فتوى لإنقاذ غزة



محمد مختار مصطفى المقرئ




( وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ) (الأنفال : 72)







قد علم من بدهيات الشريعة الغراء أنه لا خلاف في فرضية الجهاد وتعينه إذا داهم العدو بلداً من بلاد المسلمين ، وأن تعين الجهاد عندئذ قد يستغرق المكلفين من المسلمين كافة بحسب الحاجة إليهم في دفع العدو المداهم .



قال الجصاص: (ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو ولم تكن فيهم مقاومة فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم، أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم من المسلمين، وهذا لا خلاف فيه بين الأمة، إذ ليس من قول أحد من المسلمين إباحة القعود عنهم حتى يستبيحوا دماء المسلمين وسبي ذراريهم) الجصاص 3/114.



وقال القرطبي: (إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار، أو بحلوله بالعقر، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافًا وثقالاً، شبابًا وشيوخًا، كل على قدر طاقته، من كان له أب بغير إذنه، ومن لا أب له، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر، فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم و جاورهم أن يخرجوا على حيب ما لزم أهل تلك البلدة، حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم، وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم، وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضًا الخروج إليهم، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم، حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو عليها واحتل بها، سقط الفرض عن الآخرين.



ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضًا الخروج إليه حتى يظهر دين الله وتحمى البيضة، وتحفظ الحوزة، ويخزى العدو ولا خلاف في هذا) القرطبي 8/151.



وهذا النوع من الجهاد هو المعروف عند فقهائنا بـ "جهاد الدفع" [اصطلاحاً] .



هذا من جهة عموم الحكم ، فيما لو داهم العدو الكافر دار إسلام .



أما من جهة نازلة الحال ؛ فإنه لا يختلف ــ أيضاً ــ في فرضية الجهاد اليوم لتحرير بلاد المسلمين المحتلة عربية أو غير عربية ، ولا أحسب أن منتسباً للعلم يماري في ذلك ، أو حتى يتردد في الجزم به ، وهو ما ينطبق على البلد العربي المسلم "فلسطين" .



وبه أفتى عدد من المجامع الفقهية ولجان الفتوى الرسمية ومفتون وعلماء معروفون ، حتى كاد هذا الحكم يكون معلوماً من الدين بالضرورة .



فإن عجز أهل فلسطين عن دفع العدو الغاشم المدعوم من مختلف قوى الكفر والطغيان ــ وهو الواقع المشهود لنا جميعاً ــ وجب على أهل الإسلام كافة أن يهبوا لنصرتهم ، فيجب أولاً على من جاور الأرض المحتلة المداهمة ، كأهل مصر والأردن ولبنان وسوريا ، فإن عجز هؤلاء أو تخاذلوا وجب على الذين يلونهم ، إلى أن يجب على الأمة بأسرها إن احتيح إلى ذلك .



والفتوى التي نناشد أهل العلم أن يصدروها [مجامع ولجان وهيئات للفتوى] ، هي لأجل إغاثة واستنقاذ إخوان لهم في الدين من براثن عدو همجي غاشم ، لا يرقب في مؤمن إلاً ولا ذمة [ وها هي صيحاتهم عبر الأثير تصم الآذان]... و" المسلم أخو المسلم لا يخذله " .. ننشدكم أهل العلم أن تفتونا مأجورين ..



ما حكم من يحول بين المسلمين وبين هذا النفير الواجب ؟ وهل يجوز في دين الله تعالى تبرير الحيلولة دون المسلمين ودون إغاثة إخوانهم بمصلحة مرجوة وإن كانت حقيقية لا موهومة ، أو مفسدة تخشى بلغت ما بلغت ؟



ولو فرض عجز جيوش المسلمين عن التصدي لهذا العدو المتغطرس [ وهذا فرض جدلي بحت ] فهل لهذه الحكومات من عذر في فرض الحصار على أهل غزة ، والحيلولة دون وصول معونات المتطوعين إليهم ، فضلاً عن إمساكهم عن تقديم الدعم اللازم لهم وتزويدهم بكل صور العون والمؤازرة ؟



أفتونا مأجورين ...



ما حكم الحكام والأنظمة والحكومات التي تقيم من حدود بلادنا جداراً عازلاً يحول دوننا ودون إمداد إخواننا بما في مقدورنا ، وهو جدار يوفر لأعدائنا من الأمان ما حرم منه المسلمون في غزة ، ويوفر مجهود عدونا الحربي كي ينفرد بإخواننا دون مناوش؟!



وهل يجب علينا طاعة الحكام في ذلك ، وقد علمنا من نصوص الشارع الحكيم أن الطاعة إنما تكون في المعروف ، وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وأنه لا طاعة لمن عصى الله ، وأن لا طاعة تثبت لولي الأمر أصلاً إذا خرج عن حكم الله وشريعته ؟



أفتونا يرحمكم الله ...



قال تعالى : (وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّه ُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ) (آل عمران : 187) .