"منقول"


البعث الشيعي في سوريا.. احتلال المركز ـ الزحف 2000-2007



التاريخ: 28/9/1429 الموافق 29-09-2008 | القراء: 2685
المصريون / لا شيء يفلت من قبضة التاريخ، ولا شيء من التاريخ يبقى على حاله، وثمة منعطفات في التاريخ ليست أكثر من نتائج تراكم تاريخ سبقه، على هذه القاعدة تسير قصة التشييع في سورية، فحركة التشييع التي مارسها ملالي إيران لاسترداد علويي الجبل النصيريين إلى أصلهم، مروراً بالتبعيث الشيعي الذي مارسته جمعية الإمام المرتضى لأغراض سياسية محلية، وصولاً إلى التمدد الشيعي وزراعة المقامات و"المراكز الدينية" في أواخر التسعينيات أمر كان له أن يسمح بانعطافة نوعية لهذه القضية في عهد الوريث غير الشرعي للجمهورية بلغت حداً جذبت فيه اهتمام المجتمع الدولي والقوى الفاعلة في الشرق الأوسط.


أولاً: وراثة الحلفاء (2000-2003)
توريث العلاقات السياسية جزء من توريث "المُلك"، على هذا الأساس بدأ نجل الأسد (بشار) بمقابلة القادة الأجانب الذين يزورون دمشق منذ 1999، ووجد الأب ضرورة بناء صلة لنجله مع جاره الملك الجديد عبد الله الثاني بعد وفاة والده العاهل الأردني الملك حسين بن طلال في كانون الثاني 1999، فأُوفِدَ بشار في شهر شباط (الشهر التالي) معزياً الملك عبد الله، وكانت هذه الزيارة هي الزيارة الخارجية الأولى للقادة والسياسيين. تتالت بعدها الزيارات إلى الكويت، والسعودية، وقطر، وإيران، وعدد من الأقطار والبلدان الأخرى، على رأس وفد من كبار الصناعيين ورجال الأعمال وبعض من المسؤولين من الصفوف الثانية في وزارات الدولة(1)، وكان الأمر واضحاً ومعلوماً لكل الذين زارهم أن زيارته ليست إلا تسويقاً للرئيس المقبل.
قوبل الرجل على هذا الأساس باحترام واضح (مستمد بالأساس من احترام والده)، وحظي بحفاوة خاصة لدى الإيرانيين، الذين قدم إليهم وقد أصبح ممسكاً بالملف اللبناني وحزب الله على وجه الخصوص(2)؛ إذ كان القادة الإيرانيون مهتمين بمعرفة الرجل عن قرب، وببناء علاقة جيدة معه، فلديهم مصالحهم في لبنان وهو منذ الآن بات يملك مفاتيحها.
لكن هذا التسويق الخارجي جاء بعد تسويق داخلي وتوريث للعلاقات مع أطراف المجتمع المحلي واللبناني (الذي كان يعامل كما لو أنه جزء من المجتمع المحلي)، وفي هذا السياق حاول الأسد كسب شعبية لابنه، عبر كسر الصورة النمطية (تلك التي أسسها بنفسه) للرئيس القابع في قصره على مسافة من "شعبه" ومواطنيه، بزيارات متكررة للمدن السورية الرئيسية، وحضور بعض المحاضرات العامة(3)، لكن الأهم في ذلك كله ـ بالنسبة لهذه الدراسة ـ كانت علاقة الأسد الابن مع ملالي الشيعة، تلك العلاقة التي سعى لتوطيدها كل منهما للأسباب نفسها التي دعت حافظ الأسد ليمنحهم قدراً من الحرية لم يعهدوها من قبل.
يمثل التيار الشيعي (تيار عودة الفرع إلى أصله) القوي في الطائفة العلوية سنداً قوياً وداعماًً للأسد، فلطالما كان الأسد الأب مؤيداً لهذا التيار لإخراج الطائفة من عزلتها الفكرية والاجتماعية، وكان زعامات التيار تبادله التأييد والمؤازرة، وعلى الرغم من صغر حجم الأقلية الشيعية الأصلية في سورية وكونها ليست مغنماً بالنسبة لبشار الأسد، إلا أن قوة التيار الشيعي في الطائفة العلوية يجعل التودد وإنشاء العلاقة الإيجابية معها ذا معنى بالنسبة لمستقبله السياسي في طائفته (العلوية) التي تملك نفوذاً استثنائياً في تركيبة السلطة والجيش والحزب وقوى الأمن(4)، فضلاً عن علاقة ذلك بملالي إيران ولبنان، وكلهم يمتلكون أهمية غير عادية، فالملف الشيعي ملف يتعلق بالداخل والخارج على السواء، وعليه (الرئيس المقبل) أن يحسن معرفته وموادته.
من المؤكد أن باسل الأسد كان يلتقي شيخ بلاط والده ورجل الدين السُنّي الدكتور "محمد سعيد رمضان البوطي"(5)، بالإضافة إلى الشيخ "مروان شيخو"، ومفتي الجمهورية الشيخ "أحمد كفتاور"، ويتودد لهم بأسئلة واستفتاءات دينية فقهية! كان الأسد في ذلك الوقت مازال قريباً من أزمة الثمانينات وتداعياتها، ويريد لجم الأحقاد السنية، فالطريق إلى توريث آمن هو ضمان تسكين عواطف الأكثرية السنية وتأمين عدم ثورتها الانتقامية عبر شيوخ يكتسبون قدراً وافراً من الثقة الشعبية، وإن كان هذا لا ينفي أن الأسد كان مهتماً بالتيار الشيعي العلوي وإن بقدر أقل، فقد كان يعتمد على توريث نجله القوي (باسل) على مفاصل الجيش ويمهد له الأمن. لكن الوريث "الضعيف" بشار جاء في غير ميعاد، إثر حادث مفاجئ أودى بحياة شقيقه باسل نهاية عام 1994، الأمر الذي اضطر الأسد الأب لتغيير استراتيجيته للتوريث.
كان على الأسد أن يتبع استرتيجية تمكنه من إحراق المراحل لتحقيق هذا الغرض، فالمطلوب حل سريع للملفات المزمنة والخطرة أو سيطرة سريعة وقوية عليها، وبالتالي بدلاً من العلاقة مع الشيوخ لتسكين الجمهور السُّني، عليه التفاوض مباشرة مع الإخوان، وبدلاً من الاعتماد على السيطرة الأمنية والعسكرية في لبنان للتحكم بملف حزب الله لا بد من علاقة مباشرة وشخصية مع زعامات حزب الله (وزعيمه حسن نصر الله على وجه التحديد)، وبالملالي والزعامات السياسية الإيرانية، وبدلاً من إهمال الطائفة العلوية، يجب أن يحظى بدعمها ودعم التيار القوي فيها في مواجهة مطامع شقيقه "رفعت الأسد" الرجل القوي الذي يحظى بشعبية كبيرة في الطائفة العلوية، وفي الوقت نفسه فإن هذه العلاقة مع التيار الديني الشيعي القوي في الطائفة ستدعم علاقته مع حزب الله والإيرانيين. تلك باختصار متطلبات اللعبة الدينية في معركة التوريث واستراتيجيتها الجديدة.

الملالي أولاً

بدأ بشار بعلاقة واهية مع شيوخ السُّنة، ويبدو أنه كان لا يبدي الحماس الديني الذي كان يبديه شقيقه باسل، فقد كان يتجنب اللقاء بالبوطي ـ مثلاً ـ ما أمكن، الشيخ الذي كان الأب يحتفظ بعلاقة خاصة معه، وبدا واضحاً أن البوطي هُمِّش بشكل نهائي وأبعد عن بشار في نهاية التسعينيات، وبقيت علاقته محصورة بالأسد الأب، الذي كان يوحي له بأنه أمانته أمام الله، وخلال فترة ولايته الأولى (2000-2007) طلب الشيخ البوطي لقاء الرئيس الشاب أكثر من عشر مرات، وقوبل طلبه بالرفض المؤدب تارة، أو بالتأجيل غير المحدد الوقت، وهو أيضاً في معنى الرفض! وذلك على الرغم من أن البوطي حاول منحه الشرعية المفقودة في توريثه السلطة، عبر تأييده بوضع ثقله الرمزي الديني في سبيل ذلك، لكنه ما وجد آنذاك سبيلاً لهذا التأييد من عالم الدين السني الذائع الصيت سوى الشهادة لوالده بـ "الإيمان" العميق، والتنويه بالتفاف الجماهير "بالحب العفوي" حول القائد الشاب وارث الجمهورية (وارث الرجل الصالح)! التي منحته "بيعة لا تستطيع الديمقراطيات المطبوخة المصطنعة أن تتسامى إليها، ولا تستطيع المزايدات المتكلفة أن تُغشِي على شيء منها"! بعد أن "آل هذا الأمر إليه بمشيئة من الله عز وجل أولاً، وببيعة صادقة صافية من هذا الشعب عن الشوائب ثانياً"(6).
بهذه المهمة التي أعدها له الأسد الأب انتهت "صلاحية" البوطي كشيخ للبلاط، ولسوء حظ البوطي ربما؛ فإنه لم "يتشرَّف" بمقابلة الرئيس منفرداً خلال سبع سنوات (فترة ولايته الأولى)(7)، وإن كان التقاه أكثر من مرة في مناسبات عامة وبشكل جماعي، وكان آخرها لقاؤه مع جمع من شيوخ الشام في أزمة التعليم الشرعي المعروفة عام 2006، إثر البيان الذي أصدره علماء سورية والموجه للرئيس بخصوص قانون التعليم الشرعي الجديد، وكان للقاء الشيوخ هذا أثره في تجميد القانون.
ما ينطبق على البوطي ينطبق على كفتارو وغيره من شيوخ أهل الشام، وكان الأسد الابن يفكر باستبدال مهمة الشيوخ، من مهمة رعائية واستمداد الشرعية المفتقدة، إلى مهمة إدارة الحالة الدينية وضبطها عى إيقاع السياسة السورية بأي وسيلة، في الواقع ما كان يريده بشار الأسد هو مزيد من إخضاع المؤسسة الدينية لمصالحه السياسية، أي علاقة هيمنة واستتباع وليس تبادل مصالح كما كان الأمر في عهد الأب، فهو يشعر أن أجهزته الأمنية وسطوتها الهائلة في المجتمع كفيلة بحمايته ومده بشرعية القوة على الأرض، وهي شرعية كارثية بقدر ما تبدو واقعية.
وعلى الرغم من أننا لا ندري ما الذي لقَّنه الأب لابنه خلال ست سنوات ونصف (1994-2000) فإنه من المؤكد بأنه ورثه نظرته الإيجابية للتيار الشيعي العلوي، بوصفه تياراً إصلاحياً، وسعى لتأسيس علاقة متينة به تقوي العلاقة مع خمينيي إيران ولبنان (حزب الله)، فحزب الله ـ من وجهة نظر الأب ـ يمثل أداة مزدوجة بالنسبة لسورية، فهو من جهة يلعب الدور العسكري في السياسة الدولية المتعلقة بأزمة الشرق الأوسط، والسلام مع إسرائيل، ومن جهة أخرى يلعب دور أداة الهيمنة على لبنان، بجعل الحاجة مستمرة للحزب في الاعتماد على سورية التي تشكل له الممر الوحيد للسلاح والعتاد الإيراني والروسي.
منذ بداية تجهيزه لوراثة الجمهورية بدأ الأسد الابن يلتقي قيادات حزب الله، وزعيمه "حسن نصر الله"(8)، كما لا يستبعد أن يكون قد التقى الشخصيات الشيعية التي تمثل المرجعية الدينية والفكرية للشيعة وحزب الله؛ مثل الشيخ "حسين فضل الله" ورئيس المجلس الشيعي الأعلى (في ذلك الوقت) الشيخ "مهدي شمس الدين" على اعتبار أن فضل الله له دور أساسي في حزب الله، والمجلس الشيعي الأعلى(9) له أهمية خاصة بالنسبة لشيعة لبنان. وبالتأكيد فإن هذه اللقاءات جعلت الأسد الابن مسحوراً بشخصية "السيد حسن نصر الله" المتكلم الفذ(10)، الأمر الذي شكل علاقة خاصة حميمة وشخصية بين نصر الله والأسد السياسي الغر.
وفي حزيران عام 2000 استقبل الرئيس الجديد (بشار) ضيفه اللبناني السيد حسن نصر الله القادم لتعزيته بوفاة والده، لكن لم يكن هذا الاستقبال تقليدياً، فقد رأى المواطنون السوريون مشهداً رمزياً يستدعي التأمل، فالسيد المذكور هو الأمين العام لحزب الله الذي خرج لتوه من "انتصار" تاريخي؛ حيث انسحبت اسرائيل من جنوب لبنان تحت ضربات المقاومة اللبنانية. وهذا ما منح شخصيته زخماً استثنائياً؛ فقد أصبح في العواطف أقرب إلى شخصية البطل، في إطار هذا المعنى الذي يلف شخصية نصر الله، وقف نصر الله (المولع بالرمزية السياسية الفجِّة)(11) معانقاً الرئيس الغر، ثم تنحى مستعرضاً أمامه رتلاً من خاصة مقاتلي حزب الله بلباسهم الأسود الرسمي، كان معنى هذه الرسالة الرمزية لنصر الله أن مقاتلي حزب الله هم جند الأسد!
تشير هذه الحادثة ـ في الواقع ـ إلى مدى العلاقة السياسية االتي تربط حزب الله بالنظام السوري من جهة أولى، وإلى مدى العلاقة الشخصية التي أصبحت تربط نصر الله بالرئيس الجديد من جهة ثانية.
واستطراداً فخلال السنوات الست التي أمضاها بشار الإسد في الاستعداد للتوريث كانت علاقة حزب الله تقوى بشكل عام مع النظام السوري، ففي السنة الأخيرة كان حزب الله يقيم المعارض في "مكتبة الأسد الوطنية" في دمشق، وفي عدد من المدن السورية لتوضيح وشرح عملياته البطولية ضد الإسرائيليين، بالفيديو والمجسَّمات.
في الداخل كانت علاقة بشار تتزايد بالشيعة في سورية، وتحديداً بالتيار العلوي الشيعي، ومنه بالشيعة السوريين والعراقيين والإيرانيين (الذين يعملون على الأراضي السورية بالتعليم الديني والتبشير)، وقد زاره هؤلاء زيارات خاصة في القصر الرئاسي وفي القرداحة مرات عديدة، بل إن هذه الزيارات كانت تتكرر في المناسبات الدينية والاجتماعية والسياسية، وكانت تعني في عموها تأييداً ودعماً للرئيس المقبل(12)، وبالتأكيد فإن الأسد الابن كان يستمع إلى شكاياتهم ويقدم لهم العون في مطالبهم التي غالباً ما تتعلق بالشعائر الدينية، وإقامة الحوزات، وتشييد المقامات، وما شابه، وبالتأكيد لم يكن قادراً على تلبية كل رغباتهم، فهو من جهة لا يستطيع تجاوز سياسة والده الذي ما يزال على رأس السلطة، وهو من جهة ثانية لا يملك رسمياً أي سلطة للأمر والنهي، إنما كان يستعمل نفوذه السياسي الذي منحه إياه الأسد الأب للتدخل في شؤون الدولة، ومن هذا الباب فحسب كان يلبي كثيراً من طلباتهم باستثناء بناء الحوزات والحسينيات التزاماً بقرارات والده التي لا يملك تجاوزها.

الامتيازات الاستثنائية للملالي

ما إن توفي الأسد الأب حتى بدأ الملالي باستثمار العلاقة القوية التي تربطهم بنجله الرئيس الجديد، فتحصلوا على موافقات وتراخيص أمنية بتسهيلات غير اعتيادية(13) لإقامة الحوزات العلمية والحسينيات، إلى الحد الذي أصبحوا ينشؤونها دون أي موافقة من أي جهة كانت، ودون رقيب! وعندما يتعرضون للمساءلة (إذا تعرضوا أساساً لها) فإنهم يبادرون للحصول على موافقة أمنية من شعبة الأمن السياسي وحدها(14)، في وقت يحظر فيه كلياً الموافقة من أي نوع على إنشاء معهد أو مدرسة للتعليم الديني الشرعي منذ أكثر من ثلاثين عاماً إلا باستثناءات خاصة ولأسباب سياسية وأمنية بأمر مباشر من الرئيس، وهي لم تتجاوز ـ بطبيعة الحال ـ خلال ثلاثة عقود ونصف أصابع اليد الواحدة.
ومنذ استؤنف إنشاء الحوزات الدينية عام 2001 لم يتوقف إنشائها(15)، ولا شك أن تغاضياً أمنياً وإدارياً غير طبيعي عن التعليمات والقوانين كان يجري مع إنشاء وتأسيس هذه الحوزات.
وإذا كانت الحوزات تدل على تمركز مرجعيات دينية في الأراضي السورية، فإن إنشاء الحسينيات تدل على انتشار المرجعيات وتمدد تبشيرها، وقد توقف بناء الحسينيات في عهد الأسد الأب بعد حل جمعية المرتضى، ولكن منذ نهاية عام 2000 سُمح للمبشّرين الشيعة بالانطلاق في بناء حسينياتهم، فبدأت حركة جديدة وغير مسبوقة لبناء الحسينيات(16)، فبموازاة التمركز والتأسيس المتواصل للحوزات الدينية للتعاليم الشيعية تم تأسيس عشرات الحسينيات في المدن والقرى السورية، من أقصى قرية جنوباً في درعا إلى أقصى قرية شمالاً في القامشلي، لتكون مكاناً لإحياء الشعائر الدينية الشيعية، وبتساهل يفوق التصور تبنى الحسينيات حتى أحياناً بدون موافقة الأمن السياسي، وبما أن الحسينيات هي دور عامة للشعائر الدينية فالمفترض أنها تتبع وزارة الأوقاف، غير أن الحسينيات لا تُسجل لدى وزارة الوقاف ولا تتبع لها، إنما تتبع المرجعيات الدينية، الأمر الذي يمنحها حرية مطلقة في نشاطاتها بعيداً عن التعليمات المشددة التي تُخضِع لها وزارة الأوقاف كل ما يتبع لها من دور العبادة والشعائر دينية، وحتى الآن لا تملك وزارة الأوقاف السورية أية معلومات عن الحسينيات وملاليها بالمطلق. وبما أن التبشير الشيعي ـ كما هو معتاد ـ يأتي على رأس أولويات الحسينيات، فإنها بعدم تبعيتها للأوقاف تتمتع بالحرية الكاملة في الممارسة ونخر الجسم السني بلا حسيب ولا رقيب.
من جهة أخرى فإن هذه الحسينيات تبنى عادة بأموال المرجعيات(17) أو بأموال الحكومة الإيرانية(18)، أو بأموال المحسنين الخليجيين(19)، وعدم خضوعها للقانون والأوقاف يجعل هذه التبرعات للبناء لا تقتصر على البناء، بل تستمر لتكون رافداً للحسينية ونشاطها التبشيري؛ فرواتب إدارتها ومصاريف خدماتها ورواتب دعم "المؤمنين الجدد" يتطلب مالاً تبشيرياً بعيداً عن رقابة الدولة ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ووزارة الأوقاف معاً وبتساهل استثنائي في رقابة الأجهزة الأمنية.
أنشأت في هذا العام (2001) أيضاً أول مؤسسة تبشيرية نشطة بإشراف الشيخ "عبد الحميد المهاجر" (الذي سبق وقام بنشاطات تبشيرية كثيرة على الأراضي السورية بدعم من المراجع الشيرازية) عام 2001 باسم "هيئة خدمة أهل البيت"(20) ومؤسسيها والناشطين فيها هم مجموعة من الشباب العراقيين الحركيين من أهالي مدينة كربلاء، وهذه المؤسسة ـ في الواقع ـ تلعب دوراً تكميلياً في التبشير للحوزة الزينبية التابعة للمراجع الشيرازية، ويبدو أن الرابطة الخاصة بين الشيرازية والعلويين والنظام السوري منحت هذه الهيئة نشاطات شعائرية وتبشيرية علنية غير مسبوقة في سورية.
جملة الوقائع هذه تشير إلى أن موسم الحصاد للعلاقة الخاصة ببشار الأسد قد بدأ، حصد ملالي الشيعة (العراقيين والإيرايين واللبنانيين) "الانتظار" لوفاة الأسد الأب، عوضاً عن السوريين، الذين فقدوا أملهم ببشائر التغيير، ودخل الملالي سباقهم مع الزمن قبل أن تتغير الأحوال والظروف، فهم الآن في لحظة تاريخية غير مسببوقة من الدعم والحرية والنشاط التبشيري.

الصَّدع بالطقوس الشيعية

وقّع أهالي القرية السنية الصغيرة "السيدة زينب" في عام 1976 معروضاً لرئيس الجمهورية يشتكون فيه من "البطالة التي تسبب بها قدوم الشيرازي وعشرات من تلامذته الأفغان والإيرانيين والهنود، الذين "سيطروا على الأعمال"، مما جعلهم "عاطلين عن العمل"، وفي قرية صغيرة لا تعرف الحرف ولا التجارة أو الصناعة، فإن عدداً لا يتجاوز كثيراً أصابع اليدين من الأيدي العاملة الجديدة يمكن أن يخلق مشكلة عمل لسكانها، الذين تضيق عليهم أراضيهم الزراعية يوماً بعد يوم مع تكاثر الأجيال والولادات.
صدر أمر للسلطات المختصة بـ "إبعاد هؤلاء ]أي الأجانب[ عن سورية"، فـ "اعتقل أربعة عشر طالباً من طلاب الحوزة العلمية الزينبية"(21)، كان حافظ الأسد وقتها ما يزال حديث عهد بشعارات "الحركة التصحيحية"، ولا مصلحة تدعوه لقبول تقديم مصالح الأجانب على حساب مصالح السوريين خصوصاً وأنه لا يريد أن يستفز أحداً ضد مشروعه في علونة السلطة والأجهزة الأمنية ليتسنى له الاحتفاظ بالرئاسة للأبد! فالشعب يحتقن طائفياً يوماً بعد يوم بعد أزمة الدستور الدائم عام 1973.
كان الأمر كارثة للشيخ حسن الشيرازي (الأصولي العراقي من أصل إيراني) القادم إلى دمشق للتبشير وتأسيس مركز شيعي نشط يهدف لنشر الدعوة الشيعية الاثنى عشرية في الشام، فلم يلبث أن توسّط رئيس المجلس النيابي اللبناني "كامل الأسعد" للإفراج عنهم، وهو ما جعل الأسد "يأمر بإصدار الإقامة للطلاب" ثانيةً.

ـــــــــــــــ ـــــــــــ

ـ هوامش

1ـ حظيت هذه الزيارات جميعها بتغطية غير مسبوقة من قبل الإعلام المحلي المرئي والمسموع والمكتوب، وبما أن بشار الأسد لا يحمل أي صفة رسمية في هذه الزيارات، فقد كان الإعلام ينعته بلقب "الدكتور" وحسب.
2ـ تسلم بشار الأسد الملف اللبناني من عبد الحليم خدام نهاية عام 1998، وكان خدام مسؤولاً عن الملف الببناني خلال ما يزيد عن عشرين عاماً.
انظر: ليفريت، وراثة سورية، م.س، ص204.
3ـ مثل المحاضرات الأسبوعية لـ "منتدى الثلاثاء الاقتصادي" في "المركز الثقافي" في منطقة المزة في دمشق، خصوصاً بين عامي 1998-1999.
4ـ بدءاً بعهد الرئيس "أمين الحافظ" (1963-1966) مروراً بعهد "نور الدين الأتاسي" (1966-1970)، كان هناك عمل مستمر لتطييف الجيش وحزب البعث وعلونته، وفي عهد "حافظ الأسد" (1970-2000) استمرت هذه العملية ولكن أضيف إليها علونة السلطة والأجهزة الأمنية. حول عملية التطييف العلوي هذه، ونتائجها في تركيبة القوى السياسية والاجتماعية وأجهزة الأمن والجيش والحزب وعلاقتها بأحداث الثمانينيات وما بعدها انظر: Van Dam, the Struggle for Power, Ibid.
5ـ انظر: البوطي، محمد سعيد رمضان. هذا ما قلته أمام بعض الرؤوساء والملوك ، دمشق، دار اقرأ، ط1، 2001، ص101.
6ـ انظر: المصدر نفسه، ص ص127-133.
7ـ حسب أكثر من مصدر مقرب جداً من الشيخ محمد سعيد البوطي.
8ـ انظر: أورباخ، بنيامين، وشنكر، دافيد. صعود بشار السياسي، بوليسي ووتش، 371، واشنطن، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، 5 آذار 1999. نقلاً عن: ليفريت، وراثة سورية، م.س، ص204.
9ـ تأسس عام 1969 ليكون مسؤولاً عن القضاء الجعفري والتعليم الديني الشيعي في لبنان، أسسه الزعيم "موسى الصدر"، وبطبيعة الحال كان أول رئيس له، وبُعيد اختفائه عام 1987 خلفه الشيخ "مهدي شمس الدين" الذي كان يشغل منصب نائب رئيس المجلس.
10ـ ربما لعب تقارب السن دوراً مهماً، فنصر الله يكبر بشار الأسد قرابة عشر سنوات فقط. ولا ندري ماكان يجري من الأحاديث بينهما، لكن من الطبيعي أن نتوقع تعرض كل منهما إلى شيعية الطائفة العلوية النصيرية؛ فهذا الحديث يمثل أحد المداخل الطبيعية لعلاقة وثيقة بين طرفين تدخل الجانب العقدي والاجتماعي مؤازراً العمل السياسي، وبإمكاننا أن نتوقع أيضاً أن من بين موضوعات الحديث العامة التي دارت بينهما ووثقت العلاقة بشكل غير عادي بينهما الحديث عن دور الأسد في لبنان ومساندة الحكومة الإسلامية الإيرانية، وعن شخصية الأسد الأب السياسية الفريدة، وعن دور حزب الله في المقاومة للاحتلال الإسرائيلي وإنجازاته في ذلك ودور الأسد الأب في ذلك، ولربما أدت هذه العلاقة الخاصة مع حزب الله، ومواليي سورية من سياسيي لبنان إلى التبكير بتسليم الملف اللبناني له من عهدة عبد الحليم خدام (1988)، بالرغم من أنه لا يمتلك أي منصب رسمي في ذلك الوقت.
11ـ عشية انسحاب الجيش السوري من لبنان عام 2005 عاد نصر الله ليستخدم هذه الرمزية مع أحد أسوأ رجال المخابرات السوريين الذين عرفهم لبنان، فقدم إلى "رستم عزالي" في حفل صغير ـ تقصد أن تنقله وسائل الإعلام ـ بندقية لأحد الجنود الإسرائيليين التي غنمها مقاتلو حزب الله، كهدية تعبر عن شكره للجيش السوري، وكانت هذه صدمة للبنانيين بشكل خاص نظراً للسمعة السيئة التي يتمتع بها غزالي فضلاً عما أشيع عن دوره في اغتيال الحريري (14 آذار 2005)، الدور الذي أكده عدد من تقاير المحققين الدوليين في قضية الاغتيال.
12ـ حسب مصادر قريبة من الشيخ الشيعي الدمشقي "عبد الله نظام" وهو أبرز شخصية دينية للشيعة السوريين الأصليين.
13ـ على سبيل المثال تقدم الهندي "علي باقر تصور" بمعروض (مجرد طلب من ورقة واحدة بدون وثائق أخرى) إلى شعبة الأمن السياسي بدمشق لإقامة حوزة علمية في منطقة السيدة زينب، باسم "حوزة المهدي العلمية للدراسات الإسلامية"، وذلك بتاريخ 27/07/2002، وفي العادة فإن الموافقة على معاهد تدريس اللغة الإنكليزية أو معاهد دورات تقوية للمناهج المدرسية تستغرق ستة أشهر إلى سنة ونصف، لكن الموافقة جاءت خلال أسبوع واحد في تاريخ 06/08/2002! تحت الرقم (97490/س.ح /112672/س) موقعة من اللواء عدنان سليمان الحسن، رئيس شعبة الأمن السياسي.
والشيء المثير للاستغراب حقاً أن تحظى هذه الحوزة على موافقة لـ"تصنيع ختم دائري" خاص بمديرها "علي باقر تصور" قبل أن تتقدم بموافقة أمنية على إنشاء الحوزة فضلاً عن الموافقة الأمنية عليها! فقد حصل المدير الهندي للحوزة على موافقة الأمن السياسي في ريف دمشق بتاريخ 04/07/2002 رقم (787/ص)، أي قبل أكثر من ثلاثة أسابيع من تاريخ تقديم طلب الموافقة على تأسيس الحوزة من أساسها! وقبل أكثر من شهر من تاريخ الموافقة على طلب التأسيس ذاته! وبالتأكيد فإن هذا لا يمكن أن يحصل مع أي معهد شرعي أو مدرسة دينية خاصة تخص رجال الدين السنة من أبناء الوطن وليس الهنود أو الإيرانيين أو الأفغان أصحاب الحوزات.
واستطراداً فإن الشخص الهندي "مدير ومشرف حوزة الإمام المهدي العلمية للدراسات الإسلامية" (كما يصفه كتاب شعبة الأمن السياسي فرع ريف دمشق) تقدم للحصول على موافقة بإضافة كلمة "الإمام" إلى اسم حوزته، وتمت الموافقة طبعاً دون تردد في 17/08/2004 تحت الرقم (2218/س ص)، ووفقا للقانون السوري والمراسيم التشريعية فإنه لا يمكن أن يكون مدير أي مؤسسة غير سوري.
14ـ وفقاً للتعليمات الرسمية فإن الموافقة على إنشاء معهد ديني (سني) غير واردة على الإطلاق ومنذ مطلع السبعينات لم يتأسس معهد شرعي تقريباً، وما أسس فإنه لأسباب سياسية وأمنية خاصة، ولا يتجاوز أصابع اليد الواحدة. بالإضافة إلى ذلك، فإن المعاهد وتبرعاتها تخضع لمراقبة أمنية متشددة جداً، ومن المحظور الموافقة على مدارس نظامية للتعليم الشرعي.
أما المعاهد التي والمدارس الخاصة الأخرى فحتى يحق لها المباشرة بوضع حجر الأساس لمشروعها على الواقع فإن عليها أن تنتظر الحصول على موافقة الأجهزة الأمنية (السياسي، العسكري، أمن الدولة) فضلاً عن موافقة القيادة القُطرية والجهاز الأمني التابع لها! وبمجرد أن لا تمنح أي من هذه الجهات موافقتها؛ فإنه من المستحيل الموافقة على طلب إنشاء المعهد أو أي مؤسسة تعليمية.
15ـ كانت "حوزة الإمام علي" (بإشراف الشيخ عبد المنعم الحكيم/عراقي) أول حوزة تشيد في عهد الرئيس بشار، وآخر حوزة تم إنشاؤها ـ حتى أيلول/سبتمبر 2006 ـ هي "حوزة فقه الأئمة الأطهار" (المرجع الديني آية الله محمد الفاضل اللنكراني) عام 2006، وهي حوزة تضم مركزاً تبشيرياً فريداً باسم "مركز فقه الأئمة الأطهار"، وحسب ما يذكره القائمون على المركز في موقعهم على الإنترنت فقد "أخذ المركز الفقهي – فرع سورية – على عاتقه في بداية تأسيسه تحريك الفعاليات الدينية، حوزوية ?انت أو ثقافية، في منطقة السيدة زينب (عليها سلام) على وجه الخصوص، و في سورية علي وجه العموم، و من أهم ما توجه إليه ملء الفراغ في مختلف المجالات التي لم يُتوجه إليها مسبقاً، و بعد دراسة متواصلة توجَّه إلي إنجاز المشاريع التالية:
المشروع الأول: إيجاد حر?ة علمية متميزة لطلاب الحوزة (...)، المشروع الثاني: إشاعة الدروس المنسيّة (...)، المشروع الثالث: الندوات العلمية (...)، المشروع الرابع: إنشاء مكتبة تخصصية (...)، المشروع الخامس: المكتبة الصوتية (...)، المشروع السادس: النشاط التبليغي [حيث] لم يهمل حوزة فقه الأئمة الاطهار الحر?ة التبليغية في المنطقة، فقد تحرك لأجل إيصال المعرفة إلى أ?بر عدد مم?ن".
حول اللنكراني ومشاريعه ومركزه وحوزته في سورية بالتفصيل انظر موقع مركز فقه الأئمة الأطهار على الرابط:
http://www.markazfiqhi.com/ara/tre/report1.php
16ـ على سبيل المثال يذكر حسين الرجا ـ أحد أبرز شيوخ المتشيعين في قرية حطلة ـ بأنه بدأ بناء الحسينيات والمساجد في القرية منذ ستة سنوات، وأن هذه المؤسسات الشيعية كان لها الدور الأبرز في انتشار التشيع في دير الزور.
انظر: أجرى الحوار: الحبشي، عادل، والموسوي، عصام، الشيخ الصوفي سابقاً يشرح لـ (المنبر) كيف أتُهم بالماسونية!، حوار مع الشيخ حسين الرجا، مع مجلة المنبر، الكويت، العدد التجريبي، 1420هـ (2000م).
17ـ على سبيل المثال فإن حسينية زين العابدين في قرية "حطلة" (قرب مدينة دير الزور) ممولة من مؤسسات المرجع الشيعي الخوئي.
18ـ على سبيل المثال فإن حسينية الرسول الأعظم في قرية "الصعوة" (قرب مدينة دير الزور) ممولة من مكتب السيد علي خامنئي (مرشد الثورة الإسلامية في إيران).
19ـ على سبيل المثال فإن حسينية سيد الشهداء في قرية "نُبُّل" (شمال مدينة حلب) تم تشييدها بـ"تمويل لجنة سيد الشهداء (عليه السلام) الخيرية/الكويت"، وكان من المزمع افتتاحها في الخامس عشر من شهر رمضان المبارك 1424 الموافق لـ9 تشرين الثاني/نوفمبر 2003، "تيمناً بميلاد الإمام أبو محمد الحسن المجتبى بن أمير المؤمنين علي المرتضى" وبمساعي كل من الشيخ العراقي "كمال معاش" (تابع للمراجع الشيرازية) والسوري "حمد الوكاع" (اعتنق التشيع عام 1996). انظر خبر إنشاء الحسينية في "الوكالة الشيعية للأنباء" (إباء)، تقرير بسام حسين، "لجنة سيد الشهداء تشيد حسينية في محافظة حلب / قضاء نبل" على الرابط: http://www.ebaa.net/khaber/2003/10/6/khaber007.htm
20ـ هذه الهيئة هي فرع عن "هيئة خدمة أهل البيت" التي أسسها المرجع الديني "محمد الشيرازي" في كربلاء العراق سنة 1371ﻫ/1952م، وحسب ما جاء في موقعها على الإنترنت، فقد "تأسست هيئة خدمة أهل البيت (عليهم السلام) في دمشق في حي السيدة زينب (عليها السلام) بتشجيع من سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (رضوان الله عليه) وذلك من قبل شباب هدفهم نشر فكر وثقافة أهل البيت (عليهم السلام) إلى جميع أنحاء العالم هذا بالإضافة إلى أنها تقوم بإحياء جميع المناسبات الإسلامية. انظر صفحة "مشاريع الخدمة" في موقع "هيئة خدمة أهل البيت" على الرابط:
http://khadama.net/indexold.htm
21ـ من جملتهم: عزيز الله المحقق، والشيخ التوسلي، وناظر الشريفي، والشيخ الفصيحي، ومحمدي صهر الشيخ الفرقاني، والسيد محسن الحسيني، وبخش الحليمي وآخرون، وجميعهم من الجنسيات الأجنبية: الإيرانية والأفغانية والباكستانية والهندية!