تناقض الأشاعرة في مسألة الرؤية
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: تناقض الأشاعرة في مسألة الرؤية

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المشاركات
    229

    افتراضي تناقض الأشاعرة في مسألة الرؤية

    تناقض الأشاعرة في مسألة الرؤية
    إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل الله فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:
    من المسائل التي خلط فيها أهل الكلام مسألة رؤية الحق تبارك وتعالى ؛ وسبب هذا التخليط إنكارهم لصفات الله تبارك وتعالى والتي اصطلحوا على تسميتها بالجسمية ؛ فأرادوا الجمع بين إثبات الرؤية وبين نفي الصفات وإنكار العلو فقالوا بتعلق الرؤية بكل الموجودات فلزم على قولهم أن تبصر الأصوات وسائر المحسوسات الخمس ثم سلموا أن الألوان ممكنة أن تسمع والأصوات ممكنة أن ترى إلى آخر تخليطهم كما سيأتي .

    أولا : أنكر المعتزلة رؤية الله والسبب في ذلك أنهم اعتقدوا انتفاء الجسمية ( أي نفي الصفات ) عن الله وإذا انتفت الجسمية انتفت الجهة وإذا انتفت الجهة انتفت الرؤية .
    نقل شيخ الإسلام عن ابن رشد في كتابه الكشف قوله : ولذلك أنكرها المعتزلة وردت الآثار الواردة في الشرع بذلك مع كثرتها وشهرتها فشنع الأمر عليهم وسبب وقوع هذه الشبهة في الشرع أن المعتزلة لما اعتقدوا انتفاء الجسمية عنه سبحانه وتعالى واعتقدوا وجوب التصريح بها لجميع المكلفين ووجب عندهم إذا انتفت الجسمية أن تنتفي الجهة وإذا انتفت الجهة انتفت الرؤية إذ كل مرئي في جهة من الرائي فاضطروا لهذا المعنى إلى رد الشرع المنقول وأعلوا الأحاديث أنها أخبار آحاد وأخبار الآحاد لا توجب العلم مع أن ظاهر القرآن معارض لها ؛ أعني قوله تعالى {لا تدركه الأبصار}
    بيان تلبيس الجهمية (2|438)
    ثانيا :وأما الأشاعرة فأرادوا الجمع بين رؤية الله وبين نفي الصفات ( الجسمية) عن الله فوقوا في تناقض ظاهر وأضحكوا الناس على عقولهم .
    قال ابن رشد : وأما الأشعرية فراموا الجمع بين الاعتقادين أعني بين انتفاء الجسمية وبين جواز الرؤية لما ليس بجسم بالحس فعسر ذلك عليهم ولجؤوا في ذلك إلى حجج سوفسطائية مموهة أعني الحجج التي توهم أنها حجج وهي كاذبة.
    وهذا بيان لتناقضهم :
    1- أجابوا على قول المعتزلة أن كل مرئي فهو في جهة من الرائي فمنهم من قال إن هذا إنما هو حكم الشاهد لا حكم الغائب وإن هذا الموضوع ليس هو من المواضع التي يجب فيها نقل حكم الشاهد إلى الغائب وأنه جائز أن يرى الإنسان ما ليس في جهة .
    2- وقد رد عليهم ابن رشد بقوله : وهؤلاء اختلط عليهم إدراك العقل مع إدراك البصر فإن العقل هو الذي يدرك ما ليس في جهة أعني في مكان وأما إدراك البصر فظاهر من أمره أن من شرطه أن يكون المرئي منه في جهة ولا في كل جهة فقط بل في جهة ما مخصوصة ولذلك ليس تتأتى الرؤية بأي وضع اتفق أن يكون البصر من المرئي بل بأوضاع محدودة وشروط محدودة أيضا .
    3- قال ابن رشد : وقد رام أبو حامد في كتابه المعروف بالمقاصد أن يعاند هذه المقدمة أعني كل مرئي في جهة من الرائي بأن الإنسان يبصر ذاته في المرآة وأن ذاته ليست منه في جهة غير جهة مقابلة وذلك أنه لما كان يبصر ذاته وكانت ذاته ليست تحل في المرآة التي في الجهة المقابلة فهو يبصر ذاته في غير جهة .
    4- قال ابن رشد : وهذه مغالطة فإن الذي يبصر هو خيال ذاته والخيال منه هو في جهة إذ كان الخيال في المرآة والمرآة في جهة .
    5- وأما حجتهم التي أتوا بها في إمكان رؤية ما ليس بجسم فإن المشهور عنهم في ذلك حجتان:
    إحداهما : وهي أشهر عندهم ما يقولونه من أن الشيء لا يخلو أن يرى من جهة ما هو متلون أو من جهة أنه جسم أو من جهة أنه لون أو من جهة أنه موجود وربما عددوا جهات أخر غير هذه الموجودة ثم يقولون وباطل أن يرى من قبل أنه جسم إذ لو كان ذلك كذلك لما رئي اللون وباطل أن يرى لمكان أنه لون إذ لو كان كذلك لما رئي الجسم وإذا بطلت جميع هذه الأقسام التي تتوهم في هذا الباب فلم يبق أن يرى الشيء إلا من قبل أنه موجود .
    بيان تلبيس الجهمية (2|438)
    ولذلك قال شيخ الإسلام : وأما الأشعري فادعى أن كل موجود يجوز أن يرى ووافقه على ذلك طائفة من أصحاب الأئمة الأربعة كالقاضي أبي يعلى وغيره ثم طرد قياسه فقال كل موجود يجوز أن تتعلق به الإدراكات الخمس السمع والبصر والشم والذوق واللمس ووافقه على ذلك طائفة من أصحابه كالقاضي أبي بكر وأبي المعالي والرازي .
    منهاج السنة (2|153)

    6- وقد رد عليهم ابن رشد بقوله : والمغالطة في هذا القول بينة فإن المرئي منه ما هو مرئي بذاته ومنه ما هو مرئي لذاته وهذه هي حال اللون والجسم فإن اللون مرئي بذاته والجسم مرئي من قبل اللون ولذلك لما لم يكن له لون لم يبصر ولو كان الشيء إنما يرى من حيث هو موجود فقط لوجب أن تبصر الأصوات وسائر المحسوسات الخمس فكان يكون البصر والسمع وسائر الحواس الخمس حاسة واحدة وهذه كلها خلاف ما يعقل .
    7- قال : وقد اضطر المتكلمون لمكان هذه المسألة وما أشبهها إلى أن يسلموا أن الألوان ممكنة أن تسمع والأصوات ممكنة أن ترى وهذا كله خروج عن الطبع وعن ما يمكن أن يعقله الإنسان فإنه في الظاهر أن حاسة البصر غير حاسة السمع وأن محوس هذه غير محوس تلك وأن آلة هذه غير آلة تلك وأنه ليس ممكن أن ينقلب البصر سمعا كما ليس يمكن أن يعود اللون صوتا . ...
    وعلى هذا فتكون الأشياء كلها شيئا واحدا حتى المتضادات وهذا شيء فيما أحسبه يسلمه المتكلمون من أهل ملتنا أو يلزمهم تسليمه يعني هؤلاء الأشعرية وهو رأي سوفسطائي لأقوام قدماء مشهورين بالسفسطة .
    8- قال : وأما الطريقة الثانية التي سلكها المتكلمون في جواز الرؤية فهي الطريقة التي اختارها أبو المعالي في كتابه المعروف بالإرشاد .
    وتلخيصها أن الحواس إنما تدرك ذوات الأشياء , وما تنفصل به الموجودات بعضها من بعض فهو أحوال ليست بذوات ؛ فالحواس لا تدركها وإنما تدرك الذوات والذات هي نفس الموجود المشترك لجميع الموجودات فإذا الحواس إنما تدرك الشيء من حيث هو موجود .
    قال ابن رشد : وهذا كله في غاية الفساد ومن أبين ما يظهر به فساد هذا القول أنه لو كان البصر إنما يدرك الأشياء لما أمكنه أن يفرق بين الأبيض والأسود لأن الأشياء لا تفترق بالشيء الذي تشترك فيه وإلا لكان بالجملة لا يمكن في الحواس لا في البصر أن يدرك فصول الألوان ولا في السمع أن يدرك فصول الأصوات ولا في الطعم أن يدرك فصول المطعومات وللزم أن تكون مدارك المحسوسات بالحس واحدا فلا يكون فرق بين مدرك البصر وهذا كله في غاية الخروج عما يعقله الإنسان وإنما تدرك الحواس ذوات الأشياء المشار إليها لمحسوساتها الخاصة بها فوجه المغالطة في هذا هو أن ما يدرك ذاتيا أخذ أنه مدرك بذاته ولولا النشأ على هذه الأقاويل وعلى التعظيم للقائلين بها أمكن أن يكون فيها شيء من الإقناع ولا وقع بها التصديق لأحد سليم الفطرة .
    8- قال : والسبب في مثل هذه الحيرة الواقعة في الشريعة حتى ألجأت القائمين بنصرتها في زعمهم إلى مثل هذه الأقاويل الهجينة التي هي ضحكه من عنى بتمييز أصناف الأقاويل أدنى عناية هو التصريح في الشرع بما لم يأذن الله ورسوله به وهو التصريح بنفي الجسمية للجمهور وذلك أن من العسير أن يجتمع في اعتقاد واحد أن ها هنا موجودا ليس بجسم وأنه مرئي بالأبصار .
    بيان تلبيس الجهمية (2|448)
    وبسبب هذا التناقض فر بعض الأشاعرة إلى إنكار الرؤية وأولوها بمزيد العلم .
    قال شيخ الإسلام: حتى إن أئمة أصحاب الأشعري المتأخرين كأبي حامد وابن الخطيب وغيرهما لما تأملوا ذلك عادوا في الرؤية إلى قول المعتزلة أو قريب منه وفسروها بزيادة العلم كما يفسرها بذلك الجهمية والمعتزلة وغيرهم وهذا في الحقيقة تعطيل للرؤية الثابتة بالنصوص والإجماع المعلوم جوازها بدلائل المعقول بل المعلوم بدلائل العقول امتناع وجود موجود قائم بنفسه لا يمكن تعلقها به .
    بيان تلبيس الجهمية (2|435)
    وأما إثبات أن الرؤية لا بد أن تكون من جهة فهذا مما اتفق عليه العقلاء
    قال شيخ الإسلام : وأنما المقصود أن نقول إذا ثبتت رؤيته فمعلوم في بداية العقول أن المرئي القائم بنفسه لا يكون إلا بجهة من الرائي وهذه الرؤية التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر فأخبر أن رؤيته كرؤية الشمس والقمر وهما أعظم المرئيات ظهورا في الدنيا وإنما يراهم الناس فوقهم بجهة منهم بل من المعلوم أن رؤية مالا يكون داخل العالم ولا خارجه ممتنع في بداية العقول وهذا مما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم من السلف والأئمة وأهل الحديث والفقه والتصوف وجماهير أهل الكلام المثبتة والنافية والفلاسفة .
    بيان تلبيس الجهمية (2|433)

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2007
    المشاركات
    778

    افتراضي رد: تناقض الأشاعرة في مسألة الرؤية

    هذا المقال حري بالعناية ...احسن الله لكم يا مولانا.
    إذا تغلغل فكر المرء في طرف ** من مجده غرقت فيه خواطره

    رحم الله ابن حزم



  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المشاركات
    229

    افتراضي رد: تناقض الأشاعرة في مسألة الرؤية

    جزاك الله خيرا
    والمولى هو الله

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المشاركات
    57

    افتراضي رد: تناقض الأشاعرة في مسألة الرؤية

    جزاك الله خيرا، فقد اعتدنا منك مثل هذه المقالات العلمية الجيدة، فأحسن الله إليك.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Aug 2007
    المشاركات
    229

    افتراضي رد: تناقض الأشاعرة في مسألة الرؤية

    جزاك الله خيرا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •