صفة الفقية بحق
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: صفة الفقية بحق

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2008
    المشاركات
    380

    افتراضي صفة الفقية بحق

    قال الإمام ابن بطة العكبري مبيناً صفة العالم في كتابه إبطال الحيل :
    غير أني أقدم امام القول, وأبدأ قبل الجواب عن مسئلتك, بذكر صفة الفقيه الذي يجوز تقليده والفزع إليه عند المشكلات, والانقياد إلى طاعته عند نزول المعضلات وحلول الشبهات ثم أتبع ذلك بالجواب عما سألت عنه فإني أرى هذا الإسم قد كثر المتسمون به من عامة الناس وكافتهم وما ذاك إلا لأن البصائر قد عشيت والأفهام قد صدئت وابهمت عن معنى الفقه ما هو والفقيه من هو فهم يعولون على الإسم دون المعنى وعلى المنظر دون الجوهر.
    ولذلك قال علي بن أبي طالب كرم الله وجه حين وصف المتجاسر على الفتوى بغير علم سماه أشباه الناس عالما ولم يفن في العلم يوما سالما.
    وقال رضي الله عنه "يوشك أن لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه مساجدهم يومئذ عامرة وهي خراب من الهدى علماؤهم شر من تحت أديم السماء من عندهم تخرج الفتنة وفيهم تعود" حدثنيه أبو محمد عبد الله بن سليمان الفاسي حدثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي حدثنا يزيد بن هارون قال: أنبأنا عبد الله بن مكين حدثنا جعفر بن محمد عن جده عن علي رضي الله عنه أنه قال ذلك.
    وسأنعت لك معنى الفقه والفقيه من العربية والشريعة الإسلامية نعتا جامعا من الشهادة المقنعة والدلالة الشافية مختصرا ذلك ومقتصرا على بعض الرواية دون النهاية وملخصه من الرواية بما فيه الكفاية تلخيصا يأتي على ما وراءه [ويغني] عما سواه.
    فأما الفقيه في اللسان الفصيح فمعناه الفهم تقول فلان لا يفقه قولي أي لا يفهم قال الله عز وجل: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} أي لا تفهمون وقوله عز وجل: {ِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} أي ليتفهموه فيكونوا علماء به ومن ذلك قولهم فلان لا يفقه ولا ينقه معناه لا يفهم ولا يعلم.
    ونجد الله عز وجل ندبنا إلى توحيده, والمعرفة بعظيم قدرته, بما دلنا عليه من بديع صنعته, وعجيب حكمته وما أسبغ علينا من نعمته ثم أخبرنا أنه إنما أظهر هذه المعجزات وفصل هذه الآيات للفقهاء العلماء لأنهم هم الذين فهموا عنه وفقهوا معنى مراده فجاز أن يدلوا عليه بما دلهم به على نفسه وجاز أن يكونوا هم النصحاء لعباده بما نصحوا به أنفسهم فإن الله عز وجل وصف نفسه لعباده وعرفهم ربوبيته ودعاهم إلى توحيده وعبادته بما أظهر لهم من قدرته فقال عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} إلى آخر الآية ثم قال عز وجل: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} ثم قال عز وجل {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} ثم قال عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} .
    فلما فقهوا عن الله عز وجل ما عظم به نفسه, وأخبر به من جلاله وهيبته, ونفاذ قدرته وعظيم سلطانه وسطوته وما وعد به من ثوابه وتوعد به من عقابه وملكه للأشياء في الضر والنفع والإعطاء والمنع والدوام والبقاء هابوا الله عز وجل وأجلوه واستحيوا الله وعبدوه وخافوا الله وراقبوه وذلك لما فقهوا عنه من عظمته وجلاله وعظيم ربوبيته ولصق ما فقهوا عن الله عز وجل بقلوبهم فأزعجها وعن جميع مكاره الله باعدها وعلى ما يرضيه حركها وأذابها ومن مخالفته أوجلها وأرهبها فعند ذلك أضافهم الله عز وجل على نفسه فيما شهد لها بالالهية فقال: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ} ثم رفعهم على جميع خلقه فقال: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} وقال: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ}
    قيل: بالعلم. فهم صفوة الله من عباده, وأهل نوره في بلاده اصطفاهم الله لعلمه واختارهم لنفسه وعرفهم حقه ودلهم على نفسه فأقام بهم حجته وجعلهما قوامين بالقسط ذبابا على حرمه نصحاء له في خلقه فارين إليه بطاعته فلذلك أمر الله عز وجل بمسئلتهم والنزول عند طاعتهم فقال عز وجل: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} ثم ألصق طاعتهم بطاعته وطاعة رسوله فقال: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} قال الفقهاء: كذا قال المفسرون.
    حدثنا ابن مخلد حدثنا الحساني حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية بذلك.
    طاعتهم على جميع الخلق واجبة ومعصيتهم محرمة من أطاعهم رشد ونجا ومن خالفهم هلك وغوى هم سرج العباد ومنار البلاد وقوام الأمم وينابيع الحكم في كل وقت وزمن وصفهم الله عز وجل بالخشية والاعتبار والزهد في كل ما رغب فيه الجهلة الأغمار فقال عز من قائل: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} وقال: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} .
    ووصف قارون وخروجه في زينته, ومباهاته لأهل عصره بما أوتيه من حطام الدنيا وزينتها وغبطة الجاهلين له المريدين منها مثل إرادته, وتأسفهم على مثل حاله ثم دل على فضل العلماء وإصابتهم الصواب بعزوف أنفسهم عن ملكه وزينته ورضاهم بما فهموا عن الله وتصديقهم له فيما وعد من جزيل ثوابه وحسن مآبه لمن آمن بذلك ورضي به فقال عز وجل: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} ثم قال: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} .
    وقال الله عز وجل تخصيصا للعلماء وتفضيلا للفقهاء: {وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُون} يعني الصابرين على الدنيا وزينتها رضاء بالله وبثوابه وبما أعاضهم من العلم به والفهم عنه وبما فقهوا عنه ما وعد به من صبر عنها ولذلك يروى والله أعلم في معنى هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" .
    حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد القافلاني حدثنا الحسين بن محمد بن أبي معشر حدثنا وكيع حدثنا أسامة ابن زيد عن محمد بن كعب القرظي قال: حدثنا معاوية ابن أبي سفيان على المنبر: "اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" :سمعت هؤلاء الكلمات من نبيكم صلى الله عليه وسلم.
    وحدثني أبو علي محمد بن أحمد البزار وأبو بكر محمد بن الحسين قالا: حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكشي حدثنا سليمان بن داود حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" .
    حدثنا ابن صاعد حدثنا ابن زنبور حدثنا إسماعيل ابن جعفر حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن أبي هريرة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" .
    قال عبيد الله بن محمد شيخنا رضي الله عنه: ولهذا الفقيه الذي أراد الله به خيرا صفات وعلامات وصفها العلماء وأبانت عن حقائقها العقلاء.
    فمن صفاته وعلاماته ما حدثنا أبو الفضل شعيب ابن محمد بن الداجيان الكفي حدثنا علي بن حرب حدثنا الحسين بن علي الجعفي حدثنا ليث عن مجاهد قال: "إنما الفقيه من يخاف الله عز وجل".
    وحدثنا أبو الحسين إسحاق بن أحمد الكاذي حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي حدثنا حسين بن علي عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال: "الفقيه من يخاف الله عز وجل".
    حدثنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن أبي سهل الحربي حدثنا أبو العباس أحمد بن مسروق الطوسي حدثنا موسى بن خاقان النحوي "ح" وحدثنا أبو الحسين أحمد ابن عثمان الأزدي حدثنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا أبو النصر هاشم بن القاسم حدثنا بكر بن خنيس عن ليث بن أبي سليم عن أبي هبيرة الأنصاري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "ألا أخبركم بالفقيه كل الفقيه؟ من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يؤمنهم من مكر الله ولم يرخص لهم في معاصي الله ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره".
    حدثنا أبو شيبة عبد العزيز بن جعفر الخوارزمي حدثنا محمد بن إسماعيل أبو عبد الله الضرير حدثنا يزيد بن هارون قال أنبأنا المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله بن مسعود: "كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلا".
    حدثنا أبو الحسين الحربي حدثنا أحمد بن مسروق حدثنا الحسين بن حفص حدثنا وكيع عن محمد بن عمر عن أبي علقمة الليثي قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رحمه الله "إن الفقه ليس بكثرة السرد وسعة الهدر وكثرة الرواية وإنما الفقه خشية الله عز وجل".
    حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن السري الكوفي بالكوفة حدثنا إسحاق بن يحيى الدهقان حدثنا أبو كريب حدثنا ابن مسعود عن أبيه قال قلت لسعد أن إبراهيم: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أتقاهم.
    حدثني أبو صالح محمد بن أحمد بن ثابت حدثنا أبو الحسين محمد بن أحمد الحربي حدثنا أحمد بن مسروق حدثنا محمد بن الحسن حدثنا أبو بشير حدثني مروان بن
    قال: سمعت بعض القرشيين قال: "إن كمال علم العالم ثلاثة! ترك طلب الدنيا بعلمه ومحبته الانتفاع لمن يجلس إليه ورأفته بالناس".
    حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي حدثنا يحيى بن أيوب العابد حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر العمراني قال: قال أبو حازم "لا يكون العالم عالما حتى تكون فيه ثلاث خصال لا يحقر من دونه في العلم ولا يحسد من فوقه ولا يأخذ على علمه دنيا".
    حدثنا أبو صاعد حدثنا علي بن مسلم حدثنا يسار ابن جعفر بن سليمان حدثنا مطر الوراق قال: سألت الحسن عن مسئلة فقال فيها فقلت يا أبا سعيد يأبى عليك الفقهاء فقال الحسن ثكلتك أمك يا مطر وهل رأيت بعينك فقيها قط وقال: "تدري ما الفقيه الفقيه؟ الورع الزاهد المقيم على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا يسخر بمن أسفل منه ولا يهزأ بمن فوقه ولا يأخذ على علم علمه الله إياه حطاما".
    حدثنا أبو الحسن إسحاق بن أحمد الكاذي حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثنا عمر بن الهيثم حدثنا أبو حمزة عن الحسن قال: "الفقيه المجتهد في العبادة الزاهد في الدنيا المقيم على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم".
    حدثنا إسحاق بن أحمد حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا موسى بن هلال حدثنا هشام صاحب الدستوائي عن رجل عن الحسن وقد أتاه رجل فسأله عن مسئلة فأفتاه قال فقال له الرجل: يا أبا سعيد قال فيها الفقهاء غير ما قلت قال فغضب الحسن وقال: "ثكلتك أمك وهل رأيت فقيها قط؟ قال: فسكت الرجل قال فسأله رجل فقال يا أبا سعيد من الفقيه قال: "الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير في دينه المجتهد في العبادة هذا الفقيه".
    حدثنا أبو عمارة حمزة بن القاسم خطيب جامع المنصور حدثنا حنبل بن إسحاق حدثنا أبو عبد الله حدثنا سفيان بن عيينة قال: سمعت أيوب يقول سمعت الحسن يقول: "ما رأيت فقيها قط يداري ولا يماري إنما يفشي حكمته فإن قبلت حمد الله وإن ردت حمد الله" قال: وسمعت الحسن يقول: "ما رأيت فقيها قط. وإنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة الدائب على العبادة, المتمسك بالسنة"
    حدثنا أبو عبد الله أحمد بن علي بن العلاء حدثنا عبد الوهاب ابن الحكم الوراق حدثنا محمد بن بكر حدثنا جعفر بن سليمان عن عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه قال: "الفقيه العفيف المتمسك بالسنة أولئك أتباع الأتباع الأنبياء في كل زمان".
    حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن الراجيان حدثنا أبو نصر فتح بن شخرف حدثني عبد الله بن حبيق عن يوسف بن أسباط قال: قال سفيان الثوري: "الفقيه الذي يعد البلاء نعمة, والرخاء مصيبة وأفقه منه من لم يجترى ء على الله عز وجل في شيء لعلة به".
    حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد زياد النيسابوري حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا عبد الله بن وهب حدثنا سليمان بن القاسم عن الحارث بن يعقوب قال يقال: "إن الفقيه كل الفقيه من فقه في القرآن وعرف مكيدة الشيطان".
    حدثنا أبو جعفر محمد بن سليمان النعماني الباهلي حدثنا عبد الله بن عبد الصمد حدثنا مخلد بن أيوب عن أبي قلابة عن أبي الدرداء قال: "لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا".
    حدثنا أبو بكر محمد بن محمود السراج حدثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي حدثنا أيوب عن أبي قلابة عن أبي الدرداء قال: "إن من فقه المرء ممشاه ومدخله ومجلسه".
    حدثنا إسحاق الكاذي حدثنا عبد الله بن أحمد حدثني أبي حدثنا إسماعيل بن إسحاق حدثنا أيوب عن أبي قلابة قال: قال أبو الدرداء "إنك لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوها وإنك لا تفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في جنب الله عز وجل ثم ترجع إلى نفسك فتكون لها أشد مقتا منك للناس".
    حدثنا أبو صالح محمد بن أحمد حدثنا محمد بن يونس الديلمي حدثنا إبراهيم بن نصر الصائغ قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: "إنما الفقيه الذي أنطقته الخشية, وأسكتته الخشية. إن قال قال بالكتاب والسنة وإن سكت سكت بالكتاب والسنة وإن اشتبه عليه شيء وقف عنده ورده إلى عالمه".
    قال الشيخ أبو عبد الله أنا أقول- والله المحمود هذه صفة أحمد بن حنبل رحمه الله. فيا ويح من يدعي مذهبه ويتحلى بالفتوى عنه. وهو سلم لمن حاربه عون لمن خالفه الله المستعان على وحشة هذا الزمان.
    حدثنا أبو شيبة عبد العزيز بن جعفر بن بكر الخوارزمي حدثنا أبو عبد الله إسماعيل حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن يونس عن الحسن قال: "إنا لنجالس الرجل فنرى أن به عيا وما به عي وإنه لفقيه مسلم" قال وكيع: "أسكتته الخشية".
    حدثني أبو علي محمد بن الحسن البزار حدثنا أبو جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا يوسف بن موسى حدثنا حكام حدثنا عيسى بن معاذ عن ليث قال: "كنت أسأل الشعبي فيعرض عني ويجبهني بالمسئلة قال فقلت يا معشر العلماء؟ تزوون عنا أحاديثكم وتجبهوننا بالمسئلة؟" فقال الشعبي "يا معشر العلماء, يا معشر الفقهاء؟! لسنا بعلماء ولا فقهاء. ولكننا قوم قد سمعنا حديثا فنحن نحدثكم بما سمعنا. إنما الفقيه من ورع عن محارم الله والعالم من خاف الله عز وجل".
    حدثنا أبو شيبة حدثنا الحساني محمد بن إسماعيل حدثنا ابن نمير عن مالك بن مغول قال: "استفتى رجل الشعبي فقال: أيها العالم أفتني فقال إنما العالم من يخاف الله".
    حدثنا أبو طلحة أحمد بن محمد بن عبد الكريم الفزاري حدثنا محمد بن يحيى الأزدي حدثنا داود بن المحبر حدثنا عباد بن كثير عن ابن جريح عن عطاء وأبي الزناد عن جابر أنه تلا {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} 1فقال: "العالم الذي عقل عن الله أمره فعمل بطاعة الله واجتنب سخطه".
    حدثني أبو صالح محمد بن أحمد حدثنا أبو الحسن بن أبي العلاء الكوفي حدثنا العباس بن يزيد البحراني حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثني قرة بن خالد عن عون بن عبد الله بن عيينة قال: قال عبد الله بن مسعود: "ليس العلم للمرء بكثرة الرواية ولكن العلم الخشية".
    حدثنا أبو بكر محمد بن دارم الكوفي حدثنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن يزيد الرازي حدثنا محمد بن مسلم الرازي حدثني مقاتل بن محمد قال: "خرجنا مع سفيان بن عيينة إلى منى في جماعة فيهم أبو مسلم المستملي فقال سفيان في بعض ما يتكلم به "العالم بالله الخائف لله وإن لم يحسن "فلان عن فلان" ومن لم يحسن العلم والخوف من الله فهو جاهل وإن كان يحسن فلان عن فلان المسلمون شهود أنفسهم عرضوا أعمالهم على القرآن فما وافق القرآن تمسكوا به وإلا استعتبوا من قريب" قال أبو مسلم ما أحسن هذا الكلام يا أبا محمد, قال "إنه والله أحسن من الدر وهل الدر إلا صدفة؟".
    حدثنا أبو عبد الله بن مخلد حدثنا أبو بكر المروذي حدثنا حبان بن موسى قال: سئل عبد الله بن المبارك "هل للعلماء علامة يعرفون بها؟" قال "علامة العالم من عمل بعلمه, واستقل كثير العلم والعمل من نفسه ورغب في علم غيره وقبل الحق من كل من أتاه به. وأخذ العلم حيث وجده فهذه علامة العالم وصفته" قال المروذي: فذكرت ذلك لأبي عبد الله. فقال: "هكذا هو".
    حدثنا ابن مخلد حدثنا المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: قيل لابن المبارك: كيف يعرف العالم الصادق؟ فقال: "الذي يزهد في الدنيا ويعقل أمر آخرته" فقال: "نعم كذا يريد أن يكون".
    حدثنا أبو بكر محمد بن محمود السراج حدثنا أبو بكر بن زنجويه حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر قال سمعت الزهري يقول "لا نثق للناس بعمل عامل لا يعلم ولا ترضي لهم بعلم عالم لا يعمل".
    حدثنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن أبي سهل الحربي حدثنا أحمد بن مسروق الطوسي قال سمعت إبراهيم بن الجنيد يقول "عوتب بعض العقلاء على تركه المجالس وقيل له ما بالك لا تكتب الحديث؟ فقال قد سمعت حديثين فأنا محاسب نفسي بهما, فإذا أنا علمت آني قد عملت بهما كتبت غيرهما. قيل: وما الحديثان؟ قال: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" و "حب الدنيا رأس كل خطيئة" وأنا أستغفر الله من اعتذاري إليه وأشكره على ما قد عرفني من زللي فانصرفوا وهم يحلفون بالله ما رأينا أفقه منه ولا أشد محاسبة منه لنفسه قال فرجع إليه رجل منهم فقال أوصني قال: "عليك بتقوى الله وصدق الحديث وترك ما لا يعنيك ثم قام فدخل إلى منزله".
    حدثنا أبو عبد الله أحمد بن علي بن العلاء حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر حدثنا أبو أسامة عن زائدة "ح" وحدثنا ابن مخلد قال حدثنا ابن إسحاق حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن المبارك عن زائدة عن هشام عن الحسن قال: "كان الرجل إذا طلب بابا من العلم لم يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وبصره ولسانه ويده وزهده وصلاته وبدنه وإن كان الرجل ليطلب الباب من العلم فلهو خير له من الدنيا وما فيها".
    حدثنا أبو الحسين إسحاق بن أحمد الكاذي حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا عفان حدثنا حماد بن زيد عن أيوب قال: "ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعا لله عز وجل".
    حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم النحوي حدثنا الحسن بن الحباب حدثنا معمر القطيعي قال سمعت سفيان بن عيينة يقول "العلم إذا لم ينفع ضر".
    حدثنا أبو جعفر عمر بن محمد بن رجاء حدثنا أبو نصر عصمة بن أبي عصمة حدثنا العباس بن الحسين القنطري حدثنا محمد بن الحجاج قال كتب أحمد بن حنبل رضي الله عنه عني كلاما قال العباس وأملاه علينا. قال: "لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه "يعني للفتوى" حتى يكون فيه خمس خصال أما أولاها فأن يكون له نية فإنه إن لم تكن له فيه نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور وأما الثانية فيكون له خلق ووقار وسكينة وأما الثالثة فيكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته وأما الرابعة فالكفاية وإلا مضغه الناس. وأما الخامسة فمعرفة الناس".
    قال أبو عبد الله رحمه الله: فأقول والله العالم- "لو أن رجلا أنعم نظره, وميز فكره, وسما بطرفه واستقصى بجهده طالبا خصلة واحدة في أحد من فقهاء المدينة والمتصدرين للفتوى فيها لما وجدها بل لو أراد أضدادها والمكروه والمرذول من سجايا دناءة الناس وأفعالهم فيهم لوجد ذلك متكاثفا متضاعفا والله نسأل صفحا جميلا وعفوا كثيرا".
    حدثنا أبو صالح محمد بن أحمد قال: حدثنا أبو الأحوص قال حدثنا ابن أبي أوس عن أخيه عن أبيه قال: أدركت الفقهاء بالمدينة يقولون "لا يجوز أن ينصب نفسه للفتوى ولا يجوز أن تستفتي إلا الموثوق في عفافه وعقله وصلاحه ودينه وورعه وفقهه وحلمه ورفقه وعلمه بأحكام القرآن والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ عالما بالسنة والآثار وبمن نقلها والمعمول به منها والمتروك عالما بوجوه الفقه التي فيها الأحكام, عالما باختلاف الصحابة والتابعين فإنه لا يستقيم أن يكون صاحب رأي له علم بالكتاب والسنة والأحاديث والاختلاف. ولا صاحب حديث ليس له علم بالفقه والاختلاف ووجوه الكلام فيه. وليس يستقيم واحد منهما إلا بصاحبه. قالوا ومن كان من أهل العلم والفقه والصلاح بهذه المنزلة إلا أن طعمته من الناس وحاجاته منزلة بهم وهو محمول عليهم. فليس بموضع الفتوى ولا موثوق به في فتواه ولا مأمون على الناس فيما اشتبه عليهم".
    قال الشيخ أبو عبد الله ابن بطة -رضي الله عنه: قد اقتصرت يا أخي صانك الله من صفة الفقيه على ما أوردت وكففت عن أضعاف ما أردت فإني ما رأيت الإطالة بالرواية في هذا الباب متجاوزة ما قصدنا من جواب المسئلة. نعم -أيضا- وتهجين لنا وسبة علينا وغضاضة على الموسومين بالعلم والمتصدرين للفتوى من أهل عصرنا مع عدم العالمين لذلك والعاملين به. فأسأل الله أن لا يمقتنا فإنا نعد أنفسنا من العلماء الربانيين والفقهاء الفهماء العارفين ونحسب أنا أئمة متصدرون علما وفتيا وقادة أهل زماننا ولعلنا عند الله من الفاجرين ومن شرار الفاسقين فقد روي عن الفضيل بن عياض رحمه الله قال: "إنا نتكلم بكلام أحسب أن الملائكة تستحسنه ولعلها تلعن عليه".
    وروي أن قائلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله من شر الناس فقال: "اللهم غفرا, شر الناس العلماء إذا فسدوا" 1 وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "يوشك أن لا يبقى من الإسلام إلا إسمه ومن القرآن إلا رسمه مساجدهم يومئذ عامرة وهي خربة من الهدى, علماؤهم شر من تحت أديم السماء, من عندهم تخرج الفتنة وفيهم تعود".
    وقال عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم "يا معشر الحواريين, الحق أقول لكم: إن الدنيا لا تصلح إلا بالملح, والطعام لا يطيب إلا به, فإذا فسد الملح فسد الطعام وذهبت المنفعة به. وكذلك العلماء ملح الأرض لا تستقيم الأرض إلا بهم وإذا فسد العلماء فسدت الأرض".
    وقال سفيان بن عيينة: "قدم عبيد الله بن عمر الكوفة فلما رأى اجتماعهم عليه قال: نسيتم العلم وأذهبتم نوره لو أدركني وإياكم عمر لأوجعنا ضربا".
    هذا-رحمكم الله- قول عبيد الله بن عمر رحمه الله ن اجتمع عليه من طلبة العلم وهم: سفيان الثوري وابن عيينة وأبو إدريس الخولاني, وحفص بن غياث ونظراؤهم فما ظنك بقوله لو رأى أهل عصرنا فنسأل الله صفحا جميلا, وعفوا كبيرا, فيا طوبى لنا إن كانت موجبات أفعالنا أن نوجع ضربا فإني أحسب كثيرا ممن يتصدر لهذا الشأن يرى نفسه فوق الذين قد مضى وصفهم ويرى أنهم لو أدركوه لا حتاجوا إليه وأمموه. ويرى أن هذه الأفعال منهم والأقوال المأثورة عنهم كانت من عجزهم وقلة علمهم وضعف نحائزهم, الله المستعان فلقد عشنا لشر زمان. فقد حدثنا أبو محمد السكري حدثنا أبو يعلى الساجي حدثنا الأصمعي قال سمعت سفيان بن عيينة قال: "إذا كنت في زمان يرضى فيه بالقول دون الفعل والعلم دون العمل فاعلم بأنك في شر زمان بين شر الناس".
    ولقد روي عن حبر من أحبار هذه الأمة وسيد من سادات علمائها أنه قال: "ما أرى أن يعذب الله هذا الخلق إلا بذنوب العلماء".
    ال أبو عبد الله عبيد الله بن محمد- ومعنى ذاك: والله أعلم- أن العالم إذا زل عن المحجة, وعدل عن الواضحة, وآثر ما يهواه على ما يعلمه وسامح نفسه فيما تدعوه إليه زل الناس بزلله, وانهمكوا مسرعين في أثره يقفون مسلكه ويسلكون محجته. وكان ما يأتونه ويرتكبونه من الذنوب وحوبات المأثم بحجة, وعلى اتباع قدوة فلا تجري مجرى الذنوب التي تمحى بالاستغفار, ومرتكبها بين الوجل والإنكسار, فالمقتدون به فيها كالسفينة إذا غرقت غرق بغرقها خلق كثير وجوهر خطير أضعاف ثمنها وقيمتها بأضعاف مضاعفة. والله أعلم.انتهى كلام الإمام العكبري رحمه الله وقدس روحه وجزاه عنا وعن المسلمين خيراً كثيراً .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2011
    المشاركات
    259

    افتراضي رد: صفة الفقية بحق

    لما ذُكِر للإمام أحمد - رحمه الله - الصدق والإخلاص
    قال : بهذا ارتفع القوم .
    ( طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 1 / 147 )

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •