إ هتـــمام علماء الجـــزائر بعلم القرءات
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: إ هتـــمام علماء الجـــزائر بعلم القرءات

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    440

    افتراضي إ هتـــمام علماء الجـــزائر بعلم القرءات


    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    اهتمام علماء الجزائر بعلم القراءات
    الشيخ المهدي بوعبدلي(*)
     
    إن
    للقرآن مكانة عظمى عند المسلمين في جميع البلاد الإسلامية، لما ورد في ذلك من أحاديث نبوية تحث المسلمين على صرف العناية إلى خدمته التي تعد من أعظم القرب، وفي طليعة هذه الأحاديث، حديث عثمان الذي قال فيه : »خيركم من تعلم القرآن وعلمه«، وكان سفيان الثوري كما هو معلوم ومشهور يقدم تعليم القرآن على الغزو، وقد نعلم ما ورد في الغزو والجهاد من أحاديث نبوية صحيحة، ومن جملة الأحاديث الواردة في الحث على قراءة القرآن قوله : »أفضل العبادة قراءة القرآن«. وقيل لعبد الله بن مسعود: ((إنك تقل الصوم)) فقال: ((إذا صمت ضعفت عن تلاوة القرآن، وتلاوة القرآن أحب إلي))، ولهذا تسابق علماء الإسلام على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم من إعطائه الأولوية والأسبقية، وكان ما جرى به العمل في جميع البلاد الإسلامية أن أول ما يتلقاه الصبي في مرحلته الأولى من التعلم بالكتاب أو ما يعرف بالمدرسة الابتدائية القرآنية حفظ سور من القرآن، ولا ينتقل الصبي من الكتاب إلى تتبع بقية فنون فروع المعرفة من لغة وفقه وحديث إلا بعد حفظه القرآن عن ظهر قلب وإتقان أحكامه، كما كان علماء القراءات يتشددون كثيراً في السند والروايات، ويشترطون في المتصدرين لتعليم أحكام القرآن إتقان العلوم التي يحتاجون إليها في ذلك رواية ودراية، وتمييز الصحيح من السقيم والمتواتر من الشاذ وما لا تحل القراءة به وما تحل ولما ذكرناه حذر المقرئون التساهل في الاعتماد على الأخذ من الكتب مباشرة، بلغ أصحابها ما بلغوه من الشهرة في بقية فروع المعرفة، واشترطوا الرواية مشافهة عن المقرئ إذ الاعتماد على الكتب مباشرة من دون واسطة الأستاذ لا يخلو من تسرب الغلط والخطأ أو عدم الضبط.
    وقد اشتهر في فن القراءات علماء جهابذة يشار إليهم بالبنان كتب لتآليفهم الخلود، وانتشرت في البلاد الإسلامية، وهي محل ثقة عند الجميع.
    وإن أهم هذه التآليف التي تعد من المراجع الأولى لمقرئي بلادنا، منظومة الإمام أبي محمد الشاطبي الأندلسي (538–590) واسم هذه المنظومة "حرز الأماني ووجه التهاني".
    وقد تسابق كبار علماء هذا الفن إلى شرحها والتعليق عليها، كالإمام علم الدين السخاوي والإمام أبي القاسم علي بن عثمان الفاصح صاحب كتاب "سراج القارئ المبتدي، وتذكار المقرئ المنتهي" كما اشتهر من هذه التآليف ببلادنا كتاب "إنشاد الشريد" لمقرئ بلاد المغرب العربي على الإطلاق في عهده الإمام محمد بن غازي المكناسي، وتأليف الإمام المقرئ علي النوري السفاقسي التونسي المسمى "غيث النفع في القراءات السبع".
    نقتصر على هذه التآليف الثلاثة في فن القراءات التي لا يخلو سند من أسانيد قراء الجزائر من ذكرها واتصالهم بأصحابها، إذ السند في القراءات له أهمية عظمى، إذ يقول بعض العلماء في الموضوع: "فحملة القرآن القائمون بحقوقه نطقاً وعلماً وعملاً أهل الله وخاصته فأكرم بعلم يتصل سنده برب العالمين".
    هذه لقطات ذكرناها كتمهيد لموضوع بحثنا الذي نقتصر فيه على استعراض بعض التآليف التي هي كما يدل عليها عنوان المحاضرة: "اهتمام علماء الجزائر بعلم القراءات في القديم والحديث" وقد اشتهر بعضها عند المعنيين بهذا الفن، حيث نجدها مذكورة في فهارسهم، إلا أن أكثر هذه التآليف في حكم المفقود، ولهذا سأتناول في هذا البحث نبذا من تراجمهم وفقرات من تآليفهم لإعطاء ولو صورة مصغرة من هذه التآليف كنماذج، ولنبدأ بالمقرئ الشهير الشيخ علي الزواوي أحد مشايخ الشيخ عبد الرحمن الثعالبي دفين الجزائر، وعلي الزواوي هذا اشتهر في عاصمة الجزائر بضريحه حتى إنه أطلق اسمه على حي من أحياء العاصمة، ورغم إحداث حي تجاري إثر الاحتلال الفرنسي مباشرة، وهدم ضريحه خارج باب عزون وبالضبط قرب المركز الثقافي الإسلامي التابع لوزارة الشؤون الدينية بالجزائر، نهج علي بومنجل فإنه لا زالت إحدى العجائز تتفقد موضع الضريح يوما في الأسبوع لاستقبال الزوار، وهي عادة يتوارثها هؤلاء العجائز منذ طمس هذا القبر، وإحداث هذا الحي التجاري الذي لا زال كبار السكان يطلقون عليه اسم حي سيدي علي الزواوي.
    وقد احتفظ لنا التاريخ بتأليف من تآليفه في القراءات وهو بالضبط في الوقف قال ناسخه في ختامه: "كمل بحمد الله وحسن عونه وتأييده وتوفيقه في يوم الاثنين الرابع والعشرين من شهر صفر عام اثنين وثمانين وتسعمائة، وكتبه أفقر عبيده إلى رحمة خالقه أحمد بن عبد العزيز الحاج الزواوي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" اهـ.
    وكتب على ظهر التأليف في الصفحة الأولى عنوان الكتاب بحروف مغلظة وهي هذه: "هذا الوقف للإمام سيدي علي الزواوي نفعنا الله به آمين".
    كما يوجد بقرب هذا العنوان ما يلي: "في نوبة الفقير إلى رحمة ربه المنان عبده محمد بن عبد الرحمن وفقه الله سنة 1232، وفوق الكتابة خاتمه ثم بقربه خاتم آخر واسم أحد مالكيه خرمه مقص المسفر (ومالك الكتاب محمد بن عبد الرحمن هذا كان من كبار علماء الجزائر، وكانت له خزانة معظم كتبها عليها خطه) وإنني في هذه المحاضرة لم أقصد سرد أسماء هذه التآليف ومؤلفيها فقط بل التسهيل أيضا للباحثين الذين يهمهم في بحوثهم تتبع تراجم هذه الطبقة المفقودة من المقرئين.
    وفي انتظار اهتمام أولي الأمر بنشر ما تبقى من كتب التراث المعرضة للتلف فنغتنم هذه الفرصة للتعريف بهذه المؤلفات ونقل ولو بعض فقرات من هذه التآليف التي وصلتنا، قال المؤلف بعد الحمدلة والتصلية على النبي : ((…والتابعين لهم بإحسان، من حراس مصاحف التنـزيل على مراتب الترتيل، وسواس مدارج الوقف ومخارج الحروف عن التحريف بالتعليم والتصنيف، فمن اشتهر منهم في البراعة والصناعة، الإمام المقدم على أقرانه، السابق العنان، التحرير الفائق في البيان والتحرير، الساعي في تصنيفه سعي مجد مجيد الراعي ما يبغيه رعي مبدئ ومعيد، غير أنه كان مولعا بالإطناب طلب التبصير، ومبدعا في كل واد بالذهاب عدد التقصير فتجاوز بطول الإمكان، حد رغبة أهل الزمان قد عانى صدق همته، من هو واحد في الثقة أمتعني الله به إلى إملاء هذا الكتاب على قلة الرغائب وكثرة المصائب، من تتابع الحساد وعود سوق الفضل إلى الكساد وحكم الجهل على ظلم الأمر بالفساد، فعملت إذ شرعت فيه عمل من طب لمن حب، وسعى من رب عالته الرب، في حريم شرطه ما دب من فصول ما انصب عن سعة الخاطر حتى استتب ضامناً لتهذيب، فرأيت الوقوف عن سمات متداخلة المعاني في التحقيق، متباينة المباني في التلفيق مقصورة على خمس مراتب، اللازم، ومطلق وجائز ومجوز لوجه، ومرخص لضرورة الخ …)).
    نكتفي بهذه الفقرات من مقدمة المؤلف أثبتها كنموذج إذ كانت الأرضة خرمت بعض الأوراق فصعب نقلها ولضيق مجال هذه المحاضرة والوقت اكتفيت بهذا القدر أملا أن يقدم التأليف للنشر إن شاء الله فيشتغل به متخصصون في الفن.
    ولننتقل إلى التأليف الثاني الذي هو في حكم المفقود أيضا، وهو عبارة عن منظومة في القراءات لمحمد بن أحمد الوهراني نظمها سنة 899هـ، وكان صغير السن لم يجاوز العشرين سنة، وقد سمى منظومته "التقريب" وهي تحتوي على اثنين وثلاثمائة (302) بيت، افتتحها بقوله:
    بـدأت بحـمد الله معتصما به
    نـظـاما بديعا مكملا ومسهلا
    وثنيت بعد الصلاة على الرضا
    محمد والآل والصحب أشـملا
    وبعد فلما كان مـقـرأ نـافع
    أجـل مقـارئ القرءان أفضلا
    لما قـيـل فيه أنه بدار هجرة
    سـنة خير المرسلين وكيف لا
    أتيت بنـظم في روايـته التي
    بعشر سميت كيما يكون محصلا
    رواية ورش ثـم قالون مـثله
    الأنصاري إسماعيل إسحاقهم ولا
    والاثنان منهم الأولان ثلاثـة
    لـكـل وباقـيهم له اثنان فاعقلا
    ونجل لإسحاق لقاضيهم سما
    والأنصاري إسـماعيل عنه تقبلا
    أبو عمرو الدوري روايته التي
    كساها أبو الزهرا ابن عبدوس ذا العلا
    وأحمدهم يسمى المفسر مـثـله
    وأنـصافـهم عنه ابنه قد تنحلا
    كذاك ابن سعدان وللنحو ينتمي
    فـرتب أبا جاد على الكل بالولا
    ألـف لـورش ثم باء لأزرق
    وعـبد الـصمد جيم له قد تمثلا
    ودال أصبـهاني وقالون هاؤه
    وزاى أبي نشيطهم قد تأملا
    وحاء للحلواني وضاء لقاضي
    وباء للأنصاري بها قد تهلالا
    وكاف ابن عبدوس ولام مفسر
    وميم لإسحاق ونون ابنه انجلا
    وصاد ابن سعدان أخي الفضل والتقى
    فتمت رموز الكل دونك مسهلا
    إلى أن قال:
    وجئت بها وفي الأداء بغربـنا
    لـيجري عليها الحكم أول أولا
    فأطلق أن كل البدور توافـقـت
    وباللفظ استغنى عن الرمز أن جلا
    وقد صنف الأشياخ نثرا ونظمه
    كـذا فـيـهم و التنملي فأكملا
    وكالعامري الندب لكـنه أتى
    بالأعمال في بعض الأصول فأشكلا
    ولم يبق ماض للذي قد تلا سـوى
    اقـتـفاء لأثار وبالسبق فضلا
    ثم يتعرض لعلماء الفن معتذرا لعدم تضلعه في القراءات ولصغر سنه فقال:
    أقول لأستاذ يرى لي زلة
    فيصلحها بالصفح جوزيت أفضلا
    وقل لعذول أن راءه بلفظه
    ألا لـبـني العـشرين عذر تقبلا
    فما مـثـلـنا يعـنى بهذا وإنما
    كـفى المرء نبلا عد عيب له اقبلا
    ولكنني إن شاء الله ربي مكمل
    بتشهير أو توجيه ما كان مشكلا
    وأسأل ربي العون و الصدق والرضا
    وتـسهـيل ما رمنا لكل فيسهلا
    وسميته "التقريب" كي قـربة به
    أنـال مع الآبـاء في جنة العلا
    فـيا رب انفع قارئيه وناظـرا
    وما مـعه نـفعا مبيـنا فيعقلا
    وختم منظومته بقوله:
    وفي ضفر تمامه عام تسعة
    وتـسعـين بعد الثمانـمائة ولا
    ثلاثمائة واثنان أبياته بـدت
    مـهـذبة التوجيه و الحكم العلا
    فأحمد ربي ثم أشكره عـلى
    تـمـام الذي رمناه تعريفاً أولا
    وأسأله غفران وزري كـله
    كذا ذنب أشياخي والأباء أشملا
    إننا مع الأسف لم نعرف شيئا عن مؤلفها إلا ما ذكره في المنظومة.
    ولنواصل حديثنا عن بقية المؤلفات التي تعهدنا باستعراضها، ومن بينها كتاب "الطراز في شرح ضبط الخراز" للحافظ الشهير أبي عبد الله محمد بن عبد الجليل التنسي التلمساني شرح به منطومة أبي عبد الله الشريشي التي استهلها بقوله:
    هذا تمام ننظم رسم الخـط
    وهـا أنـا اتـبـعه بالضبط
    كي ما يكون جامعا مفيداً
    على الذي ألفيته معهوداً
    قال التنسي في شرحه: ((وبعد فلما رأيت من تكلم على ضبط الأستاذ أبي عبد الله الشريشي الشهير بالخراز وجدتهم بين مختصر اختصارا مخلا، ومطول تطويلا مملا، فتاقت نفسي إلى أن أضع عليه شرحا متوسطا يكون أبسط لقارئيه وأقرب لفهم طالبيه فشرعت فيه مستعينا بالله تعالى وسميته "بالطراز في شرح ضبط الخراز")) ثم ابتدأ بشرح أول البيت، وهو: ((هذا تمام نظم رسم الخط)) فقال: ((وقوله رسم الخط، اعلم أن الخط هنا هو واقع على المخطوط التي هي المصاحف، وهي يتكلم عليها بوجهين أحدهما يرجع إلى بيان الزائد والناقص وهو المسمى بعلم الرسم، وفيه نظم المؤلف ما تقدم، والوجه الثاني ما يرجع إلى علامة الحركة والسكون والشدّ والمدّ والساقط والزائد وهو المسمى بعلم الضبط، وفيه نظم المؤلف هذا الذي تكلم عليه الخ…)).
    والحافظ التنسي مشهور، إذ كان من أبرز وأمثل علماء القرن التاسع بتلمسان، وله تآليف عديدة من أهمها وأشهرها كتاب "الدر والعقيان في تاريخ ملوك بني زيان" كما اشتهر الإمام التنسي في قضية شائكة لا زال معينها لم ينضب وهي المعروفة عند المؤرخين بقضية يهود توات، وكان البطل الذي أثارها الفقيه عبد الكريم المغيلي التلمساني، وقد تسبب عنها انقسام علماء بلاد المغرب العربي: تلمسان، فاس وتونس إلى قسمين: قسم أيّد المغيلي وعلى رأسه مترجمنا التنسي والإمام السنوسي (صاحب التوحيد)، والقسم الآخر أيد خصمه في القضية، وهو القاضي العصنوني قاضي تمنطيط عاصمة بلاد توات إذ ذاك، وقد بسط هذه النازلة الإمام أحمد بن يحي الونشريسي في موسوعته الفقهية: "المعيار المعرب عن فتاوى إفريقية والأندلس والمغرب".
    كما حظي الإمام التنسي أخيراً بدراسة قيمة ضمنها الأخ الدكتور محمود بوعياد مدير المكتبة الوطنية بالجزائر، أطروحته التي نال بها الدكتورة، ولم يخل تأليف من تآليف التراجم بالمغرب العربي من إثبات ترجمته، كـ"ذيل الديباج" لأحمد بابا التنبكتي و"البستان" لابن مريم و"دوحة الناشر" لابن عسكر…الخ.
    أما تأليفه المذكور في فن القراءات فهو متداول عند المقرئين ببلاد المغرب العربي، وبلغنا أنه طبع بالمطبعة الحجرية، إلا أننا لم نطلع عليه، قبل أن نتعرض لبعض تأليف المتأخرين أي في القرنين الثاني والثالث عشر نسج عليها العنكبوت خيوطه، وهي في حكم المفقود نتحدث عن عالمين شهيرين لكل منهما عدة تأليف في طليعتها تفسير القرآن، الأول منهما عالم جزائري ودفينها الشيخ عبد الرحمن الثعالبي وثانيهما محمد بن علي الخروبي. فتفسير الثعالبي نال شهرة في الجزائر شمالها وجنوبها وحظي بالطبع إلا أن طبعته نفذت منذ زمان، وقد عثرنا على نسخة من هذا التفسير أي "الجواهر الحسان في تفسير القرآن" منذ سنوات قليلة بمكتبة الجامع الجديد المعروف بالجامع الحنفي عليها أثر حريق لفت انتباهي إليها استجازة صاحب النسخة وفي أسفلها إجازتان بخط المؤلف الشيخ عبد الرحمن الثعالبي يرجع عهدهما إلى حوالي ثلاثين سنة قبل وفاة المؤلف، وأهم ما في هذه الوثيقة ذكر المستجاز طريقة نشر تأليف الثعالبي خصوصا في التفسير، وهذا نص ما كتبه المستجاز بخطه على ظهر النسخة المذكورة من الجواهر الحسان فقال: ((قرأت على الشيخ العالم المتفنن المحدث الزاهد سيدي محمد بن الشيخ الصالح الزاهد المتبرك به سيدي مخلوف نفعني الله بجميعهم وأعاد علي من بركاتهم، ختمت عليه من تأليفه النفيسة وتصانيفه الرفيعة التي أقام الله بها الدين وأوضح بها السبيل للسالكين، قصد بذلك وجه الله فبلغه من ذلك مناه، وأظهر صدق نيته [كلمات ممحوة في الأصل] عادة الله في أهل العلم المصنفين أن تظهر تصانيفهم بعد وفاتهم على حسب الميراث، وأن في شيخنا هذا وفي تأليفه لسرا بديعا وأمرا رفيعا، لقد ظهرت تأليفه في حياته وسارت بها الركبان في الآفاق مع وجوده، وما ذلك إلا لسر أودعه الله فيه ولم يطلع عليه أحد من خلقه، مع صدق نيته وصدق النفع لعباد الله أمة رسوله وربما يكون في أثناء بعض تصانيفه والناس يختطفونه من يده ويتتبعونه بالنسخ حتى ربما أدركه النساخ قبل أن يستكمل الكراسة فينظرونه، سر إلـهي لم يتسن لمن سبقه كالغزالي وغيرهم من أئمة الهدى على علو قدرهم، فأحرى أن يتسنى لمن بعده، جزاه الله عن المسلمين خيرا، ونفعنا به وأعاد علينا من بركاته، وهي عديدة مختلفة الأجناس متباينة الأنواع لم أقم بمعرفتها، فالذي ختمته عليه منها ورويته "تفسير الجواهر الحسان في تفسير القرآن"، و"الدر المنتقى" و"كتاب الأذكار والدعوات" و"كتاب الأنوار المضيئة الجامعة بين الشريعة والحقيقة"، وكتاب "العلوم الفاخرة في أحوال الآخرة")).
    وكتب الشيخ عبد الرحمن الثعالبي تحت استجازة تلميذه ما يلي: ((بلغ قراءة تفهم وبحث من أول هذا السفر إلى هنا، وكتب عبد الرحمن بن محمد الثعالبي لطف الله به وجعله من خير الفريقين، والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. في أواخر ذي القعدة عام سبعة وأربعين وثمانمائة )).
    وكتب المجيز أي الثعالبي بخطه أسفل الاستجازة ما يلي: ((الحمد لله سمع علي الفقيه المحب الفاضل إسماعيل بن إبراهيم السنجاسني جميع هذا السفر إلى سورة سبأ وأجزته أن يرويه عني ويقرئه متثبتاً ومتحرياً بالوقف على الخوض فيما لم يصل إليه فهمه...الخ)).
    إني أضفت ترجمة الثعالبي إلى من ذكرتهم قبله ولو حظي تفسيره بالطبع إذ اغتنمت فرصة تحرير هذه الدراسة فأثبت ما اكتشفت من هذه النسخة الأصلية التي عليها إجازته بخطه، وقد كتبها قبل وفاته بثمان وعشرين سنة، إذ كتبها سنة 847هـ، وتوفي سنة 875هـ.
    ولهذا النوع من الإجازات أهمية عظمى حيث أن المستجاز يضبط اسم الأستاذ وتاريخ الأخذ عنه، ومما تمتاز به هذه الاستجازة الطريقة التي كان تلامذة الشيخ يوزعون بها تآليفه وهي جارية في بعض الجهات، فبمجرد ما يفرغ المؤلف من تحرير كراسة أو كراستين يتقاسم أوراقها الخطاطون من التلامذة ويوزعونها فيما بينهم، وعندما ينتهي المؤلف من تأليفه يكون عدد نسخه تبلغ العشرات والمئات، والذي يؤسف له أن الإجازة الثانية أكثرها غير واضح، وهذه النسخة من التفسير عثرت عليها منذ سنوات، واستعرتها من إمام الجامع الجديد إذ ذاك الشيخ محمد اليعقوبي-إمام جامع كتشاوة- وأخذت منها صوراً نقلية لي وله، وللمرحوم الشيخ محمد بابا عمرو.
    ولنضف إلى الثعالبي نبذة من ترجمة العالم الشهير محمد بن علي الخروبي المتوفى بالجزائر حوالي سنة 962 هـ، ولهذا العالم شهرة إدراكه الحكم العثماني إماما خطيبا بالجامع المالكي، قال في التعريف به صاحب "الإعلام بمن حل بمراكش واغمات من الأعلام": ((محمد بن علي الخروبي الطرابلسي المنشأ نزيل الجزائر ودفين خارجها، كان من أهل الحديث والفقه والتصوف والصلاح، واقفا على أغراضهم جمع في فن التصوف والأذكار والأوراد كتبا...)) إلى أن قال: ((وحدث بعض الجزائريين انه رأى تفسيراً له على القرآن العظيم بجزائر مزغنة وغير ذلك، وكان جماعا للكتب خطيبا بالجزائر وكان له وجاهة عند أمراء بني عثمان استعملوه في السفارة بينهم وبين أبي عبد الله المهدي الشريف الحسني مرتين فورد المغرب فأخذ عنه كثير من أهله…الخ)).
    وقد وصلنا من تفسيره مقدمته، وقد سمى تفسيره "رياض الأزهار وكنـز الأسرار".
    نقتصر على هذه اللقطات من ترجمة الإمام محمد بن علي الخروبي، ونواصل حديثنا عن بقية المقرئين الذين اخترنا استعراضهم في هذه الدراسة، وهم وإن بلغوا شهرة في عهدهم، ونوه بهم بعض تلامذتهم في أسانيدهم وفهارسهم كالمؤرخ محمد أبي راس المعسكري وغيره بالنسبة إلى عالمين جليلين وهما الشيخ أحمد بن ثابت التلمساني وأستاذه ابن توزينت، وأختم هذه الدراسة بإلحاق مقرئين جليلين وهما الشيخ محمد بن أبي القاسم البوجليلي، والشيخ علي بن الحفاف اللذين يعدان معاصرين.
    فالشيخ أحمد بن ثابت التلمساني له تأليف مشهور عن القراء بالجزائر سماه: "الرسالة الغراء في ترتيب اختلاف القراء" ينتمي أحمد بن ثابت إلى أسرة بني زيان ملوك تلمسان وقد ذكر تلميذ من تلامذته المؤرخ محمد أبو راس في رحلته عند تعداد أساتذته فقال: ((ثم تتلمذت للشيخ منصور الضرير تلميذ شيخ شيوخنا وآخر أهل الرسوخ، أحد أطواد الأسانيد الثوابت، الشيخ أحمد بن ثابت المتوفى سنة 1158هـ، بجبل ترارة لما أخرجه من أرض آبائه فرغلية تلمسان، فأتقنت على الشيخ منصور القرآن…)).
    أخذ الشيخ أحمد بن ثابت المذكور عن المقرئ الشهير أبي عبد الله ابن توزينت، وقد ترجم أبو راس ابن توزينت المذكور فقال في رحلته المتقدمة الذكر: ((ولما جمعت القرآن أتيت الشيخ منصور الضرير صاحب القراءة والأحكام أخذ بها الشيخ أبو القاسم بن توزينت المستشهد بوهران عند حاسي الأحرش سنة 1118هـ)).
    وتأليف أحمد بن ثابت صغير الحجم، وكان عمدة المقرئين إلى وقت قريب وهذه فقرات منه كنموذج افتتحه بقوله: ((الحمد لله الذي أرشدنا بكتابه واصطفانا لخدمته وأهلنا لفهم خطابه، وجعله رحمة لنا ووقاية من عذابه…)) إلى أن قال: ((…وبعد، فهذه الرسالة الغراء في ترتيب اختلاف وجوه القراء سألنيها بعض الثقات ليعرف المقدم في وجوه الرواة، فاستبنت القوي من الضعيف، وباينت المشروف من الشريف، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب…))، ثم قال بعد ذلك: ((بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد، ذكر اختلافهم في التعوذ والبسملة وبيان الراجح من ذلك فاعلم أن المستعمل عند الحذاق واتفقت الأئمة عليه هو أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لجميع القراء ونقل عن حمزة وورش أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ووردت عن حفص أيضا في بعض الطرق، ونقل عن ورش وابن كثير أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم، وروي عن أبي عمرو ونافع وابن عامر والكسائي وحمزة أعوذ بالله من الشيطان أن الله هو السميع العليم…الخ)).
    نكتفي بهذا القدر فيما يخص أحمد بن ثابت وننتقل إلى ترجمة أستاذه ابن توزينت الذي خصص تأليفه لكيفية جمع الطرق وتحرير نسبتها على قراءة الإمام نافع المدني من روايتي عيسى قالون وعثمان ورش. وقد استهل تأليفه بما يلي: ((قال كاتبه العبد الفقير لرحمة ربه محمد بن علي بن محمد بن محمد ابن أحمد المعروف بابن توزينت العبادي مولدا التلمساني دارا كان الله له ولوالديه ولأشياخه في الدارين ونفعنا ببركاته أمين...)) ثم قال: ((الحمد لله الذي أطلق ألسنتنا بلفظ القرآن، ووفقنا لحفظه وتلاوته، ووعدنا عليه بجزيل الامتنان، وجعل حمايته من أهله وخاصته ففازوا بجميل الرضوان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الرحيم الرحمن، وأشهد أن سيدنا ومولانا محمداً عبده ورسوله المصطفى من ولد عدنان، الآتي للمؤمنين بالرأفة والشفقة والحنان…)) إلى أن قال: ((وبعد، فهذا تقييد يشتمل على كيفية جمع الطرق وتحرير نسبتها بقدر الاستطاعة على قراءة الإمام نافع المدني من روايتي عيسى قالون وعثمان ورش رضي الله عن الجميع، حسبما قرأت بذلك على شيخنا المقرئ أبي عبد الله سيدي محمد بن علي العبادي المعروف بابن العطار، كما قرأ على الأستاذ المقرئ إمام الجماعة بحضرة تلمسان الشيخ السنوسي المقرئ، كما قرأ على الأستاذ المقرئ بحضرة الجامع الأزهر من الديار المصرية أبي الضياء سلطان قدس الله أرواحهم وأرواح أشياخهم في أعلى فراديس الجنـان وأسلك في ذلك طريق الشاطبية فأبدأ الكلام على رواية قالون، ثم أردفه برواية ورش لترتيب ذلك فهما وليس بملتزم، إلا أن الأحسن أن نبدأ بما بدأ به المؤلفون في كتبهم، قال الإمام القيجاطي ولنبدأ بالراوي الذي يدأوا به، ولكن هذا ربما عد سهلا وبذلك قرأني الشيخ المذكور، ثم اعلم والله العالم وبه التوفيق وهو حسبي ومنه الإرشاد إلى سواء الطريق… الخ)).
    وختم ابن توزينت تأليفه بقوله: ((وهذا آخر ما يسره الله سبحانه من تقييد قراءة شيخنا جعله الله خالصا لوجهه الكريم، ووسيلة للفوز في جنات النعيم وألتمس من المار به أن يغض الطرف عن الهفوات ويسامح فيما عثر عليه من الهفوات، فإنني لست من أهل هذا الشأن، ولا ممن له سبق في هذا الميدان، ولكن حملني عليه بعض الطلبة لما قدم علينا من أرض المغرب، وكان قد قرأ هنالك، ولم يعاهد هذه الصناعة بفاس، ولا عند أحد من الناس، لأن الشيخ السنوسي هو الذي أتى به فسألوني فاستشرت الشيخ فأذن لي مع أني قليل البضاعة، غير دري بهذه البضاعة فشرعت بما ذكرت والحمد لله على التمام ونسأله الممات على الإسلام… الخ)).
    نكتفي بهذه الفقرات من التأليفين المذكورين اللذيـن نالا إقبالا وشهـرة في أواخر العهد العثماني وأوائل عهد الاحتلال، ولنختم دراستنا بتأليفين آخرين هامين الأول للشيخ محمد بن أبي القاسم البوجليلي تلميذ الشيخ محمد أمزيان بن الحداد بطل ثورة 1871م، والثاني للشيخ علي بن الحفاف المتوفى سنة 1307هـ.
    هذا وإن تأليف الشيخ البوجليلي على صغر حجمه يزخر بالفوائد، إذ أثبت سنده في علم القراءات ببلاد زواوة التي اشتهرت بمعاهدها الخاصة بفن القراءات، تلك المعاهد التي كانت محط رجال المقرئين طيلة العهد العثماني وكان يقصدها الطلاب من القطاع القسنطيني وتونس، قال الشيخ محمد بن أبي القاسم البوجليلي في رسالته بعد الديباجة: ((وبعد، فهذه تبصرة لما قرأناه من روايات العشر عن أساتذتنا المشايخ الأعلام…)) إلى أن قال:((…مقدمة مشتملة على فوائد: الأولى بيان إسناد قراءتنا مع تاريخ وفيات بعض أشياخنا رحمهم الله؛ الثانية: ذكر بعض فضائل القرآن العزيز؛ الثالثة: رمز المنقول عنهم؛ الرابعة: تسمية الرواة ووضعهم في جدول؛ الخامسة: بيان ما يبدأ به في القراءة من العشرة)).
    ثم شرع في التفصيل فقال: ((أما إسناد قراءتنا فأقول إني افتتحت قراءتي صغيراً عن والدي رحمه الله، ثم انتقلت عام 1261هـ إلى مقام الولي الصالح سيدي عبد الرحمن اليلولي، فقرأت هناك على أشياخي السيد العربي الأخداشي بعض ختمة برواية قالون، والسيد معمر الطاهر الجنادي، حين كان هناك تلميذا، والسيد محمد بن علي بن مالك قالوا عشرا في مدة نحو أربعة، ثم أقرأت بعد نحو ثلاثين سنة في المقام المذكور على حسب وقت الرقم وتمام عامه سبعة أعوام أولها عام 1297هـ، وقرأ الجنادي على الشيخ السيد محمد بن يحيى البراتني، وقد أدركني إماما في المقام وعن الأخداشي أفرادا وعشرا، وعن الشيخ السيد محمد بن علي المزبور عشرا ونحوا، وابتدأ السبع عنه وترك الختمة في سورة الأعراف، ولم يتممها، وقال ما قرأنا قراءة صحيحة…الخ)).
    وهذا السند يعد جوهريا بالنسبة لدراستنا، إذ استعرض الشيخ البوجليلي معظم المقرئين ببلاد زواوة في عهده، كما يعد هذا السند جوهريا بالنسبة لموضوع دراستنا، وحتى لتاريخ الجزائر هو كشف الغطاء عن الغموض الذي كان يحيط بمكانة الشيخ ابن حداد العلمية، حيث ذكر الشيخ البوجليلي أنه أخذ عنه عدة فنون كالسلم و السمرقندية…الخ و إلى ذلك أشار بقوله في سنده المذكور: ((وأما شيخنا فقها وطريقة السيد محمد أمزيان بن الحداد فتوفي في قسنطينة بسبب الحرب الواقعة في ذلك الوقت ليلة الثلاثاء ثانية ربيع الثاني بعد العشاء بساعة عام 1290هـ وهو رضي الله تعالى عن جميعهم وحشرني وأهل الحب في الله تحت لواء الرحمة وله طريقة مشهورا بها بالعلم والعمل، وله فيما طرق سمعي ستمائة مقدم في الطريقة الصوفية، ومن جملتهم السيد أحمد بن موسى بسوس الأقصى مسيرة أربعة أشهر من هنا، وقرأت أنا عنه ختمة في سلم المنطق، وأخرى في الجوهر المكنون على المعاني والبيان، وأخرى في الاستعارات السمرقندية، ولهم مناقب تركت ذكرها خشية التطويل…الخ)).
    وإنني كما سبق لنا ذكره لو لم نستفد من هذا السند إلا ترجمة ابن الحداد لكان لهذا السند أهميته ووزنه، إذ تواطأ كثير من المتساهلين في تسجيل التاريخ، تصوير الشيخ ابن الحداد بأنه أمي مع أننا عثرنا على تأليف له ذكر فيه أطوار الطريقة الرحمانية بعد موت ناشرها الشيخ محمد بن عبد الرحمن الجرجري ووصف حالة البلاد بعدما أذن له شيخه المهدي السكلاوي اليراثني في رياسة الطريقة الرحمانية، لما عزم على الهجرة إلى الشام سنة 1262هـ.
    ولنختم هذه الدراسة بترجمة آخر مقرئ بالجزائر هو العلامة علي ابن الحفاف المفتي المالكي بالجزائر في عهده، هو علي بن عبد الرحمن بن محمد المدعو ابن الحفاف، أخذ عن كثير من علماء عهده أدركه الاحتلال الفرنسي في ريعان الشباب، فالتحق بجيش الأمير عبد القادر، لما كان مرابطا بمليانة فعينه الأمير كاتبه الخاص، وحينئذ أصدر فتواه الشهيرة التي حكـم فيهـا على كـل العلماء الذين لم يهاجروا من مدينة الجزائر بالكفر، ورد عليه الشيخ محمد ابن الشاهد مبينا ظروف كثير من علماء البلاد –أي مدينة الجزائر– الذين لم تساعدهم ظروفهم الخاصة على مغادرة البلدة، وجواب ابن الشاهد هذا يعد من أهم الوثائق الأصيلة في تاريخ الاحتلال، ذهب مترجمنا علي بن الحفاف إلى الحج سنة 1280هـ واجتمع بالعلامة الشيخ دحلان مفتي السادة الشافعية بمكة المكرمة، ودار بينهمـا في حكـم قـراءة البسملة في الفاتحة في الصلاة، وبعد رجوعه ألف رسالة في الموضـوع سماهـا: "الدقائـق المفصلة في تحرير آية البسملة" هذه فقرات منها: ((الحمد لله الذي فتح أقفال قلوب العلماء بدقائق الأنظار، وادخر للأواخر منهم دقائق رقائق الأفكار، وأمد الجميع بنور منبع الأنوار...)) إلى أن قال: ((وبعد فإنه لما منّ الله على العبد الحقير، بالوصول إلى الحرم الشريف و اتفق الاجتماع بالعلامة الشيخ سيدي دحلان مفتي السادة الشافعية وأنجز الكلام على البسملة…الخ)).
    كان تاريخ هذه الرسالة في 26 جمادى الثانية 1286هـ، وذيل هذه الرسالة برد على رسالة كتبها في الموضوع الشيخ عليش إمام المذهب المالكي بالأزهر أيد بها نظرية دحلان، وإلى ذلك أشار علي ابن الحفاف بقوله: ((وذيلت "الدقائق المفصلة في تحرير آية البسملة" بما ورد على من بعض فضلاء مصر وهو العلامة الشيخ محمد عليش الذي استدل بكلام الشيخ الأمير المنقول من تأليفه "ضوء الشموع على شرح المجموع" وقد رده مترجمنا ولم يسلمه)).
    ترك مترجمنا علي بن الحفاف تأليفا ضخما قيما في القراءات سماه "منة المتعال في تكميل الاستلال" تناقله المقرئون والطلاب، وواظب مدة حياته على تدريسه استهل تأليفه المذكور بقوله: ((الحمد لله الذي شرفنا بتلاوة كتابه وتفضل علينا بخدمته وفهم خطابه، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد أفضل من بلغ الكتاب، وأشرف من بعث بفصل الخطاب، وعلى آله وذريته والأصحاب، وبعد فيقول العبد الفقير، المعترف بالعجز والتقصير، علي بن عبد الرحمن بن محمد المعروف بابن الحفاف الجزائري أصلا ومنشأ، لما كان "غيث النفع" للشيخ سيدي علي النوري خاليا من الاستدلال بكلام الإمام أبي القاسم الشاطبي وكان "إنشاد الشريد" للشيخ سيدي محمد بن غازي مقتصراً على ضوال القصيد، أردت أن أجعل تأليفا مشتملا على تمام الاستدلال بما في المحل مع زيادة ما يسره الله، قاصداً وجه الله لنفع الإخوان، معترفا بأني لست من فرسان الميدان، مرتكبا طريقة سيدي علي النوري، مشيراً باللام للإمالة، وبالصاد للإدغام الصغير، وبالكاف للكبير وسميته "منة المتعال في تكميل الاستدلال"، والله أسأل أن ينفع به كما نفع بأصله إنه سميع مجيب)).
    وقال في ختامه: ((قد تم كتاب منة المتعال في تكميل الاستدلال في القراءات السبع علي يدي كاتبه ومؤلفه المعترف بذنبه وبتقصيره وبعجزه، عبد ربه علي بن عبد الرحمن بن محمد بن امحمد المدعو الحفاف –الجزائري أصلا ومنشأَ- كان الله له وللمسلمين. وذلك بتاريخ اليوم الثامن من جمادى الأولى سنة تسعة وثمانين ومائتين وألف من هجرة من له المجد والشرف صلى الله تعالى وعلى آله وسلم تسلميا)).
    توفي ابن الحفاف كما سبق لنا ذكره سنة 1307هـ، وكان من جملة مترجميه الشيخ بيرم الخامس صاحب الرحلة "صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطار" اجتمع به عند زيارته للجزائر فقال: ((ومن الأخيار الذين اجتمعت بهم ومنحوني فضائل أخلاقهم النحرير العالم الشيخ علي بن الحفاف المفتي المالكي بقاعدة الجزائر وهو من تلامذة علامة القطر الإفريقي الشيخ إبراهيم الرياحي، كما أخبرني بذلك عن نفسه، وله فضائل كاملة وتقوى وسكينة واطلاع وسعة في الفقه والحديث…الخ)).
    أما تأليفه المذكور فهو يحتوي على 467 صفحة، كل صفحة تحتوي على 27 سطراً، وكل سطر يشمل 14 كلمة.
    وبه الختام.
    ------
    عن مجلة ((رسالة المسجد )) مجلة تصدر عن وزارة الشؤون الدينية والاوقاف -
    بالجمهورية الجزائرية .
    العدد الثامن، محرم 1425هـ/ مارس 2004م--

    صدق من قال:
    بين الشيعة والصوفية شعرة فلوسب الصوفية الصحابة لصاروا شيعة ولولم يسب الشيعة الصحابة لكانواصوفية .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المشاركات
    246

    افتراضي رد: إ هتـــمام علماء الجـــزائر بعلم القرءات

    أخي الكريم
    فأما قولكم :
    ولنبدأ بالمقرئ الشهير الشيخ علي الزواوي أحد مشايخ الشيخ عبد الرحمن الثعالبي دفين الجزائر، وعلي الزواوي هذا اشتهر في عاصمة الجزائر بضريحه حتى إنه أطلق اسمه على حي من أحياء العاصمة، ورغم إحداث حي تجاري إثر الاحتلال الفرنسي مباشرة، وهدم ضريحه خارج باب عزون وبالضبط قرب المركز الثقافي الإسلامي التابع لوزارة الشؤون الدينية بالجزائر، نهج علي بومنجل فإنه لا زالت إحدى العجائز تتفقد موضع الضريح يوما في الأسبوع لاستقبال الزوار، وهي عادة يتوارثها هؤلاء العجائز منذ طمس هذا القبر، وإحداث هذا الحي التجاري الذي لا زال كبار السكان يطلقون عليه اسم حي سيدي علي الزواوي.
    وقد احتفظ لنا التاريخ بتأليف من تآليفه في القراءات وهو بالضبط في الوقف قال ناسخه في ختامه: "كمل بحمد الله وحسن عونه وتأييده وتوفيقه في يوم الاثنين الرابع والعشرين من شهر صفر عام اثنين وثمانين وتسعمائة، وكتبه أفقر عبيده إلى رحمة خالقه أحمد بن عبد العزيز الحاج الزواوي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" اهـ.
    وكتب على ظهر التأليف في الصفحة الأولى عنوان الكتاب بحروف مغلظة وهي هذه: "هذا الوقف للإمام سيدي علي الزواوي نفعنا الله به آمين".
    كما يوجد بقرب هذا العنوان ما يلي: "في نوبة الفقير إلى رحمة ربه المنان عبده محمد بن عبد الرحمن وفقه الله سنة 1232، وفوق الكتابة خاتمه ثم بقربه خاتم آخر واسم أحد مالكيه خرمه مقص المسفر (ومالك الكتاب محمد بن عبد الرحمن هذا كان من كبار علماء الجزائر، وكانت له خزانة معظم كتبها عليها خطه) وإنني في هذه المحاضرة لم أقصد سرد أسماء هذه التآليف ومؤلفيها فقط بل التسهيل أيضا للباحثين الذين يهمهم في بحوثهم تتبع تراجم هذه الطبقة المفقودة من المقرئين.
    وفي انتظار اهتمام أولي الأمر بنشر ما تبقى من كتب التراث المعرضة للتلف فنغتنم هذه الفرصة للتعريف بهذه المؤلفات ونقل ولو بعض فقرات من هذه التآليف التي وصلتنا، قال المؤلف بعد الحمدلة والتصلية على النبي : ((…والتابعين لهم بإحسان، من حراس مصاحف التنـزيل على مراتب الترتيل، وسواس مدارج الوقف ومخارج الحروف عن التحريف بالتعليم والتصنيف، فمن اشتهر منهم في البراعة والصناعة، الإمام المقدم على أقرانه، السابق العنان، التحرير الفائق في البيان والتحرير، الساعي في تصنيفه سعي مجد مجيد الراعي ما يبغيه رعي مبدئ ومعيد، غير أنه كان مولعا بالإطناب طلب التبصير، ومبدعا في كل واد بالذهاب عدد التقصير فتجاوز بطول الإمكان، حد رغبة أهل الزمان قد عانى صدق همته، من هو واحد في الثقة أمتعني الله به إلى إملاء هذا الكتاب على قلة الرغائب وكثرة المصائب، من تتابع الحساد وعود سوق الفضل إلى الكساد وحكم الجهل على ظلم الأمر بالفساد، فعملت إذ شرعت فيه عمل من طب لمن حب، وسعى من رب عالته الرب، في حريم شرطه ما دب من فصول ما انصب عن سعة الخاطر حتى استتب ضامناً لتهذيب، فرأيت الوقوف عن سمات متداخلة المعاني في التحقيق، متباينة المباني في التلفيق مقصورة على خمس مراتب، اللازم، ومطلق وجائز ومجوز لوجه، ومرخص لضرورة الخ …)).
    نكتفي بهذه الفقرات من مقدمة المؤلف أثبتها كنموذج إذ كانت الأرضة خرمت بعض الأوراق فصعب نقلها ولضيق مجال هذه المحاضرة والوقت اكتفيت بهذا القدر أملا أن يقدم التأليف للنشر إن شاء الله فيشتغل به متخصصون في الفن.

    فهذه المقدمة هي مقدمة كتاب ابن طيفور السجاوندي ( ت 560 هـ ) ، المسمى : " علل الوقوف " - وهو مطبوع بهذا العنوان بتحقيق الدكتور/ محمد العيدي ، وهو متاح على المكتبة الوقفية ، أو " الوقف والابتداء " - وهو مطبوع بهذا العنوان أيضاً بتحقيق الدكتور/ محسن هاشم درويش ، كما حققه بعنوان : " علل الوقوف في القرآن الكريم المسمى بالوقف والابتداء " الدكتور/ أشرف أحمد حافظ عبد السميع ، بجامعة الكويت ، وهو دون السابقين.
    أما الشيخ أحمد بن عبد العزيز الحاج الزواوي المذكور فهو ناسخ الكتاب ، وليس مؤلفه.
    محمد توفيق حديد

    جامعة الأزهر - كلية الدراسات الإسلامية والعربية بنين بدسوق.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المشاركات
    246

    افتراضي رد: إ هتـــمام علماء الجـــزائر بعلم القرءات

    أما هذا العلم فيبدو أنه جزائري ، لكنني لم أقف على ترجمته في جميع المظان المتاحة لي - وليس منها معجم أعلام الجزائر ، ولا سائر المصنفات التي خصت علماء الجزائر بالترجمة - فمن يعينني في ترجمته من أهل بلده ؟
    وهو - حسب قراءتي للنص الموجود تحت يدي ، والمكتوب بخط مغربي - : محمد بن أبي القاسم بن عبد الله الزعولي العجيسي الشهير بابن الغربي المقرئ المجود ( ت بعد 1017 هـ ) ، له : " روضة المجتهدين في تلاوة كلام رب العالمين " ، أخذ القراءات السبع عن شيخ الجماعة بفاس الأستاذ أبي عبد الله محمد بن أحمد بن مجبر المساري الفاسي المقرئ الحافظ النحوي الغروضي الفرضي (نحو 898 - 985 هـ) بسنده إلى النبي – صلى الله عليه وسلم - ، وأجاز بها تلميذه محمد بن مسعود بن يوسف سُوسَان الأندلسي النجار ، الملياني الدار ، الذي قرأ عليه من سورة المؤمنين إلى الختم بقراءات السبعة بما تضمنه كتاب التيسير وحرز الأماني ، أوائل شعبان سنة 1017 هـ ، وشهد على ذلك في جامع بني زعال نواحي ديار بني فراو : يحيى بن علي الوزنراني ( الورتراني ) ، وعمر بن هارون الوزنراني ( الورتراني ).
    محمد توفيق حديد

    جامعة الأزهر - كلية الدراسات الإسلامية والعربية بنين بدسوق.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •