بعد النهي عنه قولاً، وهذا في المنكر الذي له دوام، وأما إن رأى أحد نازلة بديهة من المنكر، كالسلب والزنى ونحوه، فيغيرها بنفسه بحسب الحال والقدرة، ويحسن لكل مؤمن أن يحتمل في تغيير المنكر، وإن ناله بعض الأذى، ويؤيد هذا المنزع أن في قراءة عثمان بن عفان وابن مسعود وابن الزبير (يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويستعينون بالله على ما أصابهم)، فهذا وإن كان لم يثبت في المصحف ، ففيه إشارة إلى التعرض لما يصيب عقب الأمر والنهي".
وقال صاحب "التحرير والتنوير":
30- "وصيغة (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ) صيغة وجوب لأنَّها أصرح في الأمر من صيغة افعلوا لأنَّها أصلها. فإذا كان الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر غير معلوم بينهم من قبل نزولِ هذه الآية، فالأمرُ لتشريع الوجوب، وإذا كان ذلك حاصلاً بينهم من قبل كما يدلّ عليه قوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) فالأمر لتأكيد ما كانوا يفعلونه ووجوبه، وفيه زيادة الأمر بالدّعوة إلى الخير وقد كان الوجوب مقرّراً من قبل بآيات أخرى مثل: (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)، أو بأوامر نبويَّة. فالأمر لتأكيد الوجوب أيضا للدلالة على الدّوام والثبات عليه، مثل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ)".
وقال:
31- "والمخاطب بضمير (مِنْكُمْ) إن كان أصحاب رسول الله كما هو ظاهر الخطابات السابقة آنفاً جاز أن تكون (مِن) بيانيَّة، وقدّم البيان على المبيَّن ويكون ما صدق الأمة نفس الصحابة، وهم أهل العصر الأول من المسلمين فيكون المعنى: ولتكونوا أمة يدعون إلى الخير،فهذه الأمَّة أصحاب هذا الوصف قد أمروا بأن يكوِّنوا من مجموعهم الأمَّة الموصوفة بأنهم يدعون إلى الخير، والمقصود تكوين هذا الوصف، لأنّ الواجب عليهم هو التَّخلق بهذا الخلق فإذا تخلّقوا به تكوّنت الأمَّة المطلوبة".
قال البقاعي ـ رحمه الله ـ:
32- "ولما عمَّ كل خيرٍ، خصَّ ليكون المخصوص مأموراً به مرتين، دلالة على جليل أمره وعليّ قدره،فقال: (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) أي: من الدين (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) فيه، بحيث لا يخلو وقت من الأوقات عن قوم قائمين بذلك، وهو تنبيه لهم على أن يلازموا ما فعله الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن معه من أصحابه ـ رضي الله تعالى عنهم ـ من أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر".
قال شيخنا ربيع المدخلي ـ حفظه الله ـ:
33- "إن الله فرض علينا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا شك أن مخالفة ما بيَّنه الله في كتابه من أمر العقائد وبيَّنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سننه وهديه من أعظم المنكرات، وإغفالها والسكوت عن بيانها بعد العلم بها من أعظم الغش والخيانة للإسلام والمسلمين، ولا سيما إذا رافق هذا الكتمان والسكوت تلبيس وتمويه". ["أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره"(9)]
قال الشيخ محمد الخضر حسين ـ رحمه الله ـ:
34- "فإنما نريد من الأمة: القادرين على القيام به خاصة، وهؤلاء هم الذين تحق عليهم كلمة العذاب حيث لا تنهض به طائفة منهم، فلا جناح على من لا يستطيع الدعاء إلى خير أو الدفاع عن حق، إذا سكت المستطيعون إليه سبيلاً".["الدعوة إلى الإصلاح" (ص:28)]
قال الإمام ابن باز ـ رحمه الله ـ:
35- قوله ـ تعالى ـ: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) والمعنى: أنهم هم المفلحون على الكمال والتمام، وإن كان غيرهم من المؤمنين مفلحاً، إذا تخلى عن بعض هذه الصفات لعذر شرعي، لكن المفلحون على الكمال والتمام هم هؤلاء الذين دعوا إلى الخير، وأمروا بالمعروف وبادروا إليه، ونهوا عن المنكر وابتعدوا عنه، أما الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لأغراض أخرى، كرياء وسمعة، أو خطر عاجل، أو أسباب أخرى، أو يتخلفون عن فعل المعروف، ويرتكبون المنكر، فهؤلاء من أخبث الناس، ومن أسوئهم عاقبة".["وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"(صفحة: 13)]
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:
36- "فخص هؤلاء بالفلاح دون من عداهم، والداعون إلى الخير هم الداعون إلى كتاب الله وسنة رسوله، لا الداعون إلى رأي فلان وفلان". ["إعلام الموقعين" (2/224)]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
37- "وكذلك وصف الله الأمة بما وصف به نبيَّها حيث قال:
38- (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه..ِ (110)[آل عمران]
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:
39- "إِنَّمَا حَازَتْ هَذِهِ الأمَّةُ قَصَبَ السَّبْقِ إِلَى الْخَيْرَاتِ بِنَبِيِّهَا مُحَمَّدٍ ـ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلامُهُ ـ، فَإِنَّهُ أَشْرَفُ خَلْقِ اللَّهِ، وَأَكْرَمُ الرُّسُلِ عَلَى اللَّهِ، وَبَعَثَهُ اللَّهُ بِشَرْعٍ كَامِلٍ عَظِيمٍ لَمْ يُعْطَهُ نَبِيٌّ قَبْلَهُ وَلا رَسُولٌ مِنْ الرُّسُلِ، فَالْعَمَلُ عَلَى مِنْهَاجِهِ وَسَبِيلِهِ يَقُومُ الْقَلِيلُ مِنْهُ مَا لا يَقُومُ الْعَمَلُ الْكَثِيرُ مِنْ أَعْمَالِ غَيْرِهِمْ مَقَامَهُ".[انتهى كلام الحافظ ابن كثير ملخصاً]
وقال العلامة الشيخ محمد الخضر حسين ـ رحمه الله ـ:
40- "فالآية توميء إلى أن المخاطبين بها يفضلون على سائر الأمم، وإنما نالوا هذه الأفضلية بمزيَّة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله". ["الدعوة إلى الإصلاح"(ص:30)]
عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ قال: قـال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
41- "أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء". فقلنا: يا رسول الله! ما هو؟ قال: "نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل التراب لي طهوراً، وجعلت أمتي خير الأمم". [أخرجه أحمد، وهو في "الصحيحة" (3939)]
وعن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أنه سمع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول في قوله ـ تعالى ـ: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) قال:
42- "إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله".["صحيح الجامع" (2301)] *
ولا شك أن هذه الخيرية التي اكتسبتها أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أهم أسبابها الاعتناء بقول نبيها محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بحفظه متناً وسنداً، وحفظه سنداً لقيام الطائفة المنصورة فيه بعلم الجرح والتعديل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا كانت الطائفة المنصورة أهل الحديث أنفع الناس للناس.
قال ابن عباس، ومُجاهد، وعِكْرِمة، وعَطاء، والربيع بن أنس، وعطية العَوْفيّ: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) يعني:
43- "خَيْرَ الناس للناس".[نقله ابن كثير في "تفسيره"]
وقد فسر أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ هذا المعنى بقوله:
44- "تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام". [أخرجه البخاري ـ كتاب التفسيرـ]
قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ:
45- "قال ابن الجوزي: معناه أنهم أُسِرُوا وَقُيِّدُوا، فَلَمَّا عَرَفُوا صِحَّة الإسْلام دَخَلُوا طَوْعًا فَدَخَلُوا الْجَنَّة، فَكَانَ الإكْرَاه عَلَى الأسْر وَالتَّقْيِيد هُوَ السَّبَب الأوَّل، وَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَى الإكْرَاه التَّسَلْسُل، وَلَمَّا كَانَ هُوَ السَّبَب فِي دُخُول الْجَنَّة أَقَامَ الْمُسَبَّب مَقَام السَّبَب".["فتح الباري"(9/220)]
وفي هذه الآية أوضح الله ـ عز وجل ـ منزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الإسلام، وبيّن ـ سبحانه ـ أن منزلته عظيمة، فقدَّمه على سبيل المثال في هذه الآية على الإيمان.
قال الإمام ابن باز ـ رحمه الله ـ:
46- "ولا نعلم السر في هذا التقديم إلا عظم شأن هذا الواجب، وما يترتب عليه من المصالح العظيمة العامة، ولا سيما في هذا العصر، فإن حاجة المسلمين وضرورتهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شديدة لظهور المعاصي وانتشار الشرك والبدع في غالب المعمورة". ["وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"(صفحة: 6)]

إعداد: هشام بن فهمي العارف
22/3/1430 الموافق 18/3/2009