فتح المنان في نصيحة الإخوان..
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: فتح المنان في نصيحة الإخوان..

  1. #1
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,249

    افتراضي فتح المنان في نصيحة الإخوان..

    الحمد لله وحده
    خلق الإنسان علمه البيان، وأنزل من السماء كتابا لا يغسله الماء يقرأه العبد نائما ويقظان.. ألهم كل نفس فجورها وتقواها وبين للناس سبيل الرشاد وسبل الضلال والكفران..
    وصلاة وسلاما بالغين أكمل ما يحبه ويرضاه الملك المنان، على عبده النبي الأمي العدنان، الذي ما ترك أمرا فيه خير لأمته إلا دلها عليه، ولا أمرا فيه شر لأمته إلا حذرها منه، وعلى آله وصبحه ومن تبعهم بإحسان..
    أما بعد، فهذه نصيحة أكتبها لنفسي أولا، ثم لنفسي ثم لنفسي، ثم لكل أخ من إخواني هداه الرب تعالى إلى سبيل الالتزام والتسنن بهدي المصطفى صلاة ربي عليه وسلامه، وإلى طرق أبواب طلب العلم الشريف الذي به النجاة في الدنيا والآخرة.. فالله أسأل ان يرزقني فيها الإخلاص وألا يكون غاية حظي من أجرها عنده التعب في إعدادها وكتابتها.. نعوذ بالله من الخذلان.
    إخوتي الكرام، إعلموا أن أمر الدين عظيم! كل أمر الدين عظيم، كبيره وصغيره في ذلك سواء .. وأمر الحلال والحرام من بعد قضايا التوحيد والمعتقد، هو أخطره وأعظمه! يقول الملك جل وعلا: ((وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ)) [النحل : 116] ويقول سبحانه: ((قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)) [الأعراف : 33] فتأمل يا عبد الله كيف أن القول على الله بغير علم يأتي في شدة التحريم مقرونا – بلا فاصل – بالشرك بالله تعالى، نسأل الله العافية..
    والذي من الله عليه بالتوبة وترك سبل الغواية ومفارقة أهل الأهواء، وموافقة أهل السنة والديانة والخير ومخالطتهم ومجالستهم، فظهر عليه هدي السنة الظاهر، وصار المسلمون يرون فيه ثمرة خير ظاهرة، ويدعوه الناس في كل مكان بقولهم (شيخنا) و (يا شيخ) و"ذهب الشيخ" و"جاء الشيخ"، هذا يشتد عليه الابتلاء – ولا شك.. ولا عجب! فأشد الناس بلاءا الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل!
    ومن صور هذا الابتلاء التي يغفل عنها أو يتقاصر دونها – بكل أسف – عامة الملتزمين في زماننا هذا إلا ما رحم ربك وعصم: سلامة اللسان من القول على الله بغير علم، ومن الخوض فيما لا يحسن! نسأل الله الصيانة لذلك العضو الخطير الذي يعشق كثرة الحركة في أفواهنا، ويشتهي أن يكثر من الكلام في أي شيء وفي كل شيء، والله المستعان.
    ترى مجالس الإخوة الفضلاء، التي يختلط فيها ولابد حديث العهد براسخ القدم، والعالم بالجاهل، والضابط بالمنفلت، الغالب على كلامهم فيها الحديث في قضايا الدين وقضايا الأمة.. وهذا خير عظيم ولا ريب، فكل مجلس يخلو من ذكر الله فهو وبال على أهله يوم القيامة، أو كما قال عليه السلام.. فما أطيب أن يكون الكلام، جل الكلام، ذكر وتذكير، ونصح وتناصح، ووعظ وإرشاد، وتواص بالحق والصبر.. وإن لم يكن كذلك، فما الفرق بين الرفقة الصالحة ورفقة السوء؟ وما الفرق بين أهل الله وخاصته، وبين من سواهم؟ فالحمد لله على نعمة السنة والجماعة..
    ولكن كثيرا ما يقرع سمعك كلام في كثير من تلك المجالس المباركة يحزنك وتضيق له نفسك، وتود لو أن تفر منه بدينك، وهم أهل السنة والخير – نحسبهم – فإن فررت من مجالسهم فإلى أين وإلى من يكون الفرار؟؟ نسأل الله الهداية والرشاد!
