الأزهر والليونز... من يرتدي قبعة الآخر ؟!


كتبه/ أحمد عبد الحميد

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي الحياة مواقف لا تعود بعدها الأمور كما كانت قبلها، لا سيما لو كانت هذه الأمور تتعلق بعدد كبير من الناس وتؤثر في حياتهم، ومن هذه المواقف وبلا شك ما أقدم عليه الدكتور علي جمعة المعيَّن من قبل الدولة مفتيًا للديار المصرية بزيارته الأخيرة لنادي الليونز في القاهرة، وذلك يوم الأحد السابق لاحتفالات المولد النبوي لهذا العام.

فلم تكن هذه الزيارة -كما يمكن للبعض أن يتخيل- مجرد ندوة أو محاضرة أو حتى مناظرة يحتسب فيها الشيخ وقته من أجل نصيحة أعضاء هذه المنظمة والذين أغلبهم من نساء الطبقة المترفة بكل معنى الكلمة، والبقية من رجال لا تختلف صفاتهم كثيرًا عن صفات هاته النسوة؛ ولو كان الأمر هكذا لما عدمت وجهًا مسوغًا للزيارة.

ولم تكن أيضًا الزيارة للاحتفال بما اعتاد المفتي تسويغه ومهاجمة المخالفين فيه من الاحتفال بالمولد النبوي، وربما قلنا وقتها إن الأمر لم يخرج عن أصول الرجل التراثية مع بعض التجديد كسرًا للإملال.

ولكن الجديد والصادم هنا أن الاحتفال كان بعيد ميلاد المفتي نفسه!!!!

ففي الوقت الذي كان الآلاف من أتباع الطرق الصوفية يملؤون الدنيا بصخبهم التقليدي في الاحتفال بالمولد النبوي كان أحد أئمتهم -والذي يلقبه مريدوه بالإمام العلامة- قد ذهب بزيِّه الأزهري وعمامته ليلتقي بمجموعة من سيدات المجتمع المخملي محتفلاً بعيد ميلاده، ولكن على طريقة الليونز هذه المرة، حيث توضع (التورتة) ويغرز بها عدد من الشموع حسب سن المحتفَل به، ويلتف الحضور في دائرة يهتزون ويغنون: (سنة حلوة يا جميل... سنة حلو يا فلان)، ولو كان المجتمعون (يختلفون في مصدر التلقي) فستكون هذه الكلمات باللغة الإنجليزية لا العربية!

ربما لم يكن يتخيل أعضاء لجنة الفتوى بالأزهر قبل سنين طويلة مثل هذا الانحراف الخطير وهم يصدرون فتواهم التي قضت بأن أندية الليونز والروتاري -وأشباهها من المنظمات الماسونية التي يسيطر عليه اليهود- تهدف إلى تدمير الهوية الإسلامية، والتي بسبب ذلك يحرم الانضمام إليها أو المشاركة في نشاطاتها.

حيث جاء في إحدى فتاوى اللجنة برئاسة الشيخ عبد الله المشد -في ٢٥ من شعبان ١٤٠٥ هـ الموافق ١٥-٥-١٩٨٥م -ما نصه:

"بيان للمسلمين من لجنة الفتوى بالأزهر الشريف بشأن الماسونية والأندية التابعة لها مثل الروتاري والليونز: فإن الإسلام والمسلمين يحاربهم الأعداء العديدون بكل الأسلحة المادية والأدبية، يريدون بذلك الكيد للإسلام والمسلمين، ولكن الله ناصرهم ومعزهم... قال -تعالى-: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ)(غاف ر:51)، ومن بين هذه الوسائل التي يحاربون بها الإسلام: وسيلة الأندية التي ينشؤونها باسم الإخاء والإنسانية، ولهم غاياتهم وأهدافهم الخفية وراء ذلك، وإن من بين هذه الأندية الماسونية والمؤسسات التابعة لها مثل: الليونز والروتاري، وهما من أخطر المنظمات الهدَّامة التي يسيطر عليها اليهود والصهيونية، يبتغون بذلك السيطرة على العالم عن طريق القضاء على الأديان، وإشاعة الفوضى الأخلاقية، وتسخير أبناء البلاد للتجسس على أوطانهم باسم الإنسانية، ولذلك يحرم على المسلمين أن ينتسبوا لأندية هذا شأنها، وواجب المسلم ألا يكون إمعة وراء كل داع وناد، بل واجبه أن يمتثل لأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- حيث يقول فيما يرويه حُذَيْفَةَ -رضي الله عنه- قالَ: قالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تَكُونُوا إِمّعةً، تَقُولُونَ: إِن أَحْسَنَ النّاسُ أَحْسَنّا، وإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وإِنْ أساءوا فَلاَ تَظْلمُوا) رواه الترمذي وقال: حسن غريب، وواجب المسلم أن يكون يقظًا حتى لا يغرر به، فللمسلمين أنديتهم الخاصة بهم، والتي لها مقاصدها وغاياتها العلنية، فليس في الإسلام ما نخشاه ولا ما نخفيه…. والله أعلم".

ورحم الله الشيخ عطية صقر حيث أجاب بأشمل وأوسع من ذلك في فتوى لا يتسع المقام لنقلها بتمامها، وتجدها في "موسوعة فتاوى الأزهر" الذي عرف عبر تاريخه بموقفه الثابت من مثل هذه المنظمات المشبوهة.

ومما جاء في هذه الفتوى الكريمة:

"الماسونية جمعية سرية يهودية، وكان الغرض من تأسيسها مناهضة الدين المسيحي، ثم تطور غرضها إلى مناهضة الأديان عامة وإعادة مجد إسرائيل والعودة إلى أرض فلسطين... وأسسوا في بريطانيا أول محفل ماسوني، جعلوا شعاره: الحرية والإخاء والمساواة.

وأصدر في لندن القرار التالي الذي يبين حقيقة أغراضهم:

1 - المحافظة على اليهودية.

2 - محاربة الأديان عامة والكاثوليكية خاصة.

3- بث روح الإلحاد والإباحية بين الشعوب.

ثم تأسست لها محافل في أمريكا وغيرها، وقد اغتر بشعارها بعض المسلمين فانضم إليها، حتى إذا ما ظهر له هدفها تبرأ منها، وخاف أكثرهم أن يُذيع أسرارها حتى لا يقتل، وتوجد شهادات لكبار الكتاب الغربيين، ونشرات رسمية يهودية وأبحاث من مختصين تبين تخطيط اليهود الواسع لإفساد العالم تحت شعارات براقة يجب أن يتنبه إليها المسلمون...

وحتى لا يفتضح أمرها أكثر، وللحرص على انتشارها بشكل أوسع؛ ظهرت الماسونية تحت عناوين مختلفة، وأنشأت فروعًا متعددة، منها: البناي برث، والكيواني، والليونز، والاكستشانج، وشهود يهوه، ومنها الاتحاد والترقي، ونادي القلم، ونادي الصلبان الزاهرة، وكذلك الروتاري".اهـ. بتصرف يسير.

بل إن الڤاتيكان نفسه قد حذر قبل ذلك من خطر هذه المنظمات وجرم الانضمام إليها والمشاركة في أنشطتها!!

فالمشاركة إذن في هذه الأنشطة تعتبر من الأمور المتوقعة من اللاهثين خلف شهواتهم، المحبين لإشاعة الفاحشة في الأرض، أو الباحثين عن السلطة أو الوجاهة أو المال، ويكون مقابل ذلك دائمًا التخلي عن الهوية الإسلامية، والسعي في نشر ذلك، بل التخلي عن أي هوية دينية مهما كانت.

لكن الذي لا يتوقع أبدًا أن يصدر هذا التصرف من رجل يتبوأ منصبًا يعتبره المصريون المنصب الرسمي الأهم على الإطلاق، ويستوي فيه معه منصب شيخ الأزهر الذي يحترمه الكثير من مسلمي العالم.

ولكن وللأسف الشديد فإن هذا الموقف لم يكن الأول، ولا يتوقع أن يكون الأخير؛ فقد اعتاد الرجلان -شيخ الأزهر د. طنطاوي، والمفتي د. جمعة- الإتيان بمواقف متميزة من هذه النوعية المخجلة تخصم الكثير والكثير من رصيدهما القليل أصلاً، والأخطر أن يكون هذا الخصم من رصيد المؤسستين الدينيتين الهامتين أو اللتين يفترض لهما أن تلعبا دورًا بالغ الأهمية في حياة واحد من أكثر الشعوب محورية في العالم الإسلامي، والذي ظل زمانًا طويلاً هو رأس الحربة الإسلامية في مواجهة الحملات الصليبية والتترية، ولكن إلى الله المشتكي.

استعصت هذه الأمة المصرية زمانا طويلاً على سيف الأعداء، وكسرته أكثر من مرة، فلم يجد العدو أفضل من التدسس الناعم على هذه الشاكلة؛ فما لم تفعله السيوف والحراب يمكن أن تفعله (تورتة) وبعض الشموع.

لا تتعجب بعد ذلك حينما تسمع فتاوى تعرف الباعث عليها وتشعر وكأنك سمعتها ألف مرة؛ تتحدث عن سماحة الإسلام وعن قبول الآخر والحوار معه، وعن الإخوة الإنسانية وعن... وعن... وعن أن منظمات "الليونز" و"الروتاري" منظمات خيرية لا تهدف إلى الربح، بل إلى صلاح الشعوب، وأن الجماعات الإسلامية على اختلاف أطيافها هي الخطر الحقيقي الذي يتهدد الأمة... الموضوع يسير إذن، فما الذي يدفع الغربيين إلى إنفاق المليارات في الحروب العسكرية طالما أن بعض الحلوى قد تحقق الغرض وبكفاءة أكبر؟!!

لم تفعل هذه المنظمات الماسونية هذا الفعل مع الدول الإسلامية فحسب، بل إنها تعمد دائمًا إلى اختيار النابهين وأصحاب التأثير والوجاهة في مختلف أنحاء العالم، وتسبغ عليهم الأموال، وتحتفي بهم بمثل هذه الطريقة؛ حتى يصبحوا أبواق دعاية مؤثرة لمخططاتهم الإلحادية والإباحية.

وربما كان أمر هذه المنظمات خافيًا على كثير من الناس في فترات سابقة، وهو ما قد يعتذر به البعض عن الشيخ "محمد عبده" مثلاً حينما تواصل مع هذه المنظمات من قبل، وسواء أعَلِم الشيخ محمد عبده أم لم يعلم هذه الحقيقة فإن الرجل إلى الآن موضوع في قفص الاتهام، بل أطلق عليه الكثيرون حكم الإعدام الفكري بسبب مثل هذه العلاقات، ولم يشفع للرجل الذي يطلق عليه محبوه لقب: "الإمام" هذا الخفاء النسبي لأمر هذه المنظمات وقتها.

وعلى عكس شيخ الأزهر الدكتور "طنطاوي" الذي دائمًا ما يتحجج بعدم درايته بـ (هذه الأمور)؛ فإن الدكتور "علي جمعة" الذي يطلق عليه أتباعه أيضًا لقب الإمام -وربما يضيفون إليه لقب العلامة- كان على علم تام بأمر هذه المنظمات!! وكيف أن مثل هذه الزيارة ستمثل وصمة عار لا تـُمحى، ومع ذلك تقحم الأمر على بصيرة؛ ثم إذا به يعجب بعد ذلك من انفضاض كثير من الناس عنه برغم الوجاهة والتلميع الإعلامي، ثم التفافهم حول مجموعة من الدعاة في المساجد وعلى الفضائيات وغيرها، حيث وجدهم الناس محلاً لثقتهم التي فقدها المفتي وأمثاله!

فالرجل قد بلغ به الاحتقان إلى درجة مهاجمة هؤلاء الدعاة، لا على منابر المساجد أو الفضائيات مثلاً؛ وإنما من على منابر الإلحاد في أندية الليونز، بل يصف هؤلاء الدعاة بأن منهم (بائع السيراميك، والبقال، وسائق الميكروباص) وهي الفئات التي لا يسمح لها بدخول مثل هذه الأندية الراقية؛ باعتبار أنهم ينتمون إلى طبقة يصدر عنها العرق النبيل مبللاً ثيابها، وبالتأكيد فإنهم لا يستطيعون دفع ثمن (تورتة) كالتي اشترتها سيدات الليونز لفضيلته.

ويبدو أن أجواء هذه الأندية تدير الرؤوس فعلاً -عافاكم الله- فلم يفـُتْ الرجل الحديث عن الفرق بين السنة والشيعة، وأن الخلاف بينهما (مجرد اختلاف في مصادر التلقي)، وكأن هذا الكشف الخطير سيغير مسار حياة الحاضرين في هذا الحفل، والذي فاته فعلاً -وعلى غير عادته- أن الأجواء السياسية الحالية تدفع باتجاه المخاصمة والمهاجمة لإيران -لا مداهنتها- والتي يمكن أن تحل محل لفظة (الشيعة) في أكثر المواضع بلا كبير فارق في لغة أهل السياسة.

ومما فاته أيضًا -وعن عمد- هو الحديث عن تسليم المسلمات المتحولات من النصرانية إلى الكنيسة مرة أخرى لتفتنهم عن دينهم، فيما يعد تحولاً خطيرًا في طبيعة الدور الذي تلعبه الكنيسة المصرية، وهو الأمر الذي ينذر بعواقب كارثية لا يعلم مداها إلى الله، ولكن ربما رأى المفتي أن مثل هذا الحديث سيعكر الأجواء الحميمية التي جمعته بأعضاء الليونز الداعين إلى السلام والمحبة وحرية الانتقال بين الأديان، والتي في حقيقتها دعوة إلى حرية في اتجاه واحد، وهو التحول عن الإسلام لا إليه.

في الحقيقة فإن منظمات الليونز اعتادت استقطاب مثل هذه الشخصيات القابلة لـ (التفاهم)، ولكنها عبر تاريخها لم يحدث أن ارتدت عمامة؛ سواء أكانت صوفية أم شيعية أم حتى سنية؛ فالقوم واضحون تمامًا، وقبعتهم غربية سوداء، ولا تروقهم أغطية الرأس الملونة، لا سيما الخضراء المميزة للصوفية.

فهل يمكن القول بأن الأزهر سيرتدي القبعة الغربية، لا سيما في الوقت الذي يترشح فيه الدكتور علي جمعة والدكتور أحمد الطيب لخلافة شيخ الأزهر د. طنطاوي، وكلاهما على استعداد تام لارتداء هذه القبعة بلا أدنى حرج؟

إن غدًا لناظره قريب، وحسبنا الله ونعم الوكيل.