بسم الله الرحمن الرحيم

" سَامِحِينَا يَا فِلَسْطِينُ "

بقلم الجريح : يحيى بدر الدين صاري



لقد كنا نملك دموعا نَذْرِفُها عليك .. كلما أصابتك محنة أو نزلت بك بلية ..

كنا نملك دموعا غزيرة كلما رأينا دماءك تنزف، وأشلائك تتناثر ...

كنا نتابع أخبارك باهتمام، ونرمقك بشغف وحرقة .. كنتِ يا فلسطين مرمى بصرنا، وقيد عِيانِنا ..

كنا ندعو لك في الصلوات، ونخطب عنك في الجمعات، وترتفع بالدعاء لك الحناجر، كلما ذُكرتِ على المنابر ..

كنا نحضر الندوات ونسمع المحاضرات، التي تُلقى لتوعية المسلمين بما يُكاد لك من الصهاينة والصليبيين ..

كنت يا فلسطين حاضرة معنا في سويداء قلوبنا.. كنا لك كما يكون القريب والنسيب، من إيصال الحبل وانتظام العقد ..


سامحينا يا فلسطين .. أما دموعنا فقد جفت .. وقلوبنا فقد قست .. ومشاعرنا فقد تبلدت ..

فقد ألفت أبصارنا مناظر الدماء .. وصور الأشلاء فلم تعد تُهيّج فينا الآلام ولم تعد تبعث فينا الأحزان ..

فأنهار الدماء تفجرت وانساحت إلى بغداد وكابول وكشمير والصومال والشيشان ، واتسعت رقعة الدمار ، وتشعبت ساحات القتل، فلم يعد لفلسطين الجريحة المكلومة ، ذلك الموضع الدافئ في قلوبنا ..

سامِحينا يا فلسطين .. كان أبناؤك اليتامى هم أبناءَنا ونساؤك الأرامل هنّ أمهاتنا وأخواتِنا .. فلمّا فُتحت القنوات وراجت الفضائيات ونُقلت الصور الداميات واللقطات المرعبات وصارت تلك المشاهد تتصدر الأخبار وتتكرر في الليل والنهار ، تبلدت الأحاسيس ، وألفت الذلة والعيش الخسيس ..

سامِحينا يا فلسطين .. كنا منذ خمسين سنة فقط، نستطيع أن نتسلل إلى أراضيك للجهاد .. ونجد العدة والعتاد، ونذب عن عرضك بالأرواح والمهج ..

كنا رغم فقرنا .. نؤثرك على أنفسنا ونرسل لك بشيء من دراهمنا ..

كنا رغم بلاء الاستعمار الذي كان يجثم على أراضينا .. نؤسس الهيئات التي تدافع عن قضيتك، ونرفع الأصوات التي تطالب باستقلالك ..

سامِحينا يافلسطين .. كنا إذا أُهدر دم طفل من أطفالك انتفضت الشعوب المسلمة بالتنديد والتهديد والوعيد .. ولكننا اليوم لا نشعر بالألم إلا بوخز المجازر ، كأن قتل مسلم واحد لا يُعد مجزرة .. ولا يعتبر في مصطلح أهل هذا الزمان قتلا ، نحن ننتظر المجازر يا فلسطين كي نضع العلم اليهودي تحت أقدامنا في أعظم موقف من مواقف الشهامة والشجاعة والبطولة في عصر الذلة والمهانة .. ننتظر حذاءً يرتطم بالجدران الصماء كي يوقظ حاسة السمع لدينا .. ننتظر المجازر يا فلسطين لكي ننتفض لحرق أعلام ورايات العدو ..

كنت يا فلسطين : فلسطين " رام الله " و " يافا " و" الخليل " و " جنين " و" حيفا " و " بيسان " و " طبرية " و " عكا " و " الناصرة " و " نابلس " و " طولكرم "... فأصبحت فلسطين " غزة " فقط .. حتى جسدك الضعيف المثخن بالجراح مزقته يد التآمر والكيد العالمي .. فنسينا فلسطين الوطن المحتل ودارت الأنظار وتحولت الأبصار إلى غزة المحاصرة المكلومة الجريحة فما أعظم مصيبتنا فيك يا فلسطين ..

لقد تخلى عنك القريب والجار والحبيب .. وتركوك نُهبة للأعداء ، وصفقة للمساومات ، وواجهة للاستعراضات .. وسلعة رائجة للانتخابات ..

سامِحينا يا فلسطين .. إن أكثر ما يهمنا اليوم هو" أوباما " و " رولاندو " و " الأهلي " و " مسلسل نور " والتحضير " لأعياد الميلاد " كي نتبادل الورود ونطلق البارود ... وتهتز الأجساد الميتة على جراحاتك وجماجمك يا فلسطين ...

سامِحينا يا فلسطين .. إننا لا نملك شيئا، نرفع به ذل الهزيمة ونزيح به عار الفضيحة ... فقد حبسنا العذر .. فقد كبّلتنا خطايانا وأسرتنا ذنوبنا ، فشلّت أيدينا .. ولكن لا نبخل بالدعاء لك والتعريف بقضيتك ..
فاللّهم إنّا نشكو إليك ضعف قوّتنا ، وقلّة حيلتنا ، وهواننا على النّاس يا أرحم الرّاحمين .. إلى من تكلنا ؟ إلى عدوّ يتجهّمنا ؟ أم إلى قريب ملّكته أمرنا ؟ إن لم تكن ساخطا علينا فلا نبالي ، غير أنّ عافيتك أوسع لنا .. نعوذ بنور وجهك الكريم الّذي أضاءت له السّموات والأرض ، وأشرقت له الظّلمات ، وصلح عليه أمر الدّنيا والآخرة أن يحلّ علينا غضبك ، أو ينزل علينا سخطك ، لك العتبى حتّى ترضى ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بك .

(( اللهمّ إنهم حفاة فاحملهم اللهم إنهم عراة فاكسهم اللهم إنهم جياع فأشبعهم ))

أعجز الناس من عجز في الدعاء وأبخل الناس من بخل بالسلام .


http://www.manareldjazair.com/index....=470&Itemid=19