    تجد أخا من الجلوس يطرح موضوعا، كأن يروي حدثا وقع له، أو عملا عمله أو موقفا مر به أو شيئا من ذلك، كما يكون في عامة حديث الناس في مجالسهم، فلا يكاد يفرغ من كلامه حتى ترى أحد الإخوة الجلوس ينطلق معقبا بقوله: "ولكن يا أخي هذا لا يجوز!! سمعت الشيخ فلان يقول أن هذا الفعل حرام!" وأقول، نِعم هذا النصح والتوجيه إن كان الأخ صاحب النكير على بصيرة، وعلى علم صحيح منضبط بأن ما يتكلم فيه وينكر على فاعله لا خلاف فيه ولا متسع للمخالف.. ولكن .. (وما أثقلها من "ولكن").. هل هو كذلك حقا؟ وهل ضبط الأخ الفاضل في ذلك علما يؤهله لأن يطلق هذه الكلمة الثقيلة الشديدة في دين رب العالمين: يقول: هذا حرام، أو هذا لا يجوز؟؟؟ كيف وغاية ما عنده أن سمع الشيخ فلان يقول؟؟
    الأخ الناصح هذا لا نسيء الظن في مقصده ونيته، بل نحسبه مخلصا في طلب النصح والإرشاد لأخيه، ونحسبه صادقا في الخوف على أخيه من الوقوع في محذور شرعي.. ولكن يا عباد الله، هل تغني النية الحسنة شيئا عن الفعل الفاسد وعن القول على الله بغير علم؟ هل أغنت النية الحسنة شيئا عن الذين كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعوا الأحاديث المكذوبة يبررونها بقولهم "نكذب له لا عليه"؟ هل أخرجتهم من الوعيد في قوله عليه السلام: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"؟؟؟
    كلا والله! وكم وقع في الأمة من جرائم عظمى ومن عدوان على دين الناس عظيم بدافع من حسن النية!! ألم يخرج الخوارج على عثمان وعلى علي من بعده، وهما من هما رضي الله عنهما، بدافع من حسن النية كذلك، وتحت دعوى أن هذا الذي يفعلونه هو الدين؟؟؟ ألم يقل النبي عليه السلام في هؤلاء القوم أن الصحابة يحقرون صلاتهم إلى صلاتهم وقراءتهم إلى قراءتهم من شدة تعبدهم وتدينهم؟؟ فهل أغنى ذلك عنهم شيئا أن وصفوا بأنهم مرقة من الدين وبأنهم – أعزكم الله – كلاب النار؟؟ نسأل الله العافية!
    فالشاهد أن حسن النية لا يغني عن صاحب العمل الفاسد شيئا، ولا يُعتذر له به! فلا يقولن قائل لأخيه: هذا حرام، إلا وقد برأت ذمته من القول على الله بغير علم، وإلا وقد أعد عن ذلك عند الله جوابا!!
    يا عبد الله يا من غاية بضاعتك "سمعت الشيخ فلان يقول"، أنت مقلد لا حظ لك من نظر ولا علم بدليل، فألزم نفسك – وهو واجبك – بهذه الفتوى وتدين بها، ولكن إن أردت أن تتعدى أمر نفسك وتنهى غيرك عن منكر، فهممت بالنكير على أخيك المخالف لك في هذا الأمر، فهلا نظرت أو سألت هذا الذي أفتاك عما إذا كان في المسألة خلاف معتبر يخفى عليك، أو قال بالقول المخالف لك من يعتبر بقولهم في دين الله من قبل؟؟ هلا تثبت قبل النكير من كون ذاك المخالف في حرج من أمر دينه وأنه على منكر؟؟
    ويرد الأخ الذي سمع ذلك النكير من أخيه – الذي هو ند له في المجلس - قائلا: "أما أنا فسمعت الشيخ فلان يقول أنه لا بأس في ذلك".. فكان ماذا؟ يبدأ جدال بين رجلين جاهلين مقلدين، وقد تبين لهما أن مع كل منهما – وهو غاية بضاعتهما في الأمر - فتوتان متعارضتان لشيخين ممن يثقان في دينهما وورعهما وعلمهما.. ولو أحسنا إلى نفسيهما لبحثا عن شيخ ثالث يكون عندهما أعلم وأوثق من هذين الشيخين يسألانه عن المسألة وعما إذا كان فيها خلاف.. ولكن ترى أحدهما يقول للآخر في ثقة: يا أخي هذا الكلام غير صحيح، وأشك في أن يفتي الشيخ فلان بهذا، لابد أنك لم تحسن سماعه أو لم تفهم مراده.. فالأمر كذا وكذا وكذا، ويأخذ المسكين في ذكر ما يظن أنه يرجح فتيا شيخه الذي أفتاه من أمور ربما سمعها هنا وهناك، فيقرن مسائل وفتاوى ببعضها البعض، الرابط والجهة فيما بينها منفكة منعدمة، ويستدل بما لا يصح الاستدلال به بحال من الأحوال في موضوع السؤال، ويستعين بأمور واقعية يتصورها – على جهله – من القرائن التي ترجح ما قلده من فتوى شيخه الذي أفتاه، وترى الجدال يحتدم بينهما، والوتيرة تتصاعد، والنفوس تضيق، يحاول كل منهما أن يلزم أخاه المخالف بقبول فتوى شيخه الذي هو في الحقيقة ليس بأوثق ولا أعلم عنده من الشيخ الذي استفتاه مخالفه!
    فهل لك يا من غايتك تقليد فتوى شيخ من الثقات عندك أنت، أن تلزم بها أو أن تنصح بها من علمت أنه يخالفك أخذا بفتيا شيخ آخر هو من الثقات عنده وعندك كذلك؟؟ كلاكما لا يضبط دليلا ولا يحسن تأويلا، ففي أي شيء تتخاصمان وتتنازعان وبأي وجه حق؟؟ أليس هذا يا أرباب العقول يا من تقدرون الله حق قدره، بالأمر الذي يجب أن ننكره وأن نعمل على تطهير مجالس الإخوة منه؟؟
    أمسك عليك لسانك يا عبد الله، إن لم تكن على علم وبصيرة بما تقول!! فمن شرط النهي عن المنكر العلم بحكم المسألة وما فيها من أقوال سائغة إن تعددت الأقوال فيها! فإن كنت لم تحط بهذا علما، فلماذا لا تسكت؟؟ ألم تعلم أن المرء لا يزال في عافية ما دام صامتا، فإذا تكلم كتبت له أو عليه؟ ألم تعلم أنك تملك كلمتك ما لم تنطق بها، فإذا أخرجتها ملكتك؟؟ إن عرض عليك أحد إخوانك أمرا أو رأيته متلبسا بأمر سمعت من شيخك فتوى بمنعه، فانقل الفتوى كما هي لأخيك.. ولكن إن جادلك بأن فيها قولا غيرا هذا قد سمعه هو ولم تسمعه أنت، فلا تدع الإجماع حيث لا إجماع، ولا تتكلم فيما لا تحسن ولا تجادل ولا تزد على ذلك النقل ما ليس لك به بينة، ولا تقل على الله بغير علم! انصحه بأن يسأل من يثق هو في علمه، إن رأيته يعارضك، فهذا من واجبه، أن يقلد من يثق في علمه، كما واجبك أنت – إن لم تكن ممن يحسنون النظر في الدليل وفي كتب أهل العلم – فإن أفتاه شيخه بخلاف ما أنت عليه فلا تلزمه بما لا يلزمه!
    أما إن كنت من أهل النظر في الدليل وتضبط أدلة المسألة وكلام أهل العلم فيها، وتقدر على بيان وجه رجحان القول عندك، فبينه له، ولكن إن أصر على مخالفتك فيه فلا تشدد عليه، فقد لا يتبين له – بقدر عقله – من كلامك ما تبين لك، وقد يميل إلى ترجيح من أفتاه في المسألة، فلا يفهم الأدلة كما فهمتها أنت وإنما يوجهها كما وجهها من أفتاه، ويبقى – وهو غير أهل – الأمر عنده أن من أفتاه أوثق منك عنده وأعلم.. فلا يقبل استدلالك بتلك الأدلة ولا يرى ما تراه أنت.. فهل يكون آثما في نظرك إذا، يتبع هواه فيما أخذ به من الأمر؟؟ كلا يا عبد الله، فإياك ثم إياك ان يسوغ لك شيطانك سوء الظن به لمجرد ذلك!!
    ويقول الأخ صاحب النكير على مذهب مخالفه في ثقة عجيبة: "من الذي قال لك هذا؟ من الذي أفتاك بهذا الكلام؟ من أين جئت به؟؟" فإن ذكر أمامه إسما لشيخ لا يعرفه هو ولا يعرف حاله، قال له: "من هذا؟ هذا مجهول يا أخي! أنا أتيتك بفتوى الشيخ العلامة فلان الفلاني، فلا تردها لقول رجل مجهول هداك الله"! مع أن هذا "المجهول" قد يكون مجهولا عند هذا الجهول لجهله، معروفا عند أهل الفضل والعلم، موثوقا به وبمنهجه وورعه عندهم، فلا يضره جهل ذلك الجاهل به طرفة عين! فلا يعرف أهل الفضل إلا أهل الفضل، ومن ورد طريق العلم عرف أهله! ولكن غلو ذلك الأخ المسكين صاحب النكير في شيخه الذي أخذ عنه يعميه ويضيق عليه عطنه، فيرفع شيخه هذا ويرفع كلامه فوق الناس كافة، وكأنما كان وحيا منزلا من السماء، ولا حول ولا قوة إلا بالله! كلامه حق واجب الاتباع، وكل من يخالفه باطل محض، فلا اعتبار به، اللهم إلا أن يكون كلاما لشيخ ذلك الشيخ الذي غلا فيه، فهنا وهنا فقط يمكن لهذا الأخ أن يتراجع ويدرك أن في المسألة خلافا قد وسع الأولين!
    إيه يا إخوان، والله إن في القلب لحسرة! نألم والله أيما ألم إذ نسمع أهل الزيغ والهوى يقولون: "هؤلاء العيال الواحد منهم غاية مؤهله لحية تتدلى على وجهه وقميص قصير يلبسه، ونداء الناس له في الغداة والعشي (يا عم الشيخ)!! غايته كتاب قرأه ودرس حضره، فإذا به يفتي كأنه عالم إمام!" نسمع هذا الكلام فنتألم ونصبر على الأذى ونحتسب لأننا نعلم حال القائل ووجهته الفاسدة وزيغه ونقمته على أهل الدعوة!! ولكن هل ساءلنا أنفسنا ووقفنا معها وقفة صدق، عن حالنا من العلم ومن إطلاق الفتاوى ونقلها للناس وإلزام الناس بها والتشديد فيها دونما ضبط لفقه الخلاف؟؟ هل وقفنا مع أنفسنا وقفة صدق لنرى إن كان فينا من ينطبق عليهم هذا الكلام حقا أم لا؟؟
    أقولها بصدق وأحذر بها إخواني: نعم وبكل أسف، هذه الآفة موجودة وبكثرة في أوساط الإخوة الملتزمين: آفة التعالم والجرأة على الفتوى!! أقول، يا معاشر الملتزمين: اتقوا الله في دينكم وفي عامة المسلمين!!
    يتكلم الأخ بكل سهولة، يشرق ويغرب ويعجن في قضايا شرعية دقيقة للغاية ويتقحم مسائل ويحشر رأسه في أمور يهابها – والله - أئمة العلم الكبار!! يدخل إلى المنتديات الإسلامية فيخالف ويجادل وينافح وغاية ما عنده أن سمع الشيخ فلان يقول كذا وكذا .. لماذا، ومن أين أتته هذه الثقة على دنو كعبه وحداثة سنه؟ لأنه "أخ"! وهذا من كلام "الإخوة"!! وكأن كل من لم يكن ملتحيا من المسلمين – وأنا أقول بوجوب إعفائها - فليس "بأخ"! واللحية تجيز هذا "الأخ" للكلام في هذه المسائل، أما من حلقها من "العامة" فليس له الخوض فيها، لأنه ليس "سلفيا"!! ولو قال الحليق أنه سمع شيخا يفتي بخلاف ما عند ذلك الأخ، لحق النكير بالشيخ المفتي كذلك، وانطلق الذم عليه وربما وصفه الأخ بأنه من أهل الأهواء أتباع الرخص، ذلك الشيخ، لأن هذا "الحليق" يثق في علمه ويستفتيه ويقلده في ذلك القول المخالف!! يظن نفسه أهلا للكلام لا لشيء إلا لأنه قد "شرع" في طلب العلم! لا لأنه على علم أو إلمام بما يتكلم فيه، كلا، ولكن لأنه شرع في طلب العلم! وقد يدخل إلى مجلس من مجالس أقرانه الحدثاء يطرح كبرى المسائل الشرعية الدقيقة للنقاش وكلهم ضعفاء جهلاء مثله، لماذا؟ لأنهم "إخوة" ملتزمون وهذه اهتماماتهم! قبل الالتزام كانت جل قضاياهم وشواغلهم كرة القدم والموبايلات والأفلام، يتسامرون بالخوض فيها والجدال حولها، فلما التزموا، ففي أي شيء يتسامرون إذا ما التقوا وتجالسوا؟؟ في مسائل العلم الشرعي وأخبار المشايخ ونزاعاتهم التي قصرت علومهم وأفهامهم عن ضبط أكثرها!!
    فما قولكم في مجلس لإخوة هكذا حالهم، وغالب كلامهم على هذه الشاكلة؟؟؟ نسأل الله العافية، وإنا لله وإنا إليه راجعون!!
    لا يكاد الأخ يلتزم ويبدأ في التردد على حلق العلم والتلقي عن العلماء حتى تراه يرجع إلى أهله مشرئبا منتفخا، يرمي بكل ما هم عليه عُرض الحائط، فهم عنده الآن عامة، وهو الشيخ طالب العلم السلفي الذي يجب عليهم الامتثال لأمره!!
    نعم قد يكونون عامة جهالا، ولكن من أنت في نظرهم أصلا يا أخ الإسلام؟؟ أتحسب يا مسكين، أنك إذ تأمرهم بترك شيء هم عليه لقول بخلافه سمعته هنا أو هناك من شيخ من مشايخك، أتحسب أنه عندهم كما عندك ولابد أوجب للاتباع من غيره ممن سمعوا هم كلامه ووثقوا فيه في ذات الأمر؟؟ يدخل الأخ على أهله يقول لهم بكل سهولة في رجل وثقوا في دينه وعلمه لسنوات طويلة: هذا قبوري هالك، وهذا مبتدع محترق، وهذا كذا وهذا كذا، فلا تأخذوا منهم دينا، ولكن اسمعوا من فلان وفلان، ويتوقع أن يأتيه جوابهم في الحال: "سمعا وطاعة يا مولانا!" فهل هذا من فقه الدعوة في شيء؟؟
    كيف يحمل رجل مقلد عند أدنى منازل التقليد، مقلدا مثله على تقليد شيخه هو، الذي ربما لم يسمع باسمه من قبل أصلا، لمجرد أنه يراه مفرطا في كثير مما اهتدى هو إلى الالتزام به، كالشروع في طلب العلم وإظهار الهدي الظاهر؟ كيف يا أخانا الحبيب وقد تكون عنده شبهة بأنك متشدد وشيوخك أهل تشدد وتضييق؟؟
    ثم هذه المسألة التي تريد حمله على تقليد شيخك أنت فيها، أتحققت من أن القول فيها واحد محل إجماع لم يوجد في القرون الفاضلة من قال بخلافه؟؟ هل تحققت من أن القول الذي هو عليه فيها، الذي تريد أنت خلعه منه ليوافق مذهبك: لا سلف للقائل به ولا يسوغ فيه الخلاف؟؟
    فليكن التفريق بين تحذير الناس من رجل مبتدع ضال – وهو ما يلزم له إثبات ما عند ذلك الضال من بدع ومهالك بالدليل حتى يقتنع الناس بهذا ويتركوه – وبين تحذير الناس من قول فاسد معلوم الفساد بغض النظر عن قائله.. ففساد القول لا يلزم منه فساد قائله، وصلاح القول لا يلزم منه صلاح قائله، ولكن قليل من الإخوة من أوتي من الإنصاف ما به يكون هذا التمييز.
    كثيرا ما تجد الأخ الفاضل يسمع أن فلانا من العلماء المعروفين بالتصوف والقبورية والبدع، قد أفتى بقول من الأقوال في مسألة من مسائل الفروع، فإذا به ينطلق يكذب ذلك القول ويخطئ تلك الفتيا لا لشيء إلا لأن المفتي هذا من أهل الأهواء والبدع!! أولو كان القول في نفسه حقا، أو للقائل به سلف من القرون الفاضلة؟؟ أولو كان قولا معتبرا عند أئمة المذاهب وإن كان مخالفا لما أنت عليه؟؟ يقول "هذا مخالف للدليل، وفقهاء المذاهب لهم أقوال في كتبهم لا دليل عليها"، يقول هذا الكلام تشدقا وتنطعا وهو – ذلك المتعالم الجهول - لم يقف على الدليل أصلا ولا على كلام فقهاء المذاهب في المسألة، وإنما غايته أن سمع شيخه يفتي بهذا المذهب، فظن لجهله أن القول المخالف لابد وأن يكون من جنس ما خرجه الفقهاء قياسا بمعزل عن الدليل!
    بل وأذم من ذلك: عدم تقدير المسائل بقدرها الصحيح!
    كنت في حوار ذات يوم مع أخ من إخواني علمته حديث عهد بالطلب، فجاء ذكر شيخ من طلبة العلم الفضلاء في مصر، فوجدته يمتعض ويقول "هذا حزبي!" قلت: سبحان الله! وما ذاك يا أخي؟ قال: رأيته ذات يوم في لباس الإفرنج! قلت إنا لله وإنا إليه راجعون! أفترميه بهذه التهمة الشنعاء وتلحقه بأهل الأهواء لأجل هذا؟؟ حاولت إفهام الأخ أن الأمر فيه سعة، وأن علة التشبه غير معتبرة على اعتبار أن العرف اليوم قد غلب عليه هذا اللباس ولم يعد من علامات الكفار، فلم يسمع ولم يقبل ومن بعدها لم أره مجددا!! رجعت إلى البيت مغتما يومها في شمس يوم حار، ورأسي يؤلمني، فلا أدري أكان الألم من شدة وقع الكلام على نفسي أم من شدة نقع الشمس على رأسي ولا حول ولا قوة إلا بالله!
    وأذكر أنه حدثني ذات يوم أخ لي يشكو من أنه في حديثه مع والده في يوم من أيام رمضان، أنكر عليه وشدد في النكير، فحمله الشيطان على الوقوع في كبيرة رفع الصوت على أبيه والشجار معه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لماذا؟ لأنه سمع والده يثني على محمد علي باشا – أو شيئا من هذا القبيل - ويصفه بأنه مؤسس دولة مصر الحديثة وما إلى ذلك!!! قلت يا أخي هداك الله، ما الذي يضير والدك أن يموت إذا مات وهو يظن خيرا بذلك الهالك؟؟ أَوَقع في الشرك بذلك؟؟ أفسد دينه أو وقع في حرج من أمره بسببه؟؟ أيستحق هذا الكلام منه أن يشتد الجدال بينك وبينه حتى يوقعك الشيطان في كبيرة من الكبائر وفي نهار رمضان؟؟؟ الله المستعان!
    ويحضرني أنني في يوم من الأيام سمعت أخا فاضلا يسأله أحد المصلين البسطاء بعد فراغه من الصلاة في حكم الركعة التي يدخل فيها المسبوق خلف الإمام وهو راكع، أتحسب أم لا تحسب، فرأيته يفتي بأنها لا تحسب، ولعله قال بأن عليه أن يصلي ركعة بدلا من تلك التي لم تحسب له! فلما انصرف السائل استأنست حديثا مع الأخ في ذلك، وذكرت له أن في المسألة خلافا، وأن قوله هذا قول ضعيف.. ثم إن أن السائل على مذهبه يعد جاهلا مخطئا، يعمل بما جرى عليه الناس من الاعتداد بتلك الركعة، فكيف يأمره بالإتيان بالركعة والنبي عليه السلام لم يأمر المسيء صلاته بأن يعيدها، من بعد ما بين له وجه الخطأ فيها وفصله له؟ فوجدته يشتد في الكلام ويخاطبني وكأني مخالف للسنة بكلامي هذا، وأنا أجزم بأنه ما قرأ في هذه المسألة كتابا قط! بل وجدته في لقاء لاحق به، قد جاءني بتسجيل على الهاتف لمقطع صوتي فيه الفتيا في هذه المسألة بصوت شيخه – الذي هو عالم فاضل عندنا في مصر نُجله ونوقره – فكأنما يريد أن يحملني على ترك ما أنا عليه والنزول على هذه الفتوى كما نزل هو عليها!! ولا يعنيه ما آتي به من كلام لأهل العلم وأئمة الفقه في المسألة!! فقلت "إنا لله وإنا إليه راجعون"!
    لو تكلف هذا الفاضل أن يرفع سماعة الهاتف ويسأل ذلك الشيخ عن حكم من يأخذ بهذا القول الذي يخالف مذهبه، لأخبره بأنه لا نكير عليه وبأن في الأمر خلافا، ولكن هكذا سمع وهكذا نص الفتوى التي سمعها فعليها يقف وبها يعيش وعنها ينافح وبها يجب أن يعمل سائر البشر، فمن خالف فهو آثم ولابد وعبادته باطلة ولابد! فالله المستعان!!
    يا إخوان أكرمكم الله،
    ليس من السلفية في شيء أن أشدد على الناس بأن يقلدوا شيخي الذي قلدته أنا في مسألة من المسائل لمجرد أنه شيخ سلفي على الجادة هو عندي من أهل الورع والديانة، حتى وإن كان في المسألة خلاف سائغ!!
    ليس من السلفية في شيء أن أنكر على الناس عملهم بقول يخالف ما أفتاني به شيخي، لمجرد أنه خلاف ما أفتاني به شيخي!!!
    ليس من السلفية في شيء أن تضيق نفسي بمخالفي وأن أتهمه – ولو بلسان الحال – باتباع الهوى والزيغ أو حتى بمخالفة السنة لمجرد أنه يأخذ بالقول الأخف من قولين وسعهما الخلاف في مسألة من المسائل!!
    ليس من السلفية في شيء أن نوالي ونبرأ على مواقف مشايخنا في بعض النوازل الفرعية الاجتهادية، فيمتحن بعضنا بعضا بمثل قولهم : "ما رأيك في قول الشيخ فلان في كذا وكذا أو في فلان وفلان"!!
    ليس من السلفية في شيء أن أحتد على رجل من المسلمين لا يظهر عليه ما يظهر علي من سمت الالتزام، ولا يعرف عنه حظ من طلب العلم، فأتنقص من العالم الذي أفتاه بقول على خلاف مذهبي في مسألة من المسائل، أنكر عليه قوله هذا بدعوى أن المفتي هذا ليس من السلفيين أو أنه "من علماء البلاط" أو نحو ذلك، وأنا أصلا لم أحرر الخلاف ولا دراية لي بأبعاد تلك المسألة!! نعم واجبي ان أحذره من الأخذ عمن هكذا حالهم، إن تبين لي بالدليل أنهم هكذا حالهم، ولكن ما شأن تلك المسألة التي أحدثه فيها تحديدا؟؟ هذه قضية أخرى!!
    فختاما، أقول لإخواني الكرام: يا عباد الله إرفقوا بأنفسكم وبإخوانكم، يرحمكم الله، وتحققوا من شروط الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من قبل أن تهلكوا الناس وأنتم تحسبون أنكم تحسنون صنعا.. لا تزببوا من قبل أن تحصرموا، ولا تتبوأوا ما لا تحسنون، ولا تشددوا على الخلق حيث وسع الله عليهم، وأنتم تحسبون أنكم تحسنون صنعا!!
    أقول ما قرأتم وأستغفر الله لي ولكم ولوالدي والمسلمين، فما أصبت فمن الله فضلا ومنة، وما أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، وما توفيقي إلا بالله، والحمد لله رب العالمين.
    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    المشاركات
    104

    افتراضي رد: فتح المنان في نصيحة الإخوان..

    بارك الله فيك اخا الاسلام .. نصائح قيمة ونحن حقا بحاجة اليها .!
    قال شيخ الاسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى : مسائل الاجتهاد، من عمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه ولم يهجر، ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه..
    ينقل الامام الذهبي عن يونس الصدفي قوله : "ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة ثم افترقنا، ولقيته فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة"، قال الذهبي: "هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام وفقه نفسه، فما زال النظراء يختلفون..!!
    أين نحن من فعل السلف .. أين نحن من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم : " فأي ذلك قرأتم أحسنتم" .. أو" فما عنف واحدا من الفريقين ".. أو " ‏كلاكما محسن ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا ..!
    فلنراجع انفسنا ولنصحح تصرفاتنا يا اخوان ..
    وجزى الله الناصح خير الجزاء والسلام

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •