كنت قد جهزت قلمي، واستجمعت شتات فكري، لأكشف ستر الباطل من خلال النصوص الربانية المعصومة عن الخطأ والزلل، ولكن كل هذا لم يتم قدرا لدخول العوارض على المقاصد والإرادات، وقديما قال بعض السلف: (عرفت ربي بفسخ العزائم)، وكان العارض الذي فسخ العزيمة السابقة هو التعقيب الذي أورده بعض الاخوة على المقال الأول من سلسلة “بين منهجين”، حيث أورد الأخ تعقيبه على صيغة سؤال استنكاري لما أوردت من المقارنة بين منهج يرى أن التغيير يبدأ ما (بأنفسهم)، وبين منهج آخر يركض وراء (غيرهم) ليطلب سعده ونصره، وكنت قد أوردت قائلا:

3 - الجماعة المنحرفة تفرز من داخلها مجموعة من الفتاوى التي تلائم الحالة المزرية التي يعيشونها...

ثم قلت: فانظر إلى تلك الدراسات التي أفرزها هذا الاتجاه، المجيزة لهم بالدخول في الوزارات الكافرة، ومع ما في هذه الأدلة من هشاشة، إلا أنها أكثر ما تصلح أن يقال إنها استثناء من القاعدة والأصل، لكن هذا الاستثناء هو المنهج عند هذه الجماعات، والقاعدة شذوذ. ا. هـ. نقل المراد.

وعلق الأخ القارئ على هذا قائلا: والكلام يوحي لاشك أن ما تفعله الجماعات أمر جائز، لأنه مبني على رخصة... ثم قال: ونسأل الكاتب: ما هي هذه الرخص أو الاستثناءات التي تُجيز الدخول في البرلمانات أو الوزارات؟. ا. هـ.

ولاشك أن سؤال الأخ سؤال استنكاري لا استفهامي، حيث ذهب يذكر لنا بعض القواعد الأصولية في مسائل الاستثناء والرخصة. وقد استوقفني تعقيبه عند بعض النقاط المهمة قبل الإجابة على سؤاله:

النقطة الأولى : إن ما ذهب يذكره الأخ المعقب من قواعد الرخص والاستثناء هي التي نوهت بذكرها في تقييمي لمنهج الجماعات المنحرفة. فقد قال في تعقيبه: لأن الرخص والاستثناءات حالات طارئة يزول حكمها بزوال تلك الطوارئ، فلو أخذت جماعة معينة برخصة ثم قالت: هذا منهجي لكان ذلك باطلا...الخ كلام المعقب.

أقول: أليس كلام الأخ هو عين كلامي حين قلت: ومع ما في هذه الأدلة من هشاشة إلا أنها أكثر ما تصلح أن يقال أنها استثناء من الأصل والقاعدة، لكن هذا الاستثناء هو المنهج عند هذه الجماعات، والقاعدة شذوذ؟!.

النقطة الثانية : قال الأخ المعقب: وأما في مسألة الاستضعاف فنقول إن شرط التكليف القدرة على الامتثال... إلى قوله: وكذلك الجهاد إذا لم تقدر على مواجهة العدو انتقل إلى ما هو أخف وهو الإعداد لا أن يصير الإعداد هو الواجب المستمر. ا. هـ. المراد

وقول الأخ حق كله، ولكن على أي فقرة من مقالي يعقب الأخ، مع أني قلت في المقال: ففي حالة الاستضعاف وعدم القدرة، ثم عدم القدرة على الإعداد، فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها. هذا الذي قلته في المقال هو الذي قاله شيخ الإسلام ابن تيمية حين قال: وأما حين لا يكون للمسلمين شوكة ولا منعة فيعمل بآيات الصفح...الخ كلامه رحمه الله تعالى.

النقطة الثالثة : قال الأخ المعقب: ونسأل الكاتب: ما هي هذه الرخص أو الاستثناءات التي تجيز الدخول في البرلمانات أو الوزارات؟.

أقول: كأن الأخ فهم من كلامي أن هناك رخصا شرعية تجيز للمسلم أن يدخل في الوزارات الكافرة والنظم الجاهلية، وهذا لم يوجد في كلامي قط، لكن بعض الدارسين احتج بكلمات موهمة لشيخ الإسلام ابن تيمية، ولسلطان العلماء العز بن عبد السلام، وفيها أنه يجوز تولي الولايات الدينية في بعض الحكومات الكافرة التي تغلبت على بلاد الإسلام، لأن ترك هذا التولي يؤدي إلى مفاسد وهي عدم إقامة بعض الحق الذي يفوت بتركه، وإذا أراد الأخ أن يعلم هذه الحجج التي ساقها هؤلاء المشايخ فليرجع إلى دراسات الدكتور صلاح الصاوي في رده على جماعات الجهاد الإسلامية،(على الرغم أن دراسته لا تصلح لهذه الجماعات لأن هذه الجماعات المنحرفة لا ترى هذه الحكومات حكومات ردة وكفر، والدكتور الصاوي يراها كذلك، فالقاعدة مختلفة وليست على وفاق)، وكذلك دراسة الدكتور عمر الأشقر، والتي نشرت قبل كتابه كدراسة بين صفوف “الإخوان المسلمين” في الأردن تحت عنوان “بحث الدخول في الوزارات وممارسة المحاماة والقضاء”، (بحث أعده جماعة من علماء الشريعة) ثم أسفر الصبح فإذا هي دراسة للدكتور عمر الأشقر، وانظر كذلك إلى الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق - مرشد جمعية إحياء الميراث الإسلامي الكويتية - وأبحاث أخرى فيها الاحتجاجات بالكلمات الموهمة لمجموعة من الأئمة القدماء على صحة ما ذهبوا إليه. وكأن الأخ لم ينتبه إلى قولي: ومع ما في هذه الأدلة من هشاشة. فقد بينت رأيي وأن أدلة هؤلاء القوم هي أدلة ضعيفة لا تصلح لصحة ما ذهبوا إليه، وخاصة في أوضاعنا الحالية، ولبيان هشاشة هذه الأدلة مواطن أخرى عسى أن نفرغ لها قريبا.

النقطة الرابعة : لا أدري كيف أقحم الأخ المعقب لفظ (البرلمانات) في فهمه لكلامي، فإني لم أذكرها لا من قريب ولا من بعيد، وإنما اقتصرت على ذكر الوزارات لأن أدلتهم -أدلة الجماعات المنحرفة- إن صلحت فإنها لا تصلح إلا في جواز دخول الوزارة (السلطة التنفيذية)، ومع أني أعتبرها لا تصلح لها كذلك، وأما البرلمانات المعاصرة فالذي أدين لله به أنها عمل من أعمال الكفر الأكبر الذي إذا عمله المرء لم يبق له في الإسلام نصيب، لأن عملية البحث عن الحكم في ديننا هو دين، فالمسلم حين يريد حكم مسألة، يذهب إلى النص - الصادر عن الله تعالى - لأن الله هو المشرع في دينه وعقيدته، وأما العلماني فإنه يذهب إلى البرلمان، وهو عنده السلطة العليا المطلقة التي لها الحق في تقييم الأشياء والأفعال، فهل ترى أخي المعقب بعد معرفتي بحال البرلمان وبواقعه على الحقيقة أن أقول كما يقول الجاهلون: بجواز الكفر للمسلم من أجل أن يخدم الإسلام ؟. وهل مصالح الوجود كلها تعدل أن تقوم مقام أن يكفر المسلم ؟. حاشا وكلا، وأعوذ بالله من أن يطمس الله بصيرتي كما وقع لغيري، فإن البعض زعم أن الدخول في الوزارات الجاهلية لا يجوز، وأما الدخول في البرلمان - المشرع - فإنه يجوز بل قد يكون واجبا، وهذا القائل هو الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس في دراسة له ضد دخول الإخوان المسلمين في الأردن في الوزارات، فانظر إلى هذه الخفة الفقهية، وانظر إلى البصر من أين أتي لئلا تقع موقعه، والله سبحانه وتعالى الحافظ والمعين.

وأخيرا: حفظ الله الأخ المعقب وجعله من أهل السعادة في الدارين، وحفظ الله نشرة “الأنصار” من أن يغزوها دعاة أنصاف الحلول، أو الباحثين عن موطئ قدم في عقول المجاهدين في جواز الدخول في هذه المزالق الجاهلية الشركية. وكان الاخوة في “الأنصار” قد عرضوا عليّ الرد فأشرت بنشره لما فيه من فائدة، ولما فيه من دافع لي في الإفصاح عن نفسي ومنهجي والله الموفق.

كانت هذه المقالة عارض عن متابعة “بين منهجين” فما زلنا على الوعد في الأعداد القادمة إن شاء الله تعالى..


لشيخنا أبي عمر الفلسطيني ..بتصرف يسير..