نقض كتاب أبي مريم : " شبهات المشككين في أن الإسلام لا يصح إلا بالبراءة من المشركين"
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 33

الموضوع: نقض كتاب أبي مريم : " شبهات المشككين في أن الإسلام لا يصح إلا بالبراءة من المشركين"

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    800

    افتراضي نقض كتاب أبي مريم : " شبهات المشككين في أن الإسلام لا يصح إلا بالبراءة من المشركين"

    بسم الله الرحمن الرحيم ،

    هذا الموضوع أخصصه لنقض كتاب المدعو أبي مريم الكويتي ، والذي بعنوان : شبهات المشككين في أن الإسلام لا يصح إلا بالبراءة من المشركين .. والذي ظن به أنه نقض معتقدي في المسألة ، وقطع حججي فيها .

    وللعلم فإنه لا يردّ في هذا الكتاب على كتابي "نقض معتقد الخوارج الجدد" ، بل إنه أتى بكلام لي غير محقق في أحد المنتديات ، وطفق يرد عليه ، مع أنني لم أورد هذا الكلام في نسخة الكتاب الثانية التي نشرتها في نفس المنتدى ، لعلمي أن الحجة فيه مبهمة وليست من الوضوح بمكان حتى يعيها الجميع .. ولكن مع هذا فسوف أردّ عليه وأكشف مدى ضعف فهم هذا الرجل ، بإذن الله تعالى .

    ابتدأ الرجل في الباب الأول بكلام لابن القيم - رحمه الله - في وصف أهل الضلال وأحوالهم وشبهاتهم ، فأقول له ، ليتك وعيت كلامه وأخذت به . وليس لي من تعقيب سوى ذلك .

    ---

    وفي بابه الثاني : المخالف يقرر الأصل الصحيح ثم ينقضه تماما نقل عنّي كلاماً قلت فيه :

    نعم.. هذا صحيح.. إن انتفى اللازم (ومعنى انتفاؤه أي انتفاء أصله) ، فقد انتفى الأصل الذي بُني عليه... لذلك ، فإن من لا يكفر المشركين (كلازم شرعي قطعي) فهو كافر ، وغير معذور بالجهل أو بغيره.. لأنه لم يعرف معنى توحيد الله...
    فكيف يوحّد رجل الله.. وهو يظن أن من عبد غيره فهو موحد؟؟...
    هذا لم يعرف معنى التوحيد
    فأجاب :
    من حكم بإسلام المشرك لم يحقق التوحيد
    قال أبو مريم: هنا التزم المخالف الأصل الذي نقرره وهو أن من قال عن المشرك الذي يعبد غير الله أنه مسلم عابد لله تعالى مع علمه بأنه يقع في عبادة غير الله أنه لم يعرف معنى التوحيد ومن لم يعرف معنى التوحيد لا يكون مسلما لأن الإسلام لا يتحقق إلا بمعرفته والعمل به سواء قيل إن هذا لازم لحقيقة لا إله إلا الله أم أنه من معنى لا إله إلا الله فالخلاف يكون عندها اصطلاحي مع الاتفاق على الحقيقة.

    التوقف في تنزيل الأصل الصحيح اتباعا للهوى
    لكن الإشكال عند المخالف أنه ينازعنا في تنزيل هذا الأصل على بعض الطوائف والأعيان فنحن نعتقد أن كل من لم يكفر المشرك الذي عبد غير الله وهو يعلم أنه يعبد غير الله لا يكون مسلما حتى لو قال بأنه معذور بجهله أو بتأوله, لأن من وقع في الشرك قاصدا له مريدا له من غير إكراه هذا لم يحقق لا إله إلا الله, فمن عبد غير الله فقد جعل لله شريكا في العبادة فلا بد من الحكم عليه بأنه لم يعبد الله, فمن قال بأنه عابد لله مع أنه يقر بأنه يعبد غير الله هذا هو الجهل بحقيقة الإسلام.
    أقول : ليته رجع إلى كتابي في نسخته الثانية حتى يقف على الكلام محققاً ويحيط بجوانب المسألة التي ذكرتُ .

    فإن هذه ليست مسألتنا التي نختلف فيها ، إنما مسألتنا هي في الذي يقول : إن هذا الفعل شرك أكبر ، ومن يفعله فهو كافر ، وهو عابد لغير الله ، وغير مسلم .. ولكن التكفير يحتاج إلى شروط وموانع . وظنّ أن الجهل قد جعله الله عذراً ومانعاً من التكفير ، كما جعل الإكراه وانتفاء القصد عذراً ، لاختلاط الأدلة عنده وتضاربها ، أو لعلّه يقيس الشرك (لقصور فهمه) على الكفر الأكبر ، كقياس الشرك على جهل شمولية وإحاطة قدرة الله أو علم الله .

    هذا هو محور المسألة وقطب رحاها ..

    - فهل هذا الرجل يكفّر المشركين ؟ .. الجواب : نعم .

    - وهل امتناعه عن التكفير هو في عموم من يفعل هذا الفعل ، أم في بعض الأعيان ؟ .. الجواب : في بعض الأعيان .

    - وهل علّة امتناعه عن التكفير هو اعتقاده أن من عبد غير الله مسلم ؟ .. الجواب : لا ، إنما لأنه يظنّ أن الله تعالى يعذر مثل هذا بالجهل ، كما يعذره بالإكراه أو انتفاء القصد ، أو كما يعذر أطفال المشركين .

    فهو لا يرى الشرك إسلاماً .. ولا يرى المشرك مسلماً .. إنما يرى أن حُكم الشرك يُرفع عن من وقع فيه إن كان جاهلاً ، كما يُرفع عن المُكره والمخطئ .

    فهذا الرجل يقول : أنا أعلم أن هذا الفعل شرك أكبر ، وأن عابد غير الله كافر مشرك ، ولكن عندي دليل من القرآن والسنة أنّ الله - عز وجل - لا يؤاخذ الجاهل ، فأنا أتبّع هذا الدليل ، كما أمر الله تعالى ، ولا أكفّره حتى يتبيّن له أن فعله شرك أكبر ، لأن هذا هو حكم الله تعالى .

    - هل تصور هذا الرجل صحيح ؟ .. أم أنّ لديه قصور في التصور ؟ .. الجواب : لديه قصور ، ولا يمكن تكفيره حتى يُبيّن له وجه خطئه ، كأي صاحب خطأ أو بدعة .

    قال ابن تيمية - رحمه الله - في [مجموع الفتاوى : 12/180-181] :‏
    [-- فَالتَّكْفِيرُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ حَالِ الشَّخْصِ . فَلَيْسَ كُلُّ مُخْطِئٍ وَلَا مُبْتَدَعٍ وَلَا جَاهِلٍ ‏وَلَا ضَالٍّ يَكُونُ كَافِرًا ؛ بَلْ وَلَا فَاسِقًا ، بَلْ وَلَا عَاصِيًا ، لَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ . وَقَدْ ‏غَلِطَ فِيهَا خَلْقٌ مِنْ أَئِمَّةِ الطَّوَائِفِ الْمَعْرُوفِينَ عِنْدَ النَّاسِ بِالْعِلْمِ وَالدِّينِ . وَغَالِبُهُمْ يَقْصِدُ وَجْهًا مِنْ ‏الْحَقِّ فَيَتَّبِعُهُ ، وَيَعْزُبُ عَنْهُ وَجْهٌ آخَرُ لَا يُحَقِّقُهُ ، فَيَبْقَى عَارِفًا بِبَعْضِ الْحَقِّ جَاهِلًا بِبَعْضِهِ ؛ بَلْ ‏مُنْكِرًا لَهُ --]

    وهذا الرجل الذي قصد وجهاً من الحق فاتبعه ، وغاب عنه الوجه الباطل للمسألة ، فحكم على الشيء بما عرف من الحق ، فأخطأ الحكم ، وأخطأ الاسم المترتب على هذا الحكم .

    فكيف يكفر مثل هذا وخلافنا معه هو في تنـزيل الحكم الشرعي لا أكثر ؟؟ .. سبحان الله .

    ---------------

    ثم يقول :

    معلوم ضرورة أن من أظهر الشرك ليس مسلما
    وهؤلاء الذين كفرناهم يقرون بأن من يحكمون بإسلامه يقع في الشرك الظاهر, ومعلوم ضرورة عند كل مسلم أن من يظهر الشرك الأكبر ظاهرا لا يحكم له بالإسلام لأنه لم يتبرأ من الشرك ولا يكون المرء مسلما حتى يظهر البراءة من الشرك ويجتنبه, كما قال تعالى {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} البقرة 256

    {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } النحل 36
    فالاستمساك بالعروة الوثقى قد يكون ظاهرا وباطنا وهو من حقق الإسلام ظاهرا وباطنا فآمن بالله وكفر بالطاغوت واجتنب عبادته. وقد يكون ظاهرا دون الباطن وهو من أظهر الكفر بالطاغوت واجتناب عبادته ظاهرا وهو باطنا يؤمن بالطاغوت ولا يكفر به, فهذا يحكم له بالإسلام الظاهر وهو حال المنافق. أما من أظهر عبادة الطاغوت ولم يجتنبه فهذا لا يقول مسلم أنه كفر بالطاغوت مع إظهاره للشرك
    لا أزيد عمّا ذكرته سابقاً سوى قولي :

    أنت أيضاً لا تكفّر كلّ من وقع في الشرك الأكبر .. أليس كذلك ؟

    هل تكفّر من وقع في الشرك الأكبر وهو مكره ؟ .. ستقول لي لا .. فهل أقول في حقك أنك لا تكفر المشركين ؟

    هل تكفّر من وقع في الشرك الأكبر مخطئاً ومنتفياً قصده ؟ .. ستقول لي لا .. فهل أقول في حقك أنك لا تكفر المشركين ؟

    ستقول لي هذه أعذار شرعية ثابتة في القرآن والسنة ، ترفع وصف الشرك عمّن وقع فيه .

    فأقول لك : ومن زاد فيها عذراً شرعياً ، وهو الجهل ، لدليل عنده من القرآن والسنة ، بغض النظر عن كون استدلاله صحيحاً أم لا ، فهل هو حاله إلا كحال المخطئ في اعتبار بعض جوانب الإكراه ، أو المخطئ في بعض جوانب انتفاء القصد ؟ .. بل قل : المخطئ في أي مسألة شرعية ، أو ابتدع في الدين أمراً ظنه حقاً ..

    ما يفرق هذا عن ذاك ؟؟

    ومما كنا نُفحم به أتباع هذا الرجل أننا كنا نقول لهم :

    هذا الرجل الذي امتنع عن تكفير بعض أعيان الواقعين في الشرك الأكبر ممن ينتسبون إلى الإسلام ، لإعذاره إياهم بالجهل ، ما علّة تكفيره ؟ وما مناط كفره ؟

    فكانوا يذكرون عدة حجج واهية ، منها :

    - أنه لا يعرف حقيقة التوحيد ..

    فكنا نجيبهم : بل هو يعرف ، لذلك اجتنب الشرك وعبد الله تعالى .. ويعرف أن ما يفعله المشركون باطل وكفر وشرك ..

    فهذا وحّد الله تعالى ، واجتنب عبادة غيره ، فحقق قول الله تعالى : { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } .

    - أنه ردّ النصوص الشرعية القطعية ، وخالف الإجماع :

    فقلنا لهم : هو لم يردّ هذه النصوص الشرعية ، بل آمن بها واعتقدها ، ولكن قيّدها بنصوص أخرى شرعية ثبتت عنده ، وأخطأ فهمها .. فحقيقته أنه متبّع لأمر الله تعالى ، وإن أخطأ في فهم أمره .

    وأما الإجماع فهو يقيّده كذلك ، لقصور فهمه أو تضارب الأدلة عنده .

    - أنه قد والى الشرك وأهله

    فقلنا لهم : هذا يلزم كل من لا يكفّر الكافر أن يكون قد والاه ووالى كفره .. وهذا معلوم بطلانه عقلاً وشرعاً .

    فأما موالاة الشرك ، فهذا باطل ، حيث إنه يشهد إن هذا الفعل شرك وضلال ، ويبغضه ويجتنبه ، فلا يُمكن أن يقال هذا .

    أما موالاة المشرك ، فهي صحيحة ، ولكنها موالاة جزئية وليست كلية ، لا تنقض أصل دين الرجل .

    فهو يرى أن هذا الواقع في الشرك الأكبر معذور بجهله ، فوالاه على ما معه من إيمان بالله واتباع للرسول .. ولم يواله لعبادته غير الله ..

    فكانوا لا يحيرون جواباً ..

    --------------

    يتبع إن شاء الله ..

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    725

    افتراضي رد: نقض كتاب أبي مريم : " شبهات المشككين في أن الإسلام لا يصح إلا بالبراءة من المشركي

    أبو شعيب وفقك الله تعالى
    -----------------
    وكما قلنا سابقاً أن هؤلاء القوم ليس عندهم إلا هذا التأصيل المتهافت
    وننتظر منك باقي الرد جزاك الله خيراً

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    800

    افتراضي رد: نقض كتاب أبي مريم : " شبهات المشككين في أن الإسلام لا يصح إلا بالبراءة من المشركي

    ثم ذكر هذا الرجل أصولاً نوافقه عليها ، ولكنه للأسف لا يميّز بين اللفظ العام وما يُقيّده . فذكر أن المشركين كانوا يعلمون أنهم مشركون ، وأنهم على باطل ، وأن الإسلام يدعوهم إلى نبذ دين آبائهم ، وترك عبادة الطواغيت والكفر بها ..

    فهل جادله أحد في ذلك ؟؟ .. وهل اعترض عليه معترض وذكر كلاماً مخالفاً لذلك ؟ .. فلا أدري ما وجه طرحه لهذه المسائل وجميع المسلمين يعلمون ذلك يقيناً .

    خلافنا هو في تكفير من لم يكفّر بعض من وقع في الشرك الأكبر ، لأحوال واعتبارات وتصورات قامت في ذهنه ، قصد بها اتباع الحق ، فأخطأه ..

    فلأي شيء يكفر مثل هذا ؟؟ .. هل تراه قال : إن من عبد غير الله فهو موحّد ؟؟ .. فجعل أصل الحكم الشرعي في الشرك هو التوحيد ؟؟

    أم أنه يعتقد ويقول إنه من عبد غير الله فهو كافر مشرك ، ولكن لا يُحكم على كلّ أحد بذلك حتى تحقق فيه الشروط وتنتفي فيه الموانع .. فأخطأ في ضبط الشروط والموانع (وهنا يقع الخلاف) ..

    فهل من أخطأ في ضبط الشروط والموانع يكفر من فوره ، دون إقامة حجة وبيان الحق له ؟؟ .. وأليس هذا من المسائل التي تحتاج الحجة فيها إلى تفصيل ؟؟ .. سبحان الله !!

    ثم يقول :
    من كان أصله صحيحا لكن أخطأ في التنزيل ليس خارجيا
    ويخالفنا هذا القائل في مسألة تنزيل هذا الأصل على بعض الطوائف والأعيان ومع ذلك نحن عنده خوارج فهذا إما من الظلم وقع فيه المخالف انتصارا لمن يعظمه فمن أجل نصرته جعل يطعن في دين مخالفه ويحكم عليه بالجهل والضلال مع أنه يوافق مخالفه على التأصيل وإنما الخلاف في التنزيل أو من جهل المخالف بهذه المسائل لذا لا ينزل على الأعيان فيعذر من لم يتبرأ من المشركين بالجهل والتأويل مع أنه يقر بأنه لا يعذر بجهل ولا بغيره قال تعالى {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} الأحزاب 72.
    ومن كان أصله صحيحاً وأخطأ في تنـزيل الحكم على بعض المشركين ، كيف يكون كافراً ؟؟

    إن كنت تدعي أن إكفارك للموحدين تُعذر به إن كان أصلك صحيحاً .. فعلام لا تعذر من أسلم بعض المشركين إن كان أصله صحيحاً ؟؟

    وللعلم فإن قد وَرد في السنة أحاديث صحيحة صريحة بيّنة في عِظم جُرم من يكفّر المسلمين .. بل وذكر بعضها أن تكفير المسلم كفر .. ولم يأت حديث واحد بهذا البيان والصراحة في الامتناع عن تكفير المشرك !! .. وإنما كان هذا الحكم استنباطاً شرعياً من أدلة الكتاب والسنة ..

    فإن كنت ترى نفسك معذوراً في مسألة جاءت فيها أحاديث صحيحة صريحة في التحذير منها ، فلماذا لا تعذر غيرك في مسألة لم تُبيّن إلا بالاستنباط الشرعي ؟؟

    ولعلّك تقول : ولكن هؤلاء ليس لديهم الأصل الصحيح ، لأنهم يعذرون المشرك بالجهل ..

    فأقول لك : هل ضبط شروط التكفير وموانعه من أصول الدين التي لم يُخالف فيها أحد ، أم من فروعه ؟

    فإن قلت لي من الأصول ، فيلزمك أن تأتي بالنصوص الصريحة المستفيضة المتواترة على ذلك ، مع ذكر إجماع الأمة .. ويلزمك كذلك أن كل من خالف في ذلك من أهل السنة فهو مبتدع أو كافر .

    هذا مع أن ضبط موانع التكفير وقع فيه النـزاع وما زال ، ومن قِبَل علماء أجلّاء .. ومثاله :

    القاضي عياض - رحمه الله - يرى أن من شرب الخمر فسكر ، ثم نطق بالكفر ، فهو كافر .
    أما ابن تيمية وابن القيم - رحمهما الله - فيريان أنه معذور لغياب عقله ، ولا يكفرانه .

    فعند القاضي عياض ، هذا السكران قد تحققت فيه الشروط ، وانتفت فيه موانعه ، فكفّره من أجل ذلك ..
    أما عند ابن تيمية ، فإنه لم تتحقق فيه الشروط ولم تنتف فيه جميع الموانع ، فلم يكفّره .

    فهل على من يتبع مذهب القاضي عياض أن يكفّر ابن تيمية ومن اتبعه في هذه المسألة بحجة : عدم تكفير المشركين ؟؟

    ستقول لي : ولكن ابن تيمية لم يتحقق عنده أنه كافر ، لاعتبار السُكر عذراً ..
    فأقول لك : ولكنه تحقق عند القاضي عياض أنه كافر ، لعدم اعتباره السكر عذراً ..

    ومثال آخر ..

    الشيخ علي الخضير - فك الله أسره - يرى الحكم بالقانون في مسألة واحدة شرك أكبر ، وكافر من يفعله .
    والشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - يرى أن ذلك كفر أصغر ، وصاحبه فاسق ، ولكنه مسلم إن لم يستحل أو يبغض حكم الله .

    فهل على الشيخ علي الخضير تكفير الشيخ ابن إبراهيم ؟

    فضبط الشروط والموانع مسألة اجتهادية ، والمُكفّر للمخطئ فيها من الغلاة المارقين .

    يتبع إن شاء الله ..

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    800

    افتراضي رد: نقض كتاب أبي مريم : " شبهات المشككين في أن الإسلام لا يصح إلا بالبراءة من المشركي

    جزاك الله خيراً أخي (الإمام الدهلوي) ،

    لم يصلني كتابه سوى اليوم ، فوجدت فراغاً من الوقت رجوت فيه أن أشرع في نقض كتابه وفضح مدى جهل هذا الرجل وضعف عقله .

    وقد يأخذ لك أياماً ، نحتسبها عند الله تعالى . وسأتوقف عند هذا اليوم ، وسأكمل غداً - إن شاء الله تعالى - .

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    725

    افتراضي رد: نقض كتاب أبي مريم : " شبهات المشككين في أن الإسلام لا يصح إلا بالبراءة من المشركي

    بارك الله فيك أخونا الحبيب أبو شعيب
    وأعانك الله على هذا الجهد الطيب
    وجزاك الله خيراً

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    800

    افتراضي رد: نقض كتاب أبي مريم : " شبهات المشككين في أن الإسلام لا يصح إلا بالبراءة من المشركي

    وفيكم بارك الله أخي الكريم .. وأسأل الله أن يُتمه على خير .

    ------------------------------

    يقول :

    بدعة حصر الكفر في المعاند فقط, ونقل قول أبي بطين في ذلك
    فإن من كفرناه أقواله صريحة بتأصيل مسألة عذر من عبد غير الله إذا كان جاهلا أو متأولا ومعلوم عن كل من يعرف نصوص الكتاب والسنة أن أكثر المشركين سبب شركهم هو الجهل والتأويل ولم يمنع هذا من الحكم بأنهم مشركون وهذا مجمع عليه بين الأمة ويلزم على هذا الأصل أنه لا يكفر إلا المعاند قال الشيخ أبا بطين رحمه الله (فالمدعي أن مرتكب الكفر متأولا، أو مجتهدا أو مخطئا، أو مقلدا أو جاهلا ، معذور ، مخالف للكتاب والسنة، والإجماع بلا شك، مع أنه لا بد أن ينقض أصله، فلو طرد أصله كفر بلا ريب، كما لو توقف في تكفير من شك في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك).
    ليت هذا الرجل يعرف ما ينقل عن العلماء ، فهذا الجزء الملوّن بالأحمر ينقض كل ادعاءاته .

