مقدمة :
إن اكبر خدمة نقدمها للقضية الفلسطينية -في تصوري- هي اعادتها الى فضائها الإسلامي الواسع والتعامل معها على انها المسؤولية المشتركة بين جميع المسلمين على ان نتجاوز في تحركاتنا مسألة التفاعل السلبي وردود الافعال الى عملية طويلة وشاقة من إعادة بناء المقدرات وانتخاب الكفاءات التي تأتمنها الشعوب على اهدافها ولن يتأتى ذلك الا من خلال شحذ الهمم وتوجيه الطاقات لاصلاح نظم التعليم ومناهج التربية وسياسات الاعلام والسعي الى ايجاد البديل الحظاري الملائم من خلال تبصير الأمة بحقيقتها والغاية من وجودها ودعوتها للرجوع الى دينها على الصعيد الفردي والجماعي بجميع صوره ومظاهره واما على الصعيد الدولي فمن خلال إحياء فكرة السوق الاسلامية المشتركة التي اثارها يوما الزعيم السياسي التركي (اربكان) مع محاولة ايجاد تكتل عالمي مناهض للاستعمار توفر له كافة الوسائل الدبلوماسية والتمويلية والعسكرية ليشكل بديلا عمليا للامم المتحدة ومجلس الأمن ومساهمة مني في تقريب بعض المفاهيم ورسم تصور صحيح لطبيعة الصراع مع اليهود ذكرت كلاما مهما لفضيلة الشيخ المحدث سليم الهلالي في مقدمة كتابه حول الجماعات الإسلامية فخلصت إليه وقمت بنسخه على عجل لأزفه إليكم عسى أن يسهم في ردم شئ من الهوة الواسعة بين أبناء الإسلام والتي أعتقد جازما أنها أضحت أكبر عائق بين الأمة وغايتها فلتتفضلوه مشكورين :

الافساد الأول :

اليهود قوم اجتمعت فيهم عناصر تقنع الناس بأنهم أعداء للبشرية بأسرها, لأنهم يمثلون قمة التحريف في دين الله ، وزعموا : أنهم سادة البشر و من دونهم عبيد ، و هذا فحوى عقيدة شعب الله المختار .
فما من دولة أو أمة إلا أخرجتهم حينما كشفت فسادهم و حسدهم و ضغنهم و من شاء ان يعرف مستقبلهم مع الاسلام و مع الدنيا جميعا ، فليتدبر قول رب العزة " و إذ تأدن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب " ( الأعراف 167) .
و ما عاشوا في أمة من الأمم إلا و كانوا منبوذين في اماكن و أحياء تعرف بأسمائهم ؛كما قال – تعالى- " ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحرب من الله و حبل من الناس و باؤا بغضب من الله و ضربت عليهم المسكنة" (آل عمران 112) .
إن تعبيرات القرآن عن اليهود في غاية الدقة ؛ لأن قائلها هو الله ، فلم يجد اليهود امانا في امة من الامم الا إذا اعطاهم دين من الأديان امانا ، و هذا معنى قول الله – تعالى - " وحبل من الله" ، أو اذا حالفوا قوما أقوياء و عاشوا في حمايتهم ، و هذا معنى قوله –تعالى- :"وحبل من الناس" ، فلا يدفع الذلة الى حبل من الله ، أو حبل من الناس .
وفي هذه الآية نكتة بلاغية ؛ فالله -سبحانه- عندما ذكر الذلة استثنى ، و لكنه لما ذكر المسكنة لم يستثن ؛ لأن المسكنة أمر ذاتي في نفوسهم لا يرفعه شيء ‘ فليس لهم عزة ذاتية تقابل الذلة ، بل عزتهم بحبل من الله ، أو حبل من الناس .
وكذلك تعبيرات القرآن غاية في الدقة حينما تصرفهم في البلاد التي عاشوا فيها ،فالله
- سبحانه- قال فيهم ما صدقه الواقع : " و قطعناهم في الأرض " ( الأعراف 178 ) مزقناهم شر ممزق ، فاصبحوا في كل بقعة من الأرض فئة ، وهذه الفئة كانت تعيش و كأنها أمة داخل أمة ، و لذلك قال الحق " و قطعناهم في الأرض أمما" ؛ فقد كانوا مجتمعين في البلاد التي سكنوها وسط أحياء تعرف باسمهم .
ولكن بعد أن شتتهم بنيانوس و تيطس لم تقم لهم قائمة ، إلا قليلة اتت إلى أرض العرب لأسباب كثيرة منها :
1- امنية : وذلك لانهم خافوا على أنفسهم من بطش الرومان .
2- و مستقبلية : لأنه يوجد في التوراة عندهم اوصاف نبي يظهر في أرض العرب ، فأتوا الى ارض العرب ظانين أن النبي صلى الله عليه وسلمسيكون منهم ، فلذلك كانوا يستفتحون على القبائل العربية في المدينة ، فكانوا يقولون : أنه سيأتي نبي ؛ لأن أدركناه ، لنقتلنكم به قتل عاد .
قال-تعالى- : " وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين" ( البقرة 89) .
وعندما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت لهم دولة ، فبعلمهم بالكتاب اخذوا الريادة الفكرية ، و بشغلهم بالدنيا المال أخذوا الزعامة الاقتصادية ، و كانت لهم سلطة سياسية ؛ لأنهم ورثوا العداوة و البغضاء بين الأوس و الخزرج .
و هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلمالى المدينة ، وكان اليهود قد استاثروا بخيرها ، وفرقوا اهلها ، وأوقدوا نار الحرب بينهم ن واشعلوا العداوة القاتلة في صفوفهم كلما خبا لهيبها ، فكانت الحروب قائمة على قدم و ساق ، فاستبدوا و كانت لهم مراكز السيطرة ، ومناطق النفوذ .
فلما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة ظهر حقدهم فانقلب فرحهم ترحا ، و قوتهم ضعفا ، و سلطانهم ذلا و كان ينبغي ان يستبله اليهود بالإيمان ، لان الله جعل كلام اهل الكتاب حجة يواجه بها الرسول صلى الله عليه وسلم المشركين : ( ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني و بينكم و من عنده علم الكتاب ) " الرعد 43" .
و من العجب : انهم كانوا يستفتحون على الذين كفروا ... قالوا كلامهم .
وحماقتهم : انهم قالوه ؛ لأنهم لم يفيدوا منه بل أفاد منه قوم آخرون – و هم الأوس و الخزرج – قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : الرسول الذي توعدتكم به يهود ؛ فلنسبقهم الى الايمان به ...... إذن لا يعلم جنود ربك الى هو .... حتى الكافرين قد يكونون من جند الله و هم لا يعلمون .... وهذه غفلة من أعداء الله ؛ لينتصر عباد الله .
و لم يعتد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أحفاد الغدر و ارباب الخديعة نابذوه ، وحاولوا قتله، ونقضوا عهده ، و ألبوا القبائل ضده ، وبلغ الفساد ذروته بقولهم الفساد : إن عبادة الأوثان خير من دين التوحيد ، والسجود للأصنام اعز من السجود لله ؛ فبلغ السيل الزبا ، واستشرى فسادهم ، واعتدوا على عورات المسلمين ، وخانوا رسول الله في مواضع الحرج و الضيق ؛ كما قال-تعالى- :( الم ترى الى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت و الطاغوت و يقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولائك الذين لعنهم الله و من يلعن الله فلن تجد له نصيرا ام لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا
آل ابراهيم الكتاب والحكمة و آتيناهم ملكا عظيما ) " النساء 51-54 " .
فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ان جهز الجيوش و جاس خلال الديار ، فشتت شملهم ، ونكل بهم ، فاضمحلت قوتهم ، وفروا من جزيرة العرب خوفا من العطب ، وقضى على بقاياهم في جزيرة العرب الخليفة العادل عملاق الإسلام عمر ابن الخطاب – رضي الله عنه - ،طردهم من خيبر ؛ تنفيذا لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فطهر أرض الإسلام من الرجس و النجس .
إذا ؛ فالافساد الأول وقع في عهد النبوة بدليل قوله – تعالى- مخاطبا اليهود : ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا غنما نحن مصلحون) " البقرة 11 " ، وقد اضطر رسول الله إلى تأديبهم ، ومعاقبتهم ، وإخراجهم من ديارهم ، واستئصال شأفتهم وفاقا لما جاء في فواتح سورة الإسراء : ( فجاسوا خلال الديار و كان وعدا مفعولا ) ؛ كما ورد في قوله – تعالى- : ( هو الذي أخرج الذين كفروا من اهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر) " الحشر 2" و قوله : ( و انزل الذين ظاهروهم من اهل الكتاب من صياصيهم و قذف في قلوبهم الرعب) " الأحزاب 26 " .
وبهذا التاديب النبوي انقطع حبل الله عنهم ، فضربوا في الأرض بحثا عن قوم أقوياء يحالفونهم ؛ ليعيشوا في حمايتهم .... وهذا ما سنراه - إن شاء الله - في السطور القادمة .
و بهذا التفصيل تاتي الآيات منسجمة مع الأحداث التأريخية ؛ لان القرآن حينما يخبر يأتي الواقع التاـريخي حسب ما اخبر؛ لأن واقع الحياة يعلمه الحق ، و قائل الكلام هو الحق ؛ فلا تضارب و لا تعارض أبدا ، فالأخبار بـ ( إذا ) التي تفيد الظرفية و الشرطية في المستقبل تاكدت دلالته ، والذين جاسوا خلال الديار هم محمد صلى الله عليه وسلم وجنده المؤمنون المخلصون ، فانعم بهم من عباد لذي الجلال و الاكرام – سبحانه و تعالى- ؛ فصح وصفهم بـ ( عبادا لنا ) .

كرة بني اسرائيل

وانقضى عهد النبوة و الخلافة الراشدة و ابتعد المسلمون عن القرآن شيئا فشيئا ، فتفرقت بهم السبل ، وغرقوا في بحر الفرقة اللجب ، فاستوت بهم سفينة الافتراق على صخرة التنازع ، حتى بلغوا الفشل و ذهبت ريحهم .
و في غفلة من المسلمين و بُعد عن دينهم لملت فلول الشرذمة الخبيثة قواها المبعثرة ، واعاد الكرة على شر خلف لخير سلف ، فأذلوهم و اذاقوهم العذاب و التشريد و التنكيل و التضييق الوانا ، وانهالت المساعدات على دولة الصهاينة ، ذلك الطفل المدلل للمعسكرين الشرقي الشيوعي و الغربي الرأسمالي ، فالأول يمدها بالرجال ، والثاني يمدها بالأموال ، فأصبح يهود أكثرنفيرا من المسلمين الذين وصلوا في هذه الآونة الى حال لا نظير لها في تاريخهم الطويل ؛ فإن الخط البياني لوجودهم الروحي و العسكري يمس القاع .
ولدت دولة اليهود في وقت هان كثير من المسلمين فيه على الله ، و على الناس و على أنفسهم ، فالغرب الصليبي في عنفوان قوته ، وعندما قرر إقامة دولة يهود على أنقاض شعب فلسطين المسلم ، لم يحسب للعرب المسلمين أي حساب ، ولم يقدر لوجودهم أي قيمة ، أما الشرق الشيوعي الذي تبوات روسيا قمته ، فقد كان ينظر للمسلمين على انهم امة تافهة تائهة ، ويرمق حكامهم بازدراء و من ثم أيدت روسيا وجود دولة يهود و قررت إزالة أهل فلسطين ، وشاركت الغرب الصليبي في اقذر جريمة .
و لماذا نلوم أعداءنا على هذا المسلك؟ فهم قوم يخدمون مصالخهم و اهدافهم و قد استجابوا بهذه الفعلة مع طبيعتهم ، إنما تقع اللائمة على كثير من المسلمين الذين نسوا الله ، فأنساهم انفسهم ، الذين يأبون الاسلام شعارا لهم في المجال العالمي ، أو حياة لهم في الميدان الداخلي .
و قامت دولة المسخ اليهودي في فلسطين على قدميها وسط المسلمين المشدوهين ؛ ولذلك قد يقول قائل : إن عدد المسلمين اليوم يزيدون عن الف مليون نسمة ، و اليهود لا يتجاوزون بضعة ملايين .... نقول له : على رسلك فإن المراد ان بني اسرائيل يصبحون اكثر نفيرا من المؤمنين المخلصين ؛ لأن الصراع الحقيقي بين الفرقة الناجية التي تمثل الحق و بين جماهير الباطل مهما اختلفت ألوانهم و جنسياتهم.
عن عمران بن حصين – رضي الله عنهما - : " لا تزال طائفة من امتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوئهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال "
ومن المعلوم: ان اليهود من اتباع المسيح الدجال .
و أمر آخر فإن كلمة (نفير) تعني : القوم الذين يتنافرون الى القتال ، واليهود من هذه الناحية قد فاقوا المسلمين من حيث القوة و التدريب و التجهيزات العسكرية و الاستعدادات الحربية مصداقا لقوله تعالى "وجعلناكم أكثر نفيرا"
و هذه الكرة تأديب لكثير من المسلمين الذين نسوا منهج الله و فتنوا بمناهج الأرض، فأرادوا التحليق في الدنيا بجناح المادة، فخذلهم جناخ الايمان، فكبكبوا على وجوههم، و يكبوا على مناخرهم، و الله إذا أراد تأديب قوم انسلخوا عن منهجه بعدما كانوا مؤمينن به،سلط عليهم قوما يرقبون فيهم إلا و لا ذمة.
و لكن هذه الكرة لن تطول بإذن الله ذي الحول و الطول، ففي هذه الآيات تعبير بحرف العطف (ثم) الذي يفيد الترتيب مع التراخي، و التاريخ أثبت بدون شك أن كرة بني إسرائيل حدثت بعد مدة طويلة بل بعد قرون من الإفساد الأول، و لكن التعبير القرآني عن الإفساد الثاني يستخدم حرف العطف (الفاء) الذي يفيد الترتيب مع التعقيب إعلاما للمسلمين أن الكرة و الزهو و الخيلاء لن تطول، إنما هي فترة محدودة وجيزة تم تمكنهم من التجمع في الأرض المباركة كي يلقوا مصارعهم هناك بإذن الله على يد جند الله من عباد الرحمن الذين يحققون في أنفسهم و مجتمعهم العبودية الخالصة لله وحده، و يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.

الإفساد الثاني

و أصبح لليهود في بيت المقدس واقع، فعاثوا في الأرض فسادا، و قتلوا النساء و الشيوخ و الولدان الذين لا يستطيعون حيلة و لا يهتدون سبيلا، و خرقوا مسرى رسول الله و مزقوا كتاب الله، و عم الفساد و كم و بلغ ذروته حيث العهر و الفجور و الرذيلة، و القتل، و استباحة أعراض المسلمين، و سلبهم و التنكيل بهم و نقض العهود و المواثيق.
إذن، فالإفساد الثاني مستمر، و هو الآن – و الله أعلم- في قمة علوه و عربدته، لأن ليس بعد هذا الإفساد إفساد.
أيوجد إفساد أعظم في تحريق بيوت الله؟
أيوجد إفساد أشد من تمزيق كتاب الله و ركلته بالأرجل؟
أيوجد إفساد أكبر من إعلان الحرب جهارا نهارا على الاسلام و دعاته؟
إن هذا –وأيم الله- لهو قمة الفساد.
و جميع المحاولات التي طرحت لحل الخلاف العربي اليهودي، و لتسوية قضية مسلمي فلسطين باءت بالفشل الذريع و الخسران المبين، لأن الأمر كله بيد الله لا بقرارات (هيئة الأمم) و (مجلس الفتن).
و أمامنا اليوم بسطة من الأدلة و وفرة من البراهين تتيح القول: بأن قضية فلسطين غدت سلعة للمساومة و التراضي بعدما عجزت الأطراف المشاركة في (اللعبة) من التوصل الى حل يشبع رغبات و ميول الجميع، و لكن الأخطبوط الصهيوني لا يفتأ يمد أذرعه السامة بين الفينة و الفينة، ليجد فريسة يحقق على كاهلها مآربه التورانية – و مما هو جدير بالقول أن هذا ديدن اليهود قديما و حديثا، فلعل مسلمي فلسطين بخاصة يستفيقون من غفوتهم التي كبكبوا فيها، لأنهم تنكبوا جادة الحق و الصواب – و هاكم دليل من التأريخ المعاصر نسوقه للعبرة و التذكير .... فهل من مدكر؟
يعتمد الصهاينة الى رشوة الزعماء و الحكام لتحقيق أهدافهم التلمودية، و لبناء وطنهم في أرض الميعاد المزعومة على أنقاض الشعوب المغلوبة على أمرها ... و لكن المعصوم من عصمه الله،فعندما عقدوا مؤتمر (بال) و قررت الشرذمة المشرذمة أن تجمع فلولها في أرض الميعاد المزعومة، صمموا على إتباع السبل الشيطانية المغرية في البداية ليتجنبوا المواجهة المباشرة مع مسلمي فلسطين، فعرضوا على السلطان عبد الحميد – رحمه الله – مبالغ طائلة – و كان في مأزق اقتصادي- بشرط أن يسمح لهم بالهجرة الى فلسطين فرفض .
و في سنة 1941 حاولوا رشوة الملك عبد العزيز – رحمه الله- فأوفدوا الكولونيل (هوسكنس) من كبار موظفي القسم الشرقي في وزارة الخارجية الأمريكية في محاولة لإقناع الملك عبد العزيز بالتنحي عن قضية فلسطين مقابل عشرة ملايين جنيه استرليني ذهبا، فلما علم الملك عبد العزيز بذلك رفض أن يبحث مه (هوسكيس) الأمور التي تتعلق بفلسطين، فعاد (هوسكنس) من مهمته بخفي حنين.
و زعماء اليهود و أنصارهم ما انفكوا يعلمون منذ أعطاهم (بلفور) وزير خارجية الانجليز
ما لا يملك ووعدهم بإنشاء وطن قومي في فلسطين عام 1918 و بشتى الوسائل و مختلف الأساليب على تحقيق مآربهم و أهدافهم و غاياتهم/ و إن تغنوا بالسلم و السلام و حفظ الجوار و المعاملة بالمثل، فإن هذا كله شنشته عرفناها من أخزم.
و في الآيات لفتة لغوية رائعة فلم يذكر الله –سبحانه- دخول المسجد الأقصى في المرة الأولى منفصلا مستقبلا، لأنه كان طليقا منهم، و ذكره في المرة الثانية ملحقا مع ذكر الدخول....فما نكتة ذلك؟
الآيات تتحدث عن اذلال بني اسرائيل، و أن المؤمنين المخلصين لله سيتبرون ما علا اليهود، و سوءون وجوههم، فدخول المسجد الأقصى في المرة الأولى لم يكن اذلالا لبني اسرائيل لأنه كان تحت سيطرة الرومان، بينما في المرة الثانية سيكون اليهود فيه ودخوله و هم في اذلال و مسخ و هوان لهؤلاء المغضوب عليهم "و ليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة" لأن الآيات تدل على أن المسلمين المخلصين الممثلين في الفرقة الناجية سيهزمون اليهود، و ينكلون بهم، و سيدخلون المسجد الأقصى، ليستعيدوا هذه الضالة من الأمة الضالة، و هذا يعني : ان اليهود سيكونون في البيت المقدس حيث المسجد الأقصى، و ها هم اليوم اتخذوا القدس عاصمة أبدية لهم، كما يزعم سادتهم و كبراؤهم

القضاء على اليهود

و استمرت الآية ( و ليتبرو ما علو تتبيرا) ؛ فعباد الله سيهدمون قلاع الصهاينة ، ويدكون حصونهم ، ويدمرون مستوطناتهم ، وينسفونها ، ولم تعهد أرض فلسطين المباني الشامخة إلا في ظل الحكم الصهيوني ، حيث ناطحات السحاب و حيث المستوطنات تقام على كل بشر من الأرض المباركة .
و من خلال هذا الشرح و الاستنباط نعلن للبشرية بأسرها :أن بناء مستوطنات في فلسطين لن يتوقف ما دام يهود فيها و مهما أعلن قادة العدو عن وقف ذلك ؛ فإن كلامهم هراء و كذب و افتراء ، فها هي وكالات الانباء تنقل لنا أخبارا مفادها : أن اليهود مستمرون في بناء المستوطنات .
و نحن نقول : ابنوا يا بني الصهيون و ارتفعوا كما يشاء الله ، فإن مصارعكم فيها بإذن الله ، وقريبا عن شاء الله ستدمر عليكم ، وتخر فوق رؤوسكم ، و ما كان الله ليخلف وعده ( و كان وعدا مفعولا ) .
و ذكر المسجد الأقصى في المرة الثانية بينما لم يذكر في المرة الأولى ؛ لأن الدخول الأول سينقطع و لو لم ينقطع الدخول الأول لكان الثاني استمرارا له ، ولكن لما انقطع الدخول الأول و انتهى فإن الدخول إذا تجدد كان دخولا ثانيا استمرارا جديدا ، وهكذا ما حدث فعلا ؛ فإن الدخول الأول انقطع عندما استولى يهود على القدس مع البقية الباقية من فلسطين في هجوم شنوه عام 1967م سماه الخوالف : عام النكسة ، و من قبل سمى الخلوف عام 1948 م عام النكبة .
و الدخول الأول لن ينقطع الا بوجود عائق و حائل يمنع المسلمين من الدخول و يكون عدوا للإسلام و اهله ، وكفى باليهود عدوا لدودا مناهضا للإسلام ، و اهل الاسلام و أنصار الاسلام .
و لا بد من ان نحرر أرضنا المسلمة المغتصبة و ننتقم منهم ، ونصب جام غضبنا عليهم ، ونشوه وجوههم ، بحيث ترتسم على أساريرها آثار الكآبة و الذل ، و سندخل المسجد الأقصى – إن شاء الله – كما دخله سلفنا الصالح – رضي الله عنهم – اول مرة ؛ لأن وعد الآخرة الذي أشارت إليه الآية ( فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوههم و ليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ) مما ننتظر وقوعه تصديقا بموعود الله و تحقيقا لمصدوق خبر رسول الله .... ويومئذيفرح المؤمنون بنصر الله .

من وحي الآيات

أولا : القتال في فلسطين سيكون إسلاميا ، وهذا ثابت كما سلف ، فعلى الذين يتبنون قضية فلسطين ان يجعلوا ذلك نصب أعينهم .. لأنه لا نصر لهم إلا بالإسلام ، فأعدائهم اليهود يحاربون بعقيدة الثوراة و التلمود ، و لن نكون لهم إلا بالمرصاد إلا بعقيدة التوحيد ، كما هي في الكتاب و سنة وسول الله و فهم السلف الصالح ، وهذا ما يشير اليه قول الله –تعالى- في آخر الآيات البينات: ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) " الاسراء:9 "

ثانيا : القضية الفلسطينية لن تحل سلميا لأن الله قرر خلاف ذلك فعلى الذين يقامرون على مسرى النبي ، ويعرضونه في المزاد العلني : ان يتوبوا لرشدهم .. و يعلموا ان خط سيرهم سيؤدي بهم إلى الهاوية التي لا ترحم .


ثالثا :
الهجرة اليهودية الى الديار المقدسة لن تتوقف، و اليهود سيأتون إلى الأرض التي تدر عسلا و لبنا زرافات ووحدنا باستمرار كي يلقوا فيها مصارعهم بإذن الله " فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا ) ( الاسراء 104) ، و هاهم اليهود يهاجرون باستمرار و ازدياد الى فلسطين من كل حدب وصوب ، ومن كل فج عميق، يلبون حكم الله الذي قضى عليهم منذ الأزل .

رابعا : لعل المسلمين ألا ينخدعوا بأقاويل المعسكر الغربي الذي يتعلل بأنه يمد إسرائيل بالعدة و العتاد ، وأسلحة الدمار ، ليحافظ على ميزان القوى في المنطقة ، فاليهود يملكون أجهزة فتاكة كثيرة وحديثة ومعقدة أكثر من المسلمين ، و هذا صميم قوله تعالى : ( وجعلناكم أكثر نفيرا )
خامسا : لن يهدأ اليهود بال ، و لن يقر لهم قرار ، و لن يصلوا إلى الأمن المنشود، فهذا حلم صعب التحقق ، و أمر بعيد المنال ، لأن الله منعهم إياه، فكل المحاولات التي تسعى إلى ذلك ستبوء بالفشل الذريعة و الخسران المبين تحقيقا للوعد الالاهي و القضاء الرباني فيهم :
( وإذ تأدن ربك ليبعثن عليهم الى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب) " سورة الأعراف 176 " .
هكذا يلفت القرآن أنظارنا الى اشد الحقائق ثقلا في قلب العالم المعاصر :
قضي فلسطين المسلمة التي حيرت البشرية، وإذا كان الله سبحانه و تعالى – قدير على تحقيق العجائب المشهودة في كل لحظة من الزمن ، وفي كل شبر من العالم... أفيعجز – و حاشاه – عن تحقيق الفصل نفسه على هذه الرقعة من البسيطة؟
ذلك ما يعلمنا إياه القرآن ، و هو يشير الى المستقبل الإسلامي الزاهر المتفجر بالحياة، لكي يضع العقل المسلم المعاصر أمام الحقائق العارية، المؤثرة، و المنظورة ..... بلا جدل سياسي ، و لا تعقيد فلسفي ، و لا أغاميض إعلامية مما تمارسه وسائل الإعلام التي تحركها الأيدي المشبوهة.
من أكثر من زاوية يتعامل القرآن مع المسلم، فمرة بالحقائق التأريخية معجزة ، ذات المعاني المتدفقة، والقيم التي لا تكف عن التمخض و العطاء ، فتسري في الكيان البشري و تنعشه وتسوي لجسم خائر صلبا ...
فلنستمر في الرحلة الطيبة ... وليكن مرورنا سريعا كي لا يطول بنا السَُرى ....ولكن عند الصباح يحمد القوم السُرى .

خلافة راشدة على منهج النبوة

إذا فدخول مسجد الأقصى مرة ثانية ، أمر حتمي مؤكد لا مفر منه فهو ثابت بنص القرآن الكريم.
و مما لاشك فيه إن هذه الانتصارات المؤزرة التي سيحققها الإسلام ، وهذه الفتوحات الرائعة التي تعم العالم بأسره ، تستدعي أن تعود الخلافة الراشدة الى الأمة الإسلامية، حيث تصبح الحاكمة الآمرة الناهية بكتاب الله و سنة رسوله الصحيحة، بفهم السلف الصالح ، وهذا مما بشرنا به رسولنا صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث الصحيح الصريح الفصيح :" تكون النبوة فيكم ما شاء الله ان تكون ، ثم يرفعها الله إن شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله ان تكون ، ثم يرفعها إذا شاء ان يرفعها ، ثم يكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله ان تكون ، ثم يرفعها إذا شاء الله ان يرفعها ، ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء الله ان يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت " .


ظهور المهدي والنظام الاجتماعي العادل


أحاديث المهدي المتواترة تخبر بظهور مصلح في آخر الزمان: يحكم بالكتاب و السنة بفهم السلف الصالح ، و يملأ الأرض عدلا بعدما ملئت جورا و ظلما ، يبيع و هو مكره ، يحكم ثماني او سبع حجج ، يكثر المال في زمانه و يحشوه و لا يعده ، اسمه محمد بن عبد الله ، من أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم ومن ولد فاطمة من سلالة الحسن و هو إمام عادل تقي، و حاكم سلفي منصف .
وقد ورد في ظهور المهدي أحاديث صحيحة نورد بعضها على سبيل التدليل :


1- " يخرج المهدي في آخر أمتي : يسقيه الله الغيث ، وتخرج الأرض نباتها ، و يعطى المال صحاحا ، وتكثر الماشية ، وتعظم الأمة ، يعيش سبعا او ثماني ؛ يعني: حجج .

2- " لا تذهب الدنيا، ولا تنقضي ، حتى يملك رجل من أهل بيتي ، يواطئ اسمه اسمي.

3- " يكون خليفة من خلفائكم في آخر الزمان، يحثوا المال و لا يعده"

و اعلم أخا الإيمان : أن الخلافة الراشدة على منهاج النبوة تعود قبل ظهور المهدي و ليس كما يعتقد بعض الناس ، وتزعم بعض الحركات الإسلامية : إن الخلافة يرجعها المهدي و هم ينتظرون ، فإن هذا مما لا دليل عليه ، بل هو وهم و خرص و تخمين .
و من الأدلة الدامغة على أن الخلافة الراشدة على منهاج النبوة ترجع قبل ظهور الخليفة الصالح المهدي : إن المسلمين يسترجعون بيت المقدس من اليهود ، كما سبق ذكره و تبيانه ، بينما المهدي يكون عند ظهوره في البيت المقدس ، حيث يكون في أيدي المسلمين ، و بيت المقدس الآن يرزخ تحت نير الاحتلال الصهيوني اليهودي البغيض ؛ فلابد من قيام الخلافة قبل المهدي ؛ لأنها هي السبيل الوحيد ؛ لاسترجاع مجد الإسلام التليد .
و مما يؤكد أن الخلافة الراشدة عائدة قبل ظهور المهدي قوله : " يكون خليفة من خلفائكم في آخر الزمان " فهو يشير إلى أن المهدي خليفة في سلسلة الخلفاء الذين يحكمون بالكتاب و السنة بفهم سلف الأمة على منهاج النبوة في آخر الزمان.
و قرينة أخرى: أن المهدي يمثل - هو و عيسى عليه السلام – قمة الإصلاح الديني في آخر الزمان .
و قرينة أخرى: أن المهدي يمثل –هو و عيسى عليه الصلاة –قمة الإصلاح الديني في أخر الزمان، و من المعلوم بداهة أن هدا لا يتحقق جملة بل بالتدريج ، فدلك لا بد و جود مصلحين سابقين ، يوطؤون للمهدي قمة إصلاحه و حكمه ، و الله أعلم .
و جملة الأخبار السابقة و غيرها تنبئ بمستقبل أسلامي زاهر ، ناهيك عن تضافر المؤشرات العالمية التي تعد إرهاصات كونية لاستفاقة المسلمين من السبات العميق ، و هدا باعتراف أعدائنا ، و الفصل ماشهدت به الأعداء.
والحمد لله رب العالمين
....................
*
المقدمة والعنوان والأخطاء الإملائية محسوبة على أخيكم فرفقا به ..