السيد يسين

أزمة الحوار في المجتمع العربي

ليس هناك شك في أن ثمة أزمة في الحوار السياسي والفكري في المجتمع العربي، وترد هذه الأزمة إلى أسباب متعددة ومتشابكة ومعقدة في الوقت نفسه. ونحتاج حتى نفهم الأسباب العميقة للأزمة إلى أن نرسم خريطة سياسية للنظام الإقليمي، وخريطة ثقافية للمجتمع العربي في ذات الوقت.



والواقع أن الخلافات السياسية والإيديولوجية العربية- العربية قديمة ومتجددة في الوقت نفسه. ولا ننسى في هذا المجال أن أبرز الخلافات العربية القديمة ظهرت في العهد الناصري حين صيغ التصنيف الشهير للدول العربية الذي قسمها إلى دول تقدمية ودول رجعية! (الدول التقدمية كانت -في عرف هذا التصنيف- هي الدول "الثورية" مثل مصر وسوريا والعراق، في مواجهة الدول التقليدية).



ودار الصراع أساساً -على الصعيد الإيديولوجي- بين الاشتراكية والتوجه الإسلامي.


المساجلات ليست حواراً بالمعنى الصحيح، لأن أطرافها تنطلق من أن كل طرف هو الذي يمتلك الحقيقة المطلقة! وحين يسود هذا الاتجاه يلغي الحوار.


ودار الجدل الفكري المحتدم بين أنصار الماركسية ودعاة الاشتراكية العربية وذلك داخل معسكر الدول التقدمية، بالإضافة إلى الصراع مع مفكري معسكر الدول "الرجعية"، الذين رفعوا راية الإسلام للدفاع عن صحة توجههم الإيديولوجي وبطلان آراء أنصار الاشتراكية.



كانت هذه سنوات عجافا حقاً في تاريخ الحوار العربي العربي وهي التي سماها عالم السياسة الأميركي المعروف "مالكوم كير" الحرب الباردة العربية، قياساً على الحرب الباردة العالمية، التي دار فيها الصراع الإيديولوجي العنيف بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية.



وهذه المساجلات لم تكن حواراً بالمعنى الصحيح، لأن أطرافها انطلقت من أن كل طرف هو الذي يمتلك الحقيقة المطلقة! وحين يسود هذا الاتجاه فإنه عملياً يلغي الحوار، لأنه -بحسب التعريف- يعني من بين ما يعنيه إمكانية قبول نقد الآخر، والاستعداد للوصول إلى حل وسط. وذوت هذه المساجلات الإيديولوجية، خصوصاً بعد هزيمة يونيو 1967، حيث رفعت مصر رائدة الدول التقدمية شعار "وحدة الصف" في مواجهة إسرائيل، بدلاً من الشعار الماضي "وحدة الهدف". وبعبارة أخرى أراد هذا الشعار الجديد أن يقول إنه مهما كان هناك تباين في طبيعة الأنظمة السياسية العربية، إلا أن الأهم من ذلك هو الوحدة في مواجهة الدولة الصهيونية لإزالة آثار العدوان.



ودارت مساجلات حادة أخرى بعد حرب أكتوبر 1973، حين اتجهت مصر -من أجل استكمال مشروعها الأساسي وهو تحرير الأراضي المصرية- إلى عقد سلام تفاوضي مع دولة إسرائيل. وتم ذلك أولاً من خلال توقيع اتفاق كامب ديفيد، واستكملت الخطوات بتوقيع معاهدة الصلح المصرية/ الإسرائيلية. وأدى الموقف المصري من الاعتراف بإسرائيل وتوقيع معاهدة سلام معها إلى مساجلات إيديولوجية حادة وصراعات سياسية عنيفة بين مصر وباقي الدول العربية الرافضة، التي أطلقت على نفسها "جبهة الصمود والتصدي". في هذه المرحلة أيضاً توقف الحوار وسادت المساجلات الإيديولوجية الحادة، وكل طرف يتهم الآخر بأنه على باطل، وأن الحق هو الذي يعبر عن موقفه. وجاء عام 1990 الذي شهد الغزو العراقي غير المشروع لدولة الكويت، والذي كان في الواقع انقلاباً على معاهدة الدفاع العربي المشترك من ناحية، وعلى الشرعية الدولية من ناحية أخرى. وانقسم العالم العربي بين دول معارضة للغزو ودول مؤيدة.



وهنا نحن نشهد هذه الأيام الانقسام العربي حول السلوك السياسي لحركة "حماس" التي قامت بانقلاب عسكري ضد السلطة الفلسطينية في غزة، وأرادت الزعم بأنها هي التي تمثل الشعب الفلسطيني. وقد أدى السلوك الفعلي لـ"حماس" وغياب استراتيجية واضحة لها في موضوع مقاومة إسرائيل، وتذبذبها بين قبول التهدئة وإطلاق الصواريخ العشوائية، إلى تقديم الذريعة للدولة الإسرائيلية العنصرية لأن تشن حربها الهمجية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل في غزة.



وتعقد الحوار العربي- العربي في هذا المجال أيضاً، نتيجة تدخل إيران من ناحية ودعمها المطلق لـ"حماس" وتشجيعها لها على عدم التفاوض مع إسرائيل، وعلى المقاومة حتى ولو كان ذلك بغير استراتيجية واضحة، وبغير إجماع من الشعب الفلسطيني كله، وبدون تعبئة حقيقية. وذلك بالإضافة إلى دخول "حزب الله" اللبناني إلى صميم ساحة المساجلات العقيمة من خلال خطب ن نصر الله التحريضية العقيمة، التي لم تزد الموقف إلا اشتعالًا.



وهكذا توقف الحوار الفلسطيني- الفلسطيني نتيجة دخول أطراف إقليمية مثل إيران، ودعمها الصريح للاتجاهات المتطرفة لحركة "حماس" التي -كما أعلن قادتها- تريد تصفية السلطة الفلسطينية، وإنشاء مرجعية فلسطينية تهيمن عليها، مما سيؤدي في النهاية إلى تضييع قضية الشعب الفلسطيني إلى الأبد!



وليس غريباً أن يمر الحوار السياسي العربي- العربي بأزمة حادة عنيفة، بعد أن حاولت بعض الدول الصغيرة مثل قطر أن تختطف مؤتمرات القمة لحسابها، بدعم من إيران، سعياً وراء إدخال النظام الإقليمي العربي في دائرة نظام شرق أوسطي جديد فيه إيران وفيه إسرائيل معاً! وإن كانت هناك أزمة في الحوار السياسي بين الدول العربية فإن هناك أزمة أخرى لا تقل تفاقماً في مجال الحوار الأيديولوجي، بين تيار الإسلام السياسي والتيار الليبرالي العربي.



ومن المعروف أن ممثلي الإسلام السياسي ظهروا في عديد من البلاد العربية سواء من خلال المنابر الشعبية التي احتكروها بحكم لجوئهم إلى الخطابة الدينية التحريضية، أو من خلال الانتخابات كما حدث في حالة "حماس"، وفي حالة مصر حيث انتخب ما يزيد على ثمانين نائباً من نواب "الإخوان المسلمين" في الانتخابات التشريعية الأخيرة، على رغم أنها جماعة محظورة بنص القانون، ولكنهم انتخبوا كمستقلين.



ويمكن القول إن الحوار أصبح مستحيلاً بين ممثلي تيار الإسلام السياسي وممثلي باقي التيارات الوطنية، والليبرالية العربية، بحكم ضيق وانغلاق رؤية العالم التي تصدر عنها جماعات الإسلام السياسي، وسواء كانت أحزاباً سياسية أم جماعات ثقافية.



هذا التيار الإسلامي السياسي لا يؤمن أنصاره بالحدود بين الدول، ويرون أنها من صنع الاستعمار، وأن هناك أمة إسلامية واحدة، وأن الوطنية فكرة رجعية استعمارية، وأن الأممية الإسلامية هي الأساس. ومن هنا فاستراتيجيتهم هي قلب النظم السياسية العربية العلمانية، وتأسيس دول دينية محلها تحكم بالشريعة الإسلامية ليس في حقيقتها التي تقوم على الحرية الإنسانية والعدالة الاجتماعية، ولكن كما يفهمونها هم والتي تقدم -في رأيهم- على القهر السياسي للخصوم، وتكفيرهم ومنع أي أصوات مخالفة لهم، وإعلان "الجهاد" هكذا ضد الدول الكافرة.



وقد ظهرت أفكارهم المتطرفة أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة، حيث دعا بعض زعمائهم إلى عدم الاعتداد بالحدود المصرية وفتح المعابر بلا أي قيود، أمام الفلسطينيين، حتى لو تدفق الملايين بينهم. وأفتى أحدهم بأن في ذلك تطبيقا لمبدأ إجارة المسلمين لو استجاروا. ونسوا أن في ذلك تطبيقاً لخطة "الترانسفير" الإسرائيلية التي تريد طرد الفلسطينيين من أرضهم.



وهكذا ليست لدى هؤلاء أي ضوابط تحكم فكرهم ومسلكهم، وفي هذا تطبيق دقيق لاستراتيجيتهم الحقيقية حتى لو أنكروا وجودها. لقد حاولوا الانقلاب على الدولة في السودان، وحاولوا محاولات متعددة في مصر وفشلوا، ويدخلون الآن في صراع عنيف مع النظام الأردني، ويقومون بانقلابات شتى في الجزائر والمغرب، بحيث أصبح تيار الإسلام السياسي أحد المعوقات الحقيقية للتحول الديمقراطي في العالم العربي.



وليس ذلك فقط لعدم إيمانهم الحقيقي بالديمقراطية المعاصرة، ولكن لأنهم يدفعون النظم السياسية العربية دفعاً إلى إعلاء الضوابط الأمنية تحسباً من فكرهم المتطرف، والذي تحول في حالات متعددة إلى فكر إرهابي، لم يتورع أنصاره عن ممارسة العنف الدموي سواء ضد الأجانب أو ضد المواطنين. وسجل الإرهاب المتشح بالإسلام معروف ولا داعي لتكراره. ويكفي في هذا المجال أن نشير إلى التاريخ الأسود لـ"الجماعة الإسلامية" ولجماعة "الجهاد" في مصر.



صحيح أن هذه الجماعات قدمت نقداً ذاتياً وأعلن قادتها رجوعهم عن طريق العنف، غير أنهم -من خلال القراءة الدقيقة لمراجعاتهم المنشورة- لم يراجعوا معتقداتهم الأساسية ولا آراءهم التكفيرية للدولة والمجتمع في العالم العربي.



وهكذا يمكن القول إن الاختلافات السياسية العميقة في توجهات الدول العربية من ناحية، والصراعات الإيديولوجية الحادة بين تيار الإسلام السياسي وغيره من التيارات السياسية، من شأنها أن تساعد على استمرار أزمة الحوار العربي، في عالم متغير زاخر بالمشكلات التي تدعو لاعتماد الحوار أساساً متيناً للتفاهم بين البشر.


http://www.alittihad.co.ae/wajhatdetails.php?id=43165