هل الجن يتحاكمون الى الشريعة ؟
النتائج 1 إلى 11 من 11

الموضوع: هل الجن يتحاكمون الى الشريعة ؟

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    20

    افتراضي هل الجن يتحاكمون الى الشريعة ؟



    نعلم أنه يوجد بين الجن مسلمين
    و تتفاوت أيضا درجة اسلامهم
    فهناك العاصي و الفاسق و المؤمن
    و لكن هل يتحاكمون الى الشريعة بمعنى
    هل احكام شريعتنا الخاصة بالإنس تنطبق ايضاً على الجن ؟
    بما أنهم مسلمين ؟
    ُسئلت هذا السؤال و لم أستطع الرد ؟
    هل من مساعدة ؟

    تحياتي للجميع

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: هل الجن يتحاكمون الى الشريعة ؟

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
    جزاك الله خيرا على إثارة هذا الموضوع. وقد يبدو في ظاهره نوع من التكلف أو الترف الفكري، لكن تناوله بجد وعمق من شأنه أن يؤدي إلى إعادة النظر في كثير من المسلَّمات..
    ولتوسيع المسألة وتحريرها، أسمح لنفسي بإضافة الأسئلة التالية:
    _ إذا ثبت أنهم ملزَمون بشريعتنا، هل إجماعنا ملزِم لهم؟
    _ وبما أنّ العقل مناط التكليف، هل فيهم من هو مؤهَّل للنظر في الأدلة والاجتهاد؟
    _ وإذا كان الأمر كذلك، فهل إجماعهم ملزِم لنا؟ وهل نعيد النظر في إجماعنا إذا ثبت عنهم (من صحابتهم مثلاً) خلاف ما تقرر لدينا؟

  3. #3
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,249

    افتراضي رد: هل الجن يتحاكمون الى الشريعة ؟

    الحمد لله وحده
    الذي يظهر لي والله أعلم أنهم داخلون في الخطاب التكليفي الشرعي المفصل الذي نحن مخاطبون به، فيما عدا مسائل معينة، علمهم اياها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة الجن .. فالأصل أنهم مخاطبون بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم.. ولا أعلم من أهل العلم أحدا قال بخلاف ذلك، فمن علم فليتحفنا وله الأجر ان شاء الله.
    أما هل فيهم مجتهدون وفقهاء أم ليس فيهم، وهل يدخلون في الاجماع أم لا، فلا نملك جوابا لهذا السؤال الا أن نقول أنه لو قيل بأنهم داخلون في اجماعنا لقيد الاجماع بشرط يجعل العلم به مستحيلا في أي عصر من العصور بما فيه قرن الصحابة رضي الله عنهم! فلم ينقل الينا خلاف صحابة الجن في أي مسألة من المسائل أبدا! ولو فتح هذا الباب لقال كل مشغب على ثوابت الأمة: هذا ليس اجماعا لأني قد ثبت عندي بسند عال الى واحد من صحابة الجن أن هناك جمع منهم خالفوا في تلك المسألة .. بل وأشد من ذلك أن يأتيك من يقول لك أنه قد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا بخلاف ما عليه العمل عندنا .. فهل نصدقه ونقبل منه ونحن أصلا لا نراه ولا ندري عن حاله شيئا؟؟ ربما انحصرت القرائن التي يمكن بها قبول كلامه في أن يكون موافقا للثابت عندنا .. ولكن ان خالف، أو جاء بدعوى أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم بحديث ليس له أصل عندنا، فاننا يكون حالنا معه كحالنا مع نصوص بني اسرائيل .. لا نكذب ولا نصدق، أما ان خالف بكلامه نصوصنا الثابتة عندنا فاننا نرد ذلك عليه ولا نقبله .. ولا يؤثر خلافهم في اجماعنا لأننا لا قبل لنا باثباته أصلا .. أعني خلاف من هم في طبقة الصحابة والسلف منهم ان زعموا ذلك! أما من دونهم فان جاء أحدهم بقول له في مسألة من المسائل فان مناط النظر فيه الاستدلال، بأي شيء استدل؟ ان كان بالنصوص المعلومة لنا،ينظر هل وافق قولا مما هو معمول به في أمتنا أم جاء بما لم يقل به أحد من الفقهاء في تلك المسألة في أمتنا في قرونها السالفة؟ فان كان قولا جديدا رددناه للزوم ألا يخرج الحق عما عليه اجماع الأمة، ومضي عمل الأمة على أقوال معينة في مسألة بعينها عبر قرونها يجعل الخروج عليها خرقا لاجماعها اذ مؤداه غياب الحق عن تلك القرون جميعا.. وهذا هو موقفنا مع كل من يأتي من بني الانس بقول فقهي يذهب اليه في مسألة قديمة يخالف به ما كان عليه المسلمون عبر قرونهم! أما ان جاءنا يبني كلامه على أدلة يرويها هو أو غيره من مثله ولا قبل لنا بها ولا أصل لها عندنا فاننا لا نقبل ذلك منه لاستحالة معرفة حاله هو ومن يروي له من الصدق أو الكذب!
    ولعلهم قد حصر الرسول عليه السلام اجتهادهم وما لهم مخالفة اجماع أمتنا - أمة المسلمين من بني الانس - فيه: في المسائل التي تخصهم هم ولا دخل لنا بها، والتي خالفونا فيها لطبيعة خلقتهم المخالفة لنا.. والا فلو اجتهدوا في المسائل التي اجتهدت فيها قروننا نحن بني الانس واستقرت عندنا وجاءوا فيها بما يخرق اجماعنا، فهل يكون الحق اذا معنا أم معهم؟ لو قلنا أنه معهم، خرج لزوما عن اجماعنا المعتبر عندنا والذي جرى عليه العمل في أمتنا عبر قرونها، وكنا نحن اذا على باطل، وهلكت منا نحن البشر قرون كاملة على باطل، وهذا ممتنع بالنص! ولا نعلم أحدا من الفقهاء في تاريخ أمتنا قرر في شيء من مصنفاته أن بعض فقهاء الجن قد بلغه خلافهم في كذا أو كذا من المسائل، ولم يصلنا شيء من ذلك عن السلف والصحابة قط! فالاجماع محصور فينا، والحق غير خارج عن أقوالنا واجتهاداتنا فيما تحت أيدينا من النصوص التي خوطبنا بها..
    ولهذا فان قال قائل: أليسوا داخلين في أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ فكيف تقول أن خلافهم لا يعتبر؟ أجبناه بما تقدم، والله أعلى وأعلم.
    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: هل الجن يتحاكمون الى الشريعة ؟

