بسم الله الرحمن الرحيم

" وانتصر الإيمان .. وانهزم اليهود وعباد الصلبان .. وافتُضِح الخونة اللئام "

بقلم : الشيخ يحيى بدر الدين صاري - حفظه الله -

نعم يا أهل غزة الشجعان ..
يا ذوي البطولة وثبات الجنان ..
يا أسود الوَقَائِع ..
وأَحْلاس الخيل ..
وحَاطة الحريم ..
وَسُقَاة الحتُوف ..
وَأُبَاة الذُّلِّ ..
لقد انتصر الإيمان ..
وانهارت حصون النفاق والخذلان ..
وسقطت أقنعة المتآمرين ..
وانكشفت خطط أعداء الدين ..
واتَّضَح الْمُعَمَّى .. وَأَبْدتْ الرُّغْوَة عن الصَّريح .. وبيَّنَ الصبح لِذي عينين .

يا أهل غزة الإباء ..

لقد أُصِبْتُم في فلذات أكبادكم ، وفي أرزاقكم وبيوتكم ..
ولكنها والله .. كل هذه الفواجع والبواقع ..
كل هذه الهمجية والوحشية كانت كوَقْرَةٍ فِي صخْرَة .. لمَ ْ تَفُلّ عزائمكم .. ولم تكسر همتكم ..

يا أهل غزة الإباء ..

لقد أَقْشَعَ ضباب اليَأْسِ عن سماء الأمة بعد أن رأت ثباتكم وصمودكم ..
ونَسَخَ صبحُ الرَّجاء ظلماتِ القنوط التي خيمت علينا منذ أمد بعيد ..

يا أهل غزة الإباء ..

إنه رغم جراحاتكم الغائرة .. ودمائكم النازفة ..
رغم الأوجاع والآلام .. والأشلاء .. والدماء .. وأنين الجرحى .. وآهات الثكالى .. وأحزان اليتامى .. رغم مشاهد الجنائز المروِّعَة .. والصور الرهيبة ..
رغم كل الذي وقع .. مما يعجز اللسان عن وصفه .. ويَكِلُّ المنطق عن نعته ..

سأكتب لكم يا أهل غزة الإباء أسطرا من فخار .. تعبق منها عطور العزة .. ويسطع من كلماتها بريق النصر .. وترتفع من حروفها أصوات : الله أكبر ولله الحمد .. وتُسْفِرُ عن مظاهر الفوز والاستعلاء وتُجَلِّي ملامح الانتصار والإباء ..

وليس لمثلي في الحقيقة من يُظهر للعالم انتصاركم .. فانتصاراتكم هي أوضح من ضحى .. وأبْيَنُ من فَرَق الصبح .. ولكنني أضم صوتي إلى أصوات التباشير .. ونداءات الخير .

وما أحوج الأمة .. وقد خيمت عليها منذ أمد بعيد سُحب اليأس ، وأظلتها غيوم القنوط ؛ حتى طاشت سِهامُها .. ووَهَنَت عزيمتها .. ونَزَعت الثقة عن هَوِيَّتِها .. ما أحوجها اليوم إلى من يُدخل على قلوبها بَرد الأمل .. ويفتح أمام ناظريها أبواب الرجاء ..

فتبشير المؤمن وهو يتخبط في دياجير القنوط، من أعظم أعمال البر.. وأسباب النجاح ..

غزوة الخندق .. وتباشير في الأفق ..

وهاك أخي مثالا قويا من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يبشر أصحابه في غزوة الخندق ، في أحلك الظروف وأصعبها ..

ففي مسند الإمام أحمد من حديث البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال : " لما كان حين أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحفر الخندق ، عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول ، فاشتكينا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فجاءنا فأخذ المعول فقال : (( بسم الله ، فضرب ضربة فكسر ثلثها ، وقال : الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام ، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة ، ثم ضرب الثانية ، فقطع الثلث الآخر فقال : الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس ، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض ، ثم ضرب الثالثة وقال : بسم الله فقطع بقية الحجر ، فقال : الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن ، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة )) " ..

الحديبية آلام وآمال .. وفتح قريب ..

أما ما حدث في الحديبية ، فو الله إنه للأمر العجيب .. والمشهد الذي يطيش فيه عقل الأريب اللبيب ..

فما إن خطت أقدام النبي - صلى الله عليه وسلم - الشريفة ، كثبان الرمال .. تشق الصحراء .. آيبة إلى المدينة .. من سفر ليس كالأسفار .. كان أشدّ على القلوب من ضرب السيوف .. ومواجهة الحتوف ..

سفر كان يحدو الصحابة فيه بوارق الأمل .. وتلوح أمام أنظارهم وفي خيالهم مرابع مكة وكعبتها المشرفة .. بعد فراق لا يشعر بآلامه إلا من كابده .. ولا يحس بمرارته إلا من عايشه ..

ولكنهم عادوا وهم على قاب قوسين من الأبطحين .. عادوا منكسرين يَلُفُّهم الوجوم والحزن .. وفي تلك الأجواء الحزينة .. إذا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لأصحابه : (( لقد أنزلت عليَّ الليلة سورة لهيَ أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ثم قرأ : { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } )) فارتفعت المعنويات وعاد الأمل إلى القلوب ..

بشارة في بداية الطريق ..

وفي صحيح البخاري عن خباب بن الأرت - رضي الله عنه - قال : " شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه و سلم - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة قلنا له ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا ؟ قال : (( كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه . ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون )) "..

الله أكبر .. إنها بشارات وليست أشباحا ولا أوهاما ولا خيالات .. بشارات تَبَلَّج بها صُبْح المُنَى ، واتسعت معها رقعة الرجا ..

هذه بعض البشارات التي نزلت على السابقين من المهاجرين والأنصار .. بردا وسلاما في أشد الأوقات وأحلك الظروف ، حيث ضاق نطاق الطمع ، واشتد الخوف والفزع ..

بشارات في ساعات العسرة ، ودياجير الظلام ، شقت أمامهم فلق الصبح .. وأضاءت لهم الطريق ..

وبشارات من غزة الإباء ..

وأحداث غزة .. أضاءت أنوار النصر والفتح والتمكين للأمة في ظلمة الحصار .. وفي ساعات الدمار وأعادت قصص وأخبار الثابتين الأبرار ..

في غزة الإباء ..

أشرقت شمس العزة والإباء ، من وجوه شهدائها ..
وانطلقت دلائل النصر ، من كلمات أطفالها ..
وارتفعت أعلام العزة من جهاد رجالها ..
وتعلمت الأمة معاني التضحية من صبر نسائها ..
وظهرت تحت أنقاض مساجدها المهدمة .. صور الرعب اليهودي من الإسلام .
فاخْضَرّتَ أعواد الرَّجاء ، وبَرَقَتْ ثُغور الآمَال .. في أحداث غزة الأبطال ..

ثبات أهل الشام ..

عن أبي الدَّرْداء قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - : « بينما أنا نائم إِذْ رأيتُ عَمودَ الكتَابِ احْتُمِلَ مِن تحتِ رأسي فظَنَنْتُ أَنَّهُ مذْهُوبٌ بِهِ فأتْبعْتُهُ بصَري فَعُمِدَ بِه إلى الشَّام ألا وإِنَّ الإِيمان حِين تقع الفتَن بِالشَّامِ » (أخرجه أحمد) .

دعاء ..

اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وانصر عبادك المؤمنين ، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في فلسطين ، اللهم انصرهم على اليهود الغاصبين ، اللهم إنا نستنصر بك على الكفرة الحاقدين ...

إلى لقاء آخر بإذن الله مع تباشير النصر من غزة الصامدة ...



http://www.manareldjazair.com/index....=488&Itemid=19