« حَقِيْقَة شَهَادَة أنّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللهِ »
لِسَمَاحَة المُفْتِيّ العَلاَّمَةِ عَبْدِ العَزِيزِ آل الشَّيْخ
مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء
- حفظه الله ورعاه -


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ


الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين ، أما بعد :
فإننا اخترنا أن تكون الكلمة في هذا العدد المبارك في مجلة البحوث الإسلامية ، حول حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله ، وذلك لدعاء الحاجة بل والضرورة لذلك ، ولما نرى من جهل كثير من المسلمين ، فضلا عن غيرهم بحقيقة شهادة أن محمدا رسول الله ، ووقوعهم فيما يخالفها مما يناقضها أو يضاد كمالها أو ينقص به إيمان العبد بها ، فكان لزاما أن نبين ذلك نصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم امتثالا لأمر الله سبحانه : ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [ سورة الذاريات الآية 55 ] ، وقوله : ﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾ [ سورة الأعلى الآية 9 ] ، وقوله : ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ﴾ [سورة الغاشية : 21 -22 ] إلى غير ذلك من الآيات ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - : « الدين النصيحة ، الدين النصيحة ، الدين النصيحة . قال الصحابة: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ». رواه مسلم .

فواجب على كل من عرف الحق بدلائله أن يبينه وينشره بين الناس ، سيما في هذه الأزمان التي اشتدت فيها غربة الإسلام ، وبات المعروف فيها منكرا والمنكر فيها معروفا ، وقل من يرفع رأسه بالحق ويظهره فلا حول ولا قوة إلا بالله وسلوانا قول الرسول صلى الله عليه وسلم : « بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء ». [ صحيح مسلم الإيمان (145)] .

وقبل البدء في ذلك أقدم بمقدمة أرى أنها نافعة فأقول مستعينا بالله :

لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح ، أمر ملائكته بالسجود له ، وكان إبليس من الجن ، وليس من الملائكة ، وإنما دخل في خطابهم لتوسمه بأفعال الملائكة وتشبهه بهم وتعبده وتنسكه ، لكن حين أمروا بالسجود وسجد الملائكة ، لم يسجد إبليس اللعين : ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ [ سورة البقرة الآية 34 ] . ويقول سبحانه في سورة الكهف : ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴾ الآية [ : 50] ، أبى أن يسجد لآدم كبرا وحسدا وبغيا فكان عاقبته أن طرد من رحمة الله وحلت عليه لعنة الله ، لكن الخبيث ازداد بغيه وعظم حقده على آدم وذريته وطلب من الله الإنظار إلى يوم القيامة فأنظره الله ، عند ذلك قال - كما قص الله خبره - : ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾ [ سورة الأعراف : 16- 17 ] ، والمعنى أنه أقسم أن يضل عباد الله من بني آدم عن طريق الحق وسبيل النجاة لئلا يعبدوا الله ولا يوحدوه ويسلك شتى الطرق لصدهم عن الخير وتحبيب الشر لهم . ومثله قوله تعالى قاصا خبره : ﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّ هُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ [ سورة الحجر : 39 - 40 ] ، وقوله سبحانه : ﴿ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا ﴾ الآية [ سورة الإسراء الآية 62 ] .
فلم يزل بآدم عليه السلام وذريته وسوسة وإغواء وإضلالا حتى تسبب في إهباط آدم من الجنة وقتل ابن آدم لأخيه ، ولم يكفه هذا فلما مر ببني آدم الزمان وطال عليهم العهد بالنبوة حسن إليهم الشرك وأغواهم فكان له ما أراد ، وصدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه ، ووقعوا في الشرك ، وكان أول ذلك زمن قوم نوح حين عبدوا الأصنام ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا ، وكانت هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح عليه السلام فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد ، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت ، هذا ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما كما في البخاري . وروى ابن جرير عن محمد بن قيس قال : " كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح وكان لهم أتباع يقتدون بهم فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم ، فصوروهم ، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم" .

هكذا بدأ الشرك في بني آدم ، بسبب إغواء إبليس لهم ، لكن الله سبحانه بحكمته وعلمه ورحمته بعباده لم يتركهم هملا يغويهم إبليس وجنده ، بل أرسل إليهم الرسل لتبين لهم الدين الحق ، وتحذرهم من الشرك والضلال رحمة منه بعباده ، وإقامة للحجة عليهم : ﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ [ سورة الأنفال الآية 42 ] يقول الله سبحانه وتعالى : ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [ سورة النساء الآية 165 ] ويقول سبحانه : ﴿ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ *وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ [ سورة الأنعام : 48 - 49 ] .

وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا أحد أغير من الله ، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل ، من أجل ذلك مدح نفسه ، ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين » ، وفي لفظ آخر: « من أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه » . فأرسل الله الرسل إقامة للحجة على عباده وإعذارا لهم . وهذه الرسالات من نعم الله على خلقه أجمعين؛ إذ حاجة العباد إليها فوق كل حاجة ، وضرورتهم إليها فوق كل ضرورة ، فهم في حاجة إلى الرسالة أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب والدواء ، إذ قصارى نقص ذلك أو عدمه تلف الأبدان ، أما الرسالة ففيها حياة القلوب والأديان ، بل والرسالة ضرورية في إصلاح العبد في معاشه ومعاده ، فكما أنه لا صلاح له في آخرته إلا باتباع الرسالة ، فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباع الرسالة ، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - [ (( مجموع الفتاوى )) (19 / 99 ) ] ، أرسل الله الرسل وجعلهم بشرا من أقوام المرسل إليهم وبلسانهم ليبينوا لهم الدين الحق : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [ سورة إبراهيم الآية 4 ] . وكل أمة بعث فيها رسول ، قال عز وجل : ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ﴾ [ سورة يونس الآية 47 ] .
وقال سبحانه : ﴿ وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ﴾ [ سورة فاطر الآية 24 ]. بعثوا جميعا بدين واحد وهو الإسلام؛ إخلاص الدين لله ، وتجريد التوحيد له سبحانه ، واجتناب عبادة ما سواه : ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [ سورة النحل الآية 36 ] ، وقال سبحانه : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [ سورة الأنبياء الآية 25 ] وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : « الأنبياء إخوة ، أمهاتهم شتى ودينهم واحد » متفق عليه .

وكذلك أيضا كل رسول يأمر قومه بطاعته إذ هذا مقتضى الرسالة يقول عز وجل : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [ سورة النساء الآية 64 ]. ولم تزل الرسل تتابع إلى أقوامهم لدعوتهم إلى التوحيد ونبذ الشرك ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى ﴾ الآية [ سورة المؤمنون الآية 44 ] ، إلى أن جاء موسى وبعده عيسى عليهما السلام وظهرت في كتبهما البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ، يقول الله عز وجل : ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ﴾ [ سورة الأعراف الآية 157 ] ، ويقول عز وجل : ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾ [ سورة الصف الآية 6 ] . وبعد أن رفع عيسى عليه السلام وطال ببني آدم العهد قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم حمل إبليس بخيله ورجله على بني آدم فأضلهم ضلالا بعيدا ، وأوقعهم في الكفر والشرك والضلال بصنوفه إلا قليلا منهم ، وبلغ من حالهم أن مقتهم الله سبحانه عربهم وعجمهم إلا القليل ، ثم بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي يقول : « يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة » [ سنن الدارمي المقدمة (15) ] ، بعث والحال كما أخبر به صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه حيث قال - صلى الله عليه وسلم - في خطبته : « ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا ، كل مال نحلته عبدا حلال ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم . وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا . وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب . وقال : إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك ، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء ، تقرؤه نائما ويقظان . . . » الحديث . فرفع الله عنهم هذا المقت برسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعثه رحمة للعالمين ، ومحجة للسالكين ، وحجة على الخلائق أجمعين ، أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، فختم به الرسل ، وهدى به من الضلال ، وعلم به من الجهالة ، وفتح برسالته أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا ، فأشرقت الأرض بعد ظلماتها ، وتألفت بها القلوب بعد شتاتها ، فأقام به الملة العوجاء وأوضح بها المحجة البيضاء ، رفع الله به الآصار والأغلال وجعل رسالته عامة للإنس والجان ، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ ﴾ [ سورة سبأ الآية 28 ] ، ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ [ سورة الأعراف الآية 158 ] .

أرسله الله على حين فترة من الرسل ودروس من الكتب حين حرف الكلم وبدلت الشرائع واستند كل قوم إلى أظلم آرائهم وحكموا على الله وبين عباد الله بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم ، فهدى الله به الخلائق ، وأوضح به الطريق ، وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور ، وأبصر به من العمى ، وأرشد به من الغي ، وفرق به ما بين الأبرار والفجار ، وجعل الهدى والفلاح في اتباعه وموافقته ، والضلال والشقاء في معصيته ومخالفته ، رؤوف رحيم بالمؤمنين حريص على هداية الخلق أجمعين عزيز عليه عنادهم وتعنتهم : ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِين َ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة التوبة الآية 128 ] .
خلاصة دعوته البشارة والنذارة والدعوة إلى الله ببصيرة وحكمة ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾ [ سورة الأحزاب الآية 45 ] .

هو خاتم الأنبياء وشريعته وكتابه المهيمن على سائر الشرائع والكتب الناسخ لها : ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾ [ سورة الأحزاب الآية 40 ] ، ويقول عز وجل : ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ [ سورة المائدة الآية 48 ] . هو - صلى الله عليه وسلم - محمد وأحمد ، والماحي يمحو الله به الكفر ، والحاشر يحشر الخلائق على قدمه ، والعاقب ليس بعده نبي ، وهو نبي التوبة ونبي الرحمة - صلى الله عليه وسلم - ، له الحوض المورود والمقام المحمود الذي يحمد عليه الخلائق ، وذلك حين يخر ساجدا تحت العرش ويحمد ربه بمحامد يفتحها عليه ، ثم « يقال له - صلى الله عليه وسلم - : ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع » .

شرح الله صدره ووضع عنه وزره وجعل الذلة على من خالف أمره ورفع له ذكره ، فلا يذكر الله سبحانه إلا ذكر معه ، وكفى بذلك شرفا ، وأعظم ذلك الشهادتان ، أساس الإسلام ومفتاح دار السلام ، عاصمة الدماء والأموال والأعراف ، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله .

فمعنى لا إله إلا الله ، لا معبود بحق إلا الله سبحانه .
وأركانها النفي والإثبات : ( لا إله) نافيا جميع ما يعبد من دون الله ، ( إلا الله) مثبتا العبادة لله وحده لا شريك له . وشروطها: العلم واليقين والقبول والانقياد والصدق والإخلاص والمحبة ، وزاد بعضهم شرطا ثامنا وهو الكفر بما عبد من دون الله .

وتحقيق هذه الشهادة ألا يعبد إلا الله ، وحقها فعل الواجبات واجتناب المحرمات .

هذه جمل مختصرة في شهادة ألا إله إلا الله ، أما تفاصيلها فلا تحتملها هذه الكلمة اليسيرة .

أما حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله فهي متضمنة لأمور ، رأسها وأساسها الإيمان به ، وذلك بالإيمان واليقين التام بأنه رسول الله حقا ( محمد رسول الله ) وأن رسالته عامة للبشر عربهم وعجمهم يقول الله سبحانه : ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ [ سورة الأعراف الآية 158 ] ، ويقول عز وجل : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾ [ سورة سبأ الآية 28 ] .

ويقول - صلى الله عليه وسلم - : « كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة » متفق عليه ، ويقول أيضا صلى الله عليه وسلم : « والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار » رواه مسلم .

بل رسالته تعم الجن أيضا : ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ﴾ [ سورة الأحقاف الآية 29 ] إلى قوله تعالى : ﴿ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ *وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [ سورة الأحقاف الآية 31 - 32 ] .

ومن الإيمان به الإيمان بأنه صلى الله عليه وسلم عبد لا يعبد ، ورسول لا يكذب . ومن الإيمان به الإيمان بأنه خاتم الأنبياء والمرسلين ، وأن كتابه القرآن الكريم هو آخر الكتب المنزلة المهيمن عليها ، وشريعته هي الناسخة للشرائع قبلها ، يقول عز وجل : ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾ [ سورة الأحزاب الآية 40 ] ، ويقول عز وجل : ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ [ سورة الأعراف الآية 157 ] ، ويقول سبحانه : ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [ سورة آل عمران الآية 85 ] .

وقد أجمع المسلمون على ذلك وهو عندهم من العقائد الثابتة بيقين والإيمان بالرسول - صلى الله عليه وسلم - قد جاءت به الآيات صريحة قاطعة للمعذرة يقول الله عز وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ ﴾ [ سورة النساء الآية 170 ] ، ويقول سبحانه : ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [ سورة الأعراف الآية 158 ] .

ويقول سبحانه : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ ﴾ [ سورة النساء الآية 136] ، بل إن الله أخذ ميثاق النبيين على الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ونصرته فلا يسع أحدا منهم لو كان حيا وقت بعثته صلى الله عليه وسلم إلا اتباعه يقول الله عز وجل : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّ هُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ *فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [ سورة آل عمران الآية 81- 82 ] .

ومن حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر والاستجابة لدعوته - صلى الله عليه وسلم - فقد جعل الله طاعة الرسول طاعة له سبحانه وقرن طاعته بطاعة الرسول في أكثر من موضع في كتابه ، يقول عز وجل : ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [ سورة النساء الآية 80 ]. ويقول سبحانه : ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ [ سورة النور الآية 54 ] . ويقول عز وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ [ سورة النساء الآية 59 ] .

وعلق الهداية على طاعته - صلى الله عليه وسلم - فقال سبحانه : ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ [ سورة النور الآية 54 ] ، وجعل من حقق طاعة الله ورسوله في زمرة أشرف الخلق فقال عز وجل : ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِين َ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [ سورة النساء الآية 69 ] . بل علق على طاعة الله ورسوله الفوز العظيم ألا وهو دخول الجنات ، قال سبحانه : ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [ سورة النساء الآية 13 ] .

وأما تصديق خبره فهو حقيقة الشهادة ولا تتم الشهادة إلا بتصديقه وإلا كان كاذبا منافقا وقد أثنى الله على المسلمين بتصديقهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال عز وجل : ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [ سورة الزمر الآية 33 ] .
قال مجاهد وقتادة والربيع بن أنس وابن زيد : الذي جاء بالصدق هو الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ ﴾ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ قال : المسلمون .

وقد ذم الله من كفر بالرسول صلى الله عليه وسلم وتوعده بأشد العذاب ، قال تعالى : ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ﴾ [ سورة الزمر الآية 32 ] ، وقال في سورة المدثر فيمن كذب خبر الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من القرآن يقول الله عز وجل : ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا ﴾ إلى أن قال سبحانه : ﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ *فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ *فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ *سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ .

بل إن سنة الله فيمن كذب رسله ماضية في نزول العذاب والهوان بهم ، يقول الله سبحانه : ﴿ إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ﴾ [ سورة ص الآية 14 ] ،ويقول سبحانه : ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [ سورة المؤمنون الآية 44 ] .

ودليل الاستجابة لدعوته صلى الله عليه وسلم ، قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ [ سورة الأنفال الآية 24 ] .

فأمر بالاستجابة للرسول صلى الله عليه وسلم وقرنها بالاستجابة لله سبحانه وتعالى ، وسمى ما يدعو إليه صلى الله عليه وسلم حياة؛ لما فيه من نجاتهم وبقائهم وحياتهم بالإسلام بعد موتهم بالكفر . وحذر من عدم الاستجابة للرسول صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه : ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [ سورة القصص الآية 50 ] .

ومن حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله محبته صلى الله عليه وسلم ونصرته وموالاته وتعظيمه ، وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم تكون النصرة لسنته صلى الله عليه وسلم ، فدليل محبته صلى الله عليه وسلم قوله صلى الله عليه وسلم : « فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده » ، وفي حديث أنس عنه صلى الله عليه وسلم : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين » متفق عليه . وقوله صلى الله عليه وسلم : « ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما . . .» الحديث .

وتوعد الله سبحانه من قدم محبة أحد كائنا من كان على محبة الله ورسوله فقال سبحانه : ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوه َا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [ سورة التوبة الآية 24 ] .

ولما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه لرسول الله صلى الله عليه وسلم : والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه » فقال عمر : فأنت الآن والله أحب إلي من نفسي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الآن يا عمر » .

ودليل النصرة والتعظيم قوله تعالى : ﴿ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [ سورة الأعراف الآية 157 ] وقال سبحانه : ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [ سورة الفتح : 8 -9 ] ، ويقول سبحانه : ﴿ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّ هُ ﴾ [ سورة آل عمران الآية 81 ]
ووصف طائفة من المؤمنين وأثنى عليهم بقوله سبحانه : ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ [ سورة الحشر الآية 8 ] ، ويقول سبحانه : ﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ﴾ [ سورة التوبة الآية 40 ] ، ويقول سبحانه : ﴿ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ﴾ [ سورة النور الآية 63 ] ، ودليل الولاية قوله تعالى : ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [ سورة المائدة : 55 -56 ] . ويقول عز وجل : ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَة ُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ [ سورة التحريم الآية 4 ] .

ومما يدخل في حقيقة هذه الشهادة العظيمة التسليم له صلى الله عليه وسلم وتحكيم شرعه والتحاكم إليه والرضا به ، والدليل قوله تعالى : ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [ سورة النساء الآية 65 ]، وقال سبحانه في صفة المؤمنين مثنيا عليهم ومشيدا بهم : ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [ سورة النور الآية 51 ] .
وقال سبحانه واصفا المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون : ﴿ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِين َ *وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ *أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [ سورة النور الآية 47 -50 ] ،وقال سبحانه أيضا فاضحا أمرهم مشددا في ترك طريقهم : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا *وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ﴾ [ سورة النساء الآية 60 -61 ] .

فتحكيم شرع الله وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في كل صغيرة وكبيرة ، الأفراد على أنفسهم وكذلك الحكام وولاة الأمر على رعاياهم ومن تحت أيديهم واجب فرض متحتم لا محيد عنه لمؤمن مسلم بل هو من حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله .

ومن حقيقة هذه الشهادة العظيمة -شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم- الاقتداء والتأسي به صلى الله عليه وسلم واتباع سنته والرد إليه في حياته عند التنازع ، وإلى سنته بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وتقديم سنته على رأي كل أحد كائنا من كان والحذر من مخالفته ومشاقته ومحادته صلى الله عليه وسلم . يقول الله عز وجل : ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [ سورة الأحزاب الآية 21 ] ، ويقول عز وجل : ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [ سورة الحشر الآية 7 ] .
ولما ادعى أقوام محبة الله سبحانه أنزل آية الامتحان في سورة آل عمران وهي قوله تعالى : ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ [ الآية 31 ] .

ويقول أيضا جل وعلا : ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [ سورة النساء الآية 59 ] ، ويقول عز وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [ سورة الحجرات الآية 1] ،ويقول سبحانه وتعالى : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ [ سورة الأحزاب الآية 36 ] ،وقال سبحانه وتعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [ سورة النور الآية 63 ] .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء ، أقول: قال رسول الله ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر .

وقال الشافعي يرحمه الله : أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد .

وقال أحمد رضي الله عنه : عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته ، يذهبون إلى رأي سفيان ، والله تعالى يقول : ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك ، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك . اهـ .

هذا قول أحمد فيمن اتبع رأي سفيان وهو الثوري الإمام الزاهد العابد الثقة الفقيه ، إذا كان رأيه يخالف الحديث فكيف ممن هو دونه ؟!

ويقول الله عز وجل : ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [ سورة النساء الآية 115 ] ، وقال سبحانه : ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [ سورة الأنفال الآية 13 ]،

ويقول عز وجل : ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ ﴾ [ سورة التوبة الآية 63 ] .

هذه هي حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من التفصيل والبيان . وقد أجملها بعض أهل العلم -وهو الشيخ محمد بن عبد الوهاب يرحمه الله- فقال في معناها : طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما عنه نهى وزجر ، وألا يعبد الله إلا بما شرع .


يتبع - إن شَاءَ اللهُ تَعَالَى - .