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
    أحسن الله إليك، وجوزيت خيراً على هذا التحرير الدقيق المحكَم.
    ولعله لن يعترض عليه بإحكام إلا ظاهري أدمن مطالعة مصنفات ابن حزم...

  5. #5
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,249

    افتراضي رد: هل الجن يتحاكمون الى الشريعة ؟

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الواحدي مشاهدة المشاركة
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
    أحسن الله إليك، وجوزيت خيراً على هذا التحرير الدقيق المحكَم.
    ولعله لن يعترض عليه بإحكام إلا ظاهري أدمن مطالعة مصنفات ابن حزم...
    بارك الله فيك، وربما جاء الاعتراض - محكما كذلك! - من فقيه من فقهاء الجن .. (ابتسامة)
    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: هل الجن يتحاكمون الى الشريعة ؟

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
    أخي أبا الفداء، جزاك الله خيرا.
    لو تفضلتَ بمراجعة هذا الفصل من إحكام ابن حزم: "فصل فيمن قال: ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع، وبسط الكلام فيما هو إجماع"، لوافيتنا بمزيد من فوائدك حول المسألة..
    ولك أن تعجب إذا قلت لك أنني منذ البارحة، كلما فتحت ملفًّا لجمع ما في النية ذكره حول المسألة، طرأ مشكل تقني وانغلق الملف وتعطل برنامج "الوورد". ولم أواجه هذا المشكل فيحالة كون الملف متعلِّقا بمسألتنا هذه! وربما كان هذا من عمل بعض إخواننا من الجن الذين يخالفوننا الرأي!! (ابتسامة)
    وهنا أهتبل الفرصة لأسأل إخواننا من أعضاء المجلس إن كان يواجهون مشكلات مماثلة مع برنامج "وورد 2007"..

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    808

    افتراضي رد: هل الجن يتحاكمون الى الشريعة ؟

    تصويب رافع:

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الواحدي مشاهدة المشاركة
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
    أخي أبا الفداء، جزاك الله خيرا.
    لو تفضلتَ بمراجعة هذا الفصل من إحكام ابن حزم: "فصل فيمن قال: ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع، وبسط الكلام فيما هو إجماع"، لوافيتنا بمزيد من فوائدك حول المسألة..
    ولك أن تعجب إذا قلت لك أنني منذ البارحة، كلما فتحت ملفًّا لجمع ما في النية ذكره حول المسألة، طرأ مشكل تقني وانغلق الملف وتعطل برنامج "الوورد". ولم أواجه هذا المشكل فيحالة كون الملف متعلِّقا بمسألتنا هذه! وربما كان هذا من عمل بعض إخواننا من الجن الذين يخالفوننا الرأي!! (ابتسامة)
    وهنا أهتبل الفرصة لأسأل إخواننا من أعضاء المجلس إن كان يواجهون مشكلات مماثلة مع برنامج "وورد 2007"..
    أخي أبا الفداء، جزاك الله خيرا.
    لو تفضلتَ بمراجعة هذا الفصل من إحكام ابن حزم: "فصل فيمن قال: ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع، وبسط الكلام فيما هو إجماع"، لوافيتنا بمزيد من فوائدك حول المسألة..
    ولك أن تعجب إذا قلت لك إنني منذ البارحة، كلما فتحت ملفًّا لجمع ما في النية ذكره حول المسألة، طرأ مشكل تقني وانغلق الملف وتعطل برنامج "الوورد". ولم أواجه هذا المشكل إلا في حال كون الملف متعلِّقا بمسألتنا هذه! وربما كان هذا من عمل بعض إخواننا من الجن الذين يخالفوننا الرأي!! (ابتسامة)
    وهنا أهتبل الفرصة لأسأل إخواننا من أعضاء المجلس إن كان يواجهون مشكلات مماثلة مع برنامج "وورد 2007"..

  8. #8
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,249

    افتراضي رد: هل الجن يتحاكمون الى الشريعة ؟

    لو تفضلتَ بمراجعة هذا الفصل من إحكام ابن حزم: "فصل فيمن قال: ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع، وبسط الكلام فيما هو إجماع"، لوافيتنا بمزيد من فوائدك حول المسألة..
    ولك أن تعجب إذا قلت لك أنني منذ البارحة، كلما فتحت ملفًّا لجمع ما في النية ذكره حول المسألة، طرأ مشكل تقني وانغلق الملف وتعطل برنامج "الوورد". ولم أواجه هذا المشكل فيحالة كون الملف متعلِّقا بمسألتنا هذه! وربما كان هذا من عمل بعض إخواننا من الجن الذين يخالفوننا الرأي!!


    بارك الله فيك.. أما أنا فلم يحدث عندي شيء من هذا ..
    وأغلب الظن أن الخلاف واقع بينك وبين نظام الويندوز على جهازك، وليس مع فقهاء الجن (ابتسامة)

    أما هذا الفصل الذي أشرت إليه فلا إشكال في أن نتدارسه إن شاء الله،
    أقول وبالله المستعان،
    رحم الله أبا محمد، كان شديد اللهجة جدا في مخاطبة مخالفيه، حتى ان القارئ لكلامه المخالف له ليرتعد وليستشعر وهو يقرأ أنه على ضلال مبين، وأنه هالك من جملة الهالكين، ما لم يتب الى الله عما فيه خالف الرجل فيما ذهب اليه ..
    ومع أنه كان يكره التقليد والمقلدين رحمه الله، وينزل عليهم وابل قذفه وسبه ولعنه في كتبه، الا أن أكثر أتباعه من بعده أصبحوا أذم تقليدا من هؤلاء الذين كان ينكر عليهم تقليدهم، فسبحان من له الأمر من قبل ومن بعد.
    وفي الحقيقة فلا أنكر أن في كلامه وجاهة في كثير مما ذكر، غير أنه في غير محل الاحتجاج، ولا يصح لنصرة ما ينتصر له به رحمه الله.

    ان أول ما يؤخذ على كلام الامام رحمه الله أنه يجعل انكاره على الواحد من الأئمة وأهل العلم في عصر من العصور ادعاءه الاجماع بناءا على قوله عن نفسه "لا أعلم فيه خلافا" مسوغا للانكار كذلك على قوله "لا يُعلم فيه مخالف"، فضلا عن ورود ذلك القول عن غيره من الأئمة المعاصرين له المماصرين أو غير المماصرين له وتراكم ذلك عند من جاءوا بعده، فضلا عن عدم ورود أي نص بقول مخالف بداية من ذلك القرن ووصولا الى الصدر الأول.. فهو بذلك يسوي في النكير بين صورتين لا تستويان!
    فنحن نوافقه على البطلان العقلي لجعل مجرد خروج إمام أو عالم ليقول لا أعلم فيه مخالفا = دليلا على وجود الإجماع القاطع للنزاع! فقد يأتينا من طرق أخرى أقوال لبعض الصحابة والتابعين تخالف ما ذهب إليه وعده هو أو أتباعه إجماعا! فغلو أتباع الأئمة في اتباعهم إياهم، بدعواهم الإجماع على مثل هذه المقولة من أئمتهم، حتى وإن لزم من ذلك إنكار ما قد يأتيهم من أقوال مخالفة من ذات العصر أو مما قبله، ومن ذات الطبقة أو مِن طبقة أعلى منها، هذا منكر نكرهه ولا شك، ولا نرى كلاما أقوى في إبطاله من هذا الذي سطره ابن حزم رحمه الله في هذا الفصل .. فمجرد بلوغ القول لمسامع الفقيه، وثبوته عمن هو منسوب إليه ممن يناظرونه أو ممن هم أعلى منه، هذا يجب أن يكفي لإبطال دعوى الاجماع عنده! أما أن يقال وما يدريكم لعل هناك من خالف، اعتراضا بذلك على قولنا بأنه بعد استقراء أقوال الصحابة الواردة عنهم وأقوال فقهاء الأمصار وغيرهم المتراكمة عبر القرون الفاضلة وما بعدها، تبين لنا بأنه "لا يُعلم في المسألة مخالف"، وبالتالي اعتُبر أنه "إجماع"، فهذا كلام ينقض عصمة إجماع الأمة من الضلالة، وهو باب لو فتح لانجر معه فساد الدين كله!! ولأمكن لكل صاحب بدعة أن يحتج به ويقول: وما يدريكم لعل هناك من الصحابة من قال بمثل قولي هذا وغفلتم كلكم عنه أو مات وقوله معه ولم يبلغه للناس!!
    ونقول نعم، لعل هناك من خالف .. ولكن نحن لم نكلف بما لا نطيق، فان جاءنا نص وثبت، فهو طلبتنا، وعليه يتغير نظرنا، ولكن إن لم يأتنا، وقد أفرغنا الوسع في استقراء الأقوال والأدلة والنصوص والمذاهب التي تراكمت عبر قرون من قول أئمة صنعة العلم في الأمة وعملهم، أفيسوغ لنا بعد كل هذا أن نستحدث قولا جديدا خارجا عن كل ما اجتمع لدينا ونقول لعله قال بمثله بعض الصحابة ولم يبلغنا (مع أنه لم يبلغنا حقيقة أي أثر بمثل ذلك)؟؟ هذا رجم بالغيب! وخرق لما جرى عليه عمل الأمصار عبر الأعصار بلا دليل إلا اتباع الظن والافتراض!!
    فحتى وإن افترضنا أنه قد ألهم الله واحدا من مجتهدي الصحابة بمثل هذا القول الذي اهتديت أنت إليه، ولكنه مات ولم ينتشر قوله ذاك ولم يتناقله الناس عنه، ألا يكفي هذا ليكون قرينة واضحة على أن الحق لم يكن فيه؟ بل هو دليل معتبر على هذا المعنى..
    وإلا فكيف خلت منه كتب الأولين والآخرين ولم يبلغ الخبر به أحدا من فقهاء الأمصار عبر القرون، على توافر الدواعي وشدة العناية والقرب من مورد العلم والنص وما يلزم لضبط الفهم فيه من علوم، إلا أن يكون ذلك القول قولا ذاهبا قد كتب الله له الفناء، وكان الحق في خلافه، لعموم الأدلة الدالة على أن الأمة لا تتفق على ضلالة لا سيما خير القرون فيها؟
    سبحان الله، حتى تلك القرون التي طغى فيها التقليد، لو تأملها رجل عميق النظر والفهم لوجد أنها والله كان فيها خير للأمة من وجه قد يغفل عنه الكثيرون.. نعم! ليس في كون أكثر الناس فيها مقلدين، فالتقليد شر ولا شك، ولكن في سهولة إثبات أن هذه الأقوال التي اجتمعت بين أيدي الفقهاء من لدن الصحابة والتابعين وحتى عصر الأئمة المتبوعين، قد شاعت وذاعت في جميع بلاد المسلمين حتى استحكمت ولم يكد يظهر في مصر من الأمصار من يخالفها أو يخرج عليها، وأنها قد جرى عمل الأمة بها قرونا طويلة دونما التفات لمن يخرج عليها! فما بال هذه القرون من الأمة التي هلكت على تقليد تلك الأقوال دون غيرها، أماتوا على ضلالة والحق خارج عما كان بين أيديهم جميعا؟؟ كلا ولا ريب، وإلا لكذبنا الوحي ولأفسدنا الجماعة!!
    فلهذا نقول أنه لا يسوغ لنا خرم ما اتفق عليه أئمة الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة (أئمة خير القرون).. وتأمل: أئمة الصحابة، لا عامتهم، فهؤلاء القلة منهم الذين نقلت إلينا فتاواهم وأقوالهم لا نقول بأنه لم تنقل فتياهم هم دون غيرهم بسبب كون غيرهم قد ضاعت فتاواهم كما يفهم من كلام ابن حزم رحمه الله، ولا لأسباب سياسية مثلا كما يدعي الروافض الأنجاس، وإنما لأن هؤلاء المنقول عنهم كانوا أئمة علماء أهلا للفتيا والنظر، مقدمين على غيرهم من الصحابة في ذلك، كما يكون في سائر الأعصار وفي سائر طبقات الأمة من عامة وخاصة، وفي كل صنعة من صناعات البشر! فهؤلاء الخاصة هم الذين بهم الاعتبار في الاجماع والاتفاق وخلافه، ولهذا كان عمر رضي الله عنه إذا ما حزبه أمر جمع له أهل بدر – وهم أهل علم ونظر – واستفتاهم، فما اتفقوا عليه عده إجماعا وقضى به، مع أنه يعلم ولا شك بأنه ربما كان هناك صحابي آخر في بلد آخر عنده قول مخالف لهذا .. ولكنه رضي الله عنه لم يتكلف ما لا يطيق، ولم يبطل الاحتجاج بقول الجماعة لمجرد احتمال – لا يخفى مثله على مثله – أن يكون هناك من يخالفون ذلك المذهب من الصحابة في المشرق أو في المغرب! ولم يبعث في طلب سائر الصحابة من جميع أقطار الأرض ليتحقق من صحة ما عدوه اتفاقا وإجماعا!! وهو لم يزل رضي الله عنه وقافا على الحق، فكلما بلغه قول من أحدهم يرفعه إلى النبي عليه السلام، تراجع عما معه من خلافه وعمل بذلك القول، وهكذا مضى حالهم رضي الله عنهم، حتى اجتمعت السنة من طرقهم الكثيرة في حجور تابعيهم وفي صدورهم وقراطيسهم، ومن تابعيهم إلى تابعيهم وهكذا، لا يشذ عنها شاذ إلا علموا شذوذه وأنكروه، وإن خفي ذلك على أحدهم علمه غيره منهم، فلا يخرج الحق عن مجموعهم، وهكذا ..
    والواقع والحس يشهدان بأن من ظهر عليه العلم والتحديث من الصحابة والتابعين فإن الناس تتوافد عليه طلبا لذلك منه، والأسباب والدواعي تتوافر عندهم وبشدة كما لم يكن في قرن من قرون المسلمين بعدهم، لاحتمال العلم والحديث عن هذا البارز المبرز منهم وتناقل الخبر به، فإن خفي كلامه في عصر من الأعصار فإنه ولا شك سيظهر في عصر لاحق.. لا سيما وهي قرون فاضلة لا شغل للناس فيها بشيء كشغلهم بالقرءان والحديث وطلب العلم وجمع مسائل الدين وتتبع مصادرها، وقد كانت سيرتهم فيما احتملوا من المشاق في سبيل ذلك مما تتصاغر إليها قمم الجبال وتنكسر دونها رقاب الرجال!
    فالداعي للنقل ولفشو الخبر بالقول داع قوي شديد القوة، ما دام القائل به ممن يعتد ويعتبر بقوله فيهم، حتى وإن دعت ضرورة إلى إخفائه في قرن من القرون لمثل ما ضرب ابن حزم به المثل في هذا الفصل من آثار، فحتى لو وقع ذلك، أفيبقى القول خافيا في بقية القرون الفاضلة جميعا حتى مع زوال الداعي لذلك الإخفاء؟؟! كلا والله لا يكون هذا، ولو كان لما بلغنا نحن اليوم الخبر بتلك الأقوال المخالفة بتلك الأسانيد التي ساقها الإمام رحمه الله نفسه ليحتج بها على بطلان دعوى الإجماع في تلك المسائل بعينها! وكيف يبقى على دعوى الإجماع فيها من وصلت إليه تلك الأخبار التي ساقها الإمام هنا إلا معاند مماحك؟؟ فالحجة ولله الحمد مقلوبة عليه في ذلك!
    القول المندثر لا يكون هو الحق في مسألة من المسائل أبدا عظمت أو صغرت والإ بطل بذلك كل نص يثبت أن الأمة لا تجتمع على ضلالة!

    إن الإجماع الذي به تقوم الحجة على العباد، ليس إجماع سائر من بلغ رتبة الاجتهاد من المسلمين - من الصحابة أو غيرهم في غير عصرهم - فهذا لا يتصور في البشر القدرة على استقرائه ومعرفته أصلا!! من ذا الذي يملك أن يسأل كل صحابي من صحابة النبي عليه السلام عن رأيه في مسألة بعينها مما نقل إلينا إجماع الصحابة فيه، حتى يجزم بيقين بأن الصحابة ليس منهم من خالف ذلك الإجماع؟؟ هذا مستحيل! فإذا علم ذلك، تبين أن الإجماع الذي به تكليفنا، إنما هو في الحقيقة ما قام على أصل صحيح، واتفق أئمة العلم المجمع على إمامتهم فيه (من الصحابة والتابعين) على قبوله ورد ما يخالفه، ولم يظهر في الأمة - فيما يسعنا كمكلفين العلم به ومعرفته - مجتهدٌ منهم يخالفه!
    علماء الأمة
    ومجتهدوها في جميع العصور مكلفون في اجتهادهم بما يسعهم، لا بما يفوق مقدرتهم أو تصورهم! فيا ليتنا نفهم هذا المعنى! ينبغي أن نفهم أن كل دعوى إجماع تأتينا من إمام عالم، وتكون موافقة للنصوص والأصول ولا نعلم لها - بعد البحث في المنقول عن الأئمة المعتبر بخلافهم - خارما معتبرا، فهي معتبرة صحيحة، لأنه لا يتصور في الإجماع أكثر من هذا: قول لا يعلم علماء الأمة، أئمة الصناعة المجمع على إمامتهم فيها، من خالفه من أهل النظر المعتبر بكلامهم في العلم!
    لهذا فإننا نقول بأن هذا القول المندثر الذي لم يصل إلينا من أي طريق قط، فهو قول ساقط ولابد، إذ لم يجتمع على توارثه والعمل به جماعة من علماء المسلمين في عصر من الأعصار ولم ينتشر به الخبر على توافر الداعي عبر أجيال الأمة لنقله ومدارسته! فخفاء القول عن علماء الأمة المتقدمين وتخلفه عن خرق اتفاق القرون الأولى وما تلاها ومن نقل عنها: دليل ظاهر على بطلانه! ولا حجة في واحد من الخلق بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يعنينا أن مات من الصحابة واحد له رأي مخالف لسائر ما بلغنا اجتماع الناس عليه من أقوال ولم يبلغنا قوله هذا! فلو كان هو الحق لبلغنا أن من الأئمة أو العلماء من قال به وعمل به، ولكان من جملة الأقوال التي اجتهدت قرون وأجيال من العلماء في جمعها ومقارنتها وموازنتها والترجيح فيما بينها.. ولكن لم يكن!

    أما أن يفنى جميع الصحابة ومن تبعوهم ومن تبعوا أتباعهم، ولا ينقل عنهم إلا جمع من الأقوال معلوم مستقر في بلاد المسلمين، ثم يأتي بعدُ من يقول بقول ويدعي أنه ربما كان له فيه سلف منهم، فنعم ربما كان له سلف، ولكنه كان ولابد سلفا لا يعتد الناس بخلافه لقلة علمه، وإن كان صحابيا، أو كان إماما فيهم ولكن كان قوله هذا شاذا مردودا عليه لذا لم ينتشر في أقرانه من العلماء في زمانه ولم يعتنِ الطلاب من التابعين وتابعيهم به، إذ لم يكتب الله له البقاء في الأرض كغيره من الأقوال..

    ومن هنا يتبين أن قولنا بالاجماع على التقيد بجملة ما بين أيدينا من منقول الأقوال في القرون الفاضلة وعدم الاعتداد بما يخرج عنها، هذا قول حق موافق لما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم .. فإن ثبت لنا بأثر صحيح السند انخرام ما كنا من قبل نعده إجماعا، فلن نكابر كما يكابر المقلدة الذين ينكر عليهم ابن حزم هنا، وهكذا أيضا كان نهج علماء الصحابة رضي الله عنهم وفقههم: ايتونا بخارم معتبر بالدليل ممن نعتبر بخلافهم لما عددناه إجماعا (إذ اتفق عليه القوم وجرى عليه في المنقول إلينا عمل الجماعة) = نقر لكم حينئذ ونذعن بأنه ليس بإجماع.. وإلا فما أسهل الكلام في الدين وما أهونه إذا!!!
    الإجماع لا يجتمع للأمة إلا على ما وسع جماهير أهل النظر فيها معرفته من الأقوال في كل مسألة.. فهذا ما يجري عليه العمل حتى يثبت - إن ثبت - أنه ليس بإجماع! هو اتفاق، يغلب الظن على أنه لم يكن هناك قول خارج عنه، فهذا تكليفنا، ألا نخرج عنه، إن كان قولا واحدا لزمنا المصير إليه، وإن كانت عدة أقوال لم نخرج عن مجموعها، لا تقليدا وإنما اجتهادا في حدودها، على اعتقاد بأن الحق لن يخرج عن جملة تلك الأقوال .. فإن أدى بنا اجتهادنا إلى قول خارج عنها جميعا، ولم نسمع به سلفا من قبل عبر قرون الأمة الطويلة، اتهمنا فهمنا، وعلمنا أنه قول ساقط باطل وأننا قد أخطأنا فيه وإن رأيناه صحيحا، وسنجد من يثبت لنا بطلان استدلالنا الذي أدى بنا إليه إن أخلصنا وتأنينا في البحث والنظر لا محالة، لماذا؟ لأنه لا تزال طائفة من الأمة ظاهرين على الحق إلى يوم الدين، وغفلة القرون والأمصار عن هذا القول الجديد وعن العمل به هذه حجة تكفي لإسقاطه!
    فلا يكون لنا حجة إذا في قولنا "لعله قال به أحد قبلي"! نعم لعله، ولكن لو كان هو الصواب لما اندثر، وإن قال به إمام من أئمة الصحابة.. ولما خلت منه قرون المسلمين! فكيف اهتديت أنت يا متأخر يا مسكين إلى ما غفلت عنه قرون الأمة الفاضلة واحتجب عن جماهير علمائها؟؟
    لو كان القول حقا لقيض الله من ينشره في المسلمين ليكون له اعتبار بين أقوالهم المعمول بها في أمصارهم.. أما أن يخفى ويشذ ويندثر فلا!
    ألا ترى أن الله قد جبل الناس على عناية أهل كل صنعة بالصالح والمعتبر من الأقوال فيها وإهمال الشاذ والساقط منها؟ ألا ترى أننا نستبعد أن يقال بأن أهل صنعة من صنائع الدنيا أيا كانت، لما اختلفوا في مسألة من المسائل، وتوفرت لهم في زمانهم سائر الدواعي المعينة على معرفة الحق فيها وسائر المعارف اللازمة لذلك جاز أن تمر عليهم القرون الطويلة دون أن يهتدي أحد منهم إلى هذا القول الجديد؟ هذا مستبعد في صنائع مادتها علوم الدنيا التي تزيد بمر الزمان تراكما ولا تنقص.. فكيف إذا كانت مادة تلك الصنعة، مادة البحث والنظر فيها تنقص ولا تزيد ؟؟ فهي كلام نظري وتطبيق عملي لم يحظ بسماعه ولا برؤية تطبيقه الأول إلا هذا الجيل الأول من العالمِين به المختصين بأمره، ولا يعقل أن يتوفر لمن يأتي من بعدهم مثل ما توفر لهم من دواعي معرفة الحق فيه لبعد العهد وتناقص الطرق المؤدية إلى تلك المشكاة، فهل يتصور أن يأتي من بعد تلك القرون، - وهم من هم في الحرص على معرفة الحق وتحقيق الخلاف في الفتيا والمسائل وجمع الأقوال فيها عن أئمة تلك المشكاة - من يهتدي إلى ما لم ينقله أهل الصنعة عن هؤلاء ولم يعرف بينهم قطّ؟؟
    نعم قد يكون لك سلف بمثل هذا، ولكنه سلف ساقط غير ذي بال ولا شأن، ولو كان ذا بال وشأن لاعتنى أئمة القرون الفاضلة بقوله ولاعتدوا بخلافه ولأظهره الله! رأس الهرم في هذه الصنعة هناك، من قِبَلِ الأوائل السالفين لا من جهتنا نحن، فتأملوا يا أولي الألباب!!
    فليكن أن القول هذا قد اهتدى إليه أحد الناس في القرون الفاضلة ولم يبلغنا، فكان ماذا؟ كان هذا دليلا على وهائه أصلا وبطلانه وعدم اعتباره هو وصاحبه!! فالأمة لا تجتمع على ضلالة في جميع أعصارها فكيف بخير القرون وأعلمها وأقربها إلى المشكاة؟؟
    ولا يعنينا إذن أن كان قد ذهب إليه فقيه من فقهاء الإنس أو الجن ولم يبلغنا، فالعبرة بما عليه الجماعة: ما بلغنا منه وصح ثبوته، بعد إفراغ الوسع في تحريه .. وهذا هو الذي لزم ألا يخرج الحق عنه، أما استبطان أقوال من شذ من فقهاء الإنس والجن، انتصارا لنقض ما جرى عليه عمل الأمة، فلا نقبله من ابن حزم ولا من غيره، رحمة الله على الجميع!!

    والواقع أن في قوله هنا حجة عليه إذ يقول: "ثم انقضى عصر الصحابة رضي الله عنهم وأتى عصر التابعين فملؤوا الأرض بلاد خراسان وهي مدن عظيمة كثيرة وقرى لا يحصيها إلا خالقها عز وجل وكابل وفارس وأصبهان والأهواز والجبال وكرمان وسجستان ومكران والسودان والعراق والموصل والجزيرة وديار ربيعة وأرمينية وأذربيجان والحجاز واليمن والشام ومصر والجزائر وإفريقية وبلاد البربر وأرض الأندلس ليس فيها قرية كبيرة إلا وفيها من يفتي ولا فيها مدينة إلا وفيها مفتون فمن الجاهل القليل الحياء المدعي إحصاء أقوال كل مفتي في جميع هذه البلاد مذ أفتوا إلى أن ماتوا إن كل واحد يعلم ضرورة أنه كذاب افك ضعيف الدين قليل الحياء"

    قلت مهلا يا إمام، عفا الله عنك .. ليس بالسباب والرجم والتنقص من دين المخالف تقوم الحجة! من الذي ادعى أنه لم يكن هناك مخالفٌ قط في تلك الأمصار فيما يفتي به الناس؟؟ ليس كذلك! بل إن هذه الكثرة الوافرة لأهل العلم لمدعاة واضحة والله لخلاف ما تدعيه لأنه لو وجد قول مخالف له اعتبار وحظ من النظر لتلقته تلك الجماعة بالقبول ولانتشر في المسلمين ولتوارثته العصور التالية لعصره منقولا عن السالفين به!! ويكفي أن يدعي أحدهم أن هناك إجماعا على كذا، وينشر ذلك الزعم – حتى ولو كان انتشاره يحتاج إلى أكثر من قرن من الزمان فهو واقع لا محالة والحال كما تذكر – حتى يخرج من بلغه علم ناقض لذلك الإجماع المزعوم بسند عنده فينقضه ويكذبه، بل ويؤلف وينافح في الرد عليه ويدرس ذلك لتلامذته من بعده!!
    فلو كان القول المخالف حقا لوجد من ينافح عنه بين هؤلاء الجبال الشوامخ الكثيرين في زمان التابعين ومن تبعهم ومن تتلمذ عليهم، ولبقي في الأرض له أثر ولا شك!
    أما أن يندثر على هذا النحو ولا يبقى له ذكر، ثم يقال لعل أحدهم قال به وأفتى به في قريته ولم يتناقله الناس، فلا يمتنع أن يكون الحق فيه وأن ينتقض به الإجماع، فما رأينا أضعف من هذا ولا أوهن احتجاجا والله!!!
    هذا الذي يحتج به الإمام والله لهو أظهر على عظم الداعي لتناقل الفتاوى والأقوال على اختلافها ونشرها وطيرانها في الآفاق والأمصار بين حملة تلك العلوم، وليس على ضد ذلك!!! فرحمه الله وعفا عنه.

    يجب أن نميز بين دعوى وقوع الإجماع حقيقة بإطلاق على جميع من هم أهل للنظر في الأمة بلا مخالف، وبين دعوى عدم العلم بالمخالف.. فكل مجتهد مكلف بما انتهى إليه علمه، وإن كان قاصرا في ذلك عن إحصاء بعض أفراد الأدلة وآحادها، فنحن بشر على أي حال ولم نكلف إلا بما في وسعنا! وكل من ادعى وجود إجماع على مسألة بعينها وبلغنا مع ذلك خلاف معتبر فيها، فدعوى الإجماع مردودة عليه، كائنا من كان، ولا إشكال! فلا تأثير لتلك الحرب الضروس التي شنها الإمام رحمه الله على الذين يدعون العلم بامتناع وجود المخالف مطلقا في أي مكان في الأرض! فهي دعوى لا يقول بها عاقل أصلا وليست هي ما ينطلق منه مخالفوه!

    وأما قوله رحمه الله: " فإن قالوا إنما يقول المرء هذا إجماع عندي فقط قلنا قوله هذا كلا قول لأن الإجماع عنده إذا لم يكن إجماعا عند غيره فمن الباطل أن يكون الشيء مجمعا عليه عند غير مجمع عليه معا وأيضا فإن قوله هذا إجماع عندي باطل لأنه منهي عن القطع بظنه"

    فهذا تناقض من الإمام رحمه الله، لأن قول القائل "عندي" = دليل على بنائه كلامه على ظنه هو واجتهاده، لا على القطع!! ونحن مكلفون باتباع غلبة الظن ولا إشكال في ذلك! هذا هو ما انتهى إليه اجتهاده فكان الحق عنده، فلو ألزمناه بأن قوله "عنده" يلزم منه القطع واتباع الظن، لهدمنا باب الاجتهاد كله من أوله إلى آخره!!

    وكل ما ساقه بعد ذلك في الفصل من ذكر لأقوال للصحابة خالفوا فيها ما اجتمع عليه غيرهم هو احتجاج في غير محجة، لأننا نوافقه على أن وصول ذلك القول المخالف إلينا بسند صحيح فيه دلاله على أنه لم ينعقد الإجماع ابتداءا، ولولا توفر الداعي الحامل على نقل قول هذا المخالف لما نُقل، ولما كان سائغا لمن جاء من بعده أن يخالف هو الآخر موافقة لهذا القول!
    فالضابط في النهاية يبقى هو جملة ما وصل إلينا واجتمع بين أيدينا، وقامت به الحجة، لا ما هو موجود في الحقيقة ولا ما افترضناه من إمكان كذا وإمكان كذا وغفلة قرون الأمة عنه!!

    إلى أن قال: "وأما تنظيركم بأهل مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة والبلاد التي ظهر فيها وغلب عليها قول ما فهذا أعظم حجة عليكم لأنه لا يختلف اثنان أن جمهور القائلين بمذهب رجل ممن ذكرتم لم يخلو قط من خلاف لصاحبهم في المسألة والمسألتين والمسائل وكذلك لم تخل قط البلاد المذكورة من مخالف لمذهب أهلها ولا أكثر من غلبة مذهب مالك على الأندلس وإفريقية وقد كان طوائف علماء مخالفون له جملة قائلون بالحديث أو بمذهب الظاهر أو مذهب الشافعي وهذا أمر مشاهد في كل وقت ولا أكثر من غلبة الإسلام على البلاد التي غلب عليها ولله الحمد وإن فيها مع ذلك يهود ونصارى وملحدين كثيرا جدا فظهر فساد تنظيرهم عيانا وعاد ما موهوا به مبطلا لدعواهم وثبت بهذا حتى لو انتشر القول وعرفه جميع العلماء وإن في الممكن أن يخالفه جمهورهم أو بعضهم ...."

    قلنا وحينئذ ينظر في القول المخالف لو كان مستندا على نظر في الدليل، وكان له سلف في القرون الفاضلة، (والقرون الفاضلة يدخل فيها الأئمة الأربعة كما هو معلوم) كان قولا مقبولا، يسوغ الخلاف به، ولكن ما خرج عن تلك الصفة، عددناه من الشذوذ عن جملة ما اتفقت عليه جماعة القرون الفاضلة .. أما من ادعى أن هناك إجماعا على قول تمذهب هو به من أقوال بعض الأئمة أيا ما كان واقع الحال وطبيعة خلاف من يخالفونه في ذلك القول ومستنداتهم، وحتى مع وجود من وصل إلينا النقل بخلاف قوله ممن يعتبر بخلافهم، فهذا زعمه ساقط منه لا التفات إليه ولا شك!!
    وأما هل يعذر صاحب هذه الدعوى بدعواه تلك أم لا، فنقول لو أنه علم - دونما تفريط منه في البحث والنظر - بأن هناك مخالف لقوله وأصر على دعوى الإجماع فيه فإنه يلام على ذلك ويرد عليه قوله، وإلا فهو مجتهد من أهل الأجر الواحد، ونحن نحسن الظن بأئمة المسلمين جميعا، وهذا منهجنا الذي ندين الله به ولله الحمد والمنة..

    وبناءا على جميع ما تقدم بيانه، ورجوعا إلى أصل الموضوع نقول بأنه حتى لو فرض وجود مخالفين من الجن لإجماعاتنا، فإن مخالفتهم لا عدة بها ولا اعتبار عندنا نحن للأسباب التي سبق بيانها،
    أما سؤال هل مخالفتهم هذه تغنيهم عن الأخذ بإجماعنا أم أنها لا اعتبار بها عندهم أيضا، فهذه تحتاج إلى استقراء ما كلفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم وخصهم به من التكليف، وهذا كما لا يخفى فيه تكلف ما لا نطيق، ولا طريق الى معرفته، وعساه أن يدخل في قوله تعالى: ((ولا تقف ما ليس لك به علم)) .. والله أعلى وأعلم.
    وإن كنا نقول بأنه باب لو استدعى فتحه إفسادا للدين عندنا فنظير ذلك بالقياس يقال عندهم بل ومن باب أولى! فنحن مفضلون عليهم في التكليف وهم كما هو معلوم أخف عقولا من بني آدم، وإن كانوا مكلفين مثلهم .. وإخراجهم من عموم النصوص كأمثال ((ومن يتبع غير سبيل المؤمنين)) و"ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن" ونحوه من أدلة حجية الإجماع، يفتقر إلى دليل مخصص فيما بلغنا من النصوص، فلعله يوجد ذلك النص المخصص عندهم فيما خصهم الله به من تشريع علمه إياهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذن فلا سبيل لنا إلى معرفته، وإلا فالإجماع – إجماعنا نحن البشر - حجة علينا وعليهم على السواء، ولهذا كان تحرير القول على ما بينته في المشاركة قبل الآنفة، والله أعلى وأعلم.
    هذا ما يسره الله لي من تعقب على استدلالات الإمام رحمه الله في هذا الفصل، وتحرير لما رأيته يربطها بمادة النقاش في هذه الصفحة، ولو اتسع الوقت لمزيد من التعقب لزدنا بحول الله وقوته، ولكن ظني أن هذا القدر فيه الكفاية، والله أعلى وأعلم. فما أصبت فيما كتبت فمن الله وحده وله الحمد والمنة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وما أخطأت فمن نفسي العليلة ومن الشيطان، فأسأل الله العفو والمغفرة .. والحمد لله رب العالمين.
    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    20

    افتراضي رد: هل الجن يتحاكمون الى الشريعة ؟

    بارك الله في الأخوان و الذين ردوا جميعا

    و لكن ألم تخرجوا عن الموضوع ؟؟؟؟ ( ابتسامة )

    فالموضوع مازال غامض !

    تحياتي

  10. #10
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,249

    افتراضي رد: هل الجن يتحاكمون الى الشريعة ؟

    أخي الفاضل بارك الله فيك، أظن أن سؤالك قد أجيب عليه بالفعل في المشاركة رقم 3 (ابتسامة)
    والله أعلم
    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    20

    افتراضي رد: هل الجن يتحاكمون الى الشريعة ؟

    اخي ابو الفداء

    بارك الله فيك

    و جزاك الله خير على مشاركاتك

    و لكن لم تشفي الغليل

    فهناك اسئلة كثيرة لم يتم الإجابة عليها

    تحياتي

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •