اليقين عند الفقهاء
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: اليقين عند الفقهاء

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    26

    افتراضي اليقين عند الفقهاء

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى .. أما بعد
    فكثيرا ما يرد فى كلام الفقهاء لفظة ((اليقين)) بمعنى الظن الراجح، ويعرف ذلك من تصفح كلامهم كقولهم باشتراط اليقين فى الأمور التعبدية كمعرفة جهة القبلة، قال القاضي حسين(1 ) وصاحبه البغوي(2 ) وغيرهما إنه إذا كانت هناك علامات وأتقن النظر علم الجهة يقينا (3 ) مع أنه مهما وضع لها من علامات كالنجوم ووضع لها من آلات كالربع والاصطرلاب فإنها كما قالوا تفيد غلبة الظن للعالم بها، على أن محاريب الدنيا كلها نصبت بالتحري حتى منى.(4 )
    و قال الإمام الشافعى إنما يعاقب الناس على اليقين( 5)، ومن المعلوم أن ما تثبت به الحقوق والحدود لا تخرج عن كونها ظواهر؛ فيكون المعنى أنه قد علم ظنيته يقينا، فقولهم يقينا وعلى اليقين يفيد أن حكمه اللزوم عملا وعلما على الظن فيلزمه أن يعلم ظنيته(6 ).
    قال النووى:(( واعلم أنهم يطلقون العلم واليقين ويريدون الظن الظاهر لا حقيقة العلم واليقين فإن اليقين هو الاعتقاد الجازم))(7 )..
    لقد اشتهر عن الفقهاء أنهم يطلقون لفظ المعلوم على المظنون، وذهب بعض العلماء إلى أن موضوع الفقهيات الظن مطلقا وليس ثم مدخل فيها لليقين، وبالغ بعضهم فقال إنه ليس المراد باليقين - أى عند الفقهاء- القطع(8 )،وعليه يكون استعمالهم لهذا اللفظ مجاز مطلقا وليس على حقيقته،وهذا فى حد ذاته مخالف للاستعمال اللغوى فالأصل استعمال اللفظ لحقيقته وليس على سبيل المجاز.
    لكن هذا ليس مسلما فهناك مسائل فقهية تقوم على اليقين كقسمة الميراث، فعبارة من قبيل: ((إنه لا يقصد باليقين عند الفقهاء القطع مطلقا)) هى من إلقاء الكلام على عواهنه.
    والواقع أن اليقين فى الاستعمال الفقهى يشمل: القطع، وغلبة الظن؛ أى أن هناك نوعا من توسيع دلالة اللفظ لدى الفقهاء، قال الطحاوى فى الحاشية على مراقى الفلاح فى بعض المواضع«والمراد بالتيقن هنا غلبة الظن لأن حقيقة اليقين متعذرة»(9 )ومصدر ذلك أن الشرع قد أقام هذا الظاهر مقام اليقين(10) إذ لو فرضنا العمل على القطع تعطلت الأحكام لندرة القواطع وقلة مدارك اليقين كما أقام شهادة الشاهدين التي تفيد الظن مقام اليقين في شغل الذمة فأخذ غالب الظن عندهم مأخذ اليقين(11 ) واندرج تحت مسماه.
    لكن هل معنى ذلك أن الأحكام الفقهية معظمها أو كلها ظنية؟
    لا شك أن ذلك القول أقرب للبطلان لأنه يخالف مقاصد الشرع ويضعف من قوة إلزام الشريعة، والواقع أن الأحكام الشرعية يقينية بدليل أنهم يطلقون عليها ألفاظا لا تطلق إلى على ما وصل إلى درجة اليقين كلفظ التحريم والإيجاب.
    لكن ذلك يوقعنا فى إشكال آخر وهو: كيف ينبنى اليقين على الظن ونحن نعرف أن النتائج تتبع أخس مقدماتها فإن كان الفقه مبناه على الظنون فكيف يفترض أن يترتب على تلك الظنون أحكاما يقينية واجبة الاتباع لدرجة أنه يمكن أن يتعلق بها مصير الإنسان فى الدارين ويحاسب على التزامه بها كما يحاسب على التزامه بالقضايا اليقينية كمسائل الإيمان؟
    يجيب الأصوليون على ذلك بأن لا تنافى بين ظن المجتهد الحكم ووجوب العمل به؛فكل مظنون للمجتهد قطعا وجب العمل به قطعا،وهذا الحكم مظنون قطعا.. فوجب العمل به قطعا؛ أما الصغرى فتعرف بالوجدان فالمرء يشعر بظنه كما يشعر بجوعه وعطشه، وأما الكبرى وهى وجوب العمل بظن المجتهد فقد اختلفوا فى مصدرها وأصح ما قيل فيها إنها معلومة بالإجماع، ذكره الشافعى فى الرسالة، والغزالى فى المستصفى، يقول صاحب كتاب تيسير التحرير والتحبير: (( الأحكام الفقهية كلها يقينية وإن كان أكثر أدلتها أمارات ظنية لانعقاد الإجماع على وجوب العمل بالظن على المجتهد إذا أدى إليه اجتهاده؛ فكل حكم كذا يجب العمل به قطعا تعلق به الخطاب قطعا ولا نعني بالقطعي إلا هذا فثبت أنها قطعية والظن في طريقها))(12 ).
    ---------------
    (1 )هو أبو على الحسين بن أحمد بن محمد المروزى الفقيه الشافعى المعروف بالقاضى حسين صاحب التعليقة فى الفقه ، كان إماما كبيرا صاحب وجوه غريبة فى المذهب ،توفى سنى 462 بمروروذ . انظر ابن خلكان : وفيات الأعيان 2/134-135.
    ( 2)هو أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد، المعروف بالفراء، البغوي الملقب ظهير الدين الفقيه الشافعي المحدث المفسر صاحب " التهذيب " في الفقه، وكتاب " شرح السنة " ، و " معالم التنزيل " ، توفي سنة 516 بمروروذ . انظر ابن خلكان : وفيات الأعيان 2/136
    (3 )محيى الدين أبى زكريا بن شرف النووى : المجموع شرح المهذب، تحقيق محمود مطرحى ، دار الفكر بيروت، ط1 1417-1996، 1/242
    (4 )ابن عابدين: حاشية رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار في فقه مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان ويليه تكملة ابن عابدين لنجل المؤلف ، مصححة بإشراف مكتب البحوث والدراسات دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع 1/421
    ( 5)الشافعى محمد بن إدريس : الأم ، دار المعرفة بيروت ط2 ، 1393، 6/144
    (6 )ابن عابدين: حاشية رد المحتار 2/4
    (7 )النووى : المجموع 1/245
    ( 8)السيوطي عبد الرحمن بن أبي بكر: الأشباه والنظائر،دار الكتب العلمية بيروت ط1،1403،ص54-55
    ( 9)انظر أحمد بن محمد بن إسماعيل الطحاوي الحنفي :حاشية على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح،المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق 1318 ، 1/65،144،74.
    ( 10)النووى: المجموع 2/23
    (11 )النووى: روضة الطالبين وعمدة المفتين ، المكتب الإسلامى بيروت ، ط2 ،1405هـ 11/159 .
    ( )أمير بادشاه : تيسير التحرير طبعة دار الفكر 1/11

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    418

    افتراضي رد: اليقين عند الفقهاء

    هل معنى اليقيل عند الفقهاء أنه الضن الراجح هو المعنى الشرعى الصحيح؟

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    26

    افتراضي رد: اليقين عند الفقهاء

    اليقين له معنى لغوى ومعان اصطلاحية تختلف من صناعة لأخرى، وهو عند الفقهاء لفظ يتسع ليشمل اليقين وغلبة الظن .

  4. #4
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,249

    افتراضي رد: اليقين عند الفقهاء

    لكن هل معنى ذلك أن الأحكام الفقهية معظمها أو كلها ظنية؟
    لا شك أن ذلك القول أقرب للبطلان لأنه يخالف مقاصد الشرع ويضعف من قوة إلزام الشريعة، والواقع أن الأحكام الشرعية يقينية بدليل أنهم يطلقون عليها ألفاظا لا تطلق إلى على ما وصل إلى درجة اليقين كلفظ التحريم والإيجاب.
    بارك الله فيك.. لا إشكال إن شاء الله في أن يقال أن الأحكام الشرعية معظمها ظنية - وليس كلها - لأن الاجتهاد الذي يأتي منه ذلك الظن - الذي يدخله الفقهاء في وصف اليقين - إنما هو إفراغ الوسع في استنباط الحكم من أدلته، وبلوغ قدر من القناعة عند المجتهد - بحسب وسعه وقدرته - بصحة ما أداه إليه نظره، لا يرتاب معه في صواب ما ذهب إليه، فهذا ما يوجب عليه العمل وإن كان في حقيقته غلبة ظن وليس قطعا أو جزما مطلقا .. فمعلوم أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأن ما يصيبه أحدهم يخطئه غيره، وأن البشر يتفاوتون في ذلك.
    فلو اختلفت أنظار المجتهدين في استنباط الحكم في مسألة من المسائل، فهذا تكليفهم وواجبهم: العمل بما انتهى إليه كل منهم - والذي هو حينئذ ظن وليس جزما أو قطعا بأنه هو حكم الشرع حقا، وإلا لما وجد الخلاف! - شريطة أن يكونوا قد أفرغوا وسعهم في النظر ولم يفرطوا أو يتبعوا الهوى.
    فهو ظن ولكنه ظن جاء من إفراغ المجتهد وسعه في طلب الحق، وهو إنسان مبتلً بالنقص البشري الجبلي الذي لا يسلم منه أحد.. فكان من رحمة الرب جل وعلا أن بنى الأحكام كلها على ذلك القدر الذي يُنتهى إليه عند كل مكلف، والذي لا يوصف إلا بأنه غلبة الظن.. فالحمد لله على نعمة الإسلام.
    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    26

    افتراضي رد: اليقين عند الفقهاء

    جزاك الله خيرا وزادك علما وشكرا على مرورك أخى الكريم أبو الفداء.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •