الحديث عن بعض المدافعين عن منهج السلف
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الحديث عن بعض المدافعين عن منهج السلف

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    64

    افتراضي الحديث عن بعض المدافعين عن منهج السلف

    الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين إن منهج السلف الصالح في إثبات صفات الله تعالى وأسمائه على الرغم من وضوحه وعدم غموضه لم يسلم من أقلام غلاة النفاة الذين يرون أن إثبات صفات الله وأسمائه هو عين التشبيه والتجسيم. ولا يتم تنـزيه الله تعالى عما لا تليق به إلا بنفي الصفات عند بعضهم، وبنفي الصفات والأسماء معاً عند البعض الآخر، بل لم يسلم المنهج حتى من بعض الصفاتية الذين يثبتون بعض الصفات أو أكثرها ولكنهم يرون وجوب تأويل بعض الصفات الأخرى، وقد استهدف منهج السلف هؤلاء جميعُهم على اختلاف مناهجهم فنالوا من المنهج، ورموا السلفيين بالتشبيه والتجسيم، وهم بريئون عن ذلك براءة الذئب من دم ابن يعقوب. وفيما يلي نتحدث عما قام به عدد من أئمتنا من الجهود للدفاع عن منهج السلف والسلفيين. المدافعون عن منهج السلف: ابتدأت آراء الجهمية في القرن الثاني من الهجرة النبوية، ثم انتشرت في المائة الثالثة، وتولى إذاعتها والدعاية لها والكتابة فيها بشر المريسي المتوفى سنة 218هـ، ويقال: إنه فقيه ومتكلم إلا أنه اجتمعت فيه أمراض عدة ينسب إلى المرجئة أحياناً، وينسب أحياناً أخرى إلى الجهمية نسبة إلى جهم بن صفوان ويذكر الإمام ابن تيمية أن أصل الجهمية يرجع إلى عناصر دخيلة على الإسلام، لأن جهم بن صفوان المتوفى سنة 281هـ أخذ مقالته عن الجعد بن درهم، وأن الجعد أخذها عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت، وأخذها طالوت عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي، ويذكر أنه من يهود اليمن. أما الجعد بن درهم فهو من أرض حران التي كانت فيها عناصر كثيرة من الصابئة والفلاسفة، ومن ثم فإن مقالة الجهمية ترجع إلى عناصر فلسفية وصابئية ويهودية. وقد أخذ الفارابي المتوفى سنة 339هـ نفسه عن فلاسفة حران، كما أخذ جهم بن صفوان عن البوذية أو السمنية163. ولما انتشرت آراء الجهمية ومذهبها في التعطيل وإنكار الصفات وفي القول بخلق القرآن، تصدى لها الأئمة من سلف هذه الأمة بالرد وبيان ضلالها وانحرافها164. منهم من كتب في ذلك كتاباً أو كتباً، ومنهم من نقلت عنه عبارات وجمل تدل على الاستنكار، وكل ذلك يوضح لنا أن أئمة السلف لم يأل جهداً في الرد على منكري الصفات من يوم ظهورها، وسوف نقدم فكرة موجزة عن بعض هؤلاء الأئمة مع ذكر نموذج من كلامهم، وفي مقدمتهم: أ- الإمام أحمد بن حنبل، وهو الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني، وقد ترجم لهذا الإمام غير واحد من المؤرخين، وذكروا جميعاً أنه رحمه الله حملته أمه (بمرو) وولدته (ببغداد) في شهر ربيع الأول سنة 164هـ وقد كان أبوه والي بلدة (سرخس) وتوفي والده سنة 179هـ فنشأ ببغداد، وتولت أمه تربيته، وظهرت عليه لوائح النجابة في صباه. ويذكر المترجمون: أنه من شدة رغبته في أخذ علم الحديث، كان يذهب إلى المساجد مبكراً حتى إن أمه تشفق عليه وتطلب منه أن يتأخر حتى يصبح الناس وينتشر ضوء النهار165، وذكر بعض من ترجم له أن الإمام أحمد لم يقتصر في طلب العلم على علماء بلده بغداد فقط، بل إنه رحل إلى كل من الكوفة، والبصرة ومكة، والمدينة المنورة، واليمن والشام بل إنه رحل إلى بلاد فارس، وخراسان، وأخيراً عاد إلى بغداد، وتفيد المصادر أيضاً أن الإمام أحمد بدأ في الاشتغال بالحديث، وعمره ست عشرة سنة. المحنة وكان الإمام أحمد كغيره من أهل الحديث والسنة يذهب إلى أن الإيمان قول وعمل، وأنه يزيد وينقص، وأن القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود يوم يرفعه الله. وعندما قامت للمعتزلة دولة قوية بتولي الخليفة السابع من خلفاء بني العباس الخليفة (المأمون) بلغ الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة ذروته، وتلك الفتنة التي عرفت في التاريخ باسم (المحنة) كان فيها للإمام أحمد موقف معروف في تاريخ الأمة الإسلامية، إذ وقف فيها موقفاً فريداً عجز كثير من الأئمة والعلماء الثبات فيه. وملخصها ما يرويه المؤرخون والمترجمون للإمام أحمد: أن الخليفة (المأمون) قد استحوذ عليه جماعة من المعتزلة فأزاغوه عن طريق الحق، وأوقعوه في الباطل إذ زينوا له القول (بخلق القرآن)، ونفي صفات الله عز وجل، والخوض في المطالب الإلهية بعيداً عن نصوص الكتاب والسنة، بل إنه ضرب صفحاً من النصوص زاعماً بأنها لا تفيد اليقين متأثراً بفكرة المعتزلة166. قال البيهقي: "ولم يكن في خلفاء بني أمية وبني العباس خليفة إلا على مذهب السلف، ومنهاجهم، فلما تولى المأمون الخلافة اجتمع به هؤلاء المعتزلة فحملوه على نفي الصفات والقول بخلق القرآن"اهـ. وكل الذين تحدثوا عن المحنة يتفق كلامهم بأن الخليفة المأمون أتِيَ مِنْ قِبَلِ بطانة السوء، من أئمة الاعتزال، وتورط في مشكلة هزت خلافته لأنه لم يأخذ الأمر بِرَويّة وحكمة لحل المشلكة، وهي مشكلة يحلها العلماء بالمناقشة والحوار الحر، ومقارعة الدليل بالدليل، بل نصب نفسه داعية لا يرد له قول، ولا يعصى له أمر مستغلاً في ذلك سلطانه العريض. وفي عام 218هـ كتب المأمون إلى نائبه وواليه ببغداد (إسحاق بن إبراهيم بن مصعب) يأمره أن يدعو الناس إلى القول (بخلق القرآن) هكذا بهذه الجرأة ودون مقدمة أو تمهيد. ولم يسع الوالي إلا الامتثال فجمع مجموعة من أئمة الحديث، وبعض القضاة والفقهاء، فدعاهم إلى ذلك القول الخطير، فامتنعوا فأخذ يتهددهم بالضرب وقطع المرتبات بالنسبة للموظفين منهم، فأقر كثير منهم مكرهين، وأصر على الامتناع جماعة، وفي مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل الذي صمد في موقفه لم يزعزعه التعذيب، ولم تأخذ بقلبه تلك الفتنة، ولم يبال بسلطان الخليفة وما يملكة من أنواع التعذيب، ويذكر بعض من ترجم له أن الخليفة المأمون توفي (بطرسوس) قبل أن يصل إليه الإمام أحمد، وهو محمول إليه، ثم رد إلى بغداد، واستمر الامتحان أمام المعتصم ثم الواثق ثم بقي الإمام بعد موت الخلفاء الثلاث، وقد ماتت معهم المحنة، وبقي الإمام بعدهم لنشر السنة التي عذب من أجلها وليرفع صوته بنصوص الصفات من جديد، وقد أتى الله بالفرج في عهد (المتوكل) وقضى بذلك على بقية البدعة ولذلك لقبه أهل عصره (ناصر السنة وقامع البدعة) فاستحق لقب (إمام أهل السنة) وقد ساعده الخليفة المتوكل الذي أعلن برفع (المحنة) وأمر بنشر أحاديث الصفات بما في ذلك صفة الكلام، التي هي بيت القصيد في الموضوع. وبمناسبة انتشار آراء أهل البدع، صرح الإمام أحمد وأوضح موقفه من نصوص الصفات فيما يرويه ابنه عبد الله بن أحمد، ومن ذلك قوله رحمه الله: "هذه الأحاديث نرويها كما جاءت"، وقوله: "إن ما يرجع إلى عالم الغيب لا ينبغي الخوض فيه، وإنما نفوض أمره إلى الله". ومن كلامه: "من صفة المؤمن من أهل السنة والجماعة إرجاء ما غاب عنه من الأمور إلى الله"، كما جاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أهل الجنة يرون ربهم"، فيصدقها ولا يضرب لها الأمثال، ووقف الإمام من أهل الكلام موقفاً معارضاً فقال: "لا تجالسوا أهل الكلام وإن ذَبّوا عن السنة"، وقال أحمد: "صفة المؤمن من أهل السنة والجماعة: من شهد لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأقر بجميع ما جاءت به الأنبياء والرسل. وعقد قلبه على ما ظهر من لسانه ولم يشك في إيمانه ولم يكفر أحداً من أهل التوحيد بذنب. وأرجأ من غاب عنه من الأمور إلى الله. وفوض أمره إلى الله"... الخ. وقد عدد الإمام صفات كثيرة يرى أنها من صفات أهل السنة والجماعة لئلا يلتبس الأمر على من يريد معرفتهم ويميز بينهم وبين أهل البدع الذين يتصفون عادة بأضداد هذه الصفات. وإذا ما تحدثنا عن المحنة وصبر الإمام أحمد فيها يَجْدُرُ بنا أن نذكر نموذجاً من أسئلة الامتحان ليتصور القارئ صورة المحنة ولو بعض التصور، والي بغداد يسأل والإمام أحمد يجيب: إسحاق: ما تقول في القرآن؟ الإمام أحمد: هو كلام الله. إسحاق: أمخلوق هو؟ الإمام أحمد: هو كلام الله لا أزيد على هذا. إسحاق: ما معنى أنه تعالى سميع بصير؟ الإمام أحمد: هو كما وصف نفسه. هذه بعض الأسئلة التي يوجهها إسحاق بن إبراهيم بن مصعب والي بغداد الذي كلف من طرف المأمون بامتحان العلماء وشيوخ الحديث والسنة، وقد ثبت الإمام أحمد أمامها ونجح في الامتحان نجاحاً نال به أعلى (وسام) يناله عالم سلفي وهو (وسام الإمامة) إذ لقبه أهل عصره العارفون بموقفه لمعرفتهم كيف أبقى الله بع على العقيدة بصبره وثباته (بإمام أهل السنة وقامع البدعة). هكذا نوجز ترجمة هذا الإمام اقتصاراً على ما يتلاءم وبحثنا، رحمه الله وجزاه عن السنة وأهلها خير الجزاء. وقد خلف الإمام أحمد للمكتبة الإسلامية كتباً ورسائل كثيرة ونافعة، ومن أبرزها (مسند الإمام) المعروف، الذي تغني شهرته عن التعريف وله كتابه الفريد الذي كتبه رداً على الزنادقة والجهمية إذ يعتبر من أهم ما كتب في مجاله، وقد ناقش فيه الإمام المشككين في القرآن الذين يتأولونه على خلاف ظاهره، وقد دافع الإمام في هذا الكتاب عن المنهج السلفي خير دفاع، فجزاه الله خير ما جازى به المجاهدين. مواقف الإمام وبعد أن استعرضنا نبذة من حياة الإمام أحمد واستعرضنا أيضاً طرفاً من المحنة، وما جرى بينه وبين خصومه في مشكلة خلق القرآن، فلنسمع صوت الإمام وهو في حوار (حيّ) مع الجهمية حيث يدافع عما يعتقده السلف في صفات الله، فلنأخذ مقتطفات من كلامه في مبحث الرؤية، وصفة العلو، والمعية فتعال بنا لنحضر الحوار ثم لنستمع إليه بقلب حاضر وكأنك تسمع الصورة الصوتية للإمام وهو يناقش بأسلوبه الخاص ولغته القوية. وقد بوب الإمام لكل موضوع يجري فيه الحوار إذ يقول مثلاً: بيان ما جحدت الجهمية من قول الله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}167، قال الإمام أحمد رحمه الله: فقلنا لهم: لم أنكرتم أن أهل الجنة ينظرون إلى ربهم؟! فقالوا: لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ربه لأن المنظور إليه معلوم موصوف. لا يرى إلا شيء يفعله. فقلنا: أليس الله يقول: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}، قالوا: إن معنى {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}168، أنها تنظر169 الثواب من ربها وإنما ينظرون إلى فعله وقدرته، وتلوا آية من القرآن: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ}170، فقالوا: إنه حيث قال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ}، إنهم لم يروا ربهم، ولكن المعنى ألم ترَ إلى فعل ربك، فقلنا: إن فعل الله لم يزل العباد يرونه، وإنما قال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}، فقالوا: إنما تنظر الثواب من ربها، فقلنا: إنها مع من تنظر الثواب هي ترى ربها. فقالوا: إن الله لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، وتلوا آية من المتشابه من قوله الله جل ثناؤه: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ}171، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف معنى قول الله: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}، وقال: "إنكم سترون ربكم"172، وقال الله لموسى: {لَن تَرَانِي}، ولم يقل: لأن أرى، فأيهما أولى أن نتبع النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: "إنكم سترون ربكم" أو قول الجهمي حين قال: لا ترون ربكم؟! والأحاديث بأيدي أهل العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الجنة يرون ربهم لا يختلف فيها أهل العلم. وبعد: إنّ القارئ يدرك أن الإمام يشير إلى أن الإدراك المنفي في قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}، أمر زائد على الرؤية وهذا المعنى في غاية الوضوح، لأن العباد عندما يرون ربهم لا يدركونه أو لا يحيطون به، كما أنهم يعلمون ربهم ويؤمنون به، ولا يحيطون به علماً ومعرفة، وقد يتصور هذا المعنى حتى في مخلوق من مخلوقات الله تعالى. فمثلاً إنك ترى الشمس دون شك، وهي في ضحى النهار ولكن لا تحيط بها إحاطة من كل وجه، وهي خلق من خلق الله تعالى ولله المثل الأعلى، فلا غرابة في إثبات الرؤية من مجموع الآيات والأحاديث مع نفي الإدراك، كما نفت آية سورة الأنعام {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}. والله أعلم. فلنعد إلى سماع الحوار مرة أخرى في الموضوع نفسه، حيث يقول الإمام أحمد رحمه الله: وحديث سفيان بن عيينة عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد في قوله الله: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}173. قال: النظر إلى وجه الله: ومن حديث ثابت البناني عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال: إذا استقر أهل الجنة في الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة! إنّ الله قد أذن لكم في الزيادة، قال: فيكشف الحجاب فينظرون إلى الله لا إله إلا هو. ثم قال الإمام: وإنا لنرجو أن يكون الجهم وشيعته ممن لا ينظرون إلى ربهم ويحجبون عن الله، لأن الله قال للكفار: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ }174، فإذا كان الكافر يحجب عن الله، والمؤمن يحجب عن الله، فما فضل المؤمن على الكافر؟ والحمد لله الذي لم يجعلنا مثل جهم وشيعته، وجعلنا ممن اتبع ولم يجعلنا ممن ابتدع والحمد لله وحده175. هكذا رأينا كيف كان الإمام أحمد يدافع عن منهج أهل السنة والجماعة، في هذا الباب الخطير الذي ضل فيه كثير من المتأخرين ممن وقعوا فريسة لآراء أهل الكلام من الجهمية وشيعتهم، ولعل القارئ أدرك من طريق الحوار أن شيوخ الحديث وأئمة السنة يجيدون طريقة الاستدلال بالنصوص بأسلوب استنباطي ومنطقي دقيق. وليس الأمر كما يزعم خصومهم من أنهم (نَصِيّون) يحفظون النصوص، وليسوا بعقليين، أي لا يعمدون إلى ذكر الأدلة العقلية، بل لا يزيدون على سرد النصوص فقط. ولو سايرنا الإمام إلى آخر حواره الطويل، لرأينا كيف يضرب الأمثال التي تقرب المعاني إلى الأذهان، وتعين على الفهم. فلنسمع مثلاً إلى هذا النموذج من كلام الإمام وهو يفسر قوله تعالى: {وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ}176، يقول الإمام رحمه الله: وإنما معنى قوله: {وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} يقول: وهو إله من في السموات وإله من في الأرض وهو على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، ولا يخلو من علم الله مكان. ولا يكون علم الله في مكان دون مكان. وذلك قوله تعالى: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}177. ثم قال الإمام رحمه الله: ومن الاعتبار178 في ذلك لو أن رجلاً كان في يده قدح من (قوارير) صاف وفيه شراب صاف، كان يصير ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح، فالله - وله المثل الأعلى- قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شيء من خلقه، ثم قال خصلة179 أخرى: لو أن رجلاً بنى داراً بجميع مرافقها، ثم أغلق بابها وهو خارج كان بن آدم لا يخفى عليه كم بيتاً في داره، وكم سعة كل بيت من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار، فالله - وله المثل الأعلى- قد أحاط بجميع ما خلق وعلم كيف هو، وما هو من غير أن يكون في شيء مما خلق180. هكذا يحلل الإمام معنى الآية ليقربه إلى أفهام القراء، وهكذا يفهم أئمة الحديث معاني النصوص مع القدرة على البيان الشافي والدقة في ضرب الأمثلة، ولله الحمد والمنة. بمثل هذا المثال وهذا التحليل نضرب في وجوه أرباب الكلام والمتفلسفة الذين يزعمون أن أئمة الحديث والسنة بمثابة الأميين الذين يرددون النصوص ولا يفقهون لها معنى. ولقد أثبت الأمام بهذا الحوار المؤيد بالأمثلة أن الله تعالى فوق عرشه بائن من خلقه، وهو معهم بعلمه وسيأتي لهاتين الصفتين مزيد بحث إن شاء الله عند الكلام على معاني الصفات في الأبواب اللاحقة. ب- أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري بن إبراهيم الجعفي ولد - الإمام البخاري- كما يحدثنا المترجمون في بلدة (بخارى) من بلاد ما وراء النهر، قرب (سمرقند)، وهذه المناطق تقع حالياً تحت سيطرة الاتحاد السوفيتي، والله المستعان. ويذكر المترجمون له أن الإمام ولد في 13 من شهر شوال لعام 194هـ من أسرة جمع الله لها بين الصلاح والتقى والثراء والعلم، وتوفي والده وهو لا يزال طفلاً وتولت أمه تربيته (وحَدبتْ) عليه ورعته خير رعاية، وقد حجت به أمه وهو صغير ثم تركته بمكة فرجعت إلى بخارى، فبقي الطفل بجوار بيت الله الحرام، ليطلب العلم ويجالس شيوخ الحديث والعلم، في الحرم الشريف، فأخذ العلم على أيدي شيوخ مشهورين في بلده وغير بلده، ويحدثنا الإمام نفسه أنه حفظ كتب ابن المبارك وكتب وكيع وهو ابن ست عشرة سنة181، ومن أشهر شيوخه إمام أهل السنة والجماعة وقامع البدعة الإمام أحمد بن حنبل كما يحدثنا الإمام البخاري أنه لقي أكثر من ألف رجل من أهل الحجاز والعراق والشام ومصر، وخراسان، وأخبرنا أنهم ما كانوا يختلفون في أن الدين أو الإيمان قول وعمل، وأن القرآن كلام الله، وقد زار الإمام البخاري بلداناً كثيرة في طلب العلم، وتردد إلى بعض البلدان أن من مرة منها بغداد حيث يوجد شيخه الكبير الإمام أحمد بن حنبل. أما مكة فقد أقام بها ستة أعوام، وحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح182. وخرج كتابه (الجامع الصحيح)، من نحو ستمائة ألف حديث. وصنفه في ستة عشر عاماً، وهو أصح كتاب بعد كتاب الله عند أهل العلم والمعرفة183. وللإمام البخاري كتاب مستقل ناقش فيه الجهمية في صفة الكلام والاستواء خاصة، وفي بقية الصفات عامة، وأورد فيه كلام أهل العلم من شيوخه وغيرهم. موقف الإمام البخاري من الجهمية في صفة الاستواء والعلو يحكي البخاري عن عبد الله بن المبارك، وهو أحد مشايخه الكبار حيث يقول ابن المبارك: لا نقول كما قالت الجهمية: إنه في الأرض هاهنا، بل على العرش استوى، وقيل له: كيف تعرف ربك؟ قال: فوق سماواته على عرشه، وقال لرجل منهم: أتظنه خالياً منه؟ فبهت الآخر. وقال من قال: (لا إله إلا هو) مخلوق، فهو كافر، وإنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية184. وقد ألف البخاري كتاباً سماه (خلق أفعال العباد) تحدث فيه عن القرآن الكريم، ورد فيه ما زعمت المعتزلة من أن القرآن مخلوق بأسلوب يشبه جداً أسلوب شيخه الإمام أحمد بن حنبل رحمهم الله في رده على الزنادقة والجهمية. وقد قال البخاري في هذا الكتاب: "نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس فما رأيت أضل في كفرهم منهم، وأني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم"185. يقال إنه قد نسب إلى الإمام البخاري أنه كان يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، ولما سئل عن ذلك أجاب بقوله: القرآن كلام الله غير مخلوق وأفعال العباد مخلوقة. والامتحان بدعة186، وكان رحمه الله يكره التعمق والتنقيب عن النقاط الغامضة في هذه المسألة وغيرها من المسائل التي تتعلق بالأسماء والصفات وأفعال العباد، بل يرى الاكتفاء بظاهر النصوص بعد فهمها على حد فهم السلف الصالح رحمهم الله، ومن أطلع على ما حققه في صحيحه في كتاب التوحيد وكتاب الدعوات وغيره في مسائل هذا الباب يدرك أنه من الأئمة المدافعين عن منهج السلف الصالح الذي يجهله كثير من المتأخرين مع ثنائهم العاطر على السلف الصالح، يعرفونهم ويجهلون منهجهم، إنه تناقض غريب، (والله المستعان). قال سعيد بن عامر187: "الجهمية أشر قولاً من اليهود والنصارى، وقد أجمعت اليهود والنصارى وأهل الأديان على أن الله تبارك وتعالى على العرش، وقالوا هم: ليس على العرش شيء". جـ- الإمام عثمان بن سعيد الدارمي: وهو ذلك الأديب الفقيه والمحدث المعروف، وقد أخذ الحديث عن أئمة كالجبال في علوم الحديث مثل يحيى بن معين، وعلي بن المديني وأمثالهما. ويقول بعض من ترجم له إنه أخذ من شيوخ لا يعدون كثرة، وقد توفي هذا الإمام الفذ في بابه في سنة 280هـ ودفن ببلدة (هراة)188، وقد ألف الإمام الدارمي كتاباً في الرد على الجهمية وصفه بعض أهل العلم بأنه من أقوى ما كتب في هذا الباب أسلوباً ومن أمتنها حجة. ويكفي فخراً لهذا الإمام، أن الإمام ابن تيمية كان يوصي بقراءة كتابين من كتبه وهما: 1- كتاب الرد على الجهمية. 2- كتاب النقض على بشر المريسي. ويصفهما بأنهما من أجل الكتب المصنفة في السنة، وأنفعها لكل طالب سنة، مراده الوقوف على ما كان عليه الصحابة والتابعون. كما أثنى عليهما الإمام ابن القيم بمثل ثناء شيخه ابن تيمية، وفي الكتابين المذكورين تقرير التوحيد والأسماء والصفات بالعقل والنقل ما ليس في غيرهما189. أما الكتاب الآخر فقد ألفه ليرد فيه على بعض أتباع بشر المريسي الذي كتب الرد على الإمام الدارمي في كتابه (الرد على الجهمية)، ثم رد الإمام بهذا الكتاب على شيخهم ورئيسهم بشر المريسي، وناقش فيه المريسي لا صاحب الكتاب لأن صاحب الكتاب كان يورد كلام المريسي وحججه ويستدل بها لأنه عمدته في الرد الذي كتبه. هكذا ذكروا، قال الإمام الدارمي في مطلع كتابه الذي رد فيه على المريسي: أما بعد، فقد عارض مذهبنا في الإنكار على الجهمية من بين ظهرانيهم معارض، وانتدب لنا منهم مناقض ينقض ما روينا فيهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتفاسير المضل المريسي الجهمي... الخ190اهـ. وقد ناقش الإمام الدارمي في هذا الكتاب المريسي خاصة وأهل الاعتزال عامة مناقشة حادة ومفحمة في تأويلاتهم وتلاعبهم بالنصوص. فعقد باباً في أسماء الله وأوضح أنها غير مخلوقة كما عقد باباً خاصاً في صفة النـزول، فأجاد فيه وأفاد، وباباً آخر في مبحث السمع والبصر، وإثبات الرؤية في الدار الآخرة، وهو: معتقد أئمة السلف قاطبة، وقد أكثر من التبويب للصفات الخبرية وغيرها إمعاناً منه في الرد على المريسية والجهمية في تأويلاتهم. وقد كان منهجه في عرض الصفات وسوقها منهجاً سلفياً واضحاً، إذ يفصل في الإثبات مع الإجمال في النفي على طريقة القرآن الكريم، فمثلاً يقول: "يتكلم، ويرضى، ويسخط، ويغضب، ويحب، ويبغض، ويكره، ويضحك، ويأمر، وينهى، ذو الوجه الكريم، والسمع السميع، والبصر البصير، والكلام المبين، واليدين... الخ. ثم قال: - بعد أن ساق مجموعة من الصفات على النمط الذي ذكرنا-: "فبهذا الرب نؤمن، وإياه نعبد، وله نصلي ونسجد، فمن قصد بعبادته إلى إله بخلاف هذه الصفات فإنما يعبد غير الله، وليس معبوده بإله. (كفرانه لا غفرانه)191 ا.هـ وقال الإمام الدارمي في كتابه الذي رد فيه على الجهمية: (باب الإيمان بالعرش): وهو أحد ما أنكرته المعطلة، ثم قال: قال أبو سعيد: "وما ظننا أن نضطر إلى الاحتجاج على أحد ممن يدعي الإسلام في إثبات العرش والإيمان به، حتى ابتلينا بهذه العصابة الملحدة في آيات الله، فشغلونا بالاحتجاج لما لم تختلف فيه الأمم قبلنا. وإلى الله نشكو ما أوهت هذه العصابة من عرى الإسلام، وإليه نلجأ وبه نستعين192اهـ. هكذا ناقش الدارمي الجهمية بحرارة وبلهجة يظهر عليها التأثر الشديد من ذلك الإلحاد الذي فاجأه من حيث لا يتوقع. والمريسية التي ناقشها الإمام الدارمي ورد شبهها من أشد الطوائف الاعتزال تطرفاً، كما لا يخفى على كل مطلع على طوائف أهل الكلام. ولذا لا ينبغي أن يستغرب أن يناقشهم الإمام الدارمي بتلك الشدة وبهذه اللهجة القوية، لأن موقف القوم وتصرفاتهم مثير دون شك، رحم الله ذلك الإمام الغيور وأمثاله من الأئمة المدافعين عن منهج السلف الذين خلدوا بجهادهم ودفاعهم المنهج، ليبقى ما بقيت الحياة. ومما يمتاز به المنهج السلفي، أن الذين ينهجونه لا يختلفون إلا في الأسلوب والتعبير على اختلاف أزمنتهم ومشاكلهم. وذلك راجع لوحدة المصدر لدعوتهم، وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة الموضحة لمعاني النصوص إذ هم الذين حضروا نزول الوحي وفهموا النصوص فور نزولها، قبل أن يطول عليها العهد، ولذلك يحرص اللاحقون من السلف أن يقتدوا بالسابقين كما تقدم عند الحديث عن منهج السلف في إثبات الصفات. وقد رد الدارمي في كتابه (الرد على الجهمية) على دعاة الضلال من المعطلة وعلى المغرضين من ذوي الديانات الأخرى، وله جهاد معروف ودفاع مشكور أجزل الله له المثوبة على جهاده. د- شيخ الإسلام ابن تيمية: هو الإمام المجتهد السلفي المحدث المفسر البارع، وقد ترجم له غير واحد من العلماء، فذكروا أنه ولد ببلدة (حران)، ثم حمل إلى دمشق، وهو ابن سبع سنين فنشأ بها، وكانت ولادته في ربيع الأول سنة 661هـ193. ومما ذكروا في ترجمته أنه كان شديد العناية بالحديث، وقد دار على الشيوخ ونسخ الأجزاء وخرّج، وانتقى وبرع في الرجال، وعلل الحديث، وفقهه، وفي جميع علوم الإسلام. واطلع على الفلسفة، والمنطق فبرع فيهما وأخذ ينقض المنطق بشدة، ويرد على الفلاسفة بأسلوبهم وقواعدهم، ولقد كان شديد الاهتمام بشئون المسلمين العامة، فجاهد في الله بسيفه، وقلمه وبذل للمسلمين النصح والإرشاد. وقد حدث الإمام ابن تيمية في المسجد الأموي بدمشق كثيراً، وله فيه (كرسي) خاص يحدث عليه، وليس من عادته أن يعظ الناس من على المنبر أو يخطب خطبة الجمعة، وإنما كان المعروف عنه التدريس والتأليف والإجابة على الأسئلة والحوار العلمي. وقد حدث بدمشق وفي مصر وكان معروفاً بالشجاعة والإقدام أيام حروب التتار. بل هو من المجاهدين المعدودين الذين جمعوا بين علوم عصرهم، وكان كثير النصح للولاة والسلاطين، بل كان يحثهم على الجهاد والدفاع عن العقيدة الإسلامية. ولما برز ابن تيمية في جميع الميادين، وأكثر من الدعوة إلى تصحيح العقيدة وإصلاح الأحكام، ومحاربة البدع وأنواع الشرك المنتشرة بين عوام المسلمين، ونقد علم الكلام وبين عواره وكشف عن شطحات المتصوفة، وإلحاد وحدة الوجود، ودعا إلى التحاكم إلى الكتاب والسنة، وتعظيم هدي الرسول، وألا يقدم قول أحد على سنته، وكان يدعو إلى عدم التقيد بمذهب معين، بل على المسلم أن يدور مع الحق حيث دار. كان يدعو إلى الإسلام بهذا الأسلوب الذي لم يكن شائعاً في بيئته، وعلى ذلك المنهج العام الذي عليه عامة الناس، دون أن يختار مجلاً لدعوته دون مجال. ولما فعل ذلك قامت قيامة المتكلمة والمتصوفة والمتفلسفة. وانضم إليهم بعض المتعصبين من المتفقه الذي هزت هذه الدعوة السلفية شعبيتهم الواسعة، فخافوا على مناصبهم ومراكزهم، وقد امتحن الشيخ بسبب دعوته الصريحة والقوية، فأوذي حتى سجن بقلعة القاهرة والإسكندرية وقلعة دمشق مرتين، وأخيراً توفي بها في 20 من شهر ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة (728هـ). ولقد كان ابن تيمية شديداً في نقض الفلاسفة، وقد بدد أوهامهم وأثبت لهم عدم صلاحية أدلتهم في المطالب الإلهية، فكان يقول رحمه الله: "العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيلي يستوي فيه الأصل، والفرع. ولا بقياس شمولي تستوي فيه أفراده. فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء، فلا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها، ولهذا لما سلك طوائف من المتفلسفة، والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب الإلهية لم يصلوا بها إلى اليقين، بل تناقضت أدلتهم بل أوضح ابن تيمية في مناسبات عديدة في كثير من كتبه أن آراء الفلاسفة أمشاج من الإلحاد والكفر والزندقة، وقد خاف من خطرها على الدين والفكر، فركز عليها في جهاده ودفاعه، ولقد كان عصره عصراً مائجاً بالآراء المتباينة، والمذاهب المتضاربة، والعقائد المتنابذة التي أشرنا إليها سابقاً. 1- من فلاسفة يخضعون لأرسطو وأفلاطون، ويقولون بقدم العالم. 2- من متصوفة متأثرة بالفلاسفة أو هم أبناؤهم بل هُمْ هُمْ. وقد تطول غلاتهم في الحلول المطلق. وكان هذا من الميادين التي ركز عليها شيخ الإسلام في جهاده. 3- ومن جهمية جريئة يعطلون صفات الله الثابتة بالكتاب والسنة، غير مبالين بالنصوص، وهم من ألد أعداء شيخ الإسلام، وإليهم وجه جلّ اهتمامه. 4- الأشاعرة الذين كانوا يزعمون التوفيق بين المعتزلة، وبين منهج السلف، ولكنهم لم يفلحوا إذ ليس من الممكن التوفيق بين الحق والباطل، بل الواجب الانتصار للحق وإزهاق الباطل.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    64

    افتراضي الحديث عن بعض المدافعين عن منهج السلف (تابع)

    الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين 5- كما يوجد في عصره باطنيون غامضون يتلوّنون بألوان مختلفة، ويتقمصون لكل جماعة قميصاً يناسب ميولهم ويرضيهم، ويتشكلون طوائف متعددة إلا أنهم يجمعهم غرض واحد، وهو محاولة القضاء على الإسلام لو استطاعوا. وبهذه المناسبة نذكر تعريف القياس ووجه منع استعماله في المطالب الإلهية، مع بيان النوع الجائز استعماله، وهو القياس الأولي. تعريف القياس القياس في اللغة التقدير. يقال: قست الثوب بالذراع إذا قدرته. وأما في الاصطلاح فهو حمل فرع على أصل في حكم بينهما. هذا واحد من تعريفاته، وله أركان أربعة، كما يظهر في التعريف: 1- أصل 2- فرع 3- علة 4- حكم. وله أقسام كثيرة، ومن أقسامه: قياس التمثيل، وقياس الشمول: فالأول: هو إثبات حكم جزئي معين لجزئي آخر لمشابهة بينهما. كقولهم: النبيذ حرام كالخمر لجامع بينهما، وهو الإسكار. وأما الثاني: وهو قياس الشمول فيمكن أن يقال في تعريفه: إنه إثبات حكم كلي لكلي آخر، لما بينهما من المشابهة. كقولهم: كل إنسان حيوان، وكل حيوان جسم، فكل إنسان جسم. وإذا أردنا معرفة سبب إنكار علماء السلف، - وفي مقدمتهم شيخ الإسلام ابن تيمية - استعمال هذه الأقيسة في المطالب الإلهية ترجع إلى تعريف القياس عامة وإلى تعريف التمثيل والشمول خاصة، لنستعرض أركان القياس في جميع تلك الأقيسة، فتكون النتيجة أن الأقيسة كلها تشتمل على فرع يلحق بالأصل، وعلى المشابهة بين الملحق وبين الملحق به، وهي العلة التي لا يتم القياس المنطقي إلا بها. فكل هذه الإجراءات غير جائزة في حق الله تعالى لأنه تعالى ينـزه أن يكون أصلاً في حكم حتى يلحق به غيره، كما ينـزه أن يكون فرعاً لغيره يشترك معه في العلة إذ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، وإنما يستعمل في حقه تعالى القياس الأولي وحقيقته: أن كل كمال ثبت وليس فيه نقص بوجه من الوجوه فالله أولى به، لأن معطي الكمال أولى به مع التفاوت بين تلك الكمالات، والله أعلم. وبعد: فهؤلاء وأشباههم هم الذين خاصمهم الإمام ابن تيمية، ولكنه كان كريماً في خصومتهم وعادلاً في الحكم عليهم، إذ ليس لديه هدف في خصومته ودفاعه إلا النصرة للعقيدة الإسلامية المستهدفة من جميع تلك الطوائف، وهو خبير بهم، وفاهمٌ لمذهبهم فهما دقيقاً194. هكذا كان يعيش الإمام ابن تيمية في ذلك العصر المائج بتلك الآراء مجاهداً ناصحاً ومدافعاً مع التجلد والصبر، ولقد رمته تلك الطوائف من قوس واحد، ونصبوا له العداء، وحبكوا حبال السعاية لدى السلاطين، ولهذا العداء الجماعي نتائجه الطبيعية من سجن وامتحان وأنواع من الإيذاء. ولعل الفرية البطوطية من أهم نتائج ذلك العداء، ولقد أخِذَتْ الفرية قضية مسلمة في مختلف العصور يروونها ويتوارثونها، هي مروية في رحلة ابن بطوطة المعروفة، وممن تورط في حكايتها ونشرها أصحاب (دائرة المعارف الإسلامية) التي ترجمت إلى العربية في مصر وملخصها قول ابن بطوطة عن شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكنت إذ ذاك بدمشق، فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: إن الله ينـزل إلى سماء الدنيا كنـزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر"، والذي يثبت أن الرواية مجرد فرية، لأن ابن تيمية كان في السجن في ذلك الوقت الذي زعم ابن بطوطة أنه سمعه وهو يعظ الناس. يقول الشيخ محمد بهجة البيطار: إن ابن بطوطة لم يسمع من ابن تيمية، ولم يجتمع به، إذ كان وصوله إلى دمشق يوم الخميس التاسع عشر من شهر رمضان المبارك عام 726هـ، وكان سجن شيخ الإسلام في قلعة دمشق أوائل شهر شعبان في ذلك العام، ولبث فيه إلى أن توفاه الله تعالى ليلة الاثنين والعشرين من ذي القعدة عام ثمان وعشرين وسبعمائة (728هـ) فكيف رآه ابن بطوطة على منبر الجامع، وسمعه يقول بالنـزول... الخ195اهـ. هؤلاء الأئمة الأربعة: الإمام أحمد، والإمام البخاري، والإمام الدارمي، والإمام بن تيمية، ثم الإمام ابن عبد الوهاب الذي ستأتي ترجمته، هم الذين وقع اختيارنا عليهم من بين العلماء المدافعين عن المنهج السلفي في عصور مختلفة. ولو راجعنا تراجم كبار الأئمة كأبي حنيفة وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، والإمام مالك، والليث بن سعد، والأوزاعي، والثوري، وابن عيينة، والشافعي، والحمادين، وابن الماجشون، لوجدناهم يعبرون عن استيائهم واستنكارهم لموقف علماء الكلام من نصوص الصفات، وعدم اعتبارها أصلاً في المطالب الإلهية، فمثلاً نسمع الإمام أبا حنيفة فيما يروى عنه روايته أبو مطيع: عمن قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض قال: لقد كفر، لأن الله يقول: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}196، وعرشه فوق سبع سمواته، قال أبو مطيع: قلت: فإن قال إنه على العرش استوى، ولكنه يقول: لا يدري العرش في السماء أم في الأرض، قال الإمام: وهو كافر لأنه أنكر أن يكون في السماء، لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل197. وقال كل من الإمام الزهري ومكحول والأوزاعي ومالك والثوري والليث بن سعد قالوا عن الأخبار التي جاءت في الصفات: أمروها كما جاءت، وفي رواية قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، وقد حكى الأوزاعي إجماع علماء التابعين على ذلك198. إذ حكى ذلك عندما ظهر مذهب جهم بن صفوان الذي ينكر كون الله فوق عرشه، وينفي جميع صفاته تعالى، حكى الأوزاعي ذلك ليعرف الناس أن مذهب السلف كان يخالف ما يدعو إليه جهم وأتباعه، وهذا محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة يقول: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق والمغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تفسير ولا وصف وتشبيه، إلى أن قال: فمن قال بقول جهم، فقد فارق الجماعة، لأنه قد وصفه بصفة (لاشيء) وما حكاه الإمام الأوزاعي من إجماع التابعين المبني على إجماع الصحابة المستند إلى الكتاب والسنة، ثم ما حكاه محمد بن الحسن من إجماع علماء المشرق والمغرب على موقفهم من نصوص الصفات، كل ذلك يغنينا عن نقل أقوال الأئمة قولاً قولاً. لذا نرى الاكتفاء بما ذكرنا من أقوال أكثرهم. من مراجعة كل ما تقدم نستطيع أن نستخلص معالم منهج ابن تيمية في الآتي: 1- إثبات الاتفاق بين الدليل العقلي والدليل النقلي، وهو ما ينوه به ويدعو إليه في أكثر كتبه ورسائله في الغالب الكثير. 2- رفض التأويل والمصطلحات الكلامية والفلسفية - ومحاولة إخضاعها للمعاني التي جاء بها الكتاب والسنة. ويدعو شيخ الإسلام دائماً إلى التعبير عن حقائق الإيمان بعبارات إسلامية بدلاً من تلك الألفاظ الأجنبية المحدثة، والتي فيها إجمال واشتباه محير. 3- نقض المنطق وهدمه واستبعاده، مستخدماً في ذلك كله أسلوبهم الخاص ليخاطبهم بما يعقلون. وأما من حيث الاتفاق بين الدليلين العقلي والنقلي فيرى شيخ الإسلام أن الاختلاف بين الدليلين راجع لأحد أمرين: 1- ضعف الدليلين معاً. 2- ضعف أحدهما. وأما إذا كان كل منهما صحيحاً وصريحاً فلا يجوز اختلافهما199. وهذا هو منهج أولئك الأئمة من قبله كالإمام أحمد إمام الأئمة، والإمام البخاري إمام الحديث، والإمام الدارمي المجاهد الكبير وغيرهم، وهؤلاء وغيرهم ممن سار هذا المسار قديماً وحديثاً تجدهم لا يختلفون في أصل المنهج على اختلاف عصورهم وأحوالهم وظروفهم، وإن اختلفوا في التعبير والأسلوب والشدة واللين كما تقدم200، وهو الذي نهجه من بعدهم الإمام محمد بن عبد الوهاب، كما سنراه عند ترجمته وعند الاطلاع على رسائله التي كان يبعث بها للدعوة إلى هذا المنهج. ويمتاز ابن تيمية بكثرة الجبهات التي يجابهها وحده مما جعله يتسلح بنوع أسلحتهم حتى يتمكن من الدفاع عن المنهج السلفي بلغتهم وبنوع أسلحتهم، كما حمله والذين جاءوا من بعده على الخوض في غوامض علم الكلام وفلسفة الفلاسفة مضطرين. إذا لم يكن إلا الأسنة مركب فما حيلة المضطر إلا ركوبُها ولكن الدارس لمنهجهم يدرك أن منهجهم يتسم بالارتباط التام بالكتاب والسنة. وإنما خاضوا ذلك النوع من الخوض ليفسروا - بلغة القوم - ما غمض على المتكلمين. من معاني الصفات مع المحافظة على أصل المنهج السلفي الجامع بينهم وبين من سبقهم من أئمة السلف الأولين. هـ- الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب التميمي رحمه الله: ولادته... نشأته. طلبه للعمل. ورحلاته. اشتغاله بالدعوة أثناء طلبه للعلم. عودته إلى بلده، وملازمته لوالده للازدياد من العلم. عكوفه على كتب ابن تيمية وابن القيم، وتأثره بهما، استمرار دعوته بعده. آثارها في العالم المعاصر، محلياً وخارجياً. أما ولادته: فقد ولد ابن عبد الوهاب في بلدة (العيينة) سنة 1115هـ، الموافق 1703م. أما نشأته فقد نشأ في حجر والده عبد الوهاب، وهو أحد أعيان علماء البلد والقاضي فيه، وعرف في صغره برجاحة العقل وحصافته، وقوة الذاكرة، فحفظ القرآن الكريم قبل عشر سنين، وبلغ الاحتلام قبل تمام الثانية عشرة من عمره وذكر بعض من ترجم له: أن والده عبد الوهاب قال: رأيته أهلاً للصلاة بالناس فقدمته في هذا السن، وزوجه في ذلك العام201. وأما طلبه للعلم: فقد طلب العلم على والده حيث قرأ عليه بعض الكتب في الفقه الحنبلي، وشيئاً من التفسير والحديث، ثم رحل رحلة طويلة في طلب العلم، حيث سافر إلى مكة، فحج البيت في أوله رحلته للعلم، ثم سافر إلى المدينة بعد الحج فزار مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فأقام بها ليطلب العلم على علمائها وكان بالمدينة آنذاك من العلماء الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف آل سيف، وهو في الأصل من أهل نجد، بل قالوا: إنه من أعيان بلد (المجمعة) فلازمه الشيخ محمد بن عبد الوهاب فتفقه على يده فرأى فيه ابن سيف النبل والذكاء فتفرس فيه الخير، فأحبه واعتنى به كثيراً وبذل جهده في تعليمه، وكان الشيخ ابن سيف يرى الطالب الشاب يتألم مما يراه من تعلق الناس بقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وغلوهم فيه عند الزيارة والسلام عليه، إذ يدعونه عليه الصلاة والسلام من دون الله. كما أدرك الشيخ منه تألمه الشديد مما عليه أهل نجد من عقائد باطلة، وعادات جاهلية، فازداد الشيخ ابن سيف في حبه وتقديره والحفاوة به، إذ ربطت بينهما رابطة العقيدة، فقدمه الشيخ لبعض العلماء بالمدينة كالشيخ محمد حياة السندي، وعرفه به، وبما يكنه الشيخ محمد بن عبد الوهاب من عقيدة صافية، وبما تجيش به نفسه في كراهة الجاهلية الشائعة في كل مكان من أنواع البدع والشرك بنوعيه. تروي بعض المصادر أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب تضايق ذات يوم مما يسمعه من الاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وسلم فكاد ينفجر غيظه، فقال للشيخ محمد حياة السندي: ما تقول يا شيخ في هؤلاء؟ فأجابه الشيخ على الفور: {إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}202. ودرس الشيخ مدة إقامته بالمدينة على غير واحد من العلماء منهم الشيخ علي أفندي الداغستاني، والشيخ إسماعيل العجلوني، والشيخ عبد اللطيف العقالقي الإحسائي وغيرهم، وعند عزمه على السفر أخذ إجازة علمية من شيخه عبد الله آل سيف وغيره من الذين حضر عليهم، فأجازوه في صحيح البخاري، ومسند الإمام الشافعي والسنن الأربعة، وغيرها من كتب الحديث. فغادر الشيخ المدينة إلى نجد ثم البصرة ثم الشام، فأقام بالبصرة مدة من الزمن، فحضر على جماعة من علماء البصرة، وفي مقدمتهم الشيخ محمد المجموعي واستفاد من هذا الشيخ كثيراً في فروع اللغة العربية والحديث. فأدرك الشيخ المجموعي أن ابن عبد الوهاب ليس بطالب علم عادي، بل أنه داعية يتهيّأ للقيام بالدعوة والإصلاح، وأنه شديد الغيرة يتألم مما يشاهده هنا وهناك من الأعمال التي لا يقرها الإسلام من الأعمال الوثنية والبدع، فأحبه المجموعي وقربه وشجعه، فأخذ الداعية ابن عبد الوهاب يكتب رسائل في الدعوة ويباحث الناس وينشر فيهم الدعوة، وهو لا يزال طالباً، فأخذ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويشدد الإنكار على عبدة القبور فأوذي بسبب ذلك حتى أخرج من البلد، فأوذي بعده شيخه المجموعي رحمهما الله. تذكر بعض المصادر التي ترجمت للشيخ أنه أخرج من البصرة وقت الهجيرة وهو يمشي على قدمية، فتوجه إلى (الزبير) وكان يهلك من شدة الظمأ في شدة الرمضاء، فساق الله له رجلاً من أهل الزبير يسمى (أبا حميدان)، فرآه من أهل العلم والصلاح، فحمله على حماره حتى أوصله إلى بلدة (الزبير). ولم يقم الشيخ في الزبير كثيراً فتوجه إلى الشام، فطلب العلم هناك، ثم رجع إلى نجد، إلا أنه عرّج على الإحساء، فنـزل عند بعض علماء الإحساء، الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف الشافعي، فدرس عليه مدة من الزمن، واستفاد منه. عودته إلى نجد للدعوة والإصلاح: وبعد هذه الرحلة العلمية الموفقة التي استفاد منها فوائد جمة حيث ازداد من العلم والمعرفة ودرس أحوال المسلمين في عدة بلدان وأدرك حاجة المسلمين الماسة إلى الإصلاح العام والتصحيح الجذري الفوري لعقيدتهم نحو ربهم وخالقهم وموقفهم من نبيهم الذي بعث لهدايتهم وموقفهم من كتاب ربهم الذي هجروه، إذ لا يرجعون إليه لا لمعرفة عقيدتهم وأحكامهم، بل أدرك الشيخ وتأكد أثناء جولته في كثير من البلدان المجاورة، ومما شاهده في وطنه في نجد أن الأمة بحاجة إلى معرفة دينها من جديد، معرفة تامة في أصوله وفروعه، ثم تطبيق شريعته في حياتها العامة. وأن هذه الفوضى التي تعيشها الأمة لا بد أن تنتهي وتختفي لتستبدل بحياة إسلامية صحيحة شاملة لجميع نواحي الحياة. وانطلاقاً من هذا الإدراك صمم الشيخ على القيام بالدعوة الإصلاحية العامة مستعيناً بالله. بدأ الشيخ دعوته في بلده (حريملا) بتصحيح عقيدة الناس فيما يتعلق بعبادة الله، وأنكر عليهم تعلقهم بغير الله وصرف العبادة أو بعض أنواعها لغير الله مثل النذر، والذبح، والخوف، والرجاء، مما هو منتشر في البلد آنذاك. وقد كان هذا النوع من الإصلاح جديداً على الناس ومفاجأة لهم فقوبلت الدعوة في أول الأمر بالاستنكار والرد والجدال، يقول بعض الكتاب -وهو يصف موقف الشيخ عندما بدأ يدعو الناس إلى الله وموقف الناس منه-: حقاً إن الموقف دقيق حرج يحتاج إلى شجاعة ماضية، وإلى إيمان لا يبالي بالأذى في سبيل إرضاء الله وإرضاء الحق الذي اقتنع به، وسبيل إنقاذ البشرية المعذبة، كما يحتاج إلى عدة كاملة من قوة اللسان وإصابة البرهان، ليواجه ما يجابهه من شبهات واعتراضات، لا بد منها، ثم إلى مؤازر قوي يحمى ظهره ويدافع عن دعوته203اهـ. والموقف كما وصفه الكاتب جِدُّ حرج، إلا أن الله ثبت الشيخ على الدعوة على الرغم من كل العقبات والصعوبات التي واجهة الدعوة، وحاولت إيقافها من الداخل في أسرته قبل أن يتبينوا الأمر، ومن الخارج من المغرضين أصاحب الأهواء، ولكن الله سلم، فلم تقف الدعوة منذ بدأت بل استمر الشيخ يجاهد بلسانه وقلمه صابراً محتسباً. وكان والده ممن نازعه في أول الأمر وكذلك أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب، ولكن بعض المصادر أثبتت اقتناعهما بالدعوة أخيراً والرجوع إلى الحق. ولما تكرر إيذاؤه (بحريملا) وأراد بعض السفهاء أن يفتكوا به، غادر الشيخ (حريملا) إلى بلده ومسقط رأسه (العيينة)، وكان يحكمها آنذاك (الأمير عثمان بن حمد بن مُعَمّر)، فرحب بالشيخ وبدعوته. ونصحه الشيخ كثيراً ليصبر ويحتسب، لأنه لا بد أن يؤذى وشرح له دعوته، وأنها قائمة على الكتاب والسنة، وأنها تعني أول ما تعني تطهير العقيدة والأخلاق، وتصحيح الأحكام، وأن القائمين على هذه الدعوة لا يريدون إلا وجه الله، والثواب في الدار الآخرة من الله وحده. فاقتنع الأمير فأخذ الشيخ في الإصلاح العملي، فأمر بقطع بعض الأشجار التي كانت تعبد وتعظم، وهدم قبة كانت على قبر (زيد بن الخطاب)، كل ذلك بمساعدة الأمير ابن معمر، وأخيراً أقام الشيخ (الحد) على امرأة اعترفت بالزنا عدة مرات أمامه بعد ما تأكد من صحة عقلها ورغبتها في (التطهير). وبعد هذه الواقعة اشتهر أمر الشيخ وذاع صيته في كل مكان في نجد وما جاورها204. فبلغ خبره وإصلاحاته بعض الأمراء الذين لهم مكانة ومنـزلة لدى ابن معمر، وأتباعه وبينهم مصالح متبادلة، فكاتبوا ابن معمر بالاستنكار إلى أن أثروا فيه، فرجع عن مؤازرة الشيخ تحت تهديد بعض أولئك الأمراء، وهو حاكم الإحساء (ابن عُرَيْعِر) فأمر بإخراج الشيخ من بلده. فغادر الشيخ (العيينة) إلى (الدرعية) سنة 1158، فنـزل على بعض أعيان الدرعية يقال له: (عبد الرحمن بن سويلم) وبعد أيام علم به أمير الدرعية الأمير (محمد بن سعود)، فجاء إلى الشيخ مع بعض إخوانه وأتباعه فزاروا الشيخ فدعاهم إلى التمسك بعقيدة التوحيد الخالص، وبين لهم أن التوحيد هو الذي بعث الله الرسل من أجله، وأنه قد ضعف اليوم في قلوب الناس، وتلا عليهم عدة آيات من القرآن، ودعا للأمير، ورجا من الله أن يكون إمام يجتمع عليه المسلمون بعد ذلك التفرق، وأن تكون له السيادة والملك لذريته من بعده. فشرح الله صدر الأمير محمد بن سعود، فقبل الدعوة، وأحب الشيخ، وبشره بالنصرة والوقوف معه على من خالفه في دعوته وإصلاحه. وتعاهدا وقدم كل واحد منهما ما لديه من الشروط، فواصل الشيخ عمله في الدعوة والإصلاح، والأمير يتابع الدعوة حاملاً سيفه على من يعاند الحق، فظهر أمر الشيخ وانتشرت دعوته فوفدت عليه الوفود، حتى ندم ابن معمر على ما فعل فجاء إلى الشيخ فاستسمح الشيخ رحمه الله فسامحه فأقبل الناس على العلم والعبادة والجهاد. ثم أخذ الشيخ يراسل الرؤساء والأمراء والقضاة. فمنهم من أطاع فرجع إلى الحق، ومنهم من عاند وسخر من الدعوة. وتلك سنة الله في خلقه التي لا تتبدل ولا تتغير منذ بدأت الدعوة على وجه الأرض. هكذا بدأ ابن عبد الوهاب دعوته وإصلاحه، فنشر العلم وألف كتباً ورسائل أكثرها كانت في توحيد العبادة الذي يرى الشيخ - كما هو الواقع- أن حاجة الناس إليه أمس من حاجتهم إلى أي علم آخر. ولما علم الشيخ أن بعض المغرضين أشاعوا عنه خلاف واقعه في دعوته في عقيدته، في موقفه من الأئمة، وفي عقيدته في القضاء والقدر، وموقفه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل موقفه من التمسك بالسنة، وعقيدته في الأسماء والصفات. لما علم ذلك كتب رسائل كثيرة في هذه المسائل وغيرها وأرسلها في الأقطار، حتى تعرف الناس حقيقة دعوته وعقيدته. وقد سجلت أكثر هذه الرسائل أو كلها في كثير من تراجم الشيخ. ولما أن أكثر موضوعات تلك الرسائل لا تتصل بموضوع بحثي، ولأن نقلها أو تلخيصها يؤدي إلى التطويل الممل، أكتفي بنقل رسالة واحدة هي في صميم بحثنا (رسالته في الأسماء والصفات) أنقلها بنصها لأن ذلك أبلغ في المراد. بعد البسملة والحمد لله: الذي نعتقده وندين الله به، هو مذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين والتابعين لهم بإحسان من الأئمة الأربعة وأصاحبهم رضي الله عنهم. وهو الإيمان بآيات الصفات وأحاديثها، والإقرار بها، وإمرارها كما جاءت من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا تعطيل، قال الله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا}205. وقدر الله لأصحاب نبيه، ومن تبعهم بإحسان، الإيمان، فعُلِم قطعاً أنهم المراد بالآية الكريمة، قال الله تعالى: {وَالسَّابِقُون الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ}206، وقال الله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}207. فثبت بالكتاب أن من اتبع سبيلهم فهو على الحق، ومن خالفهم فهو على الباطل، فمن سبيلهم في الاعتقاد: الإيمان بصفات الله وأسمائه التي وصف بها نفسه، وسمى بها نفسه في كتابه وتنـزيله، أو على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام من غير زيادة عليها ولا نقصان منها، ولا تجاوز لها، ولا تفسير ولا تأويل لها، بما يخالف ظاهرها ولا تشبه بصفات المخلوقين، بل أمروها كما جاءت، وردوا علمها إلى قائلها ومعناها إلى المتكلم بها208، وأخذ ذلك الأخر عن الأول، ووصى بعضهم بعضاً بحسن الاتباع، وحذرونا عن اتباع طريق أهل البدع والاختلاف الذين قال الله فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}209، وقال: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}210. والدليل على أن مذهبهم ما ذكرنا أنهم نقلوا إلينا القرآن العظيم، وأخبار رسول الله عليه الصلاة والسلام، نقل مصدق لها، مؤمن بها، قابل لها، غير مرتاب فيها، ولا شاك في صدق قائلها، ولم يؤولوا ما يتعلق بالصفات منها، ولم يشبهوا بصفات المخلوقين، إذ لو فعلوا شيئاً من ذلك لنقل عنهم، بل زجروا من سأل عن المتشابه وبالغوا في كفّه تارة بالقول العنيف، وتارة بالضرب211. ولما سئل مالك رحمه الله عن الاستواء، أجاب بمقالته المشهورة، وأمر بإخراج الرجل. وهذا الجواب من مالك في الاستواء شاف كاف في جميع الصفات، مثل النـزول والمجيء واليد والوجه، وغيرها. فيقال في النـزول: النـزول معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وهكذا يقال في سائر الصفات، إذ هي بمثابة الاستواء الوارد به الكتاب والسنة. وثبت عن الربيع بن سليمان قال: سألت الشافعي رضي الله عنه عن صفات الله تعالى، فقال: حرام على العقول أن تمثل الله، وعلى الأوهام أن تحُدّه، وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر، وعلى الضمائر أن تتعمق، وعلى الخواطر أن تحيط، وعلى العقول أن تعقل، إلا ما وصف به نفسه على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام اهـ. وثب عن إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني أنه قال: إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة يصفون ربهم بصفاته التي نطق بها كتابه وتنـزيله، وشهد له بها رسوله صلى الله عليه وسلم على ما وردت به الأخبار الصحاح، ونقلته العدول الثقات، ولا يعتقدون بها تشبيها بصفات خلقه، ولا يكيفونها تكييف المشبهة، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه تحريف المعتزلة والجهمية. وقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف والتكييف، ومنّ عليهم بالتفهيم والتعريف، حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنـزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واكتفوا في نفي النقائص بقوله عز وجل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}212، وبقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}213. وثبت عن الحميدي شيخ البخاري وغيره من أئمة الحديث أنه قال: "أصول السنة: فذكر منها أشياء وقال: ما نطق به القرآن والحديث، مثل: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء}214، ومثل: {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}215، وما أشبه هذا من القرآن والحديث، لا نرده ولا نفسره، ونقف على ما وقف عليه القرآن والسنة. ونقول: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}. ومن زعم غير هذا فهو جهمي. فمذهب السلف - رحمة الله عليهم - إثبات الصفات، وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها، لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، كما أن إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، ولا تشبيه، فكذلك الصفات، وعلى هذا مضى السلف كلهم. ولو ذهبنا نذكر كل ما اطلعنا عليه من كلام السلف في ذلك لطال الكلام جداً، فمن كان قصده الحق، وإظهار الصواب اكتفى بما قدمناه. ومن كان قصده الجدال والقيل والقال، لم يزده التطويل إلى الخروج عن سواء السبيل والله الموفق اهـ. وبعد: فهذه واحدة من تلك الرسائل التي كان الشيخ يشرح فيها دعوته ويبين عقيدته في باب الأسماء والصفات، وله رسائل أخرى أوضح فيها موقفه وعقيدته في الأبواب الأخرى، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، وفي هذه الرسالة أثبت الشيخ أن من سبيل الصحابة الإيمان بصفات الله وأسمائه دون تأويل ودون تجاوز للكتاب والسنة. هذه طريقة الإمام أحمد بن حنبل ومنهجه، حيث يقول: "لا يتجاوز الكتاب والسنة في باب صفات الله" أو عبارة قريبة منها. أعود فأقول: أثبت الشيخ أن هذا سبيلهم ومذهبهم بقوله: "والدليل على أن مذهبهم ما ذكرنا أنهم نقلوا إليها القرآن العظيم وأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، نقل مصدق لها، مؤمن بها، قابل لها، غير مرتاب فيها، ولا شاك في صدق قائلها. ولم يؤولوا ما يتعلق بالصفات منها". إلى آخر ذلك الاستدلال الدقيق الذي يدل على فقه عميق، وهو يشبه كما ترى أسلوب شيخ الإسلام ابن تيمية في الاستدلال وتلميذه ابن القيم رحمهم الله جميعاً اللذين تخرج الشيخ على كتبهما كما تقدم. وعلى الرغم مما كتبه الشيخ من الكتب والرسائل فقد كثر النـزاع حول دعوته ولا سيما في المسائل الآتية التي ركز الشيخ عليها: 1- توحيد العبودية، ويقال له الألوهية أيضاً، وقد كتب الشيخ في هذا التوحيد عدة رسائل وكتباً لأهميته وكتب فيه بعده أولاده وأحفاده بتوسع، وشرح بعضهم بعض كتب الشيخ في هذا التوحيد كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله قريباً. 2- منع التوسل المبتدع مع إقراره بالتوسل المشروع216. 3- منع شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، بقصد العبادة في مكان ما. ولا يدخل في المنع سفر طلب العلم أو سفر التجارة وزيارة الأحياء كشيوخ العلم وعباد الله الصالحين، وما في معنى هذه الأسفار مما لا يقصد فيه مكان، بل مَنْ في المكان أو ما في المكان. 4- منع البناء على القبور وكسوتها وإسراجها، والعكوف عندها، لأن ذلك باب إلى الشرك وذريعة له كما هو معروف. 5- توحيد الأسماء والصفات، وهو الذي سجلنا فيه رسالته التي شرح فيها ذلك الشرح الوافي. 6- إنكار البدع المستحدثة في العبادة وهي أنواع كثيرة ومعروفة. وقد سبق الشيخَ في إنكارها غيرُ واحد من أهل العلم، كابن وضاح والشاطبي وغيرهما مستدلين بمثل قوله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". "ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"217. فهذه أمهات المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الشيخ وعلماء وقته. ولا يزال النـزاع مستمراً، وإن كان قد خَفّت حدتُه كثيراً كما يظهر جلياً. استمرار الدعوة بعد وفاته، ووفاة مؤازرها: توفي الإمام المؤازِر للدعوة محمد بن سعود رحمه الله سنة 1179هـ، ثم توفي الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب سنة 1206 رحمه الله. وهل ماتت الدعوة بموتهما أو تأثرت؟ (لا). مما يلاحظ في التاريخ أن أي دعوة يقوم بها بعض المصلحين أو المجددين تموت أو تضعف ثم تتلاشى مع الزمن، إذا مات صاحب الفكرة ومنشئ تلك الدعوة. وهناك دعوة لا تموت يموت الداعية المسئول عن الدعوة، فإذاً لا بد من معرفة الفرق بين الدعوة التي تموت بموت صاحبها، والدعوة التي تبقى بعده، بل تسير ولا تقف وتعمل عملها ولبيان ذلك نقول: هما دعوتان: 1- دعوة أنشأها مفكر مّا بعد أن فكر كثيراً وخطط ووضع لدعوته شروطاً ولوائح، حيث رأى أنها صالحة لخدمة الأمة، أو لخدمة جماعة من الناس، ثم سعى في إقناع مجموعة من الناس بفكرته وصالحيتها، وبيان أهدافها، فاتبعوه فصاروا من حزبه وأنصار دعوته، فلا يخلو الأمر بالنسبة لاستمرارية هذه الدعوة أو عدم استمراريتها بعد موت صاحبها من إحدى حالتين: الحالة الأولى: أن يموت صاحب الدعوة قبل أن يربي له من يخلفه، ويقود الدعوة من بعده. ففي هذه الحالة تموت الدعوة فور موت صاحب الفكرة، ولا محالة في قضية مسلمة عقلاً. الحالة الثانية: أن يكون صاحب الفكرة، وقد وجد من يخلفه وهو مؤهل للقيادة ومتفاعل مع الدعوة. ففي هذه الحالة قد تحيى الدعوة فترة من الزمن قد تطول، وقد تقصر، ولكنها تتلاشى مع الزمن وتتأثر وتفقد قيمتها، ثم تختفي. والتاريخ خير شاهد على ما قلت. لأن أساسها (فكرة) رجل وتخطيط بشر، والمفكر المخطط لها قد مات وانتهى، فهي إذاً لا بد أن تنتهي ولا محالة. والشواهد كثيرة في واقع العالم المعاصر ولا حاجة إلى سردها، بل أستحسن إجمالها. لأنتقل فوراً - بعد هذا الاستطراد- إلى الدعوة التي نحن بصدد الحديث عنها. 2- الدعوة الثانية: دعوة قام بها مصلح مجدد بيد أن معنى التجديد هنا يختلف عن معناه في الدعوة الأولى، فالدعوة الأولى -كما قلنا- أساسها فكرة بشر، وهي تحاول أو تدعي أو تأتي بجديد، وربما تأتي بجديد يقبل أو يرفض. أما الدعوة الثانية فأساسها دين إسلامي ثابت وقائم بالفعل، ولكن صاحبها لاحظ أن المسلمين هجروا تعاليمه أو بعضها إذ رآهم هجروا كتاب الإسلام (القرآن) وأهملوا سنة نبيهم، فلم يعد القرآن مرجعاً لهم في عقيدتهم، وفي عباداتهم ومعاملاتهم وغير ذلك، ولم تكن السنة ذات قيمة لديهم ومكانة. فدعاهم إلى العودة إلى الإسلام ليفهموا القرآن كما فهمه سلفهم، ويفسروه بالسنة كما فعل الأولون، ويطبقوا أحكامه ويعتقدوا عقيدته. وهذا هو معنى التجديد بالنسبة للدعوة الثانية. فليست الدعوة فكرة أو اختراعاً أو استحساناً قام به مفكر أو مصلح من عند نفسه مجتهداً لقصد الإصلاح. فمثل هذه الدعوة سوف تبقى بعد موت من قام بها، ودعا إليها -لأنها ليست (فكرة) كما قلت، وإنما هي دعوة إلى الله، وإصلاح ما فسد من شئون المسلمين وربطهم بإسلامهم ليسعدوا به في الدارين. فدعوة ابن عبد الوهاب من النوع الثاني - كما ترى- لهذا فإنها لم تمت بموت مؤازرها، والمدافع عنها بحسامه، الأمير محمد بن سعود، ثم مات المجدد المصلح الإمام محمد بن عبد الوهاب والدعوة الإسلامية السلفية باقية، وستبقى بإذن الله ما بقي الإسلام الذي هو أساس دعوته، وقام بتجديده بالعمل به وتطبيق شريعته لأنها دعوة إلى الإسلام لا إلى (فكرة رجل) كما سبق أن بينا. ولما توفي الإمام المجدد، وقبله الأمير المؤازر سَلّمَا (الأمانة) أمانة الدعوة والإصلاح، وأمانة مؤازرتها والدفاع عنها ورعايتها، إلى أيد أمينة، وهي أيدي ذريتهما المباركة. فقام علماء آل الشيخ وتلامذتهم - تحت رعاية ملوك وأمراء آل سعود ومؤازرتهم- بمواصلة مسيرة الدعوة، فلا تزال الدعوة بخير وعلى أحسن حال -بتوفيق الله- وتسير سيراً حثيثاً حتى بلغت اليوم إلى أماكن وأقطار ما كان يُظن أنها تبلغها في عرض الدنيا وطولها. وستواصل سيرها - بإذن الله وتوفيقه - حتى تزحزح جميع الأفكار الهدامة المعارضة لها، ليعم نور التوحيد الخالص أرجاء الدنيا لأن العاقبة للمتقين. آثار الدعوة في البلاد السعودية: لدعوة محمد بن عبد الوهاب آثار محلية في البلاد السعودية -وآثار خارجية. أما الآثار المحلية فمن أبرزها وأعمها نفعاً للبلاد والعباد: أ- (قيام دولة إسلامية سلفية في قلب الجزيرة العربية) التي أعلنت أن دستورها (القرآن الكريم) وحكمت بشريعة الإسلام فعلاً وحافظت على المقدسات الإسلامية - مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومكنها الله في الأرض، فأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر، فمنحها الله من المنعة والمهابة والتوفيق ما لم يعط غيرها، فتمتع شعبها بما لم يتمتع به أي شعب آخر من نعمة الأمن والاستقرار والرفاهية في الحياة. كل ذلك بفضل الله تعالى ومنه وكرمه، ثم بفضل تحكيم شريعة الإسلام والتمسك بالعقيدة الإسلامية، والدفاع عنها ومؤازرتها، وتشجيع القائمين عليها. ولم توجد في العالم المعاصر دعوة إسلامية قامت على منهجها دولة إسلامية غير دعوة محمد بن عبد الوهاب. وكأن الله علم -والله هو العليم- من الإمامين: ابن سعود، وابن عبد الوهاب، الصدق والإخلاص له سبحانه في عملهما، فحقق لهما أمنيتهما فحقق على أيديهما للأمة السعودية هذا الخير، ثم بارك لهما في ذريتهما حتى واصلت المسيرة فها هي الآثار تتحدث بنفسها. هكذا تجسدت تلك الدعوة السلفية في قيام الدولة السعودية الإسلامية السلفية في قلب الجزيرة العربية لتكون ملجأ لكل مضطهد في دينه في أي أرض، ولله الحمد والمنة. ب- المنهج الدراسي المتبع في السعودية: التزمت الحكومة السعودية أن يكون المنهج المقرر بالنسبة للمواد الدينية (المنهج السلفي) في جميع مراحل التعليم، أي من المرحلة الابتدائية إلى الدراسات العليا. فالشاب السعودي يبدأ في دراسة العقيدة على المنهج السلفي من السنة الأولى الابتدائية، ثم يستمر في دراسة العقيدة والشريعة الإسلامية على المنهج نفسه بتوسع متفاوت ومطرد إلى درجه (دكتوراه) كما ينهج هذا المنهج الطلاب الوافدون من خارج البلاد للدراسة في الجامعات السعودية، ليتخرجوا على ذلك المنهج السلفي، وليطبقوه في بلادهم إذا رجعوا إليها ويرشدوا أمتهم إلى الخير، ويدعوهم إلى المنهج السلفي الذي أصبح غريباً لدى الكثيرين، ويدرس الطالب في المرحلة الجامعية الفرق والأديات والمذاهب الهدامة للاطلاع والازدياد من المعرفة، ومن باب: عرفت الشر لا للشر لكي أتقيه من لم يعرف الشر وقع فيه فلا يوجد في الجامعات السعودية -ولن يوجد إن شاء الله- منهج آخر يزاحم المنهج السلفي -كما أشرنا سابقاً- وذلك ثمرة جهاد الإمام المصلح الذي قضى على كل بدعة محدثة فإذاً يعتبر – بحق - المنهج السلفي من أعظم آثار تلك الدعوة المباركة. ومما يحرص عليه المربون دائماً أن يكون المنهج الدراسي صالحاً، لأن المنهج الصالح له أهميته وله نتائجه في تنشئة الأجيال. فإذا كان المنهج صالحاً والمعلم صالحاً، وقدوة حسنة، فقد تمت للتلميذ سعادته التعليمية، فينشأ شاباً صالحاً، وعضواً نافعاً في المجتمع. فالمجتمع الذي يتكون من مثل هؤلاء الشباب الصالحين الذين يتخرجون على أيدي الرجال الصالحين، ودرسوا ذلك المنهج السلفي الصالح، هو المجتمع المسلم حقاً الذي يفهم معنى الإسلام ويعتني به، ولا يرضى عنه بديلاً. وإذا تحققت هذه المعاني بإذن الله فيكون الفضل لله سبحانه أولاً، ثم للمصلح الذي دعا الناس إلى هذا الخير وذلك الهدى فيكون له أجر كل من عمل بذلك المنهج الذي دعا إليه، ولا ينقص من أجور العاملين شيء من الأجر، هكذا بشر الصادق الأمين عليه الصلاة والسلام دعاة الحق حيث يقول: "من دعا إلى هدى فله أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة"، ويقول عليه الصلاة والسلام: "الدال على الخير كفاعله". فنرجو للشيخ محمد بن عبد الوهاب أن يكون له مثل أجر كل من عمل بهذا المنهج السلفي بعده، إذ تعتبر دعوته حجر الأساس لما يتمتع به اليوم المجتمع السعودي من سلامة العقيدة والاستقامة على الدين وتطبيق الشريعة الإسلامية فيه، وما يتمتع به الطلاب السعوديون والوافدون على الجامعات السعودية من دراسة ذلك المنهج الصالح البريء من تلك السموم التي دست في كثير من المناهج الدراسية في كثير من الجامعات في العالم المعاصر، كما نسأل الله تعالى أن يثيب ذلك الإمام المجاهد محمد بن سعود وذريته المباركة، ملوك وأمراء آل سعود ويزيدهم من التوفيق وينصرهم وينصر بهم الإسلام. آثار الدعوة في العالم المعاصر: إن دعوة محمد بن عبد الوهاب تعتبر - كما يقول بعض الكتاب المعاصرين -: هي الشعلة الأولى لليقظة الإسلامية الحديثة، في العالم الإسلامي كله218. ولقد تأثر بهذه الدعوة التي وصفها هذا الكاتب - بما سمعنا - رجال لامعون في العالم العربي، وغيره في ميدان الإصلاح. نلاحظ ذلك في أقطار كثيرة، في مصر والشام وفي العراق، والقارة الهندية، وقارة أفريقيا، وفي اليمن على تفاوتهم في التأثر والاستفادة من الدعوة. فنذكر على سبيل المثال (جمال الدين القاسمي) بالشام، و(الشوكاني) باليمن. والشيخ عثمان فوديو بأفريقيا، وكان هذا في أوائل الدعوة عندما كانت تذاع حولها دعاوى مضللة. أما الآن فقد ظهرت آثارها واضحة في العالم كله، حيث فتحت لها آفاق واسعة في أفريقيا، وانتشر منهجها انتشاراً يلفت النظر، فأخذت بعض المدارس الأهلية بل أكثرها تدرس نفس المتبع في المدارس السعودية. وهو المنهج السلفي الذي تحدثنا عنه في الصفحة السابقة، وكذلك الحال في القارة الهندية، حيث توجد في بعض ولايات الهند وفي باكستان مدارس وجامعات أهلية تدرس المنهج نفسه في جميع المواد الدينية، وكثر الذين ينهجون المنهج السلفي في القارتين الهندية والأفريقية من عامة الناس، ويعرفون في الهند وباكستان (بأهل الحديث)، وفي بعض البلدان يعرفون بالسلفيين، وبأنصار السنة المحمدية، وكلهم يدعون الناس إلى العودة إلى العقيدة السلفية والعمل بالشريعة الإسلامية عقيدة وأحكاماً. ولنشاط الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، دور بارز في انتشار الدعوة السلفية في تلك المناطق النائية في أفريقيا وشرق آسيا، وفي بعض الدول العربية. يتمثل ذلك في الطلاب الذي يفدون على هاتين الجامعتين من تلك الجهات فيتخرجون منها كل عام بالعشرات، ثم يعودون إلى أوطانهم لنشر الدعوة وتعليم الناس دينهم عقيدة وشريعة، فنسأل الله تعالى أن يرزق القائمين على تلك الجامعات الإخلاص ويتقبل منهم عملهم، إنه سميع مجيب.



    --------------------------------------------------------------------------------

    163 السمنية: طائفة من أصحاب التناسخ. ومن القائلين بقدم العالم، وينكرون المعاد والبعث، مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري ص: 270.
    164 عقائد السلف د. النشار، د. عمار الطالبي ص: 7-8.
    165 المصدر السابق بتصرف في العبارة ص: 9.
    166 استقينا هذه المعلومات (بالمعنى) عن ابن كثير في البداية والنهاية وابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد. ترجمة الإمام أحمد.
    167 سورة القيامة آية: 22-23.
    168 سورة القيامة آية: 23.
    169 من الانتظار لا من النظر أي تنتظر الثواب، وتتوقعه.
    170 سورة الفرقان آية: 45.
    171 سورة الأنعام آية: 103.
    172 أخرجه الشيخان والترمذي، وهو قطعة من حديث طويل من حديث أبي هريرة، وفي معناه حديث جابر عند مسلم.
    173 سورة يونس آية: 26.
    174 سورة المطففين آية: 15.
    175 نقلنا هذا الحوار من عقائد السلف تحقيق د. النشار وعمار ص: 85-86، كتاب الرد على الزنادة والجهمية للإمام أحمد بن حنبل.
    176 سورة الأنعام آية: 3.
    177 سورة الطلاق آية: 12
    178 أي مثال ذلك.
    179 أي مثال آخر.
    180 عقائد السلف ص: 94.
    181 ابن حجر، هدي الساري ص: 194.
    182 المصدر السابق.
    183 المصدر السابق ص: 489.
    184 عقائد السلف ص: 120.
    185 عقائد السلف ص: 123.
    186 هدي الساري ص: 203.
    187 هو الإمام الثقة أبو محمد الضبعي البصري، شيخ أحمد وإسحاق وابن معين من رجال الكتب الستة، توفي سنة 208هـ. انظر تذكرة الحفاظ للذهبي 1/351.
    188 عقائد السلف ص: 44 نشار وعمار.
    وهراة مدينة عظيمة مشهورة من أمهات مدن خراسان آنذاك. تقع غربي أفغانستان، فتحها الأحنف بن قيس. راجع معجم البلدان 8/451.
    189 اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ص: 110.
    190 الرد على المريسي ضمن عقائد السلف ص: 46 تحقيق د. نشار، وعمار.
    191 الرد على المريسي ضمن عقائد السلف ص: 47 تحقيق د. نشار، وعمار.
    192 المصدر السابق ص: 263.
    193 الذهبي تذكرة الحفاظ 4/149.
    194 ابن تيمية نقض المنطق ص: 7-9، تحقيق محمد حامد الفقي.
    195 بهجة البيطار: حياة شيخ الإسلام ابن تيمية ص: 36-44، وعبد الصمد شرف الدين: مجموعة ابن تيمية، ط بومبائي - الهند.
    196 سورة طه آية: 5.
    197 ابن تيمية، الفتوى الحموية الكبرى ص: 37، تفسير شيخ الإسلام ص: 22.
    198 الفتوى الحموية الكبرى ص: 40، راجع مختصر العلو ص: 142، وتقدم.
    199 استقينا هذه المعلومات من كتاب منهج علماء الحديث والسنة للأستاذ الدكتور مصطفى حلمي، دار الدعوة للطبع والنشر والتوزيع بالإسكندرية.
    200 راجع ترجمة الدارمي.
    201 ترجمة محمد بن عبد الوهاب ص: 16-20، طبعة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، للشيخ أحمد بن حجر، قاضي المحكمة بقطر.
    202 سورة الأعراف آية: 139.
    203 ابن حجر: ترجمة محمد بن عبد الوهاب ص: 21 طبعة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
    204 ترجمة محمد بن عبد الوهاب ص: 22 للشيخ أحمد بن حجر قاضي المحكمة بقطر.
    205 سورة النساء آية: 115.
    206 سورة التوبة آية: 100.
    207 سورة الفتح آية: 18.
    208 أي علم كيفيتها وكنهها: أما معناها اللغوي فمعروف من الوضع العربي للكلمة فمعاني الصفات معروفة، وإنما التفويض في الكيفية والكنه هذا الذي عليه سلف الأمة قديماً وحديثاً.
    209 سورة الأنعام آية: 159.
    210 سورة آل عمران آية: 105.
    211 إشارة ما فعله عمر بن الخطاب حين ضرب صبيغ بن عسيل الذي كان قد شغل الناس بالسؤال عن المتاشابه مثل فواتح بعض السور، ثم نفاه إلى البصرة ونهي الناس عن مجالسته (صون المنطق للسيوطي).
    212 سورة الشورى آية: 11.
    213 سورة الإخلاص: 3-4.
    214 سورة المائدة آية: 64.
    215 سورة الزمر آية: 67.
    216 ثبت بالاستقراء أن التوسل ينقسم إلى قسمين: مشروع: وهو التوسل إلى الله بالإيمان والعمل الصالح، وبأسمائه، وبدعاء الرجل الصالح والأمثلة معروفة في كتب السنة.
    والقسم الثاني: التوسل المبتدع، وهو الذي أنكره الشيخ، وينكره جميع الدعاة قديماً وحديثاً، وهو ما يفعله العوام وأمثال العوام من التوسل بذوات الصالحين وجاههم ومنـزلتهم عند الله. والمسألة معروفة ومشروحة في بابها. ومع إيماننا بجاه الصالحين وكرامتهم عند الله فإن التوسل بجاههم وكرامتهم ومنـزلتهم عند الله غير مشروع، وهو أمر لا يخفى على طالب العلم.
    217 فتح الباري - السلفية- كتاب الصلح: باب إذا اصطلحوا على جور 5/301، صحيح مسلم: كتاب الأقضية 12/16.
    218 انظر الأعلام للزركلي 6/257.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •