السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إلى الذين أكلوا بدماء الفلسطينيين حتي تَخِموا ثم خذلوهم

أخرج أبو داود وأحمد بسند صحيح عن المُستورد بن شدَّاد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال" من أكل برجلٍ مسلم أَكلةً فإن الله يطعمه مثلها في جهنم، ومن كُسي ثوبا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله من جهنم، ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سُمعةٍ ورياء يوم القيامة"

رذائل ثلاث اجتمعت في حق كل من ولي بحق الدفاع عن أعراض المسلمين وظيفة ثم خانها، واستحل ما يأتيه من مال أو دنيا على هذه الخيانة،وكذا من يطيع بحكم عمله سادته ورؤساءه في حصار ومحاصرة والتضييق على المجاهدين وتخذيلهم طمعا في علاوة وحرصا على دنيا هي عن قريب زائلة (وفي الاخرة) بعد الخزي في الدنيا( عذاب شديد).

فإذا كانت الأكلة والكساء تعني كل راتب وعلاوة ودرجة مالية؛ فإن التسميع والرياء يعني ماتقوم به آلة الإعلام الكاذبة الخادعة نحو المجاهدين وأحكامهم وحقوقهم وحرماتهم.

أخرج أبو داود والطبراني بإسناد حسن عن جابر وأبي طلحة النصاري رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما من امرئ يخذُلُ مسلما في موطن يُنتقصُ فيه من عِرضه ،ويُنتهكُ فيه من حُرمته إلا خَذله الله في موطن يُحبُّ فيه نُصرته، وما من امرئ ينصر مسلما في موطن يُنْتقصُ فيه من عرضه،وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يُحبُّ فيه نُصرته"

إن هذه الصورة من صور التخذيل وإن كانت أقبحها فهي كبيرة من الكبائر لا يقبل الله معها عذرا، ولايقيم لأهلها وزنا، لا يقبل منهم صرفا ولا عدلا، يقول الحافظ ابن حجر: من الكبائر ترك الجهاد عند تعينه بأن دخل الحربيون دار الإسلام أو اخذوا مسلما، وترك الناس الجهاد من أصله، وترك اهل الإقليم تحصين ثغورهم بحيث يُخافث عليها من استيلاء الكفار بسبب ترك ذلك التحصين.

قال العلماء: والتخلف عن الجهاد هو أن يتقاعس المسلم ويتأخر عن استفراغ وُسعه في مدافعة العدو من الكفار والمشركين، الأمر الذي يفضح الله به حقيقة صاحبه ويجمع به عليه عذاب الدنيا والآخرة.

أخرج أحمد والطبراني عن سهل بن حنيف رضي الله عنه أنه قال " من أُذِلَّ عِنده مؤمنٌ فلم ينصُرْْه وهو قادر على أن يَنصُرَهُ أذلَّه الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم القيامة"

وفي الصحيح للبخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ رجالا من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلَّفوا عنه، وفرِحوا بمقعدهم خِلاف رسول الله، فإذا قدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه، وحلفوا، وأحبوا أن يُحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (آل عمران: 188)، إنه نموذج من نماذج البشرية يقتات الجبن والادعاء دائما، يتوعده الله جل جلاله، الله مالك السموات والأرض، القادر على كل شيء بالهلاك والخزي بعد الدمار، فأين المفازة له.

إن هذه الأمة يغسل الله عارها اليوم بدماء شهدائها، فلا تلوثوا أنفسكم بانصرافكم عن متابعة أخباره وأخبار أهله إلى متابعة الرخيص من مناكر الأقوال والأفعال فتُحرَموا شرف التطهر به .

يقول الحق جل جلاله :

(فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً) (النساء:84).

قاتل في سبيل الله إذا تعينت المقاتلة سبيلا لأداء الحق، والدفاع عن الحرمات، قاتل ولو كنت وحدك، فليس عليك إلا نفسك، قاتل وحرِّض المؤمنين،والتحر يض هو الحثٌّ والإحماء، والتحريض فريضة كفريضة القتال سواء بسواء،لايؤتي أُكَلَه إذا كان القلب بالفنون الهابطة وأمثالها من المحرمات فاسدا.

وإذا كان لكل فريضة شروط لا تصح بدونها، وأركان لا تتحقق إلا باستيفائها، فإن من شروط سلامة سلاح التحريض -وهو ليس بالأمر الهيِّن إذا صدقت عنده وله العزائم، وهي كلها ممكنة لكل غيور-، مخاصمة معالم العبث، و اللهو، وأنديتها، وقنواتها، ومجالسها، واصحابها، فإن ذلك كله مما يتَوَسَّلُ به عدوُّنا للنفاذ به إلى قلوبنا، مع غيره من المعاصي والمخالفات من مثل تحليل الحرام، وتجريم أداء الواجبات، وتحريم الحلال، ومن ثم تصرف الهمم عن معالي الأمور بسفسافها وقبائحها،واستبا حة المحرمات، فإن الرجاء في الله لا يستقيم مع المحادة له، والانصراف عنه، والانشغال بما يفسد القلوب ويسكر العقول، ويعطل المواهب، ويلغي معالم الشريعة الحقة، وبذلك تستحق الأمة كلها ما لايليق إلا بعدوها من ضربها بالذل والهوان.

أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي اله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا تبايعتم بالعينة،وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذُلا لاينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم"

والعيْنةُ نوعٌ من أنواع الاحتيال على إباحة الربا، بأن يبيع شيئا من غيره بثمن مؤجل، ويسلمه إلى المشتري، ثن يشتريه قبل قبض الثمن بثمن أقل من ذلك القدر يدفعه نقدا، ويبقى الباقي على المشتري الأول في الذمة. وهو أقل قبحا مما يدعو إليه الآن وفي هذا الظرف أحد المتفيهقين من إباحة فوائد وربا البنوك بعد أن قال بتحريمها من قبل، وفي هذا الوقت! وبعد أن خرص هو ومن معه عن الحيث عن حق المستضعفين في غزة إلا من عبارة أتت منه على استحياء لاتقدم ولا تؤخر منه لامن شيخه، وبعد أن أن هُتِك سترُ الفائدة، ولم يعد يخفى على أحد ما جرَّتْه على العالمين من ويلات وكوارث ياتي المتفيهق ليقول بتحليل خبيثها.

إن الشيخ وشيخه لايغيب عنهما حقيقة المعركة، فالمعركة ليست معركة أسلحة وخيل ورجال وعدة وعتاد، وتدبيرحربي فحسب، بل إنها معركة تشمل الأحكام والقوانين، وتدور رحاها في القلب والضمير مع الأوضاع التنظيمية، والسياسات التعليمية، والعسكرية، والاقتصادية، ولأمر ما لم يخف على الشيخين جعلَ الله حديثه عن الربا يأتي عقب حديثه عن فضله على المسلمين في معركة بدر في سورة آل عمران، لأن النصر لايأتي على أمة لاتُحَرِّم ما حرَّم الله، (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) .وهذا هو حديث الله عن الربا لا حديث المتفيهق.

(إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ* بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ *وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ* لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ* لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ* وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) آل عمران الآيات 124: 2 .13

ولهذا لم يكن غريبا أن يأتي الشيخ الآن والأمة كلها في حالة هذا الزحف الشرعي الذي يُفرض فيه الصمت عن كل حديث غير الحديث عن الجهاد ودواعيه فإذا به يسعى في غضب الله بتحليل ماحرَّم الله، ويدعَ الحديث عن فريضة الجهاد لأن شيخه إلى الآن لايزال يجهل أن غزة محاصرة!!!.

خرج الطبراني بإسناد حسن عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" ما ترك قوم الجهاد إلا ذلُّوا"

كماأخرج أبو داود بإسناد حسن عن أبي امامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال" من لم يغزُ،أو يجهِّز غازيا،أو يخلُف غازيا في أهله بخيرً أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة"، وما أكثر القوارع الفاضحات التي نزلت ولا تزال تنزل في الأهل، والشرف، والمال، وقد لُوِّثت بها عرصات المحاكم وموجات الأثير.

وقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" من مات ولم يغز، ولم يُحدِّث به نفسه مات على شعبة من شعب النفاق"

إن استنهاض الهمم، واستجاشة العزائم للجهاد فريضة من الله تعالى على كل مسلم، لا يعذر فيها أحد، لأن كلفتها غير شاقة، ونتائجها إن شاء الله ليست بالضعيفة، فالمؤمنون به أكفاء لعدو الله وعدوهم، لأن أعداءهم قوم لا يفقهون (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) (لأنفال:65) ،فالفئة المؤمنة هي التي تفقه، تفقه الحقائق، وتدرك معنى الإيمان، فتستعلي به، وتخِفَّ له، وتدعوا ولو بدمائها وأشلائها إليه، وتثق في موعود الله تعالى لها( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (غافر:51)

ومن هذا الفقه يأتي رعاية حقِّ التحريض، والإعداد المناسب له، ومطاردة مفسداته من الركون إلى مواطن العبث، والإخلاد إلى أسباب الدعة،تلك المفسدات التي يزينها شياطين الساسة، ويروجها أبالسة المتفيهقين، فينتج عن ذلك شرُّأنواع العبوديات، عبودية القلب لمطالب الهوى وجنوده،فيضيع بذلك الرجاء في الله، لأن الذنوب والسيئات تضر الإنسان أعظم مما تضره السموم- [ مجموع الفتاوى 8/ 348].

إن الحرية هي حرية القلب من سلطان الأهواء، وغلبة الذنوب، وقهر المطامع الرخيصة،وذل المناصب والألقاب التي أتتهم بغير رصيد.

يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه:

أَمَتُّ مطامعي فأرحتُ نفسي فإن النفس ما طمعت تهون

والقلب المشغول بالمعاصي قلب مسترق،لا تدعه المعاصي وحيدا بغير أن تشغله بأخواتها،وتحبب إليه الفجور الذي فيه هلاكه وضياعه وضياع من معه.

يقول الإمام ابن القيم: تزوجت الحقيقة الكافرة بالبدعة الفاجرة فتولد منهما خسران الدنيا والآخرة..وقال شيخه ابن تيمية "تزوجت بدعة الأقوال ببدعة الأفعال، فاشتغل الزوجان بالعرس، فلم يفجأ المسلمين إلا أولاد الزنا يعيثون في بلاد الإسلام، تضج منهم البلاد والعباد" [مدارج السالكين 1/175].

ومن هذا المنبت الخبيث تأتي الثعالب وتتوالد الخفافيش، الخفافيش التي يقتلها دائما النور، ويُحييها الظلام، فلا تفتأ تتخابث وتمكر، استكبارا في الأرض، وعبثا بالحق، واستمتاعا برضاب الآثمين، ومثلها إن مُكِّن لها- ولا يكون إلا عن غفلة من الأمة وتقصير- لا يخرج منها إلا الرخيص من الأفعال، والساقط من منكر الأقوال وزورها، مما يُفسد على فريضة التحريضِ عملها، ويُبْطِلُ سعي المُحَرِّضين في تحريضهم، فليس يصلح عليها التَلّبُسُ بشيء من مسكرات الفنون، ومخدرات العصبيات التي بالغوا فيها حتى استنبتوا بها في الأمة كل مسترذل ومستقبح، وفضحت به المعالم، وسقطت الأقدار.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه" المنافقون ليس لهم همٌّ إلا أنفُسهم، أجبنُ قومٍ وأَرغبُه، وأخذلُه للحق"

نُعيذ أمتنا بالله أن يكون فيها من يرضى لنفسه بالهوان، "فإن شرَّ الناس من ينصرُ الظلومَ ويخُذلُ المظلوم" فاحتسبوا أنفسكم أيها المسلمون جميعا على الله، لاتحرموا انفسكم شرف الشهادة بطلبها، وأخذ الأهبة لها كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه" فقد قال" كرُم المؤمن تقواه، ودينُه حسَبُه، ومروءتُهُ خُلُقُه، والجبانُ يَفِرُّ عن أمه وأبيه، والجرئ يقاتل عما لايؤوب به إلى رحله، والقتلُ حَتْفٌ من الحُتُوف، والشهيد من احتسب نفسه على الله" .

(فاتقوا الله وأطيعون *وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ *الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ) (الشعراء 150 :152).

صدر عن جبهة علماء الأزهر في السادس من المحرم 1430هـ الموافق 3من يناير 2009م.


المصدر :
http://www.jabhaonline.org/viewpage.php?Id=2135