الاعتذار للعلماء.
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الاعتذار للعلماء.

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    137

    افتراضي الاعتذار للعلماء.

    الاعتذار للعلماء
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
    أما بعد : فإن من حَقِّ العالم المسلم المتمسك بأهداب السنة والجماعة أن يُلتمس له العذر إذا بدت منه هفوةٌ في قلم أو لسان , وأن يُستر عليه ما وجدنا إلى ذلك سبيلاً , وإن رأينا لكلامه محملاً حسناً وتخريجاً صالحاً حملنا كلامه عليه ودفعنا به إليه ؛ فإن أعيانا التخريج لكلامه قلنا هي زلة مغمورة في بحر , فغضضنا الطرف عنها , ولم نجعلها ذريعة للتشفي منه أو التشنيع عليه , أو وسيلة لإسقاطه وحرمان الناس من علومه النافعة .
    ولقد كان العلماء على هذه الطريقة في التعامل مع الهفوات والزلات , أو ما يُظن أنه زلة وله وجه صالح ومحمل حسن يمكن حمله عليه .
    فلم يكن من نهجهم ما نراه اليوم من إبراز الزلة وتفخيمها والتشنيع بها على قائلها والسعي لإسقاطه بها , بل الحكم على قائلها بالبدعة والضلالة من أجلها !
    فهي زلة , ليست أصلاً ولا قاعدة عند مَن قالها , ولو نُبِّه عليها لتراجع عنها وتبرأ منها , كما هو دأبُ المنصفين من العلماء .
    وهذه نماذج من الخُلُق السامي والأدب الرفيع الذي كان يَتحلَّى به العلماء , ولا يَزال منهم بحمد لله بقية صالحة تترسم هذه الخُطى المباركة .
    قال الإمام الحافظ محمد بن يحي الذهلي , حين بلغه وفاة أحمد بن حنبل : ينبغي لكل أهل دار ببغداد أن يقيموا عليه النياحة في دورهم .
    قلت : فهذه الكلمة لو قالها أحد العلماء المعاصرين لقامت عليه حدَّادية العصر فبدَّعوه وضلَّلوه ورموا به في البحر الميت ! غير آسفين عليه , ولا مُلتفتين إليه !
    ولكن اسمع إلى ما قال الحافظ الذهبي رحمه الله معتذراً للذهلي ، حيث أورد هذه الكلمة في ترجمة الإمام أحمد في " سير أعلام النبلاء " فعقَّب عليها بقوله : قلت : تكلم الذهلي بمقتضى الحزن لا بمقتضى الشرع . انتهى
    ومضى الذهبي في سلامة الله من غير تشنيع ولاقدح ولاتنقيص من قدر الذهلي رحمه الله .
    وفي ترجمة الحافظ المتقن النسَّابة محدث الديار المصرية عبدالغني بن سعيد المتوفَّى سنة ( 409 ) , قال أبو الوليد الباجي: عبد الغني بن سعيد حافظ متقن، قلت لابي ذر الهروي: أخذت عن عبد الغني ؟ فقال: لا إن شاء الله.
    على معنى التأكيد، وذلك أنه كان لعبد الغني اتصال ببني عبيد، يعني أصحاب مصر .
    أورد الخبر الذهبيُّ في " سير أعلام النبلاء " ثم قال معتذراً للحافظ عبدالغني : قلت : اتصاله بالدولة العبيدية كان مداراةً لهم، وإلا فلو جمح عليهم، لاستأصله الحاكمُ خليفة مصر، الذي قيل: إنه ادعى الالهية .
    وأظنه ولي وظيفة لهم، وقد كان من أئمة الاثر، نشأ في سنة واتباع قبل وجود دولة الرفض، واستمر هو على التمسك بالحديث، ولكنه دارى القوم، وداهنهم، فلذلك لم يحب الحافظ أبو ذر الاخذ عنه . انتهى
    وقد ترجم أحدُ العلماء المعاصرين للإمام ابن القيم رحمه الله , فقال عنه : جلس مدةً لإنكار شد الرحل لزيارة قبر الخليل , ثم تصدر للاشتغال ونشر العلم , ولكنه معجب برأيه جرىء على أمور . انتهى
    فانبرى الإمام الشوكاني رحمه الله للدفاع عن الإمام ابن القيم , في كتابه " البدر الطالع " حيث أورد هذه الكلمة فتعقبها بقوله : قلت : بل كان متقيدا بالأدلة الصحيحة , معجبا بالعمل بها , غير مُعوِّل على الرأي , صادعا بالحق , لا يحابى فيه أحدا , ونعمت الجرآة . انتهى
    ومن الأمثلة على تأني العلماء وتركهم الرمي بالوهم والغلط , ما قاله ابن الأثير رحمه الله في كتابه " جامع الأصول 6/382 " حيث أورد حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في النهي عن الوصال في الصيام , وقد أخرجه البخاري , فقال عقبه : ولم أجد هذا الحديث في كتاب الحميديِّ ، وقد ذكره البخاري في كتاب الصوم، في باب الوصال , بعد حديث أنس ، ولا أعلم سبب سُقُوطه من كتاب الحميديِّ الذي قرأتُهُ ونقلتُ منه ، ولعله يقعُ في نسخة أخرى لكتابه ، أو أنَّهُ لم يكن في كتاب البخاري الذي رواه الحميديُّ ، ونقل منه ، والله أعلم . انتهى .
    فتامل في الأدب حيث لم يرمِ الحُميدي بالغلط , بل التمس له العذر , وخرَّج له التخاريج .
    وفي هذه الأيام شنَّع بعض طلبة العلم على تفسير الشيخ العلامة عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله , من غير أن يلتمسوا لمؤلفه العلامة العذرَ فيما قال أو يخرجوا كلامه تخريجاً حسناً , والشيخ ابن سعدي من أولى الناس بهذا المعاملة ؛ لكثرة ما نَشر الله على يديه من الخير , فقد بُورك له في كتبه وتلاميذه فكان منهم أئمة في هذا العصر , وذلك فضل الله يُؤتيه من يشاء .
    ولعل ِمن أعظم ما استدركوه على تفسير الشيخ هو قوله في تفسير قول الله تعالى { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ } البقرة (175)
    حيث قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله : ... ثم توجع لهم بشدة صبرهم على النار .
    فاستدركوا هذه الكلمة ( توجَّع لهم ) , وغلَّطوا الشيخ فيها , وقالوا هي صفة نقص لا تليق بالله , مع أنه كان بالإمكان تخريج كلام الشيخ تخريجاً حسناً من غير تغليطه أوالتشنيع عليه , فتُحمل كلمة ( توجَّع لهم ) على معنى ( رثى لهم ) كما نصَّ على ذلك أئمة اللغة ,
    ففي " معجم مقايس اللغة 6/88 " قال ابن فارس : توجعت له : رثيت . انتهى .
    وفي " المحكم " لابن سِيده : توجَّع : تشكَّى الوجع . وتوجع له مما نزل به : رثى له . انتهى
    وفي " مختار الصحاح " : تَوَجَّعَ له من كذا أي رثى له . انتهى
    وفي " لسان العرب " : توجَّعَ له مما نزل به : رَثى له من مكروه نازل . انتهى
    ثم إن معنى ( رثى له ) أي : رَحِمَه .
    قال الإمام الحجة في اللغة وعلومها ابن سِيده الأندلسي في كتابه " المحكم والمحيط الأعظم " : ورَثَيْتُ له : رَحِمْتُه . ا.هـ
    وعليه فقد رجع المعنى إلى صفة الرحمة , ويكون هذا اللفظ من باب الإخبار عنها , وباب الأخبار أوسع من باب الصفات , وبهذا نكون قد خرَّجنا كلام الشيخ العلامة عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله تخريجاً حسناً من غير تغليط ولا تشنيع , والحمد لله رب العالمين .
    وأختم المقال بكلمة نفيسة ودُرَّة ثمينة للإمام الشوكاني رحمه الله , أنقلها بطولها من كتابه " البدر الطالع 2/38 - 39 " لِما فيها من العظة والعبرة , ولا سيما لمن أضاع الزمان وأفنى الأوقات في تتبع الزلات والعثرات , ولقد جرت سنة الله تعالى أن من اشتغل بعيوب الناس اشتغل الناس بعيوبه , وأذاقوه من الكأس الذي طالما جرَّعه غيره , وأظهروا من فلتاته وزلاته ما لم يكن بالحسبان , يقول الشوكاني رحمه الله : وفى ذنوبنا التى قد اثقلت ظهورنا لقلوبنا أعظمُ شغلة , وطوبى لمن شغلته عيوبه , ومن حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه , فالراحلة التى قد حملت مالا تكاد تنوء به إذا وضع عليها زيادة عليه انقطع ظهرها وقعدت على الطريق قبل وصول المنزل , وبلا شك أن التوئب على ثلب أعراض المشكوك في إسلامهم فضلا عن المقطوع بإسلامهم جراءة غير محمودة , فربما كذب الظن وبطل الحديث وتقشعت سحائب الشكوك وتجلت ظلمات الظنون وطاحت الدقائق وحقت الحقائق , وإن يوما يفر المرء من أبيه ويشح بما معه من الحسنات على أحبابه وذويه لحقيقٌ بأن يحافظ فيه على الحسنات ولا يدعها يوم القيامة نهبا بين قوم قد صاروا تحت أطباق الثرى قبل أن يخرج إلى هذا العالم بدهور, وهو غير محمود على ذلك ولا مأجور, فهذا مالا يفعله بنفسه العاقل , وأشد من ذلك أن ينثر جراب طاعاته وينثل كنانة حسناته على أعدائه غير مشكور بل مقهور وهكذا يُفعل عند الحضور للحساب بين يدى الجبار بالمغتابين والنمامين والهمازين واللمازين ؛ فإنه قد علم بالضرورة الدينية أن مظلمة العرض كمظلمة المال والدم , ومجرد التفاوت في مقدار المظلمة لا يوجب عدم انصاف ذلك الشىء المتفاوت أو بعضه بكونه مظلمة , فكل واحدة من هذه الثلاث مظلمة لآدمى , وكل مظلمة لآدمى لا تسقط الا بعفوه , ومالم يعف عنه باق على فاعله يوافى عرصات القيامة , فقل لى كيف يرجو من ظَلم ميتا بثلب عرضه أن يعفو عنه ؟ ومن ذاك الذى يعفو في هذا الموقف وهو أحوج ما كان إلى ما يقيه عن النار ؟ وإذا التبس عليك هذا فانظر ما تجده من الطباع البشرية فى هذه الدار فإنه لو أُلقى الواحد من هذا النوع الإنسانى إلى نار من نيار هذه الدنيا وأمكنه أن يتقيها بأبيه أو بأمة أو بابنه أو بحبيبه لفعل , فكيف بنار الآخرة التى ليست نار هذه الدنيا بالنسبة إليها شيئا , ومن هذه الحيثية قال بعض من نظر بعين الحقيقة : لو كنت مغتابا أحدا لاغتبت أبى وأمى لأنهما أحقُ بحسناتي التى تؤخذ منى قسرا . وما أحسن هذا الكلام !
    ولا ريب أن أشد أنواع الغيبة وأضرها وأشرها وأكثرها بلاء وعقابا ما بلغ منها إلى حد التكفير واللعن فإنه قد صح أن تكفير المؤمن كفر ولعنه راجع على فاعله وسبابه فسق وهذه عقوبة من جهة الله سبحانه , وأما من وقع له التكفير واللعن والسب فمظلمة باقية على ظهر المكفر واللاعن والسَّبَّاب , فانظر كيف صار المكفِّرُ كافرا واللاعن ملعونا والسَّبَّاب فاسقا , ولم يكن ذلك حد عقوبته بل غريمه ينتظر بعرصات المحشر ليأخذ من حسناته أو يَضع عليه من سيئاته بمقدار تلك المظلمة , ومع ذلك فلا بد من شىء غير ذلك وهو العقوبة على مخالفة النهى لأن الله قد نهى في كتابه وعلى لسان ورسوله عن الغيبة بجميع أقسامها ومخالف النهي فاعلُ محرمٍ وفاعل المحرم معاقبٌ عليه . انتهى كلامه رحمه الله , ولله درُّه ما أجمله ! وما أحسنه من موعظة وذكرى للمؤمنين .
    { رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَ ا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ }
    وكتبه / عبدالحميد بن خليوي الجهني
    ليلة الأحد 2 ذي الحجة 1429 هـ
    ينبع - المملكة العربية السعودية - أدام الله عزَّها بالإسلام .

    http://www.abumalik.net/pageother.php?catsmktba=736
    ((وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا)).

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    137

    افتراضي رد: الاعتذار للعلماء.

    للفائدة.
    ((وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا)).

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •