بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة وبركاته

إن تقلبات الدنيا وأحوالها على مستوى الفرد والجماعة يجب ألا تمر على العاقل بدون توقف، بل الواجب عليه أن ينظر إليها بعيني قلبه ليدركها على حقيقتها ويتعامل معها بالشكل المطلوب شرعا حتى ينجو.
إن ميدان الاعتبار لدينا فسيح ومجال استخدام نظر القلب واسع وآيات الله كثيرة لم تبق لأحد عذرا، فهل من معتبر!!
يقول سبحانه وتعالى:
(فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ*وَا لَّيْلِ وَمَا وَسَقَ*وَالْقَم رِ إِذَا اتَّسَقَ*لَتَرْ َبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ*فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ*وَإ ذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ) الآيات 16-21 من سورة الانشقاق.
في هذه الآيات الكريمة أقسم الله سبحانه وتعالى بأربع آيات أفقية عظيمة على حالة واقعة مشاهدة يفترض أن تؤدي إلى نتيجة حتمية لا نزاع فيها بين (العقلاء).
أقسم سبحانه بالشفق وهو الحمرة التي تكون قبل طلوع الشمس وبعد غروبها وهذه العلامة تؤذن بتحول وقتي كبير في حياة المخلوقات عامة وفي حياة المسلم خاصة.
ثم أقسم سبحانه بالليل وما أدراك ما الليل!! هذه النعمة العظيمة التي لا يحيط بقدرها إلا من خلقها. في الليل يسكن الناس بعد عناء الكد والتعب. وفي الليل تهدأ الحياة (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) القصص72.
في الليل يتنزل الرب جل وعلا إلى سمائه الدنيا ليفتح لعباده أبواب الرجوع إليه والنيل من كرمة وجوده (يتنزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) حديث صحيح. ولو ذهبنا نعدد نعم الله في الليل لما انتهينا إلى حد ولعل الله أن ييسر إفراد هذا بموضوع خاص.
بعد ذلك أقسم سبحانه بما يحوي هذا الليل وبما يلفه تحت ردائه من الأرواح والمخلوقات ما بين ساكن ومتحرك . وكيف أن هذه الآية العظيمة تؤثر في نظام المخلوقات تأثيرا عجيبا.
ثم جاء القسم بالقمر حال اتساقه يعني (اكتماله) فيبدوا هلالا صغيرا لا يرى ثم يكبر شيئا فشيئا حتى يصبح زينة للناظرين ورفيقا بارا بالسامرين.
ثم جاء دور المقسم عليه وهو الشأن العظيم فقال سبحانه (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ) أي لتتبدلن بكم الأحوال حالا بعد حال.
وتبدل الأحوال على اختلاف المستويات دليل على إرادة ربانية عظيمة وتنبيه إلى حكمة العليم القدير، فأين المعتبرون!!
كان الكاتب والقارئ لا شيء. وكان غيرهم كذلك، ثم خلقوا من نطفة، فتبدلت بهم الأحوال ومرت بهم الدنيا بمراحلها المختلفة واستمرت بهم هذه المراحل وستستمر حتى المستقر الأخير إما إلى جنة وإما إلى نار.....نسأل الله من فضله ونعوذ بالله من غضبه وناره. (أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً) مريم 67. (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) الروم 54.
وقفت كثيرا مع هذا الحديث القدسي الذي يصور حال الكثير وهو قوله سبحانه يقول الله تعالى: ابن آدم! أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذا (وقد بصق صلى الله عليه وسلم في كفه ووضع أصبعه عليه)؟ حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد (أي صوت المشيء من الخيلاء والعجب بالنفس) فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق وأنى أوان الصدقة؟!
تتبدل الأحوال بالأمم فتكون الأمة آمنة مطمئنة ظاهرة قاهرة فتترك أمر الله فينزل عليها سخطه وعقابه فتتفرق أيدي سبأ، (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) النحل 112.
تتبدل الأحوال بالقلوب، فتمرض بعض القلوب وتستمر في مرضها حتى تموت، ويبعث الله النور في بعض القلوب الميتة حتى تكون قلوبا مخبته رجاعة أوابة إليه.
يشعر الإنسان أحيانا بتحرك قلبه نحو الخير ونشاطه وعليه، ويشعر أحيانا أخرى بشيء من الكدر والرآن والقسوة في هذا القلب، وكل هذا بسبب بعده وقربه من ربه الذي يقلب قلوب بني آدم بين إصبعيه كما صح الحديث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من قلب إلا وهو معلق بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه والميزان بيد الرحمن يرفع أقواما ويخفض آخرين إلى يوم القيامة). *
وقوله سبحانه (فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ*وَإ ذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ) دليل على أن هذه الآيات المذكورة والتغيرات المستمرة الملحوظة هي من أكبر دلائل الإيمان ودواعيه، فما أعظمها من أدله!! ولكن لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
ومما يدخل في تغير الأحوال المقسم عليه في هذه الآيات أن الدنيا لا تستقيم على طريقة ولا تصفو لأحد وليس فيها أمان لعاقل ولهذا قيل:
طبعت على كدر وأنت تريدها...............ص وا من الأقذاء والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها.................. متطلبا بالماء جذوة نار

ومع هذا كله فإن الله سبحانه يتعالى ضمن الحياة الطيبة والعيشة الهنية في وسط هذه الأكدار والتغيرات لمن آمن به وعمل صالحا (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّ هُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّ هُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) النحل 97. فبالإيمان والعمل الصالح يدخل الإنسان جنة الدنيا قبل دخول جنة الآخرة.
نسأل الله أن يرزقنا العظة والاعتبار وأن يثبتنا على دينه حتى نلقاه.
والســـلام