( بيان الشيخ / عيسى المبلع حول أحداث غزة وسبل نصرتهم )
الحمد لله رب العالمين . والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم . أما بعد :
فإن من أصول أهل السنة والجماعة وجوب نصرة المؤمنين المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها حسب استطاعتهم . قال تعالى:{ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذيـن آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض ..} وقال { وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهــم ميثاق والله بما تعملون بصيــر }( الأنفال 72 ) وقال تعالى { والذيـن آمنـوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذيـن آووا ونصروا أولئك هم المؤمنـــون حقا لهم مغفرة ورزق كريم } ( الأنفال 74 ) وقال تعالى :{ ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والوالدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هــذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنـا من لدنك نصيــرا } ( النساء 75 ) وقال صـــلى الله عليه وسلم :{ أنصر أخاك ظالما أو مظلوما فقال رجل : يارسول الله أنصره إذا كان مظلوما أفرأيت إن كان ظالما كيف أنصره ؟ فقال : تحجزه أو تمنعه من الظلم ( رواه البخاري ) وقـال صلى اللــــه عليه وسلـــم : المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته, ومـن فرج عن مسـلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة ( رواه البخاري ومسلم ) وقال صـــلى الله عليه وسلم :{ المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله } ( رواه الترمذي ). وهاهي الأمــــــة الإسلامية تتوالــى عليها الـجراح والآلام والهموم قتل وتشريد ونهب للأموال وانتهاك للمقدسـات بل وانتهاك للأعــراض كلما اندمل جـرح انفجر جرح آخر . وأشد من تلك المشاهد والآلام غفلة إخوانهم المسلمين وإعراضهم عنهم, والتماس نصرتهم وتفريـج كربتهم على أيدي أعدائهم, وهـــل يرجى من هيئة الأمم المتحدة أو مجلس الأمن نصرة للمؤمنين وتلك المنظمات وماشاكلهـــــــ ــــا ماأنشئت إلامن أجل إبادة المسلمين و إضعافهم.
كل القرارات التي صــــــــدرت وتعاقبت من هيئة الأمـــــــــــ م
بقيت كما كانت بلا أثــــــــــر لا خففت بؤسي ولا ألمـــــــــي
مفعولها حبر علــــــــــــى ورق ووجودها مازال كالعـــــــــــ ـدم
لم يبق لي حلم بقدرتهـــــــــ ــا عشرون عاما بددت حلمــــــــي
وبعض المسلمين دفعتهم العاطفة والغيرة إلى تصرفات غوغائية من مظاهـــــرات ومهاترات لا تشــبع ولا تغني من جــوع. أيامــا معــدودات ثم تنطفىء غيرتهم. إذاً ماهي سبـــل النصرة الحقيقية لإخواننــــــا المؤمنيــن المستضعفين سواء كانوا في غزة أو غيرها من البــلاد ؟ إن المسئولية والأمانة تختلـف بيــــــن أفراد المجتمــع فالعلماء عليهم واجبان : الأول بيان الحق وسبيل النصـرة الحقيقية بلا مداهنـــــة ولا مراوغة. قال تعالى:{ وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونـه }وقال تعالى: { إن الذين يكتمون مــا أنزلنا من البينات والهدى من بعد مابيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون }( البقرة 159 ) وقال صلى الله عليه وسلم { من سئل عن علم فكتمه ألجم يــوم القيامة بلجام من نار } وقال عبـــادة ابن الصامـــت : بايعنا رسول الله صــــلى الله عليه وسلم علــى السمـع والطاعة وأن نقــول الحــق أينما كنا لانخاف في الله لومة لائم. أما واجبهم الثاني: فهو مناصـــــــحة الحكام والمحكومين وتحفيز نفوسهم وإثارة همتهم وغيرتهم وتثبيتهم وتبشيرهم بالنصر, قال تعالى{ قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئـــة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين }. وقال صلى الله عليه وسلم { الدين النصيحة قلنا لمن يارسول الله, قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. أما واجب الحكام والسلاطين نحو نصـــرة إخوانهـــم فيتلخص فيمــا يــلي:أولا: بتطبيـــق الشريعة في البلاد التي لا تحكم بها. وكذا تكميل الشريعــــة والمحافظة عليها وسد الخلل الناشئ بهـا والتقصير في البلاد التي تطبق الشريعة. فلا نصرة لمن لا ينصـر الله ويطبق شرعه كما قال تعالى{ ياأيهـا الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } .
ثانيا: السعي في توحيد كلمة حكام المسلمين وشعوبهم وتوحيد صفوفهم وإزالة الخلاف والشقاق بينهـــم ولن تتوحد كلمة المسلمين إلا بتوحيد الله قال تعالى:{ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص}وقال تعالى{ ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}. ثالثا : وقوف الحكام مواقــــــــف سياسيــة قوية تعبر عن رغبة الشعوب وتبين موقف الإسلام الحقيقي تهز الدول الكبرى وتردع الـــدول المتغطرسة أما مجرد الشجب والاستنكارات والمؤتمرات فقد ملتها الشعوب وسئمتها. رابعـــــا: المقاطعة الاقتصاديــــــ ـة للدول المشجعة على البغي والعدوان والمناصرة له كما فعل الصحابي الجليـــل ثمامة بن أثـال وكما فعلهــا الملك فيصل رحمه الله.
خامسا: الإعداد العسكري وتهيئة الأمة للجهاد والدفاع عن المؤمنين والمستضعفين كما قال تعــــــــالى: { واعدوا لهم مااستطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم }. سادسا: دعـــــــــم المستضعفيـن ماديا وطبيا ومعنويا.
سابعاً: الاعتزاز بالإسلام ورفع الرؤوس لا طأطأتها أمام الأعداء فهاهي الشعوب الإسلامية بل وغير الإسلامية المظلومة قد ابتهجــــت وسرت لـــحذاء صحفي رمي في وجه زعيم النصرانية والإرهاب وقد اكتوت من قبل من ذلة واستكانـــة من يمسحون حذاءه { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون }
( الموت لايكون إلا مــــــــــــــ رة الموت خير مـــن حياة مــــــــــــــ ـرة )
ثالثا: واجب عامة الناس نحو إخوانهم فيتخلص فيما يلي: أولا: استشعار المسؤولية الواجبة نحوهم فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :{ من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم }
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:( مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ).
وقال صلى الله عليه وسلم { المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا }
ثانيا:التوبة الصادقة إلى الله من كل ذنب ومعصية. قال تعالى:{ فلولا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا ولكـــن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ماكانوا يعملون } والشيء المؤسف أننا لم نر تغيرا في حال المسلميــــن فالمنكرات هي المنكرات لم تتغير ولم تتبدل إن لم تزدد فهلا صنعنا كما صنع أبو محجن الثقفي حينما كان مسجونا يوم القادسية بسبب شرب الخمر فلما رأى ماحل بالمسلمين وما نزل بهم استأذن زوجــــة سعد بن أبي وقاص أن تفك قيده وعاهدها بالله أن يعود لقيده إن أحياه الله فركب فرس سعد البلقـــاء وقاتل قتالا شديدا لم ير مثله حتى ظنوه ملكاً من الملائكة فتحقق النصر للمسلمين ثم عاد إلى وثاقه فــلم علم سعد بصنيعه أقسم بالله أن لا يسجنه ولا يجلده فأقسم هو بالله أن لايشرب الخمر بعـــــــد ذالك.
هاهي التوبة الصادقة والنصرة الصادقة,فعلى كل مذنب ومقصر أن يعلنها توبة صادقة نصوحاً { ياأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ...}
ثالث الواجبات على العامة: دعاء الله جل وعلا بنصرة المستضعفين وانتقامه من الظالمين كمـا قال تعالى:{ قل مايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم } وقال:{ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم...} وقال صلى الله عليه وسلم {هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم }( رواه البخاري) وفي رواية بدعائهم وإخلاصهم. رابعاً: التجار والقادرون ماديا فواجبهم نحو نصرة إخوانهم إعانتهم مادياً بشرط التثبت من القنوات الصحيحة الموصلة لهم ما يحتاجونه, وفي آيات عديدة قدم الله تعالى الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس كقوله تعالــــــــى: {يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم.تؤمنون بالله ورسوله وتجـــــاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون } خامساً: على طلاب العلم والدعــــــــاة والصالحين أن يوحدوا كلمتهم وينبذوا الخلاف والتشاحن فيما بينهم فما داموا يعتقدون عقيـــــدة أهل السنة والجماعة وقد اتفقوا على أصولها فما اختلفوا فيه من جزئيات وفرعيات فليردوا الخلاف إلى الكتاب والسنة ويرجعوا بذالك إلى العلماء الراسخين كما قال تعالى:{ وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى اللـــه والرسول } وقال:{ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } فكفى تفرقاً وشقاقاً, اليهود يخططــــــون للقضاء علينا وكذا النصارى والشيعة والمتصوفة والعلمانيون والشهوانيون وغيرهم من المنحرفيـــــن ونحن يبدع بعضنا بعضاً ويحذر بعضنا من بعض قال تعالى:{ واعتصموا بحبل الله جمعيا ولا تفرقوا }وقـــال تعالى { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ماجاءهم البينات ...}
سادسا: على وسائل الإعلام المختلفة المرئية والمقروءة والمسموعة أن تطهر مما حرم الله وأن تكف عمــــــا يفسد العقائد والأخلاق ويثير الفتن. وأن تسخر لنشر التوحيد والفضيلة وأن تعالج قضايا الأمة مـــــــعالجة صحيحة فالقنوات الإعلامية أشد فتكاً من القنابل النووية ومن ملك الإعلام ملك العالم وسخره لما يريد, وإنه لـمن المحزن أن نر العالم يتألم مما يجري في غزة وغيرها وصحافتنا وإعلامنا مبتهجة مفتخرة بالنصر والفتح العظيم! أتدرون ماهذا النصر والفتح المبين ؟ إنه ليس فتح بيت المقدس بل افتتاح السينما والمسارح في بــــــلاد الحرمين الشريفين واجتماع الرجال والنساء على مشاهدة بعض الأفلام,حقا إنه الخزي والعار فما دامت آلاف القنوات والمواقع الإلكترونية تبث كل ماهب ودب, حتى الأفلام الجنسية الرخيصة التي يستحي العقلاء من مشاهدتها تعرض فيها. فما سر هذه الفرحة؟ السر يكمن فيما يلي: أولا: محبتهم لإشاعـــــة الفاحشة ونشرها والمجاهرة بها والسعي لإصدار نظام يقرها ويحميها كما قال الله تعالى عنهم:{ ويريد الذيــن يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيماً }وقوله تعالى:{ إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذيـــن آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لاتعلمون }وقال عليه الصلاة والسلام:{ كـــــل أمتي معافى إلا المجاهرين}.
ثانيا:إخراج المرأة المصونة العفيفة من بيتها. ودعوتها إلى التبرج والسفور والاختلاط مع الرجال والانحلال الخلقي لتحقيق مآرب في نفوسهم من قضاء شهواتهم ونشر الفاحشة والرذيلة في المجتمع وخلخلة أمنه. فعلى الأمراء والعلماء والعقلاء أن يقفوا صفا واحداً أمام من يريد خرق السفينة وإغراقها.والأخذ على أيدي السفهاء والعابثين بالعقيدة والشريعة والأخلاق والأفكار.
وفق الله الجميع للقيام بما أوجبه الله عليهم وأقر عيوننا بنصرة إخواننا المستضعفين وهزيمة ورد عدوان الظالمين
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
الشيخ/ عيسى المبلع
خطيب جامع الأمير سعود الفيصل بحائل
4/1/1430هـ