    فإن الشيخ أبابطين - رحمه الله - لم يُكفّر القائل بهذه الدعوى ابتداء .. بل قال إنه لو طرد أصله (أي التزم بلوازم هذا الأصل) لكفر بلا ريب .. ويعني هذا أنه إن لم يلتزم لوازمه لم يكفر !!! .. وهذا ما يُفهم من الكلام .. ولكن هذا الرجل ينقل ما لا يعي ، والله المستعان .

    وهذا كلامه أيضاً في نفس المسألة ويوضّح فيها ما ذكر :

    قال الشيخ أبابطين - رحمه الله - :
    فإن كان مُرتكب الشرك الأكبر معذوراً لجهله ، فمن الذي لا يُعذر ؟! ولازم هذه ‏الدعوى : أنه ليس لله حجة على أحد إلاَّ المعاند ، مع أن صاحب هذه الدعوى لا يمكنه ‏طرد أصله ، بل لا بُد أن يتناقض ، فإنه لا يمكنه أن يتوقف في تكفير من شك في رسالة ‏محمد - صلى الله عليه وسلم - ، أو شك في البعث ، أو غير ذلك من أصول الدين ، والشاك ‏جاهل . والفقهاء يذكرون في كتب الفقه حكم المرتد : أنه المسلم الذي يكفر بعد ‏إسلامه ، نطقاً ، أو فعلاً ، أو شكاً ، أو اعتقاداً ، وسبب الشك الجهل . ولازم هذا : أنّا لا ‏نُكفر جهلة اليهود والنصارى ‏ ، والذين يسجدون للشمس والقمر والأصنام لجهلهم ، ‏ولا الذين حرقهم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بالنار ، لأنّا نقطع أنهم جُهال ، وقد ‏أجمع المسلمون على كفر من لم يُكفر اليهود والنصارى أو شك في كُفرهم ، ونحن نتيقن ‏أن أكثرهم جهال .‏
    انظر كيف يقول إن صاحب هذه الدعوى لا يمكنه طرد أصله .. لأن طرد أصله كفر ، فإنه عندها سيحكم بإسلام كل كافر على وجه الأرض ..

    وفي النقل الذي أتى به أبو مريم يتبيّن صراحة أن أبابطين لا يُكفّر إلا من طرد أصل هذه الدعوى ، وليس القائل بها ابتداء .

    ثم أقول إن من يعذر المشركين بالجهل ، لا يعذرهم بالصورة التي يظنها هذا الرجل ، وهذا من ضحالة علمه بمذاهب العاذرين بالجهل .. وربما لافترائه عليهم .

    فإنهم لا يعذرون من كان يعتقد الشفاعة الشركية التي كان يعتقدها كفار قريش في آلهتهم ، والتي هي مستقبحة في كل الفطر ، ويتنزه الله تعالى عنها ، والتي جاء القرآن بنفيها في مواضع كثيرة .. والتي تجعل هذه الآلهة شريكة لله تعالى في سلطانه .

    إنما إعذارهم هو لمن وحّد الله تعالى بالجملة ، وجهل جانباً من جوانب ألوهيته .. فصرف شيئاً من مظاهر العبادة لغير الله تعالى .. وهو يعتقد أن هذا الغير هو في سلطان الله ، وأن الله تعالى مسيطر ومهيمن عليه ، وأنه عبد لله تعالى ..

    فمشركو قريش لم يعتقدوا في آلهتهم العبودية لله تعالى .. بل اعتقدوا أن لها شفاعة لازمة واجبة على الله - سبحانه وتعالى - ، وأنها شريكة لله تعالى في تدبيره وقضائه .

    فأين هؤلاء المنتسبون للإسلام ، الذين يعتقدون العبودية في أوليائهم لله تعالى ، من هؤلاء الذين يعتقدون ألوهية وشراكة معبوداتهم ؟

    وهذه المسألة الأولى ..

    والمسألة الثانية هي ..

    إن حقيقة إعذار الواقعين في الشرك الأكبر من المنتسبين للإسلام ليس كما يتصورها هذا الرجل .. من أن هؤلاء العلماء يُقرّون بأن فلاناً يعبد غير الله تعالى ، ثم هم يَعدّونه موحداً على الرغم من شركه ..

    ليس الأمر هكذا ..

    بل إنهم يميزون بين حقيقة العبادة ، وبين مظاهر العبادة ..

    فحقيقة العبادة هي : الطاعة المقرونة بكمال الذل مع كمال الحب للإله .
    ومظهر العبدة هو : كل ما يحبه الله ويرضاه من الأفعال والأقوال .

    فمظاهر العبادة لا تستلزم حقيقة العبادة ..

    فمن سجد لغير الله تعالى ، ولم يحقق في قلبه حقيقة العبادة .. فهذا واقع في الشرك الأصغر .. وإن حقق حقيقة العبادة ، فهذا واقع في الشرك الأكبر .

    وقس على ذلك الذبح لغير الله تعالى ، باسم غير الله .. فإن فعلها ولم يحقق في قلبه حقيقة العبادة ، فهو شرك أصغر ..

    فبهذه التصورات يخرجون فاعل الشرك عن حقيقة الشرك ..

    ومثل هذا ما قاله الصنعاني - رحمه الله - فيما نقله عنه الشوكاني - رحمه الله - في الدرّ النضيد ، فإنه قد جعل أفعال هؤلاء المشركين من الكفر الأصغر ..

    وقد ذكرت في كتابي "نقض معتقد الخوارج الجدد" في طبعته الثانية ما يلي :

    لو أن رجلاً ظنّ أن النبي له القدرة على الخلق وعلى إحياء الموتى ( وهي أمور يختص بها الله - عز وجل - ) .. فهذا لا شكّ في كفره ..

    ولكن لو أنه ظنّ أن الله - عز وجل - جعل هذه القدرة في نبيه بإذنه وبأمره ، كما جعلها في عيسى - عليه السلام - .. وأن النبي مع ذلك لا يملك من أمره شيئاً ، بل هو عبد لله تعالى ، لا يضاهيه في شيء ولا يماثله ، وكل ما يعتقده فيه إنما هو بإذن من الله وأمره .. فهذا لا يكفر عند هؤلاء العلماء حتى تقام عليه الحجة .

    وإن رتّب على هذا المعتقد أن يسأل الرسول بعد موته أن يشفي مريضه ، ظاناً منه أن الله - عز وجل - جعل فيه القدرة على ذلك وهو في قبره ، وأنه لا ينفك أن يكون عبداً رسولاً .. ولكن ذلك بأمر الله .. فهذا عندهم لا يكفر حتى تقام عليه الحجة .

    هذا هو تصوّر هؤلاء العلماء لهذه المسألة ، وهو قول قوي معتبر ، فإن هذا المشرك لم يُخرج الرسول عن أمر الله وسلطانه ، ولم يُخرجه عن عبوديته ، وليس حاله كحال عبدة الأوثان التي جعلها أصحابها ذوات شفاعات لازمة موجبة على الله تعالى .

    فهذا هو تصورهم ، وبغض النظر عن كونه صحيحاً أو باطلاً ، فإنه تصوّر معتبر .

    وللعلماء في التصورات مذاهب وأحوال ..

    فمن تصوراتهم ما يخرج الشرك الأكبر إلى الشرك الأصغر .. كحال مسألة دعاء المقبور ليدعو الله تعالى .. وكحال لبس الصليب (على قول بعض فقهاء الشافعية) .

    - ومن التصورات ما يخرج الفاعل من كونه مشركاً مع أنه مقارف لفعل الشرك .. كحال مسألة الاستغاثة بالمقبور .

    - ومن التصورات ما تضيف موانع جديدة في التكفير ، تخرج فاعل الشرك من كونه مشركاً .. كمن جعل السُّكر أو شدة الغضب من موانع التكفير في سبّ الله تعالى .. أو قول الشرك وفعله .. أو من نسب إلى الإكراه أحوالاً أخرى .

    - ومن التصورات ما تكون قاصرة ، يقصد بها العالم طرفاً من الحق ، ويغيب عنه طرفه الآخر .. كما قال ابن تيمية - رحمه الله - في [مجموع الفتاوى : 12/180-181] :‏
    [-- فَالتَّكْفِيرُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ حَالِ الشَّخْصِ . فَلَيْسَ كُلُّ مُخْطِئٍ ، وَلَا مُبْتَدَعٍ ، وَلَا جَاهِلٍ ، ‏وَلَا ضَالٍّ ، يَكُونُ كَافِرًا ؛ بَلْ وَلَا فَاسِقًا ، بَلْ وَلَا عَاصِيًا ، لَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ . وَقَدْ ‏غَلِطَ فِيهَا خَلْقٌ مِنْ أَئِمَّةِ الطَّوَائِفِ الْمَعْرُوفِينَ عِنْدَ النَّاسِ بِالْعِلْمِ وَالدِّينِ . وَغَالِبُهُمْ يَقْصِدُ وَجْهًا مِنْ ‏الْحَقِّ فَيَتَّبِعُهُ ، وَيَعْزُبُ عَنْهُ وَجْهٌ آخَرُ لَا يُحَقِّقُهُ ، فَيَبْقَى عَارِفًا بِبَعْضِ الْحَقِّ جَاهِلًا بِبَعْضِهِ ؛ بَلْ ‏مُنْكِرًا لَهُ --]‏

    وكل هذا ، وهم لا يعذرون إلا من كان الأصل فيهم ظاهراً التوحيد ( أي : ينتسبون إلى الإسلام وينطقون بالشهادتين ويدّعون متابعة الرسول ) .. فتلبسوا ببعض مظاهر الشرك .

    مع أنهم يقولون : من تحققت فيه الشروط ، وانتفت فيه الموانع ، فهو كافر عيناً ..

    فهم ليسوا من الذين يقولون : الفعل كفر ولكن الفاعل لا يكفر بحال ، وأمره إلى الله !!!

    فالتكفير - كما ذكرت سابقاً - من الأحكام القضائية ، التي يلزم منها علم بفقه الواقع وتصوّره .. كما قيل : الحكم على الشيء فرع عن تصوره .

    ويلزم منها علم بشروط التكفير وموانعه ..

    وكل هذه العلوم من علوم القضاء ، التي لا يُطالب بها الجهال كي يدخلوا الإسلام ..

    مع إعادة التنبيه على أننا نتكلم عمّن ينتسب إلى الإسلام ، أي الأصل فيه ظاهراً هو التوحيد ، حتى يظهر خلاف ذلك .

    ولا نتكلم عمّن انتفت جميع الأعذار بحقه ، عند الجاهل والعالم .. كمن هو صراحة على غير دين الإسلام ..

    ولكن ، وكما ذكرت آنفاً ، فإن مسائل الأعذار الشرعية مستقاها الشرع وليس العقل المجرد .. لذلك فإن ما ينتفي عقلاً وعند صاحبه يصح نقلاً ، لا يحكم عليه بالكفر إن قصد اتباع الحق .

    يقول ابن تيمية – رحمه الله – في [مجموع الفتاوى : 19/212]:
    [-- فَإِنَّ الْكُفْرَ وَالْفِسْقَ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ ، لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي يَسْتَقِلُّ بِهَا الْعَقْلُ ... وَحِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ الْخَطَأُ فِي الْمَسَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ - الَّتِي يُقَالُ إنَّهَا أُصُولُ الدِّينِ - كُفْرًا ، فَهَؤُلَاءِ السَّالِكُونَ لهَذِهِ الطُّرُقَ الْبَاطِلَةَ فِي الْعُقَلِ ، الْمُبْتَدَعَةِ فِي الشَّرْعِ ، هُمْ الْكُفَّارُ ، لَا مَنْ خَالَفَهُمْ . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْخَطَأُ فِيهَا كُفْرًا ، فَلَا يَكْفُرُ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهَا ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ كَافِرًا فِي حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى التَّقْدِيرَيْن ِ . وَلَكِنْ مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْبِدَعِ أَنَّهُمْ يَبْتَدِعُونَ أَقْوَالًا يَجْعَلُونَهَا وَاجِبَةً فِي الدِّينِ ، بَلْ يَجْعَلُونَهَا مِنْ الْإِيمَانِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهَا ، وَيَسْتَحِلُّون َ دَمَهُ ؛ كَفِعْلِ الْخَوَارِجِ وَالْجَهْمِيَّة وَالرَّافِضَةِ وَالْمُعْتَزِلَ ةِ وَغَيْرِهِمْ . --]

    فهم بنوا تكفيرهم لهؤلاء العلماء بمجرد العقل ، إذ لم يستسيغوا إعذارهم وكلامهم مناقض لأفهامهم .. فكفروهم جزافاً وافتراءً على الله الكذب .
    يتبع إن شاء الله ..

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    800

    افتراضي رد: نقض كتاب أبي مريم : " شبهات المشككين في أن الإسلام لا يصح إلا بالبراءة من المشركي

    يقول :
    فمن آخى المشركين إمام فاضل, ومن عمل بالأصل الصحيح خارجي؟
    فمن يقع في الشرك جهلا أو تأولا معذور مسلم. ومن جهل هذا الرجل أن يقول بأن من حكم بإسلام من عبد غير الله لا يعرف التوحيد ولا يعذر بجهل ولا بغيره, ومع ذلك يعذر من حكم بإسلام من عبد غير الله بالجهل والتأويل, فيقرر الأصل ثم ينقضه من غير شعور بأنه نقض أصله. فإذا كان الأصل أنه من لم يكفر المشركين, وهو يعرف شركهم, لا يعذر بالجهل ولا بالتأويل, فلِمَ عذرت من تعظمه مَن تسميهم أهل التقوى والصلاح؟ لِم تجادل عن قوم توقفوا في المشركين مع علمهم بأنهم يقعون في الشرك كالظواهري وغيرهم من قادة جماعة القاعدة أو غيرهم من يعتقد مثل هذا.
    أصلكم هو كأصل الخوارج الذين قالوا : إن الحكم إلا لله .. فظنوا أن ما فعله الصحابة هو ناقض لهذا الأصل ، مع أنه أصل صحيح ، فكفّروهم .. فما تفرقون عنهم ؟

    أنت تكفّرون من يعتقد اعتقاداً جازماً أن من عبد غير الله فهو كافر .. ولكنه أخطأ في تنـزيل الحكم .. فخلافكم معه ليس في أصل المعتقد ، بل في تنـزيل الأحكام ، فكفّرتموه بذلك .. فجعلتم مسائل الأسماء والأحكام من أصل الدين الذي لا يُعذر أحد في الجهل أو التخبط به .

    ثم من الواضح أن هذا الرجل بليغ الجهل وضعيف الفهم ..

    هو لا يفهم معنى قولي : "إن من لا يكفر المشركين فهو كافر" .. فصار تصنيف المشركين هو بشركهم .. أو ما يُسمى كفر النوع وليس كفر العين ..

    فإن أنا قلت : من يحبّ اليهود والنصارى فهو كافر .. فهنا أنا صنّفت اليهود والنصارى وفقاً لدينهم ، أي إن حبه لهم هو لدينهم .. كمن يقول إنه يُحب النصارى .. فمعنى هذا أنه يحبهم لأنهم نصارى ، لأنه صنفهم بدينهم .

    ولكن إن وُجد رجل يحب نصرانياً معيّناً لدنياه ، وهو مُبغض لدينه ، فإننا لا نُعمل هذه القاعدة فيه .. لأن حبّه لهذا النصراني لم يُبن على دينه ، أي لأنه نصراني ، بل لأجل متاع الدنيا .. ومثله من يحب زوجته النصرانية لأنها جميلة مثلاً ، لا لأنها نصرانية .

    فكون من لا يكفّر المشركين (التصنيف هنا بشركهم) كافراً ، هذا لأنه لا يرى عبادة غير الله تعالى كفراً .. وهذا هو عين الكفر .

    أما لو قال : أنا أكفّر المشركين ، ولكن أرى فلاناً معذوراً لأنه جاهل ، والله تعالى أمرنا بإعذار الجاهل .. فهل هذا سمى الشرك إسلاماً ؟ .. الجواب لا .. فلأي شيء يكفر إذن ؟؟ .. وهل ردّ النصوص ؟ .. الجواب : لا ، بل هو يظن أنه يتبع النصوص .

    ومثل ذلك فتوى ابن تيمية - رحمه الله - الشهيرة في إعذار الشاك في بعض قدرة الله تعالى ، والشاك في بعض علم الله تعالى .. فإنه يعذره بالجهل .. فلماذا لا تكفرونه ؟؟ ..

    أليس الشكّ في بعض الربوبية هو كالشك في بعض الألوهية ؟؟

    وأنا أقول لك حقيقة أنني لا أفهم كيف استساغ ابن تيمية - رحمه الله - إعذار الشاك في كمال قدرة الله تعالى أو الشاك في شمول علم الله تعالى ، ولكنه صاحب دليل ، وهو يرى أنه يتبع الدليل وإن لم تُكشف علّته . .. فهل علينا تكفيره ونقول له إنه يعذر الجاحدين الكفرة ؟

    أليس علم الله وقدرته هي من مباني ألوهيته ، سبحانه وتعالى .. وإنه لم يستحق الألوهية إلا لإحاطة علمه وشمول قدرته ؟؟

    وما الفرق - كما تؤصّلون - بين الشاك ببعض قدرة الله ، والشاك بجميع قدرة الله ؟

    وبعض العلماء لم يعذر مثل هذا بالجهل ، ولم يرق له أن يكون الجهل في حقه عذراً .. كابن الجوزي ..

    فهل على من ينهج نهج ابن الجوزي - رحمه الله - تكفير ابن تيمية ومن تابعه من علماء ؟

    ولكن الصواب أن يُقال إن ابن تيمية - رحمه الله - صاحب دليل ، وإن أخطأ الاستدلال . وغرضه هو اتباع الدليل ، وليس معاندة الشرع ، وقد يغيب عنه جانب من صورة المسألة ويحضر عنده جانب آخر ، فرأى الحق فيما حضر عنده دون ما غاب عنه .

    وحتى الآن لم يأت هؤلاء القوم بمناط صحيح في كفر من توقف في تكفير بعض المشركين لالتباس الأدلة عنده .. والله المستعان .

    أما عن عدم تكفير المجاهدين لحركة حماس ، فقد بيّنت ذلك في كتابي في طبعته الثانية ، إذ قلت :

    أما عن عدم تكفيرهم لحركة حماس وهي تحكم بغير ما أنزل الله ، مع إقرارهم أن فعلها شرك وكفر .. فيقال إنهم رأوا أن هذه الحركة لديها شبهة تأويل وشبهة إكراه .

    فمن ناحية شبهة الإكراه ، هم يرون أن إسرائيل سوف تدمرهم عن بكرة أبيهم إن هم حكموا بشرع الله .. فصارت هذه شبهة إكراه .

    ومن ناحية شبهة التأويل ، فهم رأوا أن الرسول منع من إقامة الحدود في حال الحرب ، فظنوا أن هذه بهذه .

    وقد يتأولون أموراً أخرى كعدم التمكين في الأرض وكثرة المعارضين لحكم الله بما سيفضي إلى حرب أهلية قد تستغلها إسرائيل ، أو يورث ذلك العجز عن إقامة الشرع ، كما عجز النجاشي – رحمه الله -، وما إلى ذلك من تأويلات وأشباه التأويلات .

    وحيث إن القاعدة الشرعية تنص على درء الحدود بالشبهات ، وأنّ من دخل الإسلام بيقين لا يخرج عنه بشك أو شبهة ، فإن المجاهدين قد احتاطوا في ذلك وسلكوا سبيل السلامة مع كثرة شبهات الأعذار الشرعية التي قد تدّعيها حماس .

    وأنا لست هنا في مقام إعذار حماس أو غيرها ، ولكن في مقام إعذار هؤلاء المجاهدين .

    فكونهم لم يكفروا حماساً مع إقرارهم أن فعلهم من الشرك الأكبر ، لا يحلّ لنا المجازفة في تكفيرهم حتى نعلم سبب الامتناع عن تكفيرهم .. فإن كان السبب هو مجرّد معاندة الحق وردّه ، بحيث ثبت عندهم كفرهم وردتهم ، ولكنهم عاندوا واستكبروا ، فقد كفروا .. وإن امتنعوا لتأويلهم عذراً شرعياً في حماس ، فهؤلاء مجتهدون
    أما عن كون الحاكم بغير ما أنزل الله يُمكن أن يُعذر بالجهل ، فالجواب نعم ، إن كان جهله مُلجئاً .

    وقد قلت في مشاركة لي في هذا المنتدى :

    والآن نأتي إلى مسألتنا ، وهي : الحكم بغير ما أنزل الله بصورته الشركية .

    ولنجعل هذا الحاكم في جاهلية جهلاء ، هو وشعبه .. لم يصلهم من القرآن شيء .. أو قل ، هم أعاجم لا يفقهون العربية ، وعُدم من يعلّمهم ، ولا يستطيعون لطلب العلم سبيلاً .. وحالهم كحال الذين جاء ذكرهم في الحديث : ‏«‏ يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب ، حتى لا يُدرى ما صيام ، ولا صلاة ، ولا نسك ، ولا صدقة . وليُسرى على كتاب الله - عز وجل - في ليلة ، فلا يبقى في الأرض منه آية . وتبقى طوائف من الناس : الشيخ الكبير ، والعجوز ، يقولون : أدركنا آباءنا على هذه الكلمة : لا إله إلا الله ، فنحن نقولها . فقال له صلة : ما تغني عنهم لا إله إلا الله ، وهم لا يدرون ما صلاة ، ولا صيام ، ولا نسك ، ولا صدقة ؟ فأعرض عنه حذيفة . ثم ردها عليه ثلاثاً ، كل ذلك يعرض عنه حذيفة ، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال : يا صلة ! تنجيهم من النار ، ثلاثاً ‏»‏

    ولم يصلهم حدّ الزنى ، ولا حدّ شرب الخمر ، ولا حدّ السرقة .. وغير ذلك .. ولم يعلموا - لفرط جهلهم - أن الله تعالى شرع هذه الأمور وجعلها من دينه .. وظنوا أنهم مخيّرون في ذلك ، كما هم مخيّرون في القوانين الإدارية .

    ويقولون : نحن نعتقد أن دين الله هو الحق ، وهو الواجب الاتباع .. ولو بلغنا خلاف ما نحن عليه ، لتركناه واتبعنا حكم الله تعالى .. فإن الله تعالى لا معقب لحكمه ، ولا يحلّ لأحد مخالفة أمره ..

    فهم بهذا المعتقد وحّدوا الله بالتشريع .. ولم يقصدوا بعمل هذه القوانين مخالفة أمر الله تعالى ، ولا قصدوا تبديل حكمه أو إبطاله .. ولكن هذا ما بلغهم من العلم في أحكام الله تعالى ..

    فمع كون فعلهم شركاً أكبر .. فإنهم - عند هؤلاء العلماء - معذورون بالجهل حتى يبلغهم حكم الله تعالى ، فإن هم ردّوه وأصروا على الحكم بقانونهم ، فهم كفّار ..

    ---------

    وحتى تتوضح لك الصورة أكثر في هذه المسألة ، سأبيّن لك بمزيد إسهاب .. إن شاء الله .

    يقول الله تعالى : { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [الشورى : 21]

    وكل بدعة في الدين هي تشريع لم يأذن به الله تعالى .. وهذا معلوم عند كل أحد .

    ولكن .. من ابتدع في دين الله تعالى قاصداً اتباع الحق ، ولا يقصد مخالفة أمر الله تعالى .. فهذا لا يكفر ، بل وقد لا يفسق (بحسب حاله) ، حتى تقام عليه الحجة . [مع أن فعله شرك أكبر ، وهو تشريع ما لم يأذن به الله]

    ومن ابتدع في الدين عالماً بمخالفة بدعته لأمر الله .. فهذا كافر طاغوت ..

    وكذلك الحال في من استحل الحرام أو حرّم الحلال .. وهو جاهل في ذلك ، غير عالم بحكم الله تعالى ..

    فإن التحليل والتحريم هو حق لله تعالى لا غير ، وهو تشريع .. ولكن من حلل الحرام ظناً منه أن الله أذن به .. أو حرّم الحلال ظناً منه أن الله منعه .. لفرط جهله وقلة علمه .. فهذا لا يكفر حتى تقام عليه الحجة ..
    يتبع إن شاء الله ..

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    800

    افتراضي رد: نقض كتاب أبي مريم : " شبهات المشككين في أن الإسلام لا يصح إلا بالبراءة من المشركي

    يقول :
    فمن عجيب جهله أنه يحكم على من توقف في من وقع في الشرك الأكبر, وهو يعلم أنه يقع في الشرك الأكبر, بسبب الجهل والتأويل, مع أنه يعتقد أن من حكم على من عبد غير الله بأنه عابد لله تعالى أنه لم يعرف التوحيد! بينما نحن عملنا بأصلنا وحكمنا بأن من حكم على من عبد غير الله بأنه عابد لله تعالى لا يكون مسلما سواء أ جاهل هو أم متأول, فأصبحنا خوارج غلاة جهالا, فأي الفريقين أحق بالجهل والضلال من حكم بإسلام المشركين أم من حكم بكفر من لم يتبرأ من المشركين؟!!!.
    من جهل هذا الرجل أنه لا يفرّق بين الحكم العام ، والذي يُصنف فيه المرء بحسب فعله أو قوله .. وبين الحكم الخاص والذي لا يُشترط أن يكون موافقاً للحكم العام حتى تتحقق الشروط وتنتفي الموانع .

    فقولنا إن الفعل كذا ، يلزمنا قطعاً أن نقول : إن فاعله كذا .. لأن مرتكب الفعل فاعل له ..

    فإن حكمنا على فعل بأنه معصية .. نحكم على فاعله بأنه عاص .
    وإن حكمنا على فعل بأنه فسق .. نحكم على فاعله بأنه فاسق .
    وإن حكمنا على فعل بأنه كفر .. نحكم على فاعله بأنه كافر .

    لذلك ، فعندما نقول : كل من لا يؤثّم العاصي فهو كافر .. فلأنه من لا يؤثم فاعل المعصية عموماً ، فهو لا يعتقد بأن هذا هذا الفعل معصية أصلاً .. وقد عاند النصوص الشرعية .

    وعندما نقول : كل من لا يُفسّق الفاسق فهو كافر .. فلأنه لا يعتقد فسق الفعل عموماً ، وعليه فهو يردّ النصوص الشرعية التي بيّنت أن هذه الأفعال من الفسق .

    وكذلك الحال في من لم يكفّر الكافر .. فالتصنيف هنا هو بالفعل ، فإن من لا يكفّره عموماً ، لا يعتقد أن فعله كفر ، وقد جاءت النصوص بغير ذلك ..

    فالتكفير والتفسيق والتأثيم كلها أحكام شرعية .. مستقاها الشرع وليس العقل ..

    والحكم على الفاعل المُعيّن قد يتخلّف لاعتبارات شرعية ، حتى تتحقق فيه الشروط وتنتفي فيه الموانع ..

    فلا يكون المخطئ في الشروط أو الموانع كافراً ، إن كان يعتقد أن الفعل كفر .. إلا إن قصد معاندة الحق وردّ الدليل دون شبهة .

    ولذلك لا تجد أيّ عالم من علماء الأمة المعتبرين من يُكفّر عاذر المشركين المنتسبين للإسلام بالجهل .. فمهما بلغ تشنيعهم على صاحب هذه الدعوى ، فلا تجد في كلامهم نصّاً صريحاً بتكفيره .. ولم نسمع دعوى التكفير بهذه الصورة ، إلا في هذا العصر ، عصر الحمق والجهل والغباء .

    -----------
    ولقد نقل عني قولي في أحد المنتديات رداً على من يجعل العلّة في كفر من لا يكفر المشركين هي : عدم البراءة من أهل الشرك وموالاتهم ، فقال
    شبهات صادرة عن جهل شديد
    قال المخالف (سأذكر لك بعض هذه الجزئيات التي تدخل في تكفير المشرك الأصلي..
    البعض يقولون: إن أطفال المشركين مسلمون.. لأنهم غير مؤاخذين بأفعالهم.. وهم على فطرتهم التي خلقهم الله عليها.. لذلك ، عندما يموتون.. فإنهم يدخلون الجنة (كما صحّ في ذلك الحديث...) فهم ظنوا أن رفع القلم عنهم.. وبقاءهم على الفطرة.. ووجوب الجنة لمن مات منهم قبل البلوغ ، هذا دليل على إسلامهم.. إذ أن الجنة لا تجب إلا لمسلم.
    بل إن العلماء أنفسهم وقع عندهم خلاف في طفل المشركين إن مات.. هل يُصلّى عليه أم لا... فقال بعضهم: إن مات أحد أبويه.. فهو مسلم ، ويصلى عليه ، ويدفن في مقابر المسلمين.. لحديث: كل مولود يولد على الفطرة.. وقد ذكر هذا القول صاحب "آثار حجج التوحيد في مؤاخذة العبيد"
    هذا خلاف جزئي في هذه المسألة.. مع بقاء أصلها عندهم وهو: أن من عبد غير الله فهو مشرك.).
    ثم قال :
    شبهة: من حكم بإسلام أطفال المشركين كذلك لا يكفر!
    لا علاقة بين المسألتين لأن الطفل مشرك تبعا لا إرادة

    قال أبو مريم: مسألة الحكم على أطفال المشركين لا تدخل في مسألتنا ولا علاقة لها بمسألة البراءة من المشركين وتكفيرهم لأن أطفال المشركين الحكم عليهم بالكفر لا لإرادتهم الكفر لأنهم لا إرادة لهم. لذا يختلف حكمهم باختلاف من يتبعونه, فقد يكون الطفل اليوم كافرا وغدا مسلما وذلك لأنه اليوم تبع لوالديه وغدا يسبى فيكون تبعا لسابيه فيكون مسلما, بينما العاقل البالغ لا يكون مسلما حتى يتبرأ من عبادة غير الله وإذا لم يتبرأ من الشرك لا يكون مسلما.
    فيقال له .. يا جاهل ، حدد لنا علّة منضبطة لتكفير من لا يكفّر المشركين ..

    فإن صاحبك الذي ناظرني قال إن عدم تكفير المشركين يلزم منه موالاتهم وعدم البراءة منهم .. وهذا هو المقام الذي جئت فيه بهذا القول عن أطفال المشركين ..

    فإن من يرى أطفال المشركين مشركين .. يلزمه أن يكفّر - بحسب هذا المعتقد - من يرى إسلامهم ، لأنه عندهم : لا يكفّر المشركين الذين يحكم عليهم هو بالشرك !!!

    فما علاقة البلوغ والتبعية بهذا الحكم ؟؟ ..

    فهل من يرى كفر أطفال المشركين يواليهم ؟ .. الجواب لا ، بل يتبرأ منهم ويكفّرهم .
    وهل من يرى إسلام أطفال المشركين يواليهم ؟ .. الجواب نعم ، ويدخلهم في دائرة الموالاة الإيمانية ، ويحكم عليهم بالجنة .

    فهل على من يتبرأ منهم أن يكفّر من يواليهم ؟؟ .. حسب منطقكم الأعوج ؟

    بل إن هناك من العلماء من جعل أولاد الكافرين في النار كذلك ، لحديث : (( ﺍﻟﻮﺍﺋﺪﺓ ﻭﺍﻟﻤؤﻭﺩﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺎﺭ ، ﺇﻻ ﺃﻥ ﺗﺪﺭﻙ ﺍﻟﻮﺍﺋﺪﺓ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻓﺘﺴﻠﻢ )) .

    فعند هؤلاء العلماء أن أطفال المشركين تبع لآبائهم في الدنيا والآخرة .. وهم مخلّدون في النار كآبائهم .

    وقد ذكر ابن القيم - رحمه الله - ثمانية أقوال للعلماء في أطفال المشركين ، في تعليقاته على كتاب عون المعبود .

    فهل على من يحكم عليهم بالكفر تبعاً وحكماً ، ويحكم عليهم بالخلود في النار ، أن يُكفّر من يحكم بإسلامهم ودخولهم الجنة ؟؟

    المسألة هنا ليست مسألة : هل الطفل مكلّف أم لا ، ولا علاقة لها بالموضوع ..

    فمسألتنا هي متعلقة بالولاء والبراء ، لا أكثر .

    فإن قلت إنني لا أقصد كذا وكذا ، وإنما عنيت أن من لا يكفّر المشرك البالغ لا يفقه التوحيد .. فأقول لك حينهاً : فهلا أنصفت وتابعت الحوار جيداً حتى تعلم في أيّ موضع أتيت بهذا الكلام ؟

    يتبع إن شاء الله ..

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    725

    افتراضي رد: نقض كتاب أبي مريم : " شبهات المشككين في أن الإسلام لا يصح إلا بالبراءة من المشركي

    رد موفق بارك الله فيك
    وننتظر الباقي من الردود إن شاء الله تعالى .

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    800

    افتراضي رد: نقض كتاب أبي مريم : " شبهات المشككين في أن الإسلام لا يصح إلا بالبراءة من المشركي

    وفيكم بارك الله .

    وأرجو يا أخي إن عرض لك إبهام أو إشكال في كلامي أن تُسائلني فيه ، حتى نحيط بهذه المسائل من كل جوانبها .. وجزاك الله خيراً

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    800

    افتراضي رد: نقض كتاب أبي مريم : " شبهات المشككين في أن الإسلام لا يصح إلا بالبراءة من المشركي

    يقول أبو مريم بعد أن نقول نقولاً كثيرة كان بوسعه ألا يأتي بها والمقام ليس مقامها :
    فذكر مثل هذه المسائل من التشويش على من يريد الحق ويطلبه ولو كان منصفا لما أورد مثل هذه الإيرادات لأن كل عاقل يفرق بين حال المشركين في كل عصر ومصر الذين يعبدون غير الله ويتخذون طواغيت يصرفون لهم خالص حق الله وبين الأطفال فلا يجعل حكم المكلف كحكم غير المكلف من كل وجه وهذه المعرفة متعلقة بمعرفة الحال لا معرفة الحكم.
    قلنا إن هذه المسائل التي ذكرتها إنما هو فيمن جعل مناط كفر من لم يكفّر المشركين هو : عدم البراءة منهم وموالاتهم .. فكان عليك أن تُنصف المخالف ، وتذكر المقام الذي ذُكرت فيه هذه المسائل .

    والمسألة التي تليها وأطنب في الردّ عليها ، وهي : "شبهة: لو حكم بإسلام النصراني بمجرد النطق بالشهادة كذلك لا يكفر!" .. جوابها من نفس جواب المسألة السابقة ، فلا حاجة للتكرار .

    وقد قال فيها :
    قال أبو مريم: هذه الصورة ليست من صور جهل حكم أصل دين الإسلام, أنما من صور جهل الحال. فالمخالف يقرر بنفسه أن من حكم بإسلام اليهودي والنصراني ظن أن حال أهل الكتاب كحال المشرك فهذا يسمى عند أهل العلم تحقيق المناط وتحقيق المناط من أنواع الاجتهاد التي يدخل فيها الجهل والتأول قال شيخ الإسلام (وَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ " تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ " و" تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ " و" تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ " هِيَ جِمَاعُ الِاجْتِهَادِ.
    فَالْأَوَّلُ أَنْ يَعْمَلَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ؛ فَإِنَّ الْحُكْمَ مُعَلَّقٌ بِوَصْفٍ يَحْتَاجُ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْمُعَيَّنِ إلَى أَنْ يَعْلَمَ ثُبُوتَ ذَلِكَ الْوَصْفِ فِيهِ كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا بِإِشْهَادِ ذَوِي عَدْلٍ مِنَّا وَمِمَّنْ نَرْضَى مِنْ الشُّهَدَاءِ وَلَكِنْ لَا يُمْكِنُ تَعْيِينُ كُلِّ شَاهِدٍ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَعْلَمَ فِي الشُّهُودِ الْمُعَيَّنِينَ : هَلْ هُمْ مِنْ ذَوِي الْعَدْلِ الْمَرْضِيِّينَ أَمْ لَا؟ وَكَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِعِشْرَةِ الزَّوْجَيْنِ بِالْمَعْرُوفِ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لِلنِّسَاءِ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} وَلَمْ يُمْكِنْ تَعْيِينُ كُلِّ زَوْجٍ فَيُحْتَاجُ أَنْ يُنْظَرَ فِي الْأَعْيَانِ. ثُمَّ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَقُولُ إنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ مُقَدَّرَةٌ بِالشَّرْعِ وَالصَّوَابُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ مَرْدُودٌ إلَى الْعُرْفِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدِ: {خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ} وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي تَسْلِيمِهِ إلَى هَذَا التَّاجِرِ بِجُزْءٍ مِنْ الرِّبْحِ. هَلْ هُوَ مِنْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أَمْ لَا؟ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ } يَبْقَى هَذَا الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ هَلْ هُوَ مِنْ الْفُقَرَاءِ الْمَسَاكِينِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقُرْآنِ أَمْ لَا؟ وَكَمَا حَرَّمَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَالرِّبَا عُمُومًا يَبْقَى الْكَلَامُ فِي الشَّرَابِ الْمُعَيَّنِ. هَلْ هُوَ خَمْرٌ أَمْ لَا؟ وَهَذَا النَّوْعُ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بَلْ الْعُقَلَاءُ: بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنُصَّ الشَّارِعُ عَلَى حُكْمِ كُلِّ شَخْصٍ إنَّمَا يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ عَامٍّ وَكَانَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ).
    فأقول : يا ليته يعي ما يقول ، فإنه يفضح نفسه بنفسه .. والله المستعان ..

    فهل هؤلاء خالفوا في الحكم الشرعي ؟ .. وقالوا إن عبادة الله ليست كفراً ؟ .. الجواب لا ، بل يقولون ويعتقدون أنها كفر ، وصاحبها كافر عموماً .

    فهم لم يجهلوا أصل الدين .. بل اعتقدوا أن فاعل الشرك مشرك كافر ..

    ولكن خلافهم هو في تحقيق المناط ، كما ذكره ابن تيمية .. والذي تقول بنفسك أنه من صور الاجتهاد .

    ومن جهل هذا الرجل أنه يذكر ذلك ، ثم ينقض أصله عندما يأتي على مسألة إعذار المشركين بالجهل .. فأي جهل مركّب هو فيه ؟

    ولزيادة التوضيح ، قال ابن تيمية - رحمه الله - في [مجموع الفتاوى : 19/16]:
    تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ وَهُوَ : أَنْ يُعَلِّقَ الشَّارِعُ الْحُكْمَ بِمَعْنًى كُلِّيٍّ ، فَيَنْظُرُ فِي ثُبُوتِهِ فِي بَعْضِ الْأَنْوَاعِ ، أَوْ بَعْضِ الْأَعْيَانِ ؛ كَأَمْرِهِ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ ، وَكَأَمْرِهِ بِاسْتِشْهَادِ شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِنَا ، مِمَّنْ نَرْضَى مِنْ الشُّهَدَاءِ . وَكَتَحْرِيمِهِ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ ، وَكَفَرْضِهِ تَحْلِيلَ الْيَمِينِ بِالْكَفَّارَةِ ، وَكَتَفْرِيقِهِ بَيْنَ الْفِدْيَةِ وَالطَّلَاقِ ؛ وَغَيْرِ ذَلِكَ . فَيَبْقَى النَّظَرُ فِي بَعْضِ الْأَنْوَاعِ : هَلْ هِيَ خَمْرٌ وَيَمِينٌ وَمَيْسِرٌ وَفِدْيَةٌ أَوْ طَلَاقٌ ؟ وَفِي بَعْضِ الْأَعْيَانِ : هَلْ هِيَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ ؟ وَهَلْ هَذَا الْمُصَلِّي مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ ؟ وَهَذَا الشَّخْصُ عَدْلٌ مَرْضِيٌّ ؟ وَنَحْوَ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الِاجْتِهَادِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، بَلْ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ ، فِيمَا يَتْبَعُونَهُ مِنْ شَرَائِعِ دِينِهِمْ ، وَطَاعَةِ وُلَاةِ أُمُورِهِمْ ، وَمَصَالِحِ دُنْيَاهُمْ وَآخِرَتِهِمْ
    فنسأل هذا الجاهل أخيراً .. هل خلافك مع من تكفّر هو في الحكم أم في تحقيق المناط ؟

    إن قلت في الحكم ، فأنت كاذب جاهل .. وإن قلت في تحقيق المناط ، فقد ناقضت نفسك ولزمك أن تقول إنها مسألة اجتهادية .

    ثم قال هذا الجاهل :
    ضلال من لا يعرف إلا ناقضا واحدا للإسلام وهو الانتساب إلى غير الإسلام
    لكن هنا مسألة مهمة تدل على جهل من يجادل في مسألة البراءة من المشركين وأنها من أصل دين الإسلام الذي لا يكون المرء مسلما إلا باعتقاده والعمل به, وهي التفريق بين المنتسب للإسلام وغير المنتسب للإسلام. فالمنتسب للإسلام, من لم يتبرأ منه وهو يعلم بأنه يقع في عبادة غير الله يكون مسلما عندهم, بينما من لم ينتسب للإسلام, من لم يتبرأ منه لا يكون مسلما, وهذا كما ذكرت يدل على جهل من ذكر هذه الشبهة بحقيقة نواقض الإسلام, فجعل النواقض فقط متعلقة بالانتساب للإسلام, أي أنه ليس هناك إلا ناقض واحد الانتساب لغير دين محمد. وهناك نواقض أخرى عندهم لكن هذه النواقض يختلفون فيها اختلافا كبيرا وحقيقة خلافهم هو اتفاق في الأصل, فبعضهم يكفر ببعض النواقض وبعضهم لا يكفر بها, مثل القول بأن عيسى هو الله أو ابن الله أو عبادة الأصنام فهم يختلفون في تكفير بعض الأعيان في هذه المسائل, ولكن حقيقة لا يختلفون, فإن من يكفر بهذه النواقض يعتقد أن من وقع في هذه النواقض لا يخفى عليه أن هذه النواقض تناقض الإسلام لذا حكم عليه بأنه مشرك, لكن لو خفيت عليه يلزمه أن لا يكفره, كما قد يخفى عليه حكم من جعل شريكا فعبد القبور أو الدساتير والقوانين, فيجعل من وقع في الشرك الأكبر في مثل هذه المسائل مسلما حتى تقوم عليه الحجة, فحقيقة أصلهم أن من وقع في الشرك الأكبر لا يكون مشركا حتى تقوم عليه الحجة أما قبل قيام الحجة مع وجود الشرك الأكبر فهو مسلم عندهم.
    هذا والله هو عين الجهل ، والكذب ، والافتراء .. إن لم يكن مبعث هذا هو الحمق والغباء !!

    فإنه يقول إننا نعتقد أنه لا ناقض سوى الانتساب إلى غير دين النبي .. وأنا أقول له : { قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } .. هذه مقالاتي وردودي ، اقتبس منها ما تستشهد به على كلامك المُفترى ..

    بل حتى أقطع الشك باليقين أقول : كل من انتسب إلى الإسلام ووقع في فعل نصّ الشارع على كونه كفراً أكبر ، فهو كافر إن تحققت فيه الشروط وانتفت فيه الموانع ، حتى لو صلى وصام وزكّى وحج ..

    ثم تارة يقول : إن من لا يكفّر المشركين لم يعرف التوحيد .. وتارة يقول : إن من لم يكفّرهم لم يتبرأ منهم !!!

    اضبط مناط الكفر يا هذا وكفاك تخبطاً ولعباً بعقول أتباعك الجهلة ..

    أما مسألة تكفير المنتسب للإسلام الواقع في الشرك الأكبر ، فقد ذكرت سبب ذلك في كتابي ، لو أنك اطلعت عليه لعرفت السبب ..

    فإني قد قلت :
    فمحور قضيتنا هنا هو :‏ أنّ من نطق بالشهادتين ، واعتنق دين الإسلام .. فإنه يُمكن أن يُعذر إن فعل الشرك الأكبر أو نطق بالكفر .‏

    أما من دان صراحة بغير دين الإسلام ، كاليهودية والنصرانية ، وهو لا يدعي الإسلام أصلاً ، ولا يدعي متابعة ‏الرسول .. فهذا لا يعذر لا بجهل ولا بإكراه ولا بانتفاء قصد .. فجميع الأعذار في حقه باطلة ، لذلك كان من لم ‏يكفره فهو كافر .‏
    هذا هو السبب في التفريق بين المنتسب إلى الإسلام والمنتسب إلى غيره من ملل الكفر .

    فالأوّل تصحّ فيه الأعذار الشرعية من إكراه وانتفاء قصد .. والثاني لا يصحّ فيه شيء ، بل حتى أطفالهم كفّار مثلهم في حكم الدنيا .

    لذلك كان الحكم في المنتسب لغير الإسلام صريحاً واضحاً لا لبس فيه .. والمنتسب للإسلام الحكم فيه مشتبه .

    ثم من فرط كذبه وافترائه ، قال : (( فبعضهم يكفر ببعض النواقض وبعضهم لا يكفر بها, مثل القول بأن عيسى هو الله أو ابن الله أو عبادة الأصنام فهم يختلفون في تكفير بعض الأعيان في هذه المسائل )) ..

    هل لك أن تثبت هذا ؟؟ والله إنك لكذّاب أشر .. وهو مُطالب ببرهان ذلك ، والبيّنة على المدعي .

    ثم يقول : (( فحقيقة أصلهم أن من وقع في الشرك الأكبر لا يكون مشركا حتى تقوم عليه الحجة أما قبل قيام الحجة مع وجود الشرك الأكبر فهو مسلم عندهم )) .

    ولا هذا هو حقيقة أصلهم يا جاهل .. بل إنهم يُفرّقون بين حقيقة العبادة وبين مظاهر العبادة .. فلا يلزم من أداء مظاهر العبادة أن يقوم في قلب المرء حقيقة العبادة .. وقد ذكرت طرفاً من ذلك في أحد ردودي السابقة في هذا الموضوع ، فليُراجع .

    يتبع إن شاء الله

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    800

    افتراضي رد: نقض كتاب أبي مريم : " شبهات المشككين في أن الإسلام لا يصح إلا بالبراءة من المشركي

    ثم تكلم الرجل كلاماً طويلاً ، أكثره نوافقه عليه ، وبعضه مردود عليه في هذا الموضوع ، بما يُغني عن الإعادة ..

    ثم نقل كلاماً عني فقال :
    يتخيلون موانع تُلزمهم بعدم تكفير اليهود والنصارى
    قال المخالف: ولكن أقول كلمة أخيرة لمن يتابع هذا الحوار...
    مسألة تكفير المشرك خاضعة للتصورات التي عند الحاكم.. فإن هو تصوّر أمراً ما شركاً أصغر.. لدليل شرعي قام عنده.. أو تصوّر الجهل مانعاً.. لدليل شرعي قام عنده.. أو تصور أن هذا المشرك قد وقع في الشرك الأكبر ، ولكنه تصور في حقه عذراً شرعياً ، كالإكراه.. أو شبهة الإكراه.. وما إلى ذلك...
    فهذا لا يحل لأحد تكفيره قبل إقامة الحجة عليه ورفع الالتباس عنه... أما من تحقق عنده يقيناً أنه يعبد غير الله.. وأنه مشرك.. وأنه نقض إسلامه.. ثم هو بعد ذلك يعتقد بإسلامه.. فهذا كافر ولا ريب.).
    وعقّب على ذلك بقوله :
    قال أبو مريم: هذا الرجل عنده نقص في تصور حقيقة الإسلام. فهناك فرق بين من تصور أن معينا وقع في الشرك الأكبر وأراده ومع ذلك يبقى على إسلامه مع إرادته للشرك, وبين من فعل الشرك غير قاصد له كالمكره. فمن تحقق يقينا عنده أن معينا فعل الشرك الأكبر وهو يعتقد أن الشرك والإسلام نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان فإنه لا بد أن يجزم بأن من وقع في الشرك الأكبر لا يكون مسلما. فكل من ظن في معين أنه لم يرد الشرك في فعله كأن يظن أنه مكره أو أنه ذاهل كما في حديث الرجل الذي قال (اللهم أنت عبدي وأنا ربك), فهذا هو الذي نتوقف في تكفيره فضلا عن تكفير من لم يكفره. أما إن كان يقصد الشرك ونعتقد بأنه قصد الشرك وفعله ومع ذلك نعتقد أنه معذور فهذا مجرده نقض لاعتقادنا أن الإسلام لا يتحقق إلا بالبراءة من الشرك واجتنابه.
    دائماً ما يتكلم الرجل عن حقيقة الإسلام ، وهو لا يُبيّنه .. فيُقال له أولاً ، ما حقيقة الإسلام التي ما فتئت تذكرها ؟

    عندنا رجل موحّد لله في عبادته ، ومتبع لشريعته .. ومجتنب لعبادة غيره ، ومبغض لها ولأهلها ..

    تسأله : ما موانع التكفير في حق الواقع في الشرك الأكبر ؟ .. يقول لك الإكراه والخطأ والجهل .

    تسأله : المكره غير مختار لفعله .. والمخطئ غير قاصد له .. فعليه هو لم يعزم على الكفر ..

    يقول لك : هذا فهمك أنت للنصوص الشرعية .. وأنا عندي دليل أن الجهل عذر ، وإن لم أكن أفهم الحكمة من وراء ذلك .. فإنّا غير مطالبين بالاعتبار في الحكمة بقدر ما طولبنا بمتابعة الدليل .

    - فهل هذا الرجل عبد غير الله حتى نحكم بكفره ؟ .. الجواب لا .
    - هل جهل توحيد الله ؟ .. الجواب لا ، حيث إنه لو جهل أن الله واحد ، لعبد غيره ، ولاستحسن الشرك وزيّنه .
    - هل ردّ النصوص الشرعية حتى نحكم بكفره ؟ .. الجواب لا ، بل هو مُصدّق بها ، متّبع لها ، ورأى أن الجهل عذر شرعي ، فاتبع ما رآه حقاً من كتاب الله وسنة رسوله .
    - هل تحقق عنده الإجماع فخرقه حتى نحكم بكفره ؟ .. الجواب لا ، بل إنه يرى الإجماع هو في اعتبار الجهل عذراً .

    فما مناط كفر من هذه حاله ؟؟ ..

    أليس الخلاف عندئذ هو في تحقيق المناط ، وليس في المناط نفسه ؟

    ستقول إنه خالف في مسألة لا يقبلها عقل عاقل .. قلت لك : فإذن التكفير ليس لأنه افترى الكذب على الله ، أو أنه رد النصوص الشرعية ، أو أنه والى الكافر ، أو أنه لم يعرف التوحيد ..

    بل مناط الكفر عندك هو أنه قال بشيء لا يقبله عاقل !! .. فهل هذه من المسائل المكفّرة إذن ؟ خاصة وأنّ لديه دليلاً يتبعه ؟

    ولماذا لا تُكفّر ابن تيمية الذي أعذر الشاك في كمال قدرة الله وعلمه ؟؟ .. هل إعذار مثل هذا الشخص مما يستسيغه العقل ؟

    قال ابن تيمية – رحمه الله – في [مجموع الفتاوى : 19/212]:
    [-- فَإِنَّ الْكُفْرَ وَالْفِسْقَ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ ، لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي يَسْتَقِلُّ بِهَا الْعَقْلُ .. إلى أن قال .. وَحِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ الْخَطَأُ فِي الْمَسَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي يُقَالُ إنَّهَا أُصُولُ الدِّينِ كُفْرًا ، فَهَؤُلَاءِ السَّالِكُونَ هَذِهِ الطُّرُقَ الْبَاطِلَةَ فِي الْعُقَلِ ، الْمُبْتَدَعَةِ فِي الشَّرْعِ ، هُمْ الْكُفَّارُ ، لَا مَنْ خَالَفَهُمْ . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْخَطَأُ فِيهَا كُفْرًا ، فَلَا يَكْفُرُ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهَا . فَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ كَافِرًا فِي حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى التَّقْدِيرَيْن ِ --]

    فكل خلافه في هذه المسألة هي في عدم استساغة عقله لهذا الحكم الشرعي ..

    ومما يُبيّن هذه المسألة بوضوح هو ما يلي ..

    جميع المسلمين يعتقدون أن حدّ السرقة القطع .. ولكن رجلاً لا يرى حدّ السرقة في المرأة مثلاً لأن عنده حديث موضوع أو ضعيف أن حدّ السرقة يُرفع عن النساء ..

    فهل هذا يكفر ؟ .. الجواب لا ..
    ستقول : كيف يستسيغ عقله أن يرفع حكم السرقة عن النساء وهي قاصدة للسرقة ، منتهكة لحرمة المسلمين .. وما إلى ذلك ؟ .. أقول : عنده دليل شرعي ، وهو يراه حقاً .. فلا يحل لك تكفيره إلا بعد إقامة الحجة عليه وبيان ضعف أو كذب هذا الدليل .

    فالتكفير والتفسيق والتبديع والتأثيم كلها أحكام شرعية .. كأي مسألة شرعية أخرى ..

    يتبع إن شاء الله

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    800

    افتراضي رد: نقض كتاب أبي مريم : " شبهات المشككين في أن الإسلام لا يصح إلا بالبراءة من المشركي

    قال ابن تيمية - رحمه الله - في [مجموع الفتاوى : 05/306]:
    وَإِذَا كَانَ نَفْيُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُسْتَلْزِمًا لِلْكُفْرِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ، وَقَدْ نَفَاهَا طَوَائِفُ كَثِيرَةٌ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ ، فَلَازِمُ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِمَذْهَبِ ؛ إلَّا أَنْ يَسْتَلْزِمَهُ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ . فَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَنْفُونَ أَلْفَاظًا أَوْ يُثْبِتُونَهَا ، بَلْ يَنْفُونَ مَعَانِيَ أَوْ يُثْبِتُونَهَا ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لِأُمُورِ هِيَ كُفْرٌ ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ بِالْمُلَازَمَة ِ ، بَلْ يَتَنَاقَضُونَ ، وَمَا أَكْثَرَ تَنَاقُضِ النَّاسِ ، لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْبَابِ ، وَلَيْسَ التَّنَاقُضُ كُفْرًا
    فإن كان يرى أن إعذار المشركين بالجهل ، مع الشهادة بأن فعلهم باطل وشرك ، يستلزم التناقض .. بل وقل : الكفر .. إلاّ أن صاحبه لا يكفر حتى تقام عليه الحجة بالتفصيل فيردّها .

    فإنهم يقرّون أن عبادة غير الله تعالى شرك ومُخرجة من الدين .. ولكن يظنون أن من وحّد الله تعالى بالجملة ، واتبع الرسول بالجملة ، ثم هو خالف في جانب من جوانب الألوهية لجهله ، مع كون الأصل فيه أن الله واحد أحد ، فرد صمد ، لا شريك له ولا ولد ، فصرف شيئاً من العبادة لغير الله تعالى ، ظاناً منه أن الله تعالى أمر بذلك لجهله ، ولم يقصد مخالفة الرسول .. فهذا عندهم معذور لجهله ..

    فكما ترى ، العذر عندهم في مسألة جزئية من مسائل الشرك ، وليس مسألة كليّة ، بحيث يكون أصل اعتقاد هذا المشرك تعدد الآلهة ، أو أن الله له شريك في الملك .. وغير ذلك .

    وهذا كحال من يعذر الجاهل بكمال قدرة الله وعلمه ، مع اعتقاده أن الله قادر وعالم بالجملة .. فإنه يعذره بمسألة جزئية لا كلّية .


    فإن كنت ترى أن لوازمهم باطلة .. وأنهم واقعون في التناقض .. وهم لم يلتزموا بهذه اللوازم ، بل ينكرونها وينفونها ، ويميّزون بين المسائل الجزئية والكلية .. ظانّين أن الله تعالى أمرهم بذلك ، وعندهم الدليل الذي أخطأوا فهمه .. فما وجه تكفيرهم ؟

    وقال ابن تيمية - رحمه الله - في [مجموع الفتاوى : 20/217-219]:
    وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ : هَلْ لَازِمُ الْمَذْهَبِ مَذْهَبٌ أَمْ لَيْسَ بِمَذْهَبِ ؟ فَالصَّوَابُ : أَنَّ لَازِمَ مَذْهَبَ الْإِنْسَانِ لَيْسَ بِمَذْهَبِ لَهُ إذَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ ؛ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ قَدْ أَنْكَرَهُ وَنَفَاهُ : كَانَتْ إضَافَتُهُ إلَيْهِ كَذِبًا عَلَيْهِ . بَلْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِ وَتَنَاقُضِهِ فِي الْمَقَالِ ، غَيْرِ الْتِزَامِهِ اللَّوَازِمَ الَّتِي يَظْهَرُ أَنَّهَا مِنْ قِبَلِ الْكُفْرِ وَالْمِحَالِ ، مِمَّا هُوَ أَكْثَرُ . فَاَلَّذِينَ قَالُوا بِأَقْوَالِ يَلْزَمُهَا أَقْوَالٌ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَلْتَزِمُهَا ، لَكِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهَا تَلْزَمُهُ . وَلَوْ كَانَ لَازِمُ الْمَذْهَبِ مَذْهَبًا لَلَزِمَ تَكْفِيرُ كُلِّ مَنْ قَالَ عَنْ الِاسْتِوَاءِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الصِّفَاتِ أَنَّهُ مَجَازٌ لَيْسَ بِحَقِيقَةِ ؛ فَإِنَّ لَازِمَ هَذَا الْقَوْلِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ أَسْمَائِهِ أَوْ صِفَاتِهِ حَقِيقَةً ، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُثْبِتْ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَالْإِقْرَارِ بِهِ إيمَانًا ؛ فَإِنَّهُ مَا مِنْ شَيْءٍ يُثْبِتُهُ الْقَلْبُ إلَّا وَيُقَالُ فِيهِ نَظِيرُ مَا يُقَالُ فِي الْآخَرِ ، وَلَازِمُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ يَسْتَلْزِمُ قَوْلَ غُلَاةِ الْمَلَاحِدَةِ الْمُعَطِّلِينَ الَّذِينَ هُمْ أَكْفَرُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى

    لَكِنْ نَعْلَمُ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَنْفِي ذَلِكَ لَا يَعْلَمُ لَوَازِمَ قَوْلِهِ ، بَلْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَيْسَتْ إلَّا مَحْضَ حَقَائِقِ الْمَخْلُوقِينَ . وَهَؤُلَاءِ جُهَّالٌ بِمُسَمَّى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ ، وَقَوْلُهُمْ افْتِرَاءٌ عَلَى اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ ، وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ الْمَعْنَى الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ نَفْيُ الْحَقِيقَةِ نَفْيَ مُمَاثَلَةِ صِفَاتِ الرَّبِّ - سُبْحَانَهُ - لِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ . قِيلَ لَهُ : أَحْسَنْت فِي نَفْيِ هَذَا الْمَعْنَى الْفَاسِدِ ، وَلَكِنْ أَخْطَأْت فِي ظَنِّك أَنَّ هَذَا هُوَ حَقِيقَةُ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ ، فَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَالَ : إنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِسَمِيعِ حَقِيقَةً ؛ وَلَا بَصِيرٍ حَقِيقَةً ؛ وَلَا مُتَكَلِّمٍ حَقِيقَةً ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ فِي ذَلِكَ هُوَ مَا يَعْهَدُهُ مِنْ سَمْعِ الْمَخْلُوقِينَ وَبَصَرِهِمْ وَكَلَامِهِمْ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ . فَيُقَالُ لَهُ : أَصَبْت فِي تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ مُمَاثَلَتِهِ خَلْقَهُ ؛ لَكِنْ أَخْطَأْت فِي ظَنِّك أَنَّهُ إذَا كَانَ اللَّهُ سَمِيعًا حَقِيقَةً ، بَصِيرًا حَقِيقَةً ، مُتَكَلِّمًا حَقِيقَةً ، كَانَ هَذَا مُتَضَمِّنًا لِمُمَاثَلَتِهِ خَلْقَهُ . فَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ : إذَا قُلْنَا : إنَّهُ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ حَقِيقَةً لَزِمَ التَّجْسِيمُ ، وَاَللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ ؛ فَيُقَالُ لَهُ : هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي سَمَّيْته تَجْسِيمًا وَنَفَيْته هُوَ لَازِمٌ لَك إذَا قُلْت : إنَّ لَهُ عِلْمًا حَقِيقَةً ؛ وَقُدْرَةً حَقِيقَةً ، وَسَمْعًا حَقِيقَةً ، وَبَصَرًا حَقِيقَةً ، وَكَلَامًا حَقِيقَةً ؛ وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا أَثْبَتَهُ مِنْ الصِّفَاتِ ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ هِيَ فِي حَقِّنَا أَعْرَاضٌ قَائِمَةٌ بِجِسْمِ ، فَإِذَا كُنْت تُثْبِتُهَا لِلَّهِ - تَعَالَى - مَعَ تَنْزِيهِك لَهُ عَنْ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَمَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنْ التَّجْسِيمِ : فَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الِاسْتِوَاءِ ؛ وَلَا فَرْقَ .

    فَإِنْ قُلْت : أَهْلُ اللُّغَةِ إنَّمَا وَضَعُوا هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لِمَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَخْلُوقُ ، فَلَا يَكُونُ حَقِيقَةً فِي غَيْرِ ذَلِكَ . قُلْت : وَلَكِنَّ هَذَا خَطَأٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَمِ : مُسْلِمِهِمْ وَكَافِرِهِمْ ، وَبِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَاتِ ، فَضْلًا عَنْ أَهْلِ الشَّرَائِعِ وَالدِّيَانَاتِ ؛ وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ : إنَّ لَفْظَ الْوَجْهِ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ حَقِيقَةً فِي وَجْهِ الْإِنْسَانِ دُونَ وَجْهِ الْحَيَوَانِ وَالْمَلَكِ وَالْجِنِّيِّ ؛ أَوْ لَفْظَ الْعِلْمِ إنَّمَا اُسْتُعْمِلَ حَقِيقَةً فِي عِلْمِ الْإِنْسَانِ دُونَ عِلْمِ الْمَلَكِ وَالْجِنِّيِّ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ . بَلْ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَسْمَاءَ الصِّفَاتِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ بِحَسَبِ مَا تُضَافُ إلَيْهِ ؛ فَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ أَنَّ نِسْبَةَ كُلِّ صِفَةٍ إلَى مَوْصُوفِهَا كَنِسْبَةِ تِلْكَ الصِّفَةِ إلَى مَوْصُوفِهَا ، فَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ هُوَ النِّسْبَةُ . فَنِسْبَةُ عِلْمِ الْمَلَكِ وَالْجِنِّيِّ وَوُجُوهِهِمَا إلَيْهِ كَنِسْبَةِ عِلْمِ الْإِنْسَانِ وَوَجْهِهِ إلَيْهِ وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
    وقال أيضاً في [مجموع الفتاوى : 29/41-44]:
    وَعَلَى هَذَا فَلَازِمُ قَوْلِ الْإِنْسَانِ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا : لَازِمُ قَوْلِهِ الْحَقُّ ، فَهَذَا مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَلْتَزِمَهُ ؛ فَإِنَّ لَازِمَ الْحَقِّ حَقٌّ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ إذَا عُلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ الْتِزَامِهِ بَعْدَ ظُهُورِهِ . وَكَثِيرٌ مِمَّا يُضِيفُهُ النَّاسُ إلَى مَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ : مِنْ هَذَا الْبَابِ . وَالثَّانِي : لَازِمُ قَوْلِهِ الَّذِي لَيْسَ بِحَقِّ . فَهَذَا لَا يَجِبُ الْتِزَامُهُ ؛ إذْ أَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ قَدْ تَنَاقَضَ . وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ التَّنَاقُضَ وَاقِعٌ مِنْ كُلِّ عَالِمٍ غَيْرِ النَّبِيِّينَ . ثُمَّ إنْ عُرِفَ مِنْ حَالِهِ : أَنَّهُ يَلْتَزِمُهُ بَعْدَ ظُهُورِهِ لَهُ فَقَدْ يُضَافُ إلَيْهِ ؛ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ قَوْلٌ لَوْ ظَهَرَ لَهُ فَسَادُهُ لَمْ يَلْتَزِمْهُ ؛ لِكَوْنِهِ قَدْ قَالَ مَا يَلْزَمُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِفَسَادِ ذَلِكَ الْقَوْلِ وَلَا يَلْزَمُهُ . وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي لَازِمِ الْمَذْهَبِ : هَلْ هُوَ مَذْهَبٌ أَوْ لَيْسَ بِمَذْهَبِ ؟ هُوَ أَجْوَدُ مِنْ إطْلَاقِ أَحَدِهِمَا ، فَمَا كَانَ مِنْ اللَّوَازِمِ يَرْضَاهُ الْقَائِلُ بَعْدَ وُضُوحِهِ لَهُ فَهُوَ قَوْلُهُ ، وَمَا لَا يَرْضَاهُ فَلَيْسَ قَوْلُهُ . وَإِنْ كَانَ مُتَنَاقِضًا . وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ اللَّازِمِ الَّذِي يَجِبُ الْتِزَامُهُ مَعَ مَلْزُومِ اللَّازِمِ ، الَّذِي يَجِبُ تَرْكُ الْمَلْزُومِ لِلُزُومِهِ . فَإِذَا عُرِفَ هَذَا عُرِفَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَاجِبِ مِنْ الْمَقَالَاتِ وَالْوَاقِعِ مِنْهَا . وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ فِي اللَّوَازِمِ الَّتِي لَمْ يُصَرِّحْ هُوَ بِعَدَمِ لُزُومِهَا . فَأَمَّا إذَا نَفَى هُوَ اللُّزُومَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ اللَّازِمُ بِحَالِ ؛ وَإِلَّا لَأُضِيفَ إلَى كُلِّ عَالِمٍ مَا اعْتَقَدْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ ؛ لِكَوْنِهِ مُلْتَزِمًا لِرِسَالَتِهِ ، فَلَمَّا لَمْ يُضِفْ إلَيْهِ مَا نَفَاهُ عَنْ الرَّسُولِ ؛ وَإِنْ كَانَ لَازِمًا لَهُ : ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ اللَّازِمِ الَّذِي لَمْ يَنْفِهِ وَاللَّازِمِ الَّذِي نَفَاهُ . وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ نَصَّ عَلَى الْحُكْمِ نَفْيَهُ لِلُزُومِ مَا يَلْزَمُهُ ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَنْ اجْتِهَادَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ . وَسَبَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ - مَعَ وُجُودِ الِاخْتِلَافِ فِي قَوْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا : - أَنَّ الْعَالِمَ قَدْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ حُسْنِ الْقَصْدِ وَالِاجْتِهَادِ ، وَهُوَ مَأْمُورٌ فِي الظَّاهِرِ بِاعْتِقَادِ مَا قَامَ عِنْدَهُ دَلِيلُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُطَابِقًا ؛ لَكِنَّ اعْتِقَادًا لَيْسَ بِيَقِينِيِّ . كَمَا يُؤْمَرُ الْحَاكِمُ بِتَصْدِيقِ الشَّاهِدَيْنِ ذوي الْعَدْلِ ، وَإِنْ كَانَا فِي الْبَاطِنِ قَدْ أَخْطَآ أَوْ كَذَبَا . وَكَمَا يُؤْمَرُ الْمُفْتِي بِتَصْدِيقِ الْمُخْبِرِ الْعَدْلِ الضَّابِطِ ، أَوْ بِاتِّبَاعِ الظَّاهِرِ ؛ فَيَعْتَقِدُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ مُطَابِقًا . فَالِاعْتِقَادُ الْمَطْلُوبُ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِمَّا يُؤْمَرُ بِهِ الْعِبَادُ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُطَابِقٍ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مَأْمُورِينَ فِي الْبَاطِنِ بِاعْتِقَادٍ غَيْرِ مُطَابِقٍ قَطُّ . فَإِذَا اعْتَقَدَ الْعَالِمُ اعْتِقَادَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ فِي قَضِيَّةٍ أَوْ قَضِيَّتَيْنِ ، مَعَ قَصْدِهِ لِلْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ لِمَا أُمِرَ بِاتِّبَاعِهِ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ : عُذِّرَ بِمَا لَمْ يَعْلَمْهُ ، وَهُوَ الْخَطَأُ الْمَرْفُوعُ عَنَّا ؛ بِخِلَافِ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ . فَإِنَّهُمْ { إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ } ، وَيَجْزِمُونَ بِمَا يَقُولُونَهُ بِالظَّنِّ وَالْهَوَى ، جَزْمًا لَا يَقْبَلُ النَّقِيضَ ، مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِجَزْمِهِ ، فَيَعْتَقِدُونَ مَا لَمْ يُؤْمَرُوا بِاعْتِقَادِهِ ، لَا بَاطِنًا وَلَا ظَاهِرًا . وَيَقْصِدُونَ مَا لَمْ يُؤْمَرُوا بِقَصْدِهِ ، وَيَجْتَهِدُونَ اجْتِهَادًا لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ ، فَلَمْ يَصْدُرْ عَنْهُمْ مِنْ الِاجْتِهَادِ وَالْقَصْدِ مَا يَقْتَضِي مَغْفِرَةَ مَا لَمْ يَعْلَمُوهُ ، فَكَانُوا ظَالِمِينَ ، شَبِيهًا بِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ، أَوْ جَاهِلِينَ شَبِيهًا بِالضَّالِّينَ . فَالْمُجْتَهِدُ الِاجْتِهَادَ الْعِلْمِيَّ الْمَحْضَ لَيْسَ لَهُ غَرَضٌ سِوَى الْحَقِّ ، وَقَدْ سَلَكَ طَرِيقَهُ . وَأَمَّا مُتَّبِعُ الْهَوَى الْمَحْضِ : فَهُوَ مَنْ يَعْلَمُ الْحَقَّ وَيُعَانِدُ عَنْهُ . وَثَمَّ قِسْمٌ آخَرُ - وَهُوَ غَالِبُ النَّاسِ - وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ هَوًى فِيهِ شُبْهَةٌ فَتَجْتَمِعُ الشَّهْوَةُ وَالشُّبْهَةُ ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " { إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْبَصَرَ النَّافِذَ عِنْدَ وُرُودِ الشُّبُهَاتِ وَيُحِبُّ الْعَقْلَ الْكَامِلَ عِنْدَ حُلُولِ الشَّهَوَاتِ } . فَالْمُجْتَهِدُ الْمَحْضُ مَغْفُورٌ لَهُ وَمَأْجُورٌ . وَصَاحِبُ الْهَوَى الْمَحْضِ مُسْتَوْجِبٌ لِلْعَذَابِ . وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ الِاجْتِهَادَ الْمُرَكَّبَ مِنْ شُبْهَةٍ وَهَوًى : فَهُوَ مُسِيءٌ . وَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى دَرَجَاتٍ حَسَبَ مَا يَغْلِبُ ، وَبِحَسَبِ الْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ .
    فالمسألة هي محض اجتهاد ، وإن تناقض صاحبها ، وإن لزمه لوازم كفرية لم يقل بها يوماً ، بل ينكرها وينفيها .

    لذلك ترى في جميع أقوال العلماء الذين ينقل عنهم هذا الرجل أنهم لا يُكفّرون صاحب العذر بالجهل بمجرّد هذه الدعوى ، بحيث يجعلون حقيقة قوله كفراً .. بل يستدلون على بطلان قوله بلازمه ، لا بحقيقته .

    ولم يجد هذا الرجل وأتباعه قولاً واحداً لعالم معتبر يعضد قوله ، بل حقيقة الأمر أن القول بكفر من يعذر المشركين بالجهل في نفس الأمر إنما هو مما ابتدعه الغلاة من أتباع هذا الرجل ..

    فالتكفير - كما ذكرت آنفاً - مسألة شرعية كباقي المسائل ، يختلف حالها باختلاف الشخص ، ونسبة وضوح المسألة تختلف من شخص إلى آخر .

    فلا يُشترط لكون المسألة واضحة عندي أن تكون عند غيري واضحة .. فقد يكون هذا الغير جاهلاً أو أحمقاً أو متأولاً في مسألة جزئية ، أو ملتبساً عليه الدليل .. خاصة وأنهم لا يختلفون في مسألة كليّة أصلية ، بل يختلفون في مسألة جزئية ، كما ذكرتُ .

    قال ابن تيمية - رحمه الله - نقلاً عن أئمة أهل السنة في ردهم على المعتزلة في [مجموع الفتاوى : 19/211] :
    وَأَيْضًا فَكَوْنُ الْمَسْأَلَةِ قَطْعِيَّةً أَوْ ظَنِّيَّةً هُوَ أَمْرٌ إضَافِيٌّ بِحَسَبِ حَالِ الْمُعْتَقِدِين َ ، لَيْسَ هُوَ وَصْفًا لِلْقَوْلِ فِي نَفْسِهِ ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَقْطَعُ بِأَشْيَاءَ عَلِمَهَا بِالضَّرُورَةِ ؛ أَوْ بِالنَّقْلِ الْمَعْلُومِ صِدْقُهُ عِنْدَهُ ، وَغَيْرُهُ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ لَا قَطْعًا وَلَا ظَنًّا . وَقَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ ذَكِيًّا قَوِيَّ الذِّهْنِ سَرِيعَ الْإِدْرَاكِ فَيَعْرِفُ مِنْ الْحَقِّ وَيَقْطَعُ بِهِ مَا لَا يَتَصَوَّرُهُ غَيْرُهُ وَلَا يَعْرِفُهُ ، لَا عِلْمًا وَلَا ظَنًّا . فَالْقَطْعُ وَالظَّنُّ يَكُونُ بِحَسَبِ مَا وَصَلَ إلَى الْإِنْسَانِ مِنْ الْأَدِلَّةِ ، وَبِحَسَبِ قُدْرَتِهِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ ، وَالنَّاسِ يَخْتَلِفُونَ فِي هَذَا وَهَذَا . فَكَوْنُ الْمَسْأَلَةِ قَطْعِيَّةً أَوْ ظَنِّيَّةً لَيْسَ هُوَ صِفَةً مُلَازِمَةً لِلْقَوْلِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ حَتَّى يُقَالَ : كُلُّ مَنْ خَالَفَهُ قَدْ خَالَفَ الْقَطْعِيَّ ، بَلْ هُوَ صِفَةٌ لِحَالِ النَّاظِرِ الْمُسْتَدِلِّ الْمُعْتَقِدِ ، وَهَذَا مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهِ النَّاسُ ، فَعَلِمَ أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ لَا يَطَّرِدُ وَلَا يَنْعَكِسُ
    يتبع إن شاء الله ..

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    800

    افتراضي رد: نقض كتاب أبي مريم : " شبهات المشككين في أن الإسلام لا يصح إلا بالبراءة من المشركي

    لوازم مذهب أبي مريم الباطلة ، وبيان أنه يؤول به الأمر إلى تكفير نفسه :

    - من لوازم مذهب أبي مريم : تكفير ابن تيمية وابن قتيبة وابن عبدالبر وكل من قال بقولهم في مسألة العذر بالجهل :

    فهؤلاء الأئمة تأوّلوا حديث الذي أوصى أهله أن يحرّقوه فجعلوا الجاهل ببعض قدرة الله تعالى معذرواً بالجهل إن عُدم من يُعلّمه ، وعدّوه مسلماً .

    وكذلك فيما ورد عن ابن تيمية وابن عبدالبر - رحمهما الله - إعذارهما للشاك ببعض علم الله تعالى .

    وهذه أقوال مشهورة عنهم أوردتها في كتابي "نقض معتقد الخوارج الجدد" في طبعته الثانية .

    وهؤلاء الأئمة لم يَعذروا الجاهل بعموم قدرة الله تعالى أو عموم علمه .. بل أعذروا من شك أو جهل في بعض جزئيات المسألة وجوانبها ، بحيث يكون عنده أن الله قادر بالجملة ، وعالم بالجملة ، ولكنه لم يعلم أن الله قادر في هذه المسألة أو عالم في هذه المسألة .

    ويجب أن يُعلم أن قدرة الله تعالى وعلمه هما من مباني ألوهيته ، سبحانه وتعالى ، وبهما يستحق الله - عز وجل - أن يكون الإله .

    فالألوهية من لوازم ربوبية الله تعالى ومستحقاته ، لذلك جاء في سورة الناس :

    { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (*) مَلِكِ النَّاسِ (*) إِلَهِ النَّاسِ }

    ولذلك يستدل الله - عز وجل - بربوبيته لإثبات ألوهيته ، سبحانه وتعالى .

    ومما يُبيّن أن كمال العلم والقدرة من مباني ألوهية الله تعالى ، قوله :

    قال الله - عز وجل - : { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً } [الطلاق : 12]

    وذكر عن موسى - عليه السلام - قوله : { إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً } [طه : 98]

    فبشمول العلم والقدرة استحق الله تعالى الألوهية ، وهذا معلوم مفهوم عند الجميع .

    فبحسب مذهب هذا الرجل فإنه لا فرق بين العاذر بالجهل في بعض قدرة الله ، وبين العاذر في كل قدرة الله .. ولا بين العاذر بالجهل في بعض علم الله ، وبين العاذر في كل علم الله ..

    فإن قال : أنا أعذر هؤلاء ، ولا ألتزم بما بما تلزمني به .. قلنا : فلماذا تعذر من يعذر في بعض الربوبية (وهي الأصل) ولا تعذر من يعذر في بعض الألوهية (وهي من موجَبات الربوبية) ؟

    ----------

    - من لوازم مذهب أبي مريم : تكفير أبي حنيفة ومالك وكل من قال بقولهما في مسألة الميراث :

    نقلت هذه المسألة كاملة في كتابي في طبعته الثانية ، وأورد قول ابن حزم فيها ، فإنه كاف في المسألة ، ومن شاء التوسع فليرجع إلى كتابي .

    قال ابن حزم - رحمه الله - في [المحلى : 9/307-308]:
    مَسْأَلَةٌ : وَمَنْ مَاتَ لَهُ مَوْرُوثٌ وَهُمَا كَافِرَانِ ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْحَيُّ ، أُخِذَ مِيرَاثُهُ عَلَى سُنَّةِ الإِسْلاَمِ ، وَلاَ تُقَسَّمُ مَوَارِيثُ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِلاَّ عَلَى قَسْمِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَوَارِيثَ فِي الْقُرْآنِ .

    برهان ذَلِكَ : قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ }.

    وَقَوْله تَعَالَى : { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا }.

    وَلاَ أَعْجَبُ مِمَّنْ يَدَعُ حُكْمَ الْقُرْآنِ وَهُوَ يُقِرُّ أَنَّهُ الْحَقُّ ، وَأَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَيَحْكُمُ بِحُكْمِ الْكُفْرِ ، وَهُوَ يُقِرُّ أَنَّهُ حُكْمُ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، وَأَنَّهُ الضَّلاَلُ الْمُبِينُ ، وَاَلَّذِي لاَ يَحِلُّ الْعَمَلُ بِهِ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ عَجِيبٌ .

    رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ : أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ حَدَّثَهُ أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَتْ : إنَّ ابْنِي هَلَكَ ، فَزَعَمَتْ الْيَهُودُ أَنَّهُ لاَ حَقَّ لِي فِي مِيرَاثِهِ ، فَدَعَاهُمْ عُمَرُ فَقَالَ : أَلاَ تُعْطُونَ هَذِهِ حَقَّهَا ؟ فَقَالُوا : لاَ نَجِدُ لَهَا حَقًّا فِي كِتَابِنَا . فَقَالَ : أَفِي التَّوْرَاةِ ؟ قَالُوا : بَلَى ، فِي الْمُثَنَّاةِ . قَالَ : وَمَا الْمُثَنَّاةُ ؟ قَالُوا : كِتَابٌ كَتَبَهُ أَقْوَامٌ عُلَمَاءُ حُكَمَاءُ . فَسَبَّهُمْ عُمَرُ وَقَالَ : اذْهَبُوا فَأَعْطُوهَا حَقَّهَا .

    وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى حَيَّانَ بْنِ شُرَيْحٍ : أَنْ اجْعَلْ مَوَارِيثَ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - .

    وقال أبو حنيفة : مَوَارِيثُ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَقْسُومَةٌ عَلَى أَحْكَامِ دِينِهِمْ ، إِلاَّ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلَيْنَا .

    وقال مالك : تَقْسِيمُ مَوَارِيثِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى حُكْمِ دِينِهِمْ ، سَوَاءٌ أَسْلَمَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ قَبْلَ الْقَسْمِ ، أَوْ لَمْ يُسْلِمْ . وَأَمَّا غَيْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ : فَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ مِنْ الْوَرَثَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ مَا أَخَذَ ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ : قَسَمَ عَلَى حُكْمِ الإِسْلاَمِ ، وقال الشافعي وَأَبُو سُلَيْمَانَ كَقَوْلِنَا .

    قال أبو محمد : أَمَّا تَقْسِيمُ مَالِكٍ : فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ ، لأََنَّهُ لَمْ يُوجِبْ الْفَرْقَ الَّذِي ذُكِرَ قُرْآنٌ ، وَلاَ سُنَّةٌ ، وَلاَ رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ ، وَلاَ دَلِيلٌ ، وَلاَ إجْمَاعٌ ، وَلاَ قَوْلُ صَاحِبٍ ، وَلاَ قِيَاسٌ ، وَلاَ رَأْيٌ لَهُ وَجْهٌ ، وَمَا نَعْلَمُهُ ، عَنْ أَحَدٍ قَبْلَ مَالِكٍ .

    وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَا وَافَقَهُ فِيهِ مَالِكٌ : فَقَدْ ذَكَرْنَا إبْطَالَهُ ، وَمَا فِي الشُّنْعَةِ أَعْظَمُ مِنْ تَحْكِيمِ الْكُفْرِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى عَلَى مُسْلِمٍ ، إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ . وَمَا عَهِدْنَا قَوْلَهُمْ فِي حُكْمٍ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ إِلاَّ أَنَّهُ يُحْكَمُ فِيهِ ، وَلاَ بُدَّ بِحُكْمِ الإِسْلاَمِ إِلاَّ هَاهُنَا ، فَإِنَّهُمْ أَوْجَبُوا أَنْ يُحْكَمَ عَلَى الْمُسْلِمِ بِحُكْمِ الشَّيْطَانِ فِي دِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، لاَ سِيَّمَا إنْ أَسْلَمَ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ ، فَلَعَمْرِي إنَّ اقْتِسَامَهُمْ مِيرَاثَهُمْ بِقَوْلِ (دكريز الْقُوطِيِّ) و(َهِلاَلٍ الْيَهُودِيِّ) لَعَجَبٌ ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي هَذَا أَثَرَانِ يَحْتَجُّونَ بِأَضْعَفَ مِنْهُمَا ، وَبِإِسْنَادِهِ مَا نَفْسِهِ ، إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ ، وَهُوَ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ يَعْقُوبَ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُد ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - : { كُلُّ قَسْمٍ قُسِمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى قِسْمَةِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَإِنَّ مَا أَدْرَكَ إسْلاَمٌ وَلَمْ يُقْسَمْ فَهُوَ عَلَى قَسْمِ الإِسْلاَمِ } .

    وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ : قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ كُلَّ مَا قُسِمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى قِسْمَةِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَأَنَّ مَا أَدْرَكَ الإِسْلاَمُ ، وَلَمْ يُقْسَمْ ، فَهُوَ عَلَى قِسْمَةِ الإِسْلاَم ِ.

    قَالَ عَلِيٌّ : مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ضَعِيفٌ ، وَالثَّانِي مُرْسَلٌ ، وَلاَ نَعْتَمِدُ عَلَيْهِمَا ، إنَّمَا حُجَّتُنَا مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
    ومعلوم في مذهب هذا الرجل تكفير كل من تحاكم إلى الطاغوت ، أو حكم بالطاغوت ، وتكفير من لا يكفرهما .

    وها هي فتوى صريحة أمامه في أن الإمام مالك والإمام أبا حنيفة جوّزا الحكم بشريعة النصارى في بعض المسائل الجزئية ، لتضارب الأدلة عندهم ، وظنوا بذلك أنهم يتبعون ما صحّ في مذهبهم أنه الحق .

    بل والإمام مالك جعل الحكم على الوارث المسلم في هذه المسألة هو بحكم النصارى .

    فهو مُطالب الآن - حسب مذهبه - أن يُكفّر الإمام مالك وأبا حنيفة ، وإلا فهو كافر .

    ومُطالب أن يُكفّر كل من لا يكفّرهما ، لأنهما "أجازا حكم الطاغوت الذي يعلمان أنه باطل" .

    فإن تناقض هذا الرجل وقال : أنا أعذر في المسائل الجزئية ولا أعذر في الكلية .. فقلنا له : ولماذا لا تعذر في أقل من مُباشِر الفعل ومُجيزه ، وهو إعذار من يعذر في المسائل الجزئية من مسائل الألوهية ؟؟

    ----------

    - من لوازم مذهب أبي مريم : تكفير نفسه وكل أمة الإسلام :

    وتحرير ذلك أنّ العلماء لم يُكفّروا أهل البدع الغير كفرية ، مع أنّ كل بدعة هي شرع لم يأذن به الله ، وداخلة في قوله تعالى : { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [الشورى : 21]

    فكل من شرّع شيئاً لم يأذن به الله ، سواء أكان متبعاً لديل أم لا ، فهو داخل في معنى هذه الآية .

    وكذلك مسائل التحليل والتحريم ، هي حق خالص لله تعالى ، فمن أحلّ الحرام وحرّم الحلال ، فقد وقع في الشرك الأكبر .

    وكل من اتبع هذا التشريع واعتقده حقاً ، فهو متبع لغير دين الإسلام في هذه المسألة .

    فلماذا لا يكفرون عنده ؟ .. أليس المرء لا يُعذر في الشرك الأكبر بشيء ، سواء أكان جهلاً أو تأويلاً ، إلا بالإكراه وانتفاء القصد ؟ .. فإن كان لا يُكفّرهم ، فهو الكافر بحسب مذهبه ، لأنه أعذر المشرّع مع الله ، والمتبع لغير دين الإسلام .

    فإن قال : هؤلاء فعلوا ذلك ظانّين أنهم يتبعون أمر الله ، ولم يقصدوا معاندة ولا شقاقاً .
    قلنا : والذين جهلوا بضع جوانب ألوهية الله تعالى ، فصرفوا بعض العبادة لغير الله ، لم يقصدوا عبادة غير الله ، ولم يقصدوا جعل الشريك له ، لا في ملكه ولا في عبادته ، بل ظنوا أنه مما شرعه لهم الله تعالى ، وأمرهم به رسوله .

    وسواء أعذرتهم أم لم تعذرهم .. فلماذا تُكفّر من يعذرهم وأنت ترى أنّ هذه المسألة لها شواهد قياسية ، من إعذار الشاك ببعض قدرة الله وبعض علمه ، والمحلل للحرام أو المحرّم للحلال ، أو المشرّع ما لم يأذن به الله ..

    فلو قاس أحدهم المسائل ، وقصّر في ضبطها ، وجعل الجهل عذراً في مسائل الشرك الأكبر لمن يعتقد ويقول بلسانه أن الله واحد أحد ، وأن محمداً رسول الله ، وأنه على دين الإسلام .. أفلا يُعذر هذا بالتأويل ؟؟

    يتبع إن شاء الله

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    725

    افتراضي رد: نقض كتاب أبي مريم : " شبهات المشككين في أن الإسلام لا يصح إلا بالبراءة من المشركي

    أخي أبو شعيب وفقك الله تعالى :
    -------------------
    أمـا بخصوص ( مسألة تقسيم مواريث الكفار ) فـهـذه قـاصمة ظهر لهـؤلاء القوم وهي من أشنع اللوازم التي تلزمهم . ذلك أن أقوال العلماء في هذه المسألة معلومة مشهورة لمن طالعها .
    فقـد جاء في المدونة : " مسألة في ميراث المسلم والنصراني " : ( قلت : أرأيت إن مات رجل من المسلمين وبعض ورثته نصارى فأسلموا قبل قسم الميراث أو كان ورثته نصارى فأسلموا بعد موته قبل أن يؤخذ ماله .
    قال : قال مالك : إنما يجب الميراث لمن كان مسلماً يوم مات ، ومن أسلم بعد موته فـلا حـق لـه في الميراث .
    قال : فقيل لمالك : فـإن مـات نصراني وورثته نصارى فأسلموا قبل أن يقسم مـالـه عـلام يقتسمون ، أعلى وراثـة الإسـلام أو على وراثـة النصـارى ؟ ، قال : بل على وراثة النصارى التي وجبت لهم يوم مات صاحبهم ، وإنما سألنا مالكاً للحديث الذي جاء "إيمـا دار قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية وأيما دار أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام " . قال مـالك : وإنمـا هـذا الحديث لغير أهل الكتاب من المجوس والزنج وغير ذلك ، وأما النصارى فهم على مواريثهم ولا ينقل الإسلام مواريثهم التي كانوا عليها ، وقال ابن نافع وغيره من كبار أهل المدينة : هـذا لأهل الكفر كلهم وأهل الكتاب وغيرهم . ) إهـ
    فهـذا قول الإمام مالك رحمه الله في مسألة ميراثت الكفار وقـد عابه الإمام ابن حزم رحمه الله بشدة ولكنه لم يكفر الإمام مالك رحمه الله لأنه كان متأول قاصداً اتباع الحق ولكن تضاربت الأدلة عنده وأخطأ الفهم .. كما سبق في قول أخونا أبو شعيب وفقه الله تعالى .. فهل سوف يحكم أبو مريم بالكفر على الإمام مالك وأبو حنيفة وابن حزم وكل من لم يكفر هؤلاء الإئمة الاعلام أم أنه سوف يتناقض في طـرد أصله !!؟ .
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه تحقيقا للدعاء الذي استجابه الله لنبيه وللمؤمنين حيث قالوا : " ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا " ، ومن اتبع ظنه وهواه فأخذ يشنع على من خالفه بما وقع فيه من خطأ ظنه صواباً بعد اجتهاده وهو من البدع المخالفه للسنة فإنه يلزمه نظير ذلك أو أعظم أو أصغر في من يعظمه هو من أصحابه ، فقل من يسلم من مثل ذلك من المتأخرين لكثرة الإشتباه و الإضطراب وبُـعـد الناس عن نور النبوة وشمس الرسالة الذي به يحصل الهدى والصواب ويزول به عن القلوب الشك والاتياب ، ولهذا تجد كثيراً من المتأخرين من علماء الطوائف يتناقضون في مثل هذه الأصول ولوازمها فيقولون القول الموافق للسنة وينفون ما هو من لوازمه غير ظانيين أنه من لوازمه ويقولون ما ينافيه غير ظانيين أنه ينافيه ويقولون بملزومات القول المنافي الذي ينافي ما أثبتوه من السنة وربما كفروا من خالفهم في القول المنافي وملزوماته فيكون مضمون قولهم أن يقولوا قولا ويكفروا من يقوله ، وهذا يوجد لكثير منهم في الحال الواحد لعدم تفطنه لتناقض القولين ويوجد في الحالين لإختلاف نظر واجتهاده ، وسبب ذلك ما أوقعه أهل الإلحاد والضلال من الألفاظ المجمله التي يظن الظان أن لا يدخل فيها إلا الحق وقد دخل فيها الحق والباطل فمن لم ينقب عنها أويستفصل المتكلم بها كما كان السلف والأئمة يفعلون صار متناقضا أو مبتدعا ضالا من حيث لا يشعر ، وكثير ممن تكلم بالألفاظ المجملة المبتدعة كلفظ الجسم والجوهر والعرض وحلول الحوادث ونحو ذلك كانوا يظنون أنهم ينصرون الاسلام بهذه الطريقة وأنهم بذلك يثبتون معرفة الله وتصديق رسوله فوقع منهم من الخطأ والضلال ما أوجب ذلك وهذه حال أهل البدع كالخوارج وأمثالهم فإن البدعة لا تكون حقا محضا موافقا للسنة إذ لو كانت كذلك لم تكن باطلاً ولا تكون باطلاً محضاً لا حق فيه إذ لو كانت كذلك لم تخف على الناس ولكن تشتمل على حق وباطل فيكون صاحبها قد لبس الحق بالباطل إما مخطئا غالطا وإما متعمدا لنفاق فيه والحاد ) إهـ كتاب درء تعارض العقل والنقل .

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    800

    افتراضي رد: نقض كتاب أبي مريم : " شبهات المشككين في أن الإسلام لا يصح إلا بالبراءة من المشركي

    جزاك الله خيراً أخي (الإمام الدهلوي) على هذه النقول النافعة .

    ----------------------------

    يقول :
    وما ذكره من التصورات لو التزم بعضها لم يكفر اليهود والنصارى ومن لم ينتسب للإسلام, ولم يكفر من لم يكفر اليهود والنصارى. كأن يظن مثلا أن ما فعله شرك أصغر مع أنه شرك أكبر مجمع عليه, كظن النصارى أن الله هو عيسى بن مريم وأن عزيرا هو ابن الله أو ظن أن محمدا ليس برسول أو أنه رسول الأميين ولم تقم عليه الحجة, هذا غير منتسب للإسلام ويظن أنه على الحق فيلزم أنه يعذر إذا لم تقم عليه الحجة وأن من لم يكفره معذور. وهذا لا يلتزمه المخالف لكن هو لازم له, وغاية رده أن اليهودي والنصراني غير منتسب للإسلام قيل هو متأول أو جاهل في عدم انتسابه للإسلام وأنت تعذر من توقف فيمن علم أنه وقع في الشرك الأكبر إذا عذره بالجهل والتأويل, والشرك هو أعظم النواقض للإسلام فهو ينقض حقيقة الإسلام العام بينما عدم الإيمان بالرسول ينقض الإسلام الخاص وهو الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وأنه أرسل للناس كافة, وهذا لم يكن واجبا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم لا الإيمان بالنبي صلى الله وسلم واتباعه ولا الإيمان بأنه أرسل للناس كافة, فكيف نعذر من لم يكفر من وقع في الشرك الأكبر ولا نعذر من لم يكفر اليهودي والنصراني إذا كان سبب كفره عدم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم أو أنه أرسل للناس كافة؟!
    ذكرنا أن هذا الرجل لا يُفرّق بين كفر النوع (الذي مبناه الحكم الشرعي) وكفر العين (الذي مبناه تحقيق المناط) .

    وذكرنا أن تصنيف الناس بحسب فعلهم ، إنما هو حُكم على فعلهم وليس على أعيانهم .

    فعندما يقول العلماء : إن من لا يكفّر المشركين فهو كافر .. فهم يعنون : إن من لا يرى الشرك كفراً هو كافر .
    كما يُقال : إن من لا يُؤثّم شارب الخمر فهو كافر .. فإن ذلك يعني : من لا يرى شُرب الخمر إثماً فهو كافر .

    أما من وحّد الله تعالى ، ولم يعبد سواه ، ولم يُحسّن الشرك أو يزيّنه ، بل يعتقد أن الشرك بالله كفر ، وصاحبه مخلّد في النار .. ولم يردّ دليلاً شرعياً ثبت عنده ، أو يخرج إجماعاً صحّ عنده ، ورأى أنه مُتابع للدليل الشرعي ، ولم يقصد بذلك إعراضاً ولا مُعاندة لأمر الله .. فأخطأ في تنـزيل هذا الحكم الشرعي على بعض الأعيان ، لقيام مانع في حقهم ظنه عُذراً لهم .. فهذا لا يكفر حتى تتضح له الحجة فيردها .

    والخطأ - كما يتضح هنا - إنما هو في اعتبار الجهل عذراً ، وليس في جعل الشرك إسلاماً ، أو استحسان الشرك وتزيينه ، أو الوقوع فيه

    أما ذكره أنه يلزم من العُذر بالجهل إعذار اليهود والنصارى وكل مشرك على وجه الأرض .. فنقول : إن صحّ هذا ، فهذا من تناقض أصحابه ، وهذا يدلّ على بطلان قولهم ، مع أنهم لم يلتزموا بهذه اللوازم البتة .

    فهل من تناقض كفر ؟

    يقول ابن تيمية في [مجموع الفتاوى : 29/43]:
    فَإِذَا اعْتَقَدَ الْعَالِمُ اعْتِقَادَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ فِي قَضِيَّةٍ أَوْ قَضِيَّتَيْنِ ، مَعَ قَصْدِهِ لِلْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ لِمَا أُمِرَ بِاتِّبَاعِهِ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ : عُذِّرَ بِمَا لَمْ يَعْلَمْهُ ، وَهُوَ الْخَطَأُ الْمَرْفُوعُ عَنَّا ؛ بِخِلَافِ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ . فَإِنَّهُمْ { إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ } ، وَيَجْزِمُونَ بِمَا يَقُولُونَهُ بِالظَّنِّ وَالْهَوَى ، جَزْمًا لَا يَقْبَلُ النَّقِيضَ ، مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِجَزْمِهِ
    ويقول أيضاً - رحمه الله - في [مجموع الفتاوى : 05/306]:
    وَإِذَا كَانَ نَفْيُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُسْتَلْزِمًا لِلْكُفْرِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ، وَقَدْ نَفَاهَا طَوَائِفُ كَثِيرَةٌ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ ، فَلَازِمُ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِمَذْهَبِ ؛ إلَّا أَنْ يَسْتَلْزِمَهُ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ . فَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَنْفُونَ أَلْفَاظًا أَوْ يُثْبِتُونَهَا ، بَلْ يَنْفُونَ مَعَانِيَ أَوْ يُثْبِتُونَهَا ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لِأُمُورِ هِيَ كُفْرٌ ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ بِالْمُلَازَمَة ِ ، بَلْ يَتَنَاقَضُونَ ، وَمَا أَكْثَرَ تَنَاقُضِ النَّاسِ ، لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْبَابِ ، وَلَيْسَ التَّنَاقُضُ كُفْرًا
    وكنت قد ذكرت في كتابي في طبعته الثانية مسألة هامة وهي :
    الباب الرابع : كل كفر هو ناقض لأصل الدين

    وهذه مسألة قد غفل عنها هؤلاء .. وهي أن الكفر ناقض لأصل الدين ، وإلا لما صحّ كونه كفراً .

    فترك الصلاة مثلاً ينقض أصل الدين ، ويصبح به صاحبه كافراً ، من عبدة الطاغوت ، وخارجاً عن الملة الإسلامية .

    ولكن ما يفرق بين الأفعال التي ليست ناقضاً بنفسها لأصل الدين ، وبين الأفعال الناقضة بنفسها لأصل الدين ، هو أنه يُمكن الإعذار بالجهل في الأولى ولا يمكن في الثانية ، لا غير .

    فمن فعل كفراً مما لا ينقض بنفسه أصل الدين ، لا يكفر حتى يعلم .. فإن تحقق العلم فيه ، صار فعله ناقضاً لأصل دينه .

    أما من قارف كفراً ينقض بذاته أصل الدين ، كسبّ الله تعالى ، فهذا لا يُعذر بالجهل .

    فعليه يُقال : من رأى أن ترك الصلاة كفر أصغر ، فهذا لا يُكفِّر من تحقق فيه العلم بحرمة ترك الصلاة ، فهل يُقال فيه إنه جاهل بمعنى التوحيد ، إذ لم يعلم أن ترك الصلاة مع العلم ينقض أصل الدين ؟

    ومما يُشغّب به هؤلاء أنهم يقولون إن من امتنع عن تكفير المعيّن الواقع في الشرك الأكبر لغير الإكراه أو انتفاء القصد ، وجعل فيه الجهل عذراً ، فهذا قد جعل جاهل التوحيد مسلماً ، ومن المعلوم أن الجهل بالتوحيد مجمع على عدم دخول صاحبه في الإسلام .

    فيقال لهم : كل كفر إنما صار كفراً لاستلزامه أحد نواقض كلمة التوحيد . فترك الصلاة مع العلم بوجوبها ، يسلتزم عدم تحقيق شرط الانقياد والخضوع لله تعالى ، والذي هو أحد شروط الإيمان .. ولكن العلماء جعلوه من الكفر الأصغر ، بمعنى أنه حتى لو علم بوجوبها ، فإن هذا التمرّد على الله تعالى وعصيانه لا ينقله عن الدين .

    مع أن العلماء مجمعون على أن من انتفى عنده شرط الانقياد بالجملة ، فهو كافر ، ولا يجادل في ذلك أحد .

    وكذلك الحال فيمن جهل توحيد الله جملة ، فجميع العلماء متفقون على كفره وقاطعون بذلك ، ولكن الخلاف هو في جهل بعض جوانب هذا التوحيد ، ممن يدعي أن الله إلهه ومعبوده الأوحد ، والإسلام دينه .
    ويُمكن هنا أن نستعمل نفس منطقه الذي كفّر به كثيراً من أهل العلم ، فأقول :
    إن هؤلاء العلماء الذين رأوا إسلام تارك الصلاة كسلاً ، مع بلوغه بوجوبها ، وإقراره بخطئه ، قد حكموا على المستكبر عن عبادة الله تعالى بالإسلام .. وحكموا على المتمرّد على طاعة الله بالإسلام .. وكيف يكون إسلام (وأساسه الخضوع والانقياد) مع ترك أساس العبادة ، والذي يتوقف عليه جميع الأعمال الصالحة ، وهذا بعلم هؤلاء العلماء ، لما أجمعوا عليه مع النص الصريح عن النبي قوله : « أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة ، فإن صلحت صلح له سائر عمله ، و إن فسدت ، فسد سائر عمله » .

    ولم يقبل الله - سبحانه وتعالى - توبة المشركين حتى يصلّوا ، فقال : { فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } [التوبة : 11]

    - فهل تارك الصلاة كسلاً عالماً بوجوبها مسلم ؟ .. الجواب لا .
    - وهل هو عارف بالتوحيد أم جاهل به ؟ .. الجواب : جاهل ، إذ لو كان عالماً بحق الله تعالى لعبده كما أمر .
    - وهل هو مُحقق لأصل العبادة ؟ .. الجواب : لا ، بل هو متمرد على أمر الله ، مستكبر عن عبادته .

    ويلزم هؤلاء العلماء ، بحسب منطق هذا الرجل ، أنهم يرون أن اليهودي المعتقد لوحدانية الله تعالى ، والمعتقد بأن النبي مرسل من عند الله تعالى ، وأن دين الإسلام يلزمه ، ثم بعد هذا هو لم يتبع النبي بشيء ، مع إيمانه أنه على الحق ، فإنه يلزمهم أن يحكموا عليه بالإسلام ، إذ لا فرق عند هذا الرجل بين المسائل الجزئية والكلية !!

    وقد يستشكل البعض شيئاً من كلامي فيقول : إذن أنت ترى أن من يقول إن دين الإسلام يصحّ مع الشرك فهو مسلم ؟
    أقول : لا ، بل هذا كافر .. وهؤلاء لم يقولوا بهذا كما فهمته أنت . بل قالوا إن الشرك ناقض من نواقض الدين ، وصاحبه كافر مخلّد في النار ، ولا يصح دين الإسلام والتوحيد مع الشرك .. ولكن الله - عز وجل - عذَر الواقع في بعض الشرك بالجهل بعموم إعذاره لأمة الإسلام بالجهل والخطأ والنسيان .

    ومثال ذلك القول بأنّ الأكل بعد الفجر في رمضان مُبطل للصوم .. ولكن ليس كل من أكل بعد الفجر باطل صومه (بمعنى أن الله لا يقبله منه) ، كعُدي بن حاتم - رضي الله عنه - الذي أكل بعد الفجر متأولاً قوله تعالى : { فكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود } .. ولم يأمره النبي بالإعادة .

    أما قول هذا الرجل : (( كأن يظن مثلا أن ما فعله شرك أصغر مع أنه شرك أكبر مجمع عليه )) . فهو عندما يُسقط في يده ، يلجأ إلى الإجماع !!

    وقد ذكرت طرفاً من ذلك في كتابي في طبعته الثانية ، فقلتُ :
    فإن وصلنا إلى هذه المرحلة ، فإن نقض ادعائهم بسيط .. وهو أن مخالف الإجماع لا يكفر إلا إن أقيمت عليه الحجة ، وهذا بإجماع أهل العلم .. لأن الإجماع من المسائل الخبرية العلمية التي لا يكفر صاحبها إلا بعد إقامة الحجة .

    وحجية الإجماع – إن ثبت - هو كحجية النص .. فكما أن النص قد يُؤوّل فيُعذر صاحبه بالتأويل ، فكذلك الإجماع .

    وحتى إن تم نقل الإجماع في كفر صاحب فعل ما ، فإنه قد يؤوّل إلى الكفر الأصغر ، كما أوّل الأئمة كفر تارك الصلاة بالأصغر ، وكما أوّل بعضهم كفر القائل بخلق القرآن بالأصغر .
    هذا مع أنه يُكفّر حتى الجُهال من المسلمين الذين لم يسمعوا بشيء اسمه إجماع ، فضلاً عن أن يعرفوا مسائله !!

    قال شيخ الإسلام في [مجموع الفتاوى : 35/378-379]:
    وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ : إنَّ الَّذِي قُلْته هُوَ قَوْلِي أَوْ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ؛ وَقَدْ قُلْته اجْتِهَادًا أَوْ تَقْلِيدًا : فَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ لَا تَجُوزُ عُقُوبَتُهُ ، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَخْطَأَ خَطَأً مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَلَوْ عُوقِبَ هَذَا لَعُوقِبَ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّهُ مَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَلَهُ أَقْوَالٌ اجْتَهَدَ فِيهَا أَوْ قَلَّدَ فِيهَا وَهُوَ مُخْطِئٌ فِيهَا ؛ فَلَوْ عَاقَبَ اللَّهُ الْمُخْطِئَ لَعَاقَبَ جَمِيعَ الْخَلْقِ ؛ بَلْ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ : { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُون َ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [285] لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [256]} وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ أَنَّ اللَّهَ اسْتَجَابَ هَذَا الدُّعَاءَ ، وَلَمَّا قَالَ الْمُؤْمِنُونَ : { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } قَالَ اللَّهُ : قَدْ فَعَلْت . وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الدُّعَاءِ . وَقَالَ النَّبِيُّ : « إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ » . فَالْمُفْتِي وَالْجُنْدِيُّ وَالْعَامِّيُّ إذَا تَكَلَّمُوا بِالشَّيْءِ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِمْ ، اجْتِهَادًا أَوْ تَقْلِيدًا ، قَاصِدِينَ لِاتِّبَاعِ الرَّسُولِ بِمَبْلَغِ عِلْمِهِمْ ، لَا يَسْتَحِقُّونَ الْعُقُوبَةَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ أَخْطَئُوا خَطَأً مُجْمَعًا عَلَيْهِ . وَإِذَا قَالُوا إنَّا قُلْنَا الْحَقَّ وَاحْتَجُّوا بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ : لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِ مِنْ الْحُكَّامِ أَنْ يُلْزِمَهُمْ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ ، وَلَا يَحْكُمَ بِأَنَّ الَّذِي قَالَهُ هُوَ الْحَقُّ دُونَ قَوْلِهِمْ ، بَلْ يَحْكُمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْحَقُّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ، لَا يُغَطَّى بَلْ يَظْهَرُ ؛ فَإِنْ ظَهَرَ رَجَعَ الْجَمِيعُ إلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ سَكَتَ هَذَا عَنْ هَذَا ، وَسَكَتَ هَذَا عَنْ هَذَا ؛ كَالْمَسَائِلِ الَّتِي تَقَعُ يَتَنَازَعُ فِيهَا أَهْلُ الْمَذَاهِبِ
    أما الفرق بين المنتسب إلى الإسلام والمنتسب إلى غيره ، هو أن الأوّل فيه من موجِبات الإسلام والإيمان ما قد يستشكل على الحاكم عليه .. فيتعارض عنده الدليلان .. دليل يحكم بإسلامه ، لنطقه بالشهادتين ، واعترافه أن الله واحد أحد ، فرد صمد ، لا صاحبة له ولا ولد ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وتراه يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ، وما إلى ذلك من موجبات الإيمان .. ودليل يحكم بكفره ، لوقوعه في بعض مظاهر الشرك وعبادة غير الله .

    ودليل يحكم بعُذره بالجهل ، لأن الله تعالى أعذر هذه الأمة (والتي هو من المنتسبين إليها) بالجهل والنسيان والخطأ ، ودليل لا يعذر العابدين لغير الله صراحة مع إقرارهم بذلك بالجهل .

    فتتضارب عندهم الأدلة ، ولا يُحسنون التوفيق بينها ، كما قال ابن تيمية في [مجموع الفتاوى : 12/486-488]:
    وَالْجَهْمِيَّة - عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ : مِثْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، وَيُوسُفَ بْنِ أَسْبَاطَ ، وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد ، وَغَيْرِهِمْ - لَيْسُوا مِنْهُ الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ فِرْقَةً الَّتِي افْتَرَقَتْ عَلَيْهَا هَذِهِ الْأُمَّةُ ؛ بَلْ أُصُولُ هَذِهِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ : هُمْ الْخَوَارِجُ وَالشِّيعَةُ وَالْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّة ُ ، وَهَذَا الْمَأْثُورُ عَنْ أَحْمَد ، وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ عَامَّةِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ : مَنْ قَالَ : الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ ، وَمَنْ قَالَ : إنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ كَافِرٌ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ . ثُمَّ حَكَى أَبُو نَصْرٍ السجزي عَنْهُمْ فِي هَذَا قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ كُفْرٌ يَنْقُلُ عَنْ الْمِلَّةِ . قَالَ : وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ كُفْرٌ لَا يَنْقُلُ . وَلِذَلِكَ قَالَ الخطابي : إنَّ هَذَا قَالُوهُ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ . وَكَذَلِكَ تَنَازَعَ الْمُتَأَخِّرُو نَ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي تَخْلِيدِ الْمُكَفَّرِ مِنْ هَؤُلَاءِ ؛ فَأَطْلَقَ أَكْثَرُهُمْ عَلَيْهِ التَّخْلِيدَ ، كَمَا نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ مُتَقَدِّمِي عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ ؛ كَأَبِي حَاتِمٍ ، وَأَبِي زُرْعَةَ ، وَغَيْرِهِمْ . وَامْتَنَعَ بَعْضُهُمْ مِنْ الْقَوْلِ بِالتَّخْلِيدِ . وَسَبَبُ هَذَا التَّنَازُعِ تَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ ، فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَدِلَّةً تُوجِبُ إلْحَاقَ أَحْكَامِ الْكُفْرِ بِهِمْ ، ثُمَّ إنَّهُمْ يَرَوْنَ مِنْ الْأَعْيَانِ الَّذِينَ قَالُوا تِلْكَ الْمَقَالَاتِ مَنْ قَامَ بِهِ مِنْ الْإِيمَانِ مَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا ، فَيَتَعَارَضُ عِنْدَهُمْ الدَّلِيلَانِ ، وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ فِي أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ مَا أَصَابَ الْأَوَّلِينَ فِي أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فِي نُصُوصِ الشَّارِعِ . كُلَّمَا رَأَوْهُمْ قَالُوا : مَنْ قَالَ كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ ، اعْتَقَدَ الْمُسْتَمِعُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ شَامِلٌ لِكُلِّ مَنْ قَالَهُ ، وَلَمْ يَتَدَبَّرُوا أَنَّ التَّكْفِيرَ لَهُ شُرُوطٌ وَمَوَانِعُ قَدْ تَنْتَقِي فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ ، وَأَنَّ تَكْفِيرَ الْمُطْلَقِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَكْفِيرَ الْمُعَيَّنِ ، إلَّا إذَا وُجِدَتْ الشُّرُوطُ وَانْتَفَتْ الْمَوَانِعُ . يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد وَعَامَّةَ الْأَئِمَّةِ : الَّذِينَ أَطْلَقُوا هَذِهِ العمومات لَمْ يُكَفِّرُوا أَكْثَرَ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ بِعَيْنِهِ
    وأما قوله إن الشرك بالله أعظم من ردّ الرسالة .. فيُقال له : لا فرق بين المستكبر عن طاعة الله تعالى ، وبين المشرك في عبادته ..

    فالأول عبد هواه وآثره على طاعة الله ، أو عبد غيره من الأحبار والرهبان الذين يؤثر طاعتهم على طاعة الله .. والثاني عبد غيره وأطاع إلهين .

    لذلك قال الله تعالى : { الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ } [الأنعام : 1]

    وقال أيضاً : { اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [التوبة : 31]

    وكانت عبادتهم للأحبار والرهبان هو في جانب ردّ أمر الله (وهو من الرسالة) وطاعة أمر غيره .. فصاروا بذلك مشركين .

    وأما تكفيرنا لمن لا يكفّر اليهود والنصارى ، إنما ذلك لردّه النصوص الواضحة الصريحة المستفيضة ، والتي أجمعت الأمة عليها وقطعت بها ، حتى لم يعد لأحد شكّ في ذلك .

    وأما من كان في بادية بعيدة ولم يسمع بشيء من ذلك ، مع اعتقاده أن اليهود والنصارى على باطل ، ولكن لا يعرف حقيقة حكمهم ، فهذا لا يكفر حتى تقام عليه الحجة .

    أما المنتسب للإسلام ، المدعي للتوحيد ومتابعة النبي ، فإن حكمه يلتبس ، خاصة وأن مثله يصحّ العذر فيه ، كالإكراه وانتفاء القصد ..

    وقد يتصور الحاكم مسألة ، ويخطئ في تصورها .. وقد يريد اتباع الحق ، ويغفل عمّا في قوله من الباطل .

    هذا ، مع كون الحكم على الأعيان بالإسلام أو الكفر ، ليس كفراً في نفس الأمر إن أخطأ صاحبه ، اللهم إلا إن وُرد النص الصريح بكفر هذا المعيّن ، كحال أبي جهل ، والوليد بن المغيرة ، وأبي طالب ، وغيرهم .

    قال ابن تيمية في [منهاج السنة 5/123-124]:
    الثاني : أن المتأول الذي قصده متابعة الرسول لا يكفر ، بل ولا يفسق ، إذا اجتهد فأخطأ ، وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية . وأما مسائل العقائد ، فكثير من الناس كفّر المخطئين فيها .

    وهذا القول لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، ولا عن أحد من أئمة المسلمين ، وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع ، الذين يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم ؛ كالخوارج ، والمعتزلة ، والجهمية . ووقع ذلك في كثير من أتباع الأئمة ؛ كبعض أصحاب مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وغيرهم .

    وقد يسلكون في التكفير بذلك ؛ فمنهم من يكفر أهل البدع مطلقاً ، ثم يجعل كل من خرج عما هو عليه من أهل البدع ؛ وهذا بعينه قول الخوارج والمعتزلة الجهمية ، وهذا القول أيضاً يوجد في طائفة من أصحاب الأئمة الأربعة ، وليس هو قول الأئمة الأربعة ولا غيرهم ، وليس فيهم من كفّر كل مبتدع ، بل المنقولات الصريحة عنهم تناقض ذلك ، ولكن قد ينقل عن أحدهم أنه كفّر من قال بعض الأقوال ويكون مقصوده أن هذا القول كفر ، ليحذر . ولا يلزم إذا كان القول كفراً أن يكفر كل من قاله ، مع الجهل والتأويل . فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعين كثبوت الوعيد في الآخرة في حقه ، وذلك له شروط وموانع ، كما بسطناه في موضعه .

    وإذا لم يكونوا في نفس الأمر كفاراً ، لم يكونوا منافقين ، فيكونون من المؤمنين ، فيستغفر لهم ، ويترحم عليهم . وإذا قال المؤمن : ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ، يقصد كل من سبقه من قرون الأمة بالإيمان . وإن كان قد أخطأ في تأويل تأوله ، فخالف السنة ، أو أذنب ذنباً ، فإنه من إخوانه الذين سبقوه بالإيمان ، فيدخل في العموم . وإن كان من الثنتين والسبعين فرقة ، فإنه ما من فرقة إلا وفيها خلق كثير ليسوا كفاراً ، بل مؤمنين فيهم ضلال وذنب ، يستحقون به الوعيد ، كما يستحقه عصاة المؤمنين .
    يتبع إن شاء الله

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    800

    افتراضي رد: نقض كتاب أبي مريم : " شبهات المشككين في أن الإسلام لا يصح إلا بالبراءة من المشركي

    ثم قال :
    فيلزمك القول إما أننا نعذر بجميع هذه الأمور فنعذر من لم يكفر اليهودي والنصراني إذا لم يدخل في دين الإسلام إذا كان يظن أنه جاهل أو متأول كما تعذر من لم يكفر المشرك إذا كان جاهلا أو متأولا, فإن ما يناقض الألوهية أعظم مما يناقض الرسالة بإجماع كل مسلم, فإذا كان يعذر فيما ينقض الألوهية فإنه من باب أولى يعذر في الرسالة ومع ذلك لا يعذرون بما ينقض الرسالة وإن كان لا يعذر فيما ينقض الرسالة فمن باب أولى أن لا يعذر فيما ينقض الألوهية.
    أما وقد علمنا العلّة في كفر من لا يكفّر اليهود والنصارى ، وهي ردّ النصوص الشرعية ، كما قال البهوتي في [كشف القناع : 5/146]:
    « أو لم يكفر من دان » أي تدين « بغير الإسلام كالنصارى » واليهود « أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم » فهو كافر ، لأنـه مكذب لقوله تعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }
    فأما من لا يكفّر بعض أعيان اليهود والنصارى ، ويَعذرهم بالجهل الملجئ أو التأويل المعتبر ، كما ذكر أبو مريم نفسه في كتابه فقال مُنكراً علينا :
    يلزمهم تكفير النصراني الذي آمن بالنبي لكن جهل أنه مبعوث للناس كافة لعدم وصول النص إليه, بسبب عدم انتسابه للإسلام الخاص
    ومن اللوازم على أصلهم حكم اليهودي والنصراني الذي سمع بأن هناك نبيا ظهر وصدق هذا النبي لكن لم يبلغه أن هذا النبي لعموم الناس, فإن مثل هذا لا يعلم إلا بالخبر, فالإيمان بأنه نبي شيء والإيمان بأنه أرسل للناس كافة شيء آخر, فإذا آمن اليهودي بالنبي صلى الله عليه وسلم وضرورة لا بد أن يؤمن بأن النبي مرسل برسالة سواء هذا النبي متمم لدين نبي قبله أو أنه أنزل عليه كتاب جديد. فإذا كان اليهودي والنصراني مؤمنا بكل هذا لكن يجهل أنه أرسل للناس كافة فلم يدخل في دين الإسلام الخاص, وكل عاقل يدرك أن هذا لم ينتسب لدين محمد صلى الله عليه وسلم, فهو لا ينتسب للإسلام الخاص, فيلزم على أصلهم أن يكون هذا اليهودي والنصراني كافرا ومن لم يكفره كافر. مع أن سبب كفره هو الجهل بخبر لا يعلم إلا بالكتاب ولم يبلغه هذا الخبر. فإن قالوا مثل هذا لا يكفر, قيل إذاً ليس كل من انتسب لغير دين الإسلام يكفر ولا يلزم تكفير من لم يكفره. وإن قالوا بل هو كافر ومن لم يكفره كافر, قيل هذا من أعظم التناقض فإنه بإجماع كل مسلم منذ خلق الله الخليقة الألوهية أعظم الرسالة فمن عبد غير الله أعظم ممن جعل للنبي صلى الله عليه وسلم شريكا في الرسالة.
    يعني هو يعترف أنه يُمكن أن يكون هناك بعض اليهود وبعض النصارى معذورون بالجهل أو التأويل ، ولا يصحّ تكفيرهم . وهذا ما نقول به في بعض أعيانهم .

    أما اليهودية كدين منسوخ ، والنصرانية كدين منسوخ ، فإن أهلهما كفّار ، وكافر من لم يكفرهم .. ومن أعذر بعض أعيانهم بالاعتبارات التي ذكرها أبو مريم في الأعلى ، فلا يُلجأ إلى تكفيره ابتداءً حتى يُستفصل منه .

    فإن قال : أنا لا أكفره لأنني لا أرى غير دين الإسلام كفراً .. فهذا كافر .
    وإن قال : أنا أقر وأعتقد أنه كفر ، وكل من دان بغير دين الإسلام كافر ، ولكن هذا اليهودي أو النصراني جاهل بحقيقة دين الإسلام وحقيقة رسالة النبي ، وهو موحّد لله ، لم يجعل له شريكاً في عبادته .. فأنا أحكم عليه بالإسلام العام .. فهذا لا يكفر .

    فأبو مريم نفسه يعذر بعض اليهود والنصارى بالجهل المعتبر ، وهو صحيح ، مع اعتقاده أن ما هم عليه كفر ، لأن دينهم منسوخ ، فهل نقول في حقه إنه لا يُكفر اليهود والنصارى ، هكذا بإطلاق ؟

    وكما ذكرت سابقاً ، فإن تكفير أهل ملّة أو أهل فعل ما ، وتصنيفهم بملتهم أو فعلهم ، إنما هو في الحقيقة تكفير لفعلهم الذي كفروا به ، ولا يعني هذا تكفير كل مُعيّن منهم .

    وقولي في مسألة تكفير اليهود والنصارى وكفر من لا يكفرهم هو بهذا المعنى .

    وبهذا المعنى أنا لا أكفّر من لا يكفّر بعض الواقعين في الشرك الأكبر من المنتسبين إلى الإسلام ، مع إقراره أن فعلهم شرك وكفر .

    فلا وجه حينئذ لادعائك تناقضي وتخبطي في المسألة .

    وقوله : (( فإذا كان يعذر فيما ينقض الألوهية فإنه من باب أولى يعذر في الرسالة ومع ذلك لا يعذرون بما ينقض الرسالة وإن كان لا يعذر فيما ينقض الرسالة فمن باب أولى أن لا يعذر فيما ينقض الألوهية ))

    أولاً : لست أنا من يعذر ، بل أنا أعذر الذي يعذر ، فتنبه !

    ثانياً : إن كان هؤلاء العاذرين متناقضين ، متخبطين ، قاصري النظر والاستدلال ، يعتقدون أنهم يتبعون ما ظهر لهم أنه الحق ، من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ، فلا وجه عندي لتكفيرهم ، بل ولا تأثيمهم ، حتى تقام عليهم الحجة .

    وأما قوله : (( فإن ما يناقض الألوهية أعظم مما يناقض الرسالة بإجماع كل مسلم )) ..

    فأقول : وما ينقاض الربوبية أعظم مما يناقض الألوهية !! فلماذا تتناقض ولا تكفّر ابن تيمية ومن سلك مسلكه في الشاك ببعض ربوبية الله تعالى ، كالشاك في قدرته وعلمه ؟

    فإن قلت إنك تعذر العاذر للشاك في بعض ربوبية الله تعالى (وهي أعظم من الألوهية) .. فقد وقعت في تناقض أشفق عليك منه .

    -----------

    ويعود الرجل إلى تخبطه ويُظهر عدم استيعابه لأقوال العلماء بله قولي ، فقال :
    فمسألة حكم عبادة غير الله هل تخرج من الملة أم لا وحكم من لم يكفر المشركين ويتبرأ منهم هذا لا يرجع إلى تصورات كل أحد إنما يرجع إلى حكم الشرع فمن حكم الشرع بأنه لا يعذر فإنه لا يقال بأنه معذور حتى لو كان يعتقد أنه معذور أو أنه ما فعله ليس بشرك أكبر إنما هو أصغر فإن كان قوله هذا لا يعذر فيه في شرع الله لا نقول نحن هو معذور من عند أنفسنا وإذا كان معذور في شرع الله لا نقول هو غير معذور مع أن نصوص الشرع تعذره إذا كان جاهلا أو متأولا.
    لماذا يتغافل هذا الرجل عن الحقيقة الجليّة وهي أن هؤلاء العلماء يعتقدون جازمين أن من عبد غير الله فهو مشرك كافر ؟ .. فهم مؤمنون بالحكم الشرعي وجازمين به قاطعين !

    ولماذا يتغافل كذلك أن حكم من لا يكفّر المشركين (بمعنى أنه لا يرى شركهم كفراً) إنما هو بنفس معنى من لا يعتقد أن عبادة غير الله كفر ؟

    وقد بينّا حكم تصنيف الناس بفعلهم وملّتهم ، بما يعني الحكم على الفعل ، إذ صاحب الفعل فاعل ..

    فصاحب الكفر كافر ، ولكنه في شريعة الله لا يسمى كافراً إن كان معذوراً .. وهكذا .

    فهذه أمور ثابتة مقطوعة بها عند جميع المسلمين ، صغيرهم وكبيرهم .. والخطأ إنما هو في تحقيق المناط ، لا أكثر ولا أقل .

    وأما قوله في العذر ، فهذا صحيح ، ولا أدري ما وجه إدراج هذه المسألة هنا .. ولكنني أقول :

    دعك من صاحب الفعل الشركي ، فإنه ليس محل جدالنا .. إنما جدالنا في من يعتقد أن الله يعذره ، وعنده الدليل الشرعي في ذلك .

    فأنت تقول : (( فإن كان قوله هذا لا يعذر فيه في شرع الله لا نقول نحن هو معذور من عند أنفسنا وإذا كان معذور في شرع الله لا نقول هو غير معذور مع أن نصوص الشرع تعذره إذا كان جاهلا أو متأولا ))

    فمن الجيّد أنك تُقرّ أن الأعذار الشرعية مستقاها شريعة الله تعالى لا غير ، ولا شأن للعقل بها .. فما شرعه الله هو الحق ، وما سواه الباطل ..

    فالأعذار الشرعية عندئذ تكون من باب الاجتهادات .. فمن أثبت عذراً شرعياً بالدليل الشرعي ، وإن كنت تراه متناقضاً ، وهو لا يرى نفسه متناقضاً ، فبأي وجه نكفره وهو يتبع دليلاً شرعياً من كتاب الله وسنة رسوله ؟

    ثم ألا تعدو المسألة بذلك مسألة فقهية يصح فيها الاجتهاد والتأويل ؟

    ثم قال :
    فالأحكام الشرعية لا تتعلق بتصورات واعتقادات المكلفين إنما تتعلق بأحكام الشرع وتنزل أحكام الشرع على تصورات واعتقادات المكلفين فمن أخطأ في تصوره واعتقاده فإن كان خطأه مما يعذر فيه لا يحكم بكفره وإن كان خطأه مما لا يعذر فيه يحكم بكفره حتى لو ظن أنه على حق أو ظن أنه معذور لأنه في شرع الله غير معذور.
    هذا صحيح ، ولا غبار عليه .

    ثم قال :
    فالمسلم الذي تصور حقيقة الشرك وعلم أنه يناقض الإسلام إذا علم حقيقة صورة معينة على ما هي عليه وأقر بأنه تصورها جيدا كما بين له وكانت من الشرك الأكبر فإنه لا بد أن يشعر بأن هذا الفعل يناقض حقيقة الإسلام الذي يعرفه, لأن حقيقة هذه الصورة تنطبق على ما يعتقده ويؤمن بأنه من حقيقة الشرك. فمثل هذا لا يقال بأنه يعرف حقيقة الشرك إذا قال بأن هذا الفعل ليس بشرك أكبر, لكن الخطأ يقع إما بعد تصوره حقيقة الشرك ومثل هذا لا يكون مسلما, أو بعد تصور حقيقة الصورة جيدا, والحكم على الشيء فرع عن تصوره, فإذا لم يتصورها جيدا وظن أنها من الشرك الأصغر فهذا لا يكفر حتى تقام عليه الحجة لكن لو تصورها جيدا وقال إنه شرك أصغر فهذا قوله ينقض معرفته بحقيقة الشرك وحقيقة ما يناقضه من الإسلام.
    وهكذا الحال في جميع الأحكام الشرعية .. فلا حاجة لكل هذه السفسطة الزائدة .

    فمن عرف أن أمراً ما لا يجوز شرعاً ، وتصور المسألة جيداً حتى تيقّن منها ، ثم قال : هو جائز .. فهذا كافر .
    ومن عرف أن فعلاً ما جائز شرعاً ، وتصور المسألة جيداً حتى تيقن منها ، ثم قال : هو حرام .. فهذا كافر .

    وهكذا في جميع المسائل الشرعية .. من تحقق من شيء ثم قال بخلافه ، فهو كافر .

    قال ابن حزم - رحمه الله - في [الفصل : 1 / 390] :
    قال أبو محمد : ونحن نختصرها هنا - إن شاء الله تعالى - ، ونوضح كل ما أطلنا فيه . قال - تعالى - : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً } ، وقال - تعالى - : { لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ } ، وقال - تعالى - : { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } . فهذه الآيات فيها بيان جميع هذا الباب ، فصح أنه لا يكفر أحد حتى يبلغه أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإن بلغه فلم يؤمن به فهو كافر ، فإن آمن به ثم اعتقد ما شاء الله أن يعتقده في نحلة أو فتيا ، أو عمل ما شاء الله - تعالى - أن يعمله دون أن يبلغه في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم بخلاف ما اعتقد أو قال أو عمل ، فلا شيء عليه أصلاً ، حتى يبلغه . فإن بلغه وصح عنه ، فإن خالفه مجتهداً فيما لم يبين له وجه الحق في ذلك فهو مخطئ معذور ، مأجور مرة واحدة ، كما قال - عليه السلام - : ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر ) . وكل معتقد أو قائل أو عامل فهو حاكم في ذلك الشيء ، وإن خالفه بعمله ، معانداً للحق ، معتقداً بخلاف ما عمل به ، فهو مؤمن فاسق . وإن خالفه معانداً بقوله أو قلبه ، فهو كافر مشرك ، سواء ذلك في المعتقدات أو الفتيا ، للنصوص التي أوردنا ، وهو قول اسحق بن راهوية وغيره ، وبه نقول . وبالله تعالى التوفيق
    يتبع إن شاء الله

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    800

    افتراضي رد: نقض كتاب أبي مريم : " شبهات المشككين في أن الإسلام لا يصح إلا بالبراءة من المشركي

    وتكلم كلاماً نقضه مُضمّن في المشاركات السابقة ، ولكن آتي عليه سريعاً :

    قال :
    فلا يشترط في تكفير من لم يكفر المشركين أنه يعتقد أنه مشرك خارج من الإسلام, بل متى ما اعتقد أنه يعبد غير الله ولا يتبرأ من الشرك ومع ذلك يحكم بإسلامه فهذا لم يعرف حقيقة لا إله إلا الله. لأنه لو يعرف حقيقة لا إله إلا الله وأن من حقق الشرك لا يكون مسلما, فالكلام هنا على تحقق إرادة عبادة غير الله, فلو كان يعلم حقيقة الإسلام ويقر بأنه مريد للشرك فاعل له فلا بد أن يعتقد أنه عابد لغير الله وكل من كان عابدا لغير الله بإجماع من يعرف حقيقة الإسلام لا يكون عابدا لله, لأن العابد لله تعالى هو الذي يعبد الله ولا يعبد غيره. أما مسألة هل هو جاهل أو متأول فهذا لا تأثير له في الحكم إنما هو سبب لوقوعه في الشرك ولكن حقيقة الشرك موجودة ومتى ما وجدت حقيقة الشرك انتفى الإسلام.
    هو يتكلم الآن عن حكم المُعيّن من الواقعين في الشرك الأكبر ، ما خطؤه يكمن في تحقيق المناط وليس في مخالفة أصل الحكم الشرعي .

    أما حقيقة الإسلام فعرفناها .. وأما من يحكم بإسلام الواقع في الشرك ، ويعذره بالجهل ، فليس لأنه يجهل أن الشرك ناقض للإسلام ، بل هو يعتقد ذلك ويجزم به .. بل يجهل أن الجهل ليس عذراً ، وهو يظن أن الجهل عذر جعله الله تعالى في حقّ من وحّد الله بالجملة ، وأراد الحقّ فأخطأه .

    فالمسألة هنا ليست كونه لا يعرف معنى التوحيد أو غير ذلك ، بل هو يعرفه حقّ المعرفة ، لذلك يقول (كحكم شرعي عام) : إن من وقع في الشرك الأكبر فهو كافر خارج من الإسلام ، إن تحققت فيه الشروط وانتفت فيه الموانع .

    فالخطأ ليس في الحكم الشرعي ، إنما هو في تحقيق المناط ..

    وقال :
    ويلزمهم كذلك أن من حكم بإسلام اليهودي والنصراني إذا ظن أن اليهودي والنصراني متأول أو جاهل أنه يُحكم بإسلامه, لأنه يعتقد أن اليهودي والنصراني لا يكون كافرا حتى تقام عليه الحجة. فهذه المسألة من جنس مسألة من يعتقد أن من يقع في الشرك إلا أنه متأول أو جاهل فلا يكفر, فيلزمهم كذلك أن من اعتقد أن من انتسب لدين غير الإسلام متأولا أو جاهلا لا يكفر إلا بعد قيام الحجة, وقبل قيام الحجة يكون مسلما, ويعتقد أن الانتساب لدين غير دين الإسلام ناقض مثله مثل غيره من النواقض فيعتقد أن النصراني واليهودي ارتكب ناقضا من نواقض الإسلام ولكن لا يكفر إلا بعد قيام الحجة ولا يقول أنه كافر إلا بعد قيام الحجة فهل يعذر مثل هذا عندك أم لا؟
    أنت بنفسك تعتقد بإسلام اليهودي الذي لم يبلغه رسالة عيسى - عليه السلام - ورسالة النبي ، وما زال على دينه المنسوخ .. فلماذا تعذره بالجهل ؟ .. هل نقول عنك كافر ؟

    فلو ظنّ رجل أن هذا اليهودي أو النصراني من جنس أهل الفترات ، وهم على دينهم القديم المنسوخ ، فهذا لا أكفّره .

    قال الشيخ أبو بطين - رحمه الله تعالى - : ( وقد أجمع المسلمون : على كُفر من لم يُكفر اليهود والنصارى ، أو شك في كُفرهم ، ونحنُ نتيقن أن أكثرهم جُهال ) [الدرر السنية : 12 / 69]

    وقال الشيخ سليمان بن سحمان - رحمه الله - : ( فلا يُعذر أحد في عدم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، فلا عُذر له بعد ذلك بالجهل ، وقد أخبر الله - سبحانه - بجهل كثير من الكُفار مع تصريحه بِكفرهم ، ووصف النصارى بالجهل مع أنه لا يشك مُسلم في كفرهم ، ونقطع أن أكثر اليهود والنصارى اليوم جُهَّال مقلدون ، ونعتقد كُفرهم ، وكفر من شك في كُفرهم . وقد دلَّ القرآن على أن الشك في أصول الدين كُفر … ولا عُذر لمن كان حاله هكذا لكونه لم يفهم حُجج الله وبيناته ، لأنه لا عذر له بعد بُلوغها وإن لم يفهمها ) [كشف الشبهتين : 92]

    فالعلماء مجمعون على تكفير اليهود والنصارى ، وكفر من لا يكفّرهم .. فهل أبو مريم داخل في الذين لا يُكفّرون اليهود والنصارى ؟ .. أم يُقال إن من يعتقد كفر اليهود والنصارى (بمعنى يعتقد أن دينهم المنسوخ كفر) ، ثم هو التبس عليه حال بعضهم ، فأعذرهم بجهل كجهل أهل الفترات ، وحكم عليهم بالإسلام العام ، فهذا كافر ؟

    ثم قال :
    فإن قال يعذر إذاً لا فرق بين المنتسب للإسلام من غيره في هذه المسألة فلا وجه لذكر غير المنتسب للإسلام. فيكون من يحكم على اليهودي والنصراني بأنه مسلم متأولا أو جاهلا لا يكفر. ويلزم كذلك حتى اليهودي والنصراني معذور إذا كان متأولا أو جاهلا لأنه يظن أنه على الحق وأنه يرضي الله بانتسابه لغير دين الإسلام فهو وقع في ناقض من نواقض الإسلام متأولا أو جاهلا ومن وقع في ناقض من نواقض الإسلام يلزمكم أنه معذور فأنتم تقرون أن الإسلام لا يتحقق إلا بالبراءة ممن عبد غير الله وتكفيرِه, ولا تعذورنه بالجهل ومع ذلك تعذرون من حكم بإسلام من عبد غير الله جاهلا أو متأولا مع وجود حقيقة الشرك, والحكم بإسلام المشركين واليهود والنصارى ناقض والوقوع في الشرك ناقض وسب الله ناقض! فلِمَ فرقت بين ناقض وناقض؟ فمن انتسب إلى دين اليهودية والنصرانية تأولا أو جهلا لا يعذر عندهم, بينما من لم يكفر المشركين الذين يعبدون غير الله معذور بجهله أو تأوله مع إقراره بأنه يعبد غير الله, فالناقض هو ما لا يتحقق الإسلام بوجوده, فالشرك ناقض بإجماع المسلمين فإذا وجد الشرك انتقض الإسلام, كذلك من لم يكفر المشركين ويتبرأ منهم مع علمه بأنهم يقعون في الشرك ولا يتبرؤون منه ناقض من نواقض الإسلام ومع ذلك يعذر من تأول أو جهل إذا لم يحكم على المشركين بأنهم نقضوا حقيقة الإسلام.
    حيث إن الرجوع إلى الحق فضيلة ، فأنا أُقرّ هنا بخطأي في التفريق بين المنتسب إلى الإسلام الواقع في الشرك الأكبر ، وبين اليهود والنصارى .. وكلام أبي مريم في المنع من التفريق أراه هو الحق .

    فعليه أقول .. من رأى كفر اليهود والنصارى عموماً ، ولكنه أخطأ في تنـزيل حكم الكفر على أعيانهم ، فإنه لا يكفر إن كان متأولاً ..

    وما نوع التأويل ؟

    كأن يعتقد أن هذا اليهودي أو النصراني جاهل بحقيقة رسالة النبي ، وجهله كجهل أهل الفترات ، وهو ما زال على دينه المنسوخ ، فحكم عليه بالإسلام العام .

    أو يعتقد أن هذا اليهودي أو النصراني لم يبلغ الحلم بعد .. وقد رُفع القلم عن الصبيّ حتى يبلغ .

    فهذه أحكام متعلقها الأعيان ، مع إقراره بأن دينهم الذي هم عليه كفر بعد نسخه .

    أما قوله :
    فهذا الرجل يعتقد أن من لم يكفر من عبد غير الله وهو يعلم أنه يعبد غير الله لا يعرف حقيقة التوحيد ولا يعذر بجهله لكنه عند التنزيل يقول بأنهم يعتقدون أن من عبد غير الله جاهلا أو متأولا لا يكفر, فهذا الذي لا يكفر المشركين إما جاهل أو متأول, وأنت لا تعذر الجاهل ولا المتأول, فيلزمك أن لا تعذر هذا الذي لا يكفر المشركين لأنك لا تعذر لا بالجهل وبالتأويل في مسألة من لم يكفر من يعبد غير الله.
    بيّنت هذا ووضحته بما يُغني عن الإعادة .. وبيّنت الفرق بين المناط وتحقيق المناط .. فمن لا يُكفّر المشركين (بمعنى لا يرى شركهم كفراً) فهو كافر ولا ريب .. لأنه ردّ الحكم الشرعي الواضح البيّن . ومن أخطأ في ضبط الشروط والموانع ، فزاد شرطاً أو مانعاً ، مع إقراره أن الفعل كفر أو شرك ، فهذا لا يكفر حتى يتبيّن له الدليل وتنقطع عنه الحجة .

    يتبع إن شاء الله

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    800

    افتراضي رد: نقض كتاب أبي مريم : " شبهات المشككين في أن الإسلام لا يصح إلا بالبراءة من المشركي

    ثم ذكر كلاماً يفضح شدة جهله ، والله المستعان .

    قال مُنكراً عليّ :
    بطلان القول بأن العذر بالإكراه لا يقبله العقل ومع ذلك ثبت شرعا وقول شيخ الإسلام في ذلك
    قال المخالف: بسم الله الرحمن الرحيم ،سيكون هذا - بإذن الله - فصلاً جديداً في كتابي "نقض معتقد الخوارج الجدد" في نسخته الثانية ، إن شاء الله.. وأظنه فصلاً هاماً في هذه القضية ، حتى نزيل الإشكال الذي يعتري الأذهان. وحيث إننا قد سبق وتكلمنا أن موانع التكفير الشرعية لا تؤخذ إلا بالنص.. لا بالعقل المجرّد.. لذلك فإن ما يستنكره العقل قد يقبله هؤلاء لأنهم متبعون للدليل الشرعي... وحيث إننا قلنا إن الإكراه كمانع من موانع التكفير عذر لا يقبله العقل.. إذ أن فيه أن المرء يكفر لسلامة دنياه.. ولكن النص الشرعي جاء على أنه مانع.. فحيث لم يقبله العقل ، قبله صاحب الدليل... لذلك قلنا.. كما أن الإكراه ثبت عذراً بالدليل وليس بالعقل.. فكذلك هؤلاء يقولون في الجهل كعذر من الأعذار الشرعية...).

    قال أبو مريم: لا زلنا ننتقل في جهالات هذا الرجل. يقول إن العذر بالإكراه لا يقبله العقل, وهذا لا يلزم أن الشرع جاء بما يناقض العقل. وهذا قول باطل ولا شك. فإن كل ما جاء به الشرع فإنه يوافق العقل ولا يناقضه.
    أولاً .. هذا الرجل يتهرب من مسألة جوهرية كانت سبباً في ذكري للعقل هنا .. وهي : أنه إن رأى أن العذر بالجهل لا يستقيم عقلاً في الواقع في الشرك الأكبر ، فإنّ هؤلاء يستقيم عندهم نقلاً وشرعاً .. حتى وإن لم يفهموا العلّة والحكمة فيه ..

    فعلى أي شيء يكفّرهم ؟؟ .. هل مناقضة الأقوال للعقل كفر عنده ؟

    ومسألة معرفة الحكمة من وراء الأحكام الشرعية غير مطالب بها المسلم عموماً ، بل إنه مُطالب بالتسليم لأمر الله تعالى وحكمه .

    قال الله تعالى : { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } [النساء : 65]

    وقال تعالى : { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [النور : 51]

    فالتسليم لله تعالى هو بإنفاذ أمره دون مُسائلة ، وإن لم يفهمه العقل ويكشف الحكمة من ورائه .. وهذا في جميع مسائل الأوامر الشرعية .

    ألا ترى أن نوحاً - عليه السلام - قال : { وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (*) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (*) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ } [هود : 45-47]

    فهو لم يفهم الحكمة من وراء هلاك ابنه ، ومع ذلك سلّم أمره لله تعالى .

    وكذلك حال موسى - عليه السلام - مع الخضر ..

    وكذلك قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في الحجر الأسود : (( إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ،‏ ‏ولولا أني رأيت النبي ‏- ‏صلى الله عليه وسلم ‏- ‏يقبلك ما قبلتك ‏)) .

    قال ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في [فتح الباري : 3/463]:
    وفي قول عمر هذا التسليم للشارع في أمور الدين ، وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها ، وهو قاعدة عظيمة في اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يفعله ، ولو لم يعلم الحكمة فيه
    فعقول البشر قاصرة ، تعجز عن فهم الحكمة من جميع الأوامر الشرعية ، وما أمرنا به هو الانقياد والتسليم .

    فأما عُذر الإكراه ، فمن ناحية نسبة الأمر إلى الله تعالى ، فهو مقبول عقلاً ، فإن الله - تعالى - هو الآمر الناهي ، يأمر بما يشاء ، وينهى عمّا يشاء ، وإن لم نفهم الحكمة من وراء هذا الأمر .. وإن كُنّا نقول إن هذا من عظيم رحمة الله تعالى بهذه الأمة ، تجاوز عنهم في مسألة الإكراه .

    أما الإكراه في نفس الأمر ، وقياسه على ما ثبت من مقررات نقلية وعقلية ، فإن عقول البشر القاصرة لا تقبله ولا تفهمه ، حيث إنّ فيه إيثاراً للدنيا على الإيمان .. فيفعل الكفر ليحفظ دنياه ..

    ولكن نقول إن الله رحيم بعباده ، وهو يأمر بما يشاء ، والدين دينه يشرّع فيه ما شاء ، قد جعل الإكراه عُذراً ، ونحن جعلناه عُذراً تسليماً لأمر الله تعالى وحكمته .. فبهذه النسبة ، أي نسبة الشرع والأمر إلى الله ، فهذا مقبول عقلاً .. وبالنسبة لفهم الحكمة ، فأكثر العقول تعجز عن ذلك .. وكلام ابن تيمية - رحمه الله - الذي نقله هذا الرجل هو بهذا المعنى ..

    ألا ترى أن عقول البشر قاصرة عن فهم كيفية استواء الله على عرشه ؟ ولكن عقولهم تتقبل أن الله تعالى يفعل ما يشاء ، وهو قادر على كل شيء ، وأنه إن وصف نفسه بشيء فهو حقّ ، وجب التسليم به .

    فبالنسبة لكون الله تعالى قادر ، ويفعل ما يشاء ، وأنه وصف بذلك نفسه ، هذا أمر تتقبله العقول .. وبنسبة الكيف والهيئة ، هذا أمر تعجز عنه العقول .

    فمن جعل الجهل عُذراً في مقترف الكفر الأكبر ، فإنه يأخذ المسألة بهذا المعنى .. أنها ثبتت بالشرع وبالدليل ، مع عدم إمكان العقل فهم كونه عذراً في نفس الأمر .

    ثم يقول :
    فمن يظن أن في شرع الله ما لا يقبله العقل فهذا من أجهل الناس بشرع الله ولكن قد يكون بعضهم عندهم تناقض بين الشرع والعقل وهذا التناقض لا وجود له إلا بذهن هذا الرجل أما من جهة الحقيقة فإنه لم يصل إلى الآن إلى إدراك أن المنقول يوافق المعقول ولا يخالفه وهذا الأمر هو الذي وقع فيه هذا الرجل فإنه لم يتصور حقيقة الإكراه وما هو مكان الإكراه هل هو التذلل والخضوع لله تعالى أو الفعل الظاهر الذي لا يدل على وجود التذلل والخضوع.
    هذا من فرط جهل الرجل ، والله المستعان .

    فإن من أخذ المسألة بهذا المعنى ، فصل الظاهر عن الباطن ، وقال : إن الكُفر الظاهر لا يستلزم الكفر الباطن ، فإن الرجل له أن يكفر بالله كما يشاء ، مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان .. كما قالت الجهمية .

    ومما ينقض كلامه أيضاً أن يُقال : فلماذا لم يجعل الله الضرورة كذلك صُنو الإكراه ؟ .. ولماذا لم يجعل الحاجة صُنو الإكراه ، ما دام أن الأمر كله مرتبط بالظاهر فقط ، والباطن مطمئن بالإيمان ؟

    أليس كل هؤلاء فعلوا الكفر ليحفظوا دُنياهم ؟؟ .. أليست علّة الكفر واحدة في جميع هذه الحالات ، وهي حفظ الدنيا ؟ .. فلماذا عذر الله في الإكراه ولم يعذر في غيره ؟

    بل أبلغ من ذلك أن يُقال : لماذا جعل الله تعالى الإكراه في أمة محمد ولم يجعلها في باقي الأمم ؟

    فكل هذا يُوجب علينا التسليم لأمر الله تعالى ، وإن لم تستوعبه عقولنا ، ولم نعرف الحكمة من ورائه .. وبمثل هذا جعل بعض العلماء الجهل عذراً .

    يتبع إن شاء الله

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    725

    افتراضي رد: نقض كتاب أبي مريم : " شبهات المشككين في أن الإسلام لا يصح إلا بالبراءة من المشركي

    أبو شعيب بارك الله فيك على هذا المجهود الطيب .

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •