أ.د. ناصر العمر - 25/12/1429

لا شك أن الرئيس الأمريكي المنصرف عندما قرر بصورة مفاجئة -بعد أن أوشك على مغادرة البيت الأبيض- زيارة البلاد التي نكبها بظلمه وطغيانه طوال سنوات، كان يحلم أن يوفر له حفل الوداع ذلك فرصة ذهبية ليخلد ذكراه في التاريخ كفارس منتصر بعد سلسلة النكبات والهزائم والأزمات المالية والاقتصادية والعسكرية التي جرها على أمته.
وبرغم أن الأحداث على أرض الواقع لا تسعفه لتحقيق ذلك، إلا أن بريق عدسات المصورين مع شيء من النفاق السياسي الذي اعتاده القوم يمكن أن تعمل عمل السحر!
لكن الرئيس -بكل تأكيد-لم يكن يتمنى أو يتوقع في أسوأ الاحتمالات أن يتحول حفل الوداع ذلك إلى أكبر إهانة يتعرض لها هو أو أي رئيس أمريكي قبله، بحيث إن صورته في الأذهان ستبقى ملازمة لصورة الحذاء الذي انطلق نحوه كلما ذكر!
ولم يكن من المفاجئ ولا من المستغرب أن تستقبل الأمة هذا الحدث بالفرح والسرور، بل إن الفرح بما حصل والسخرية من هذا الرئيس بسبب ما حل به قد تجاوز الأمة إلى كل بقاع الأرض ومن بينها أمريكا نفسها، فما جره هذا الرئيس على العالم من ويلات ودمار وفوضى قد جعل مِن رفضه وبغضه شعاراً جامعاً لكثيرين.

إن لهذه الحادثة وما رافقها من مشاعر الفرح التي عمت أبناء أمتنا دلالات كثيرة يحسن بنا أن نقف مع بعضها:
1. فمرة بعد مرة يظهر تأثير الإعلام في الأحداث، ودوره الكبير في قيادة الناس وتوجيه تصرفاتهم، فالإعلام لم يجعل العالم كالقرية الصغيرة فحسب بل إنه كاد أن يحوله إلى بيت صغير، فما هي إلا لحظات بعد ضرب الرئيس الأمريكي حتى طارت الصور إلى أنحاء العالم وبدأ الناس في تناقلها والتحدث عنها؛ والإعلام سلاح ذو حدين، فكما يمكن أن يستخدم في نشر الحق والخير والحقائق، يمكن أن يستخدم في نشر الباطل والظلم والأكاذيب، وهذا يدعونا للمبادرة لامتلاك وسائل الإعلام والاستفادة منها بكل ما نستطيع، فكل من استطاع أن يستخدم وسيلة إعلامية نافعة فعليه أن يقدم على ذلك ويقتحم هذا المجال بضوابطه الشرعية، فمن سبَق في الإعلام اليوم فله السبْق، وله اليد الطولى في التأثير على الناس، فلا ينبغي لنا أن نقف متفرجين ومكتوفي الأيدي، بل لا بد من وعي خطورة الإعلام والتعامل معه بإيجابية، بفتح المواقع النافعة والقنوات الفضائية والصحف والمجلات واستخدام رسائل الجوال وغير ذلك.

2. إن الفرح الذي اعترى أفراد الأمة صغاراً وكباراً فرح مشروع، فقد بين الله جل وعلا بعض آثار ما يصيب الكفار من العذاب فقال: {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} [التوبة: 14، 15]، وهذا الفرح يدل على خيرية هذه الأمة، صحيح أن من أسباب الفرح ما شاركنا فيه غيرنا، وهو ظلم وعدوان هذا الرئيس الذي فاق الحد، إلا أن هذا الفرح يدل من جهة أخرى على أن كل محاولات التمييع والتلميع وتسويق العدو المبغض الناشر للظلم والعدوان كصديق محب ناشر للحرية والعدل لم تفلح، وأن كل الحيل والألاعيب لم تنطل على الناس في بلادنا، وأن بغضهم لأعداء الله مستقر في قلوبهم، وهذا ما يفسر هذه الفرحة العارمة التي شعر بها الناس وكأن هذه الضربة قد عبرت عما في صدورهم تجاه هذا الرجل وما يمثله.

3. إن هذه الحادثة قد كشفت عن خور وعجز هذا الرئيس حتى إنه لم يحاول أن يتقي الضربة بيده بل انحنى لها وجعلها تمر لتحطم هيبة علم بلاده، ولهذا فقد اعتبر كثير من الأمريكان أن الحادثة إهانة للشعب الأمريكي ولأمريكا، وحملوا رئيسهم المسؤولية عن ذلك بسبب سياساته الرعناء. وفي هذا الذي حصل دلالة رمزية، فالأمم تجاهد وتتفانى لحماية الرمز، بينما آثر هذا الرجل سلامة نفسه ولم يقدم شيئاً لحماية علم بلاده، وقديماً كان سقوط الراية في المعركة من يد حاملها يؤذن بانتهاء المعركة وضياع كل شيء، فكأن هذا الذي حصل فضلاً عن الأزمات التي تلاحق أمريكا إيذان ببدء أفول نجمها وزوال ملكها.

4. إن العدل قيمة غالية لا ينبغي لنا عند تناول الأحداث أن نفرط فيها أو نتجاوزها، ومن العدل أن يبين للناس أن قاذف الحذاء ليس شيوعياً كما حاولت أن تُسَوِّق بعض القنوات المعروفة بميلها بل موالاتها لأمريكا، وكونه شيعياً كما أكد لي من يعرفه لا يعني أن نرضى بظلمه أو أن نروج لهذا الظلم، صحيح أن له ميولاً يسارية وأنه كما يقولون في مصطلحاتهم وطني يدافع عن العراق إلا أنه ليس شيوعياً، وهذه التهمة التي حاولت أن تروجها هذه القناة وغيرها لتنفر المسلمين وتسرق فرحتهم بالحدث إنما جاءت بسبب شعورها -ربما- أن هذا الحذاء قد طالها هي أيضاً.

5. من العدل كذلك أن يقال إن تناول الحدث كان فيه شيء من المبالغة، والمبالغة ليست في تناوله مجرداً، فهو حدث كبير، ولكن بمقارنة هذا التناول بتناول وسائل الإعلام المختلفة لجهاد أهلنا في العراق طيلة خمس سنوات، حيث لم يحظ هذا الجهاد الذي أزهقت فيه آلاف الأرواح الطاهرة وسالت فيه أنهار الدماء الزكية بمثل ما حظيت به هذه الحادثة، فأين الشعراء والخطباء والكتاب والمعلقون من هذا الجهاد؟ وأيهما أولى بالاهتمام والإبراز؟ نعم، لا حرج في الفرح بما حل بالرئيس الأمريكي، ولكن في المقابل أين الإشادة بتضحيات الشعب العراقي ومجاهديه الذين أذاقوا بوش وأمريكا مئات وآلاف الصفعات والركلات ؟!
إنه لمن العجيب أن بعض من كتب مهللاً لرمي الحذاء لم يقل كلمة واحدة في نصرة العراق وجهاد أهله طوال سنوات، والأعجب من ذلك أن بعض المهللين كان يقف ضد جهاد الشعب العراقي ويصفه بقتال الفتنة، ويبقى أن نقول من باب العدل والإنصاف أن بعض من كتب في الحادثة له كتابات ودور لا ينكر في نصرة أهل العراق وجهادهم.

6. من الأمور التي ينبغي التنبه لها أن الصخب الذي صاحب الحادثة قد غطى على أمر أكثر أهمية وجعله يتراجع في سلم الأولويات، أعني بذلك الاتفاقية الأمنية التي قام المالكي بالتوقيع عليها مع الاحتلال الأمريكي بموافقة الحكومة العراقية وتصديق البرلمان العراقي بأغلبه عليه، وهذه الاتفاقية من أسوأ اتفاقيات الاستعمار، وهي ليست أمنية فحسب، بل عبارة عن عدد من الاتفاقات؛ الأمنية والسياسية والثقافية والمالية وغيرها، ولا نريد أن نذهب بعيداً كما ذهب البعض ونقول إن هذه الحادثة كانت بعلم المالكي، أو نقول إنها مدبرة لصرف الأنظار عن تلك الاتفاقية وخطورتها، لكننا نقول إن أمثال هذه الحوادث قد تستغل لتمرير مشاريع خطيرة فلا بد من التنبه لذلك.

7. في الختام فإننا لا بد أن نحمد الله عز وجل على ما ابتلى به هذا الرجل من ذل وهوان من حيث لم يحتسب، فهذه النهاية الأدبية والمعنوية لم تكن لتحصل إلا بأمر الله، كما قال جل وعلا: {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الروم: 4، 5]، فنصر الله متحقق لكنه يحتاج إلى رجال لا يعزلون قضايا الأمة عن العقيدة والشريعة، فالأمم والجيوش تهزم بمعصية أو ذنب فكيف إن فرطت في العقيدة والتوحيد؟ فلابد للأمة إن أرادت أن تنتصر على عدوها أن تحقق توحيد ربها وعبوديته على الوجه الذي يرضيه، فإن هي فعلت فقد بانت بوارق النصر { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7].