مجامع اللعنة

كتبه/ أحمد يحيى
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإنه لا يشك مسلم نطق بالشهادتين، وصدَّق بالنبي -صلى الله عليه وسلم- أن دعوة الأنبياء كلهم واحدة، غايتها تحقيق العبودية لله -تعالى- دون ما سواه، وأن الأنبياء وإن اختلفت شرائعهم، إلا أنهم لم يختلفوا في أصل دعوتهم إلى توحيد الله -تعالى-، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ قَالُوا: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلاَّتٍ وَأُمَّهَاتُهُم ْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ فَلَيْسَ بَيْنَنَا نَبِيَّ) متفق عليه.
فقد أكد النبي -صلى الله عليه وسلم- على أن الأنبياء -عليهم السلام- متفقون في أصل دعوتهم، وخص من بينهم عيسى -عليه السلام-؛ لأنه ليس بينهما نبي، وهذا أحرى أن يعي المسلم حقيقة دعوة المسيح -عليه السلام-، وما أرسل به من عند الله -تعالى-، وهذا ما لخصه النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- مرفوعًا: (مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ، أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ) متفق عليه.
فجمع النبي -صلى الله عليه وسلم- بين نفسه الكريمة وبين عيسى -عليه السلام- في صفتي العبودية والرسالة؛ ليشير بذلك إلى المعنى السابق، أنه أولى الناس بعيسى ابن مريم -عليه السلام-، وأن وسطية عيسى -عليه السلام- هي ذاتها وسطية محمد -صلى الله عليه وسلم-، وفي ذلك رد على اليهود الذين انتقصوه ونفوا رسالته، وعلى النصارى الذين غلوا فيه ونفوا عبوديته لله -تعالى-، فكانت أمة الإسلام هي أولى الناس بعيسى -عليه السلام-، وهم الذين اتبعوه حقًا؛ كما قال -تعالى-: (إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)(آل عمران:55)، فإن الذين اتبعوه على الحقيقة هم المسلمون، فهم الظاهرون فوق الناس إلى يوم القيامة، وليس من ضل عن دينه الذي أرسله الله به.
وللأسف فإن هذا المعنى -الذي نريد أن يفهمه ويتدبره نصارى اليوم- قد غاب عن كثير من أبناء الإسلام، حتى ظنوا أن نصارى اليوم هم المقصودون بأنهم أتباع المسيح وحواريوه، ولا يدرون -عن جهل- أن دين هؤلاء النصارى ليس هو الدين الذي أُرسل به المسيح -عليه السلام-؛ فإن دعوة عيسى -عليه السلام- إنما كانت لتوحيد الله -عز وجل-، كما أخبر به القرآن في قوله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ)(المائدة:116).
والعجيب أن نفس هذا المعنى ما زال موجودًا في الإنجيل الذي بين أيدي نصارى اليوم، رغم ما حرفوا فيه وغيروا، ففي إنجيل مرقس (12/28-29): "فجاء واحد من الكتبة، وسمعهم يتحاورون، فلما رأى أنه أجابهم حسنًا سأله: أية وصية هي أول الكل؟ فأجابه يسوع: إن أول كل الوصايا هي اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد".
وفي إنجيل يوحنا (17/3): "وَهَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلَهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ"، وفيه أيضًا (20/17-18) في ذكر حديث المسيح مع مريم المجدلية: "قال لها يسوع لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي، ولكن اذهبي إلى إخوتي، وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم".
فظلت الدعوة إلى التوحيد على لسان المسيح -عليه السلام- حتى فيما تناقلوه بينهم في أناجيلهم المحرفة.
إذن، كيف تغير دين المسيح من الحنيفية إلى ما عليه نصارى اليوم من وثنية في ثياب المسيحية؟
أقول: إن وثنية نصارى اليوم ليست حديثة الميلاد ولا جديدة المهد، بل إن نصارى اليوم هم خلفاء الذين غيـَّروا دين المسيح وبدلوه أول مرة، فإن فروع تلك الشجرة الخبيثة استمدت خبث ثمارها من خبث أصولها.
وتلك الأصول التي أنبتت تلك الشجرة لم تكد تتفق فيما بينها على قول واحد، بل تفرقوا وتشرذموا طوائف عدة كلما دخلت أمة لعنت أختها، حتى توارثوا الفرقة والاختلاف، بل التلاعن أيضًا، فإنك لو طفت في تاريخهم المظلم لوجدتهم كما قال الله -تعالى-: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ)(الحشر:14)، لا يتفقون إلا على شيء واحد فقط هو الكذب على الله -عز وجل-؛ ولذا فلا غرابة أن تـُنبت أشجار الكذب ثمار الفرقة والاختلاف، وهذا من عقوبة الله -تعالى- لهم في الدنيا، وأما في الآخرة فكما قال -تعالى- فيهم: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّر ِينَ)(الزمر:60).
فإذا أردت أن تعرف مدى كذبهم فانظر مدى اختلافهم، وهذا على عكس ما يظنه سذج المسلمين ممن غرتهم دعوات الكذب النصرانية إلى التسامح والتقارب، ثم جروهم رغمًا عنهم إلى الدعوة إلى وحدة الأديان المزعومة، وجهلوا أو تجاهلوا ما كان يفعله النصارى -وما زالوا يفعلونه- ممن فارقهم واختلف معهم من أبناء ملتهم.
النصارى والدين الجديد:
ظلت الدعوة إلى التوحيد بعد رفع المسيح -عليه السلام- إلى السماء بين الحواريين وأتباعهم، وكان النصارى بين شقي الرحى؛ بين اضطهاد اليهود، واضطهاد الرومان الوثنيين، فلم تكد تمر ثلاثمائة سنة على رفع المسيح -عليه السلام- حتى تخلى النصارى عن كثير من شعائر دينهم رغبة في استمالة الرومان الذين ثبتوا على وثنيتهم ليستنصروا بهم على اليهود، الذين أرهقوهم ذلاً واستعبادًا، فركبوا لهم دينًا يجمع بين ما تبقى بأيديهم مما توارثوه عن أسلافهم وبين ما يعتقده الفلاسفة الوثنيون، فنقلوهم من عبادة الأوثان المجسمة إلى عبادة الصور التي لا ظل لها، حتى امتلأت بها كنائسهم إلا القليل، ونقلوهم من السجود للشمس إلى السجود جهة المشرق، ونقلوهم من القول باتحاد العاقل والمعقول والعقل إلى القول باتحاد الأب والابن والروح القدس، فاندرست بذلك معالم دينهم، وطمست شعائره تحت ثياب الوثنية الطاغية آنذاك.
المجامع المسكونية:
مع انتشار الداء الوثني في جسد الأمة النصرانية ظل من عقلاء النصارى من ثبت على ما كان عليه أسلافهم السابقون أو كان قريبًا من ذلك، وذلك عند بداية تحريف دين المسيح، فأعلنوا استنكار فشو تلك العقائد الوثنية بين أتباع المسيح -عليه السلام- الذي كانت دعوته في صلب التوحيد، فنشأ بسبب هذا الاختلاف العلني عدة مجامع تفصل في هذا الاختلاف والتي أطلق عليها "المجامع المَسكونية"، وهي نسبة إلى المسكونة، أي الأرض التي يسكنها البشر؛ لأنهم أرادوا أن تنتشر الدعوة إلى معتقدهم في كل بقاع الأرض.
ويطلق على المجمع أنه مجمع مسكوني إذا توفر فيه أربعة شروط:
1- انعقاده بسبب ظهور بدعة أو انشقاق يؤثر على الإيمان الكنسي.
2- انعقاده بدعوة من الإمبراطور المسيحي.
3- حضور غالبية أساقفة الكنيسة شرقاً وغرباً، حتى يتم تمثيل كامل للكنيسة الجامعة ككل.
4- إقرار حكم جديد أو الاستقرار على رأي لم يُتفق عليه من قبل.
وقد اجتمع النصارى عشرة مجامع مسكونية، كان أولها على عهد الملك "قسطنطين" الذي جمعهم من سائر الأقطار، وكان آخرها على عهد معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- أو بعده بقليل، ليتفرقوا كعادتهم ما بين لاعن وملعون! هذا مع أنه كان بين المجمع الأول والعاشر أقل من ثلاثمائة سنة، وأصحاب تلك المجامع هم كبار الأساقفة، بلغوا خلال تلك المجامع العشرة أكثر من أربعة عشر ألفًا، ومع ذلك تفرقوا بين لاعن وملعون!!
وهذه المجامع العشرة هي:
1- مجمع أنطاكية (324م):
وحضره "13" أسقفًا فقط، وقرروا فيه لعن بولس وكل من يقول بقوله: "إن الله جوهر واحد وأقنوم واحد، ويسمونه بثلاثة أسماء، ولا يؤمنون بالكلمة ولا بروح القدس".
2- مجمع نيقية (325م):
عقد في مدينة نيقية بتركيا بعد ما ظهر رجل يدعى "آريوس" يظهر الاعتقاد بأن المسيح رسول من عند الله، مخلوق كغيره من البشر، ليس له صفات الإلهية، فدعا الملك "قسطنطين" كنائس النصارى لعقد مجمع للفصل بينهم في حقيقة المسيح -عليه السلام-، فحضر المجمع (2048) أسقفًا من مختلف أنحاء العالم، ثم انقسموا فريقين فريق يؤيد (آريوس) في اعتقاده، وكانوا (1731) أسقفًا، وفريق معارض يقول بألوهية المسيح، وكانوا (317) أسقفًا فقط برئاسة (إثناسيوس) الذي كان شماسًا في كنيسة الإسكندرية.
استعرض الملك (قسطنطين) الآراء، ومال إلى رأي (إثناسيوس) وأتباعه -رغم قلتهم-؛ إذ يقرون بتجسد الآلهة ونزولها من السماء، كما كانت عليه عقيدة الرومان الوثنية التي يؤمن بها "قسطنطين"، فوجد هذا الوثني ضالته في ذاك الرأي.
ومن أعجب العجب أن يفصل هذا الوثني بين طوائف النصارى المختلفة حول حقيقة المسيح، ويستنصروا به في نصرة مذهبهم رغم وثنيته، ولعلهم اضطروا إلى تعميده في مرض موته؛ لئلا يكون ذلك وصمة عار في جبينهم ومستمسكًا عليهم لمخالفيهم ممن رفضوا عقيدته الوثنية، ولكن مهما فعلوا فسيظل ذلك وصمة عار في جبينهم، حتى يرجعوا إلى ما كان عليه المسيح -عليه السلام- من التوحيد.
وفي هذا المجمع أصدر المجمع قانون الإيمان الذي اتفق عليه موافقو (قسطنطين) و(إثناسيوس) والذي يقرون فيه بأن المسيح هو: "ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر"، وهذا الذي عليه كافة طوائف النصارى اليوم.
وفيه أيضًا اختيرت الأناجيل التي لا تتنافى مع معتقدهم وتجميعها في مجلد واحد أصبح فيما بعد "العهد الجديد"، الذي يجمع أناجيل (مرقس) و(متى) و(لوقا) و(يوحنا)، وأحرقوا كافة الأناجيل الأخرى التي تتعارض مع معتقدهم، وإن كانت أقدم من تلك الأناجيل المختارة، ويؤكد ذلك اكتشاف (إنجيل يهوذا) الذي يناقض ما هم عليه من وثنية، والذي يعتبر تاريخه أقدم من تاريخ تلك الأناجيل الأربعة، كما يظهر من مخطوطاته التي تشير إلى القرن الثالث الميلادي.
وعلى إثر هذا المجمع لُعن (آريوس) ومن معه ممن أنكروا ألوهية المسيح -عليه السلام- وصلبه.
3- مجمع القسطنطينية الأول (381م):
وفيه أقر القول بألوهية الروح القدس الذي نصره (ملانيوس) ضد (مكدونيوس) الذي نفاها.
4- مجمع أفسس الأول (431م):
وفيه أقر قول (نسطورس) الذي تنسب إليه (النسطورية)، والذي كان يقول: إن للمسيح طبيعتين لاهوتية وناسوتية، وأن مريم ولدت الناسوت فقط دون اللاهوت.
5- مجمع أفسس الثاني (449م):
وفيه أقر قول (أوطيسوس) بأن المسيح قبل التجسد له طبيعتان، وأما بعد التجسد فله طبيعة واحدة متحدة الناسوت واللاهوت، وهذا هو قول (اليعقوبية) قديمًا و(الأرثوذكس) حديثًا.
6- مجمع خلقيدونية (451م):
وأنشئ بسبب اختلافهم حول طبيعة المسيح، إذ نصر القول بأن للمسيح طبيعتين ومشيئتين، إحداهما ناسوتية والأخرى لاهوتية نتيجة حلول اللاهوت (الأب) في الناسوت (الابن)، بينما ظلت طائفة أخرى تقول بأن للمسيح طبيعة واحدة متحدة اللاهوت والناسوت، وأنهما لم يتفارقا لحظة واحدة.
وهذا المجمع هو الذي قسم الكنائس النصرانية إلى قسمين، فالكنائس الرومانية والبيزنطية تقول بالقول الأول الذي أقره هذا المجمع، والكنائس الشرقية والأرمينية والسريانية تقول بالثاني الذي عارضه وأنكره، ولذلك فهي لا تقر بهذا المجمع ولا بما بعده.
وعلى هذا الاختلاف نشأ الاختلاف المعاصر بين الكنائس النصرانية، فتوارث الكاثوليك القول الأول، وتوارث الأرثوذكس القول الثاني.
7- مجمع القسطنطينية الثاني:
وفيه أقرت مقالة (الملكانية) مرة أخرى بحد السيف بعد أن كادت تضعف أمام (اليعقوبية).
8- مجمع نيقية الثاني:
وفيه أقر القول بقيامة المسيح ضد من نفاها والتأكيد على ما أقر في مجمع (خلقيدونية).
9- مجمع رومية:
وكان هذا زمان معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما-، وفيه ثبتت أقوال المجامع السابقة له بدءًا من مجمع (خلقيدونية).
10- المجمع العاشر:
وفيه أقر ما أقر في المجمع التاسع.

الخلاصة:

هذه هي أشهر المجامع عند النصارى، وإن كان أشهرها سبعة مجامع، وهي ما عدا الأول والتاسع والعاشر، وهذا وفقًا للكنائس الرومانية والبيزنطية "والتي انبثق منهما المذهب الكاثوليكي"، أما الكنائس الشرقية والأرمينية والسريانية "والتي انبثق منها المذهب الأرثوذكسي" فالمجامع عندهم أربعة فقط من هذه السبعة، فلا يقرون بمجمع خلقيدونية وما بعده، إذ أنها أقرت عقيدة الطبيعتين والمشيئتين التي تنكرها تلك الكنائس.
وأشهر هذه المجامع كلها (مجمع نيقية) ثم (مجمع خلقيدونية)، فالأول أقر ألوهية المسيح وأُصدر فيه قانون الإيمان المسيحي الذي يؤمن به كافة طوائف النصارى اليوم، والثاني أقر عقيدة الطبيعتين والمشيئتين، وهو الذي قسم الكنيسة إلى طائفتين على إثر اختلافهم حول طبيعة المسيح.
وكما ترى؛ فهذه نتيجة تلك المجامع التي فصلت بين الطوائف النصرانية، تفرق وتشرذم ولعن؛ لأجل أنهم لم يسلكوا الطريق القويم لمعرفة ما يعتقدونه برجوعهم إلى ما كان عليه سلفهم، حتى قال بعض العقلاء فيهم: "لو اجتمع عشرة من النصارى يتكلمون في حقيقة ما هم عليه لتفرقوا عن أحد عشر مذهبًا"!!
لا عجب، فقد تجد الواحد من هؤلاء يحمل بين طيات جنباته اعتقادات مختلفة يضرب بعضها ببعض، تختلف عما يحمله أبوه وأمه، حتى إنه ليكفرهم ويلعنهم ولا يشعر، بل ربما يلعن نفسه ولا يشعر!!

يقول ابن القيم -رحمه الله- في هداية الحيارى ص345:
"وقد اشتملت هذه المجامع العشرة المشهورة على زهاء أربعة عشر ألفًا من الأساقفة والبطاركة والرهبان، كلهم يكفر بعضهم بعضًا ويلعن بعضهم بعضًا، فدينهم إنما قام على اللعنة بشهادة بعضهم على بعض، وكل منهم لاعن ملعون".
فهذا هو حالهم، فلمْ نبعد إذ أطلقنا عليها "مجامع اللعنة".

مصادر يمكن الرجوع إليها في ذلك:
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، لابن القيم.
مناظرة بين الإسلام والنصرانية، لمجموعة علماء.