سلسة التحذير من تتبع الرخص 1- مقدمة للشيخ خالد السبت
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: سلسة التحذير من تتبع الرخص 1- مقدمة للشيخ خالد السبت

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المشاركات
    1,276

    افتراضي سلسة التحذير من تتبع الرخص 1- مقدمة للشيخ خالد السبت

    التحذير من تتبع رخص الفقهاء للشيخ/ خالد بن عثمان السبت
    المجلس الأول
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
    لقد عشنا برهة من الزمن والناس يرجعون إلى أقوال علمائهم ويستفتونهم فيما وقع لهم من المسائل العارضة والمستجِدة، ثم يأخذون بما أفتوهم به، على اختلاف طبقات هؤلاء السائلين والمستفتين، فمنهم من يأخذ المسألة بدليلها، ويتمكن من معرفة شيء من ذلك، وله نوع من البصر في هذه القضايا، وكان الناس في خير كثير، وفي عافية مع وجود الأهواء، وهذا شيء لا ينكر في كل زمان وفي كل مكان، إلا أنه قد فُتح على الناس باب لربما يكون ضرره عليهم أعظم من النفع الذي يجنونه، وذلك أنه لما تطورت وسائل الاتصال وصار الناس في العالم أجمع يسمعون قول القائل، ويتعرفون على فتوى المفتي في مشارق الأرض وفي مغاربها، فصار الناس يتناقلون هذه الأمور، وصار السابق في نشر فتياه وما يعتقده وما يقرره من المسائل صار السابق في ذلك والأوسع انتشاراً من سبق إلى هذه الوسائل الإعلامية التي يراها الصغير والكبير، الرجل والمرأة على حد سواء، ولما كانت الأهواء غلابة وجدت طائفة ممن يتصدر للكلام في مسائل العلم والدين والفتيا والحلال والحرام، فوجدت طائفة تفتي الناس بحسب أهوائهم وأمزجتهم، وبحسب ما يروق لهم بدعوى التسهيل والتيسير، فأعجب فئام من الناس بمثل هؤلاء، وصاروا أتباعاً لهم، يدافعون عنهم أشد المدافعة، بل لربما تنقصوا العلماء الذين لزموا كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، واستمروا على الجادة الصحيحة التي تنضبط بها الفتيا.
    الحاصل لما كانت الأهواء غلابة، ووجد من يفتي الناس بحسب أهوائهم، وصارت هذه الفتاوى تصل إلى جميع الناس عن طريق هذه الوسائل في الفضائيات وفي غيرها، صار خطر ذلك على الناس عظيماً كبيراً، مهدداً بانسلاخ من الدين وصاحَب ذلك ظن كثير من الجهال أن الإنسان يخرج سالماً من المسألة إذا جعل بينه وبين النار عالماً، وأنه ليس عليه كي يخرج من الحرج إلا أن يعلق هذه المسألة برقبة مفتٍ من المفتين، وإن لم يكن أهلاً للفتيا، فيكون بذلك بريء الساحة، لا يلحقه ذم ولا عتاب ولا مؤاخذة، والذي أريد أن أنبه عليه وهي مسألة أصلية مهمة وكل إنسان ينبغي أن يهتم بدينة، وبسلامة اعتقاده ومسلكه إلى الله -تبارك وتعالى-، أقول: نصيحة لنفسي ونصيحة لإخواني:
    ينبغي أن نعلم أولاً: أن الحق واحد في المسائل المختلف فيها، وأعني بالخلاف هنا خلاف التضاد، هذا يقول: حرام، وهذا يقول: حلال، هذا يقول: يجوز، وهذا يقول: لا يجوز، هذا يقول: واجب، وهذا يقول: مباح، الحق في ذلك واحد عند الله -تبارك وتعالى-، فمهما أفتاك الناس، ومهما قالوا في هذه المسألة من التحليل، وأوردوا على قولهم من الأدلة فإن ذلك لا يغير من حقيقة الحكم شيئاً، هذه قضية ينبغي أن نعرفها أن الحكم عند الله ثابت، ففتوى المفتي لا تقلب الحكم عند الله -عز وجل-، فهذا الذي قيل لك: إنه حلال قد لا يكون الأمر كذلك عند الله -تبارك وتعالى-، ولذلك وجب على الإنسان أن يتحرى الصواب، وأن يعرف من يسأل ليقع على الصواب، أو ليخرج من التبعة، وذلك إن كان مقلداً بأن يسأل من هو أهلٌ للفتيا، ومن هو أهلٌ لأن يرجع إليه ويسال، وتؤخذ عنه هذه المسائل والأحكام والقضايا المتعلقة بالشريعة، فإذا عرفت أن الحق واحد فينبغي أن تبحث عن هذا الحق فإن أصبته فالحمد لله، وإن أخطأته فالله -عز وجل- غفور رحيم، فإن سألت من هو أهلٌ للفتيا فأفتاك ولم يقع على الصواب فأنت معذور عند الله -تبارك وتعالى-، ولكن البلية حقاً هي أن يفعل الإنسان ذلك بأن يسأل من ليس أهلاً للفتيا، أو بأن يسأل من يعلم أنه يوافق هواه في هذه المسألة فيكون متتبعاً للرخص.
    ولا شك أن تتبع هذه الرخص يؤذن بالانسلاخ من الدين، وذلك أن الله -عز وجل- حينما وضع هذه الأحكام الشرعية، وطالبنا بالعمل بها، وكلفنا بالقيام بها وتحقيقها في واقع الحياة، وأن نجري على مقتضاها لما أمرنا الله -عز وجل- بذلك إنما أمرنا به لحكمة؛ لأن هذه الأحكام التي يأمرنا الشارع بها مشتملة على حكم عظيمة فإذا تتبعنا الرخص وقعنا في عملية مسخ، وخرجنا من هذه الحكمة التي وضع الله -عز وجل- الأحكام لتثبيتها وتقريرها فصار فعلنا بذلك نوعاً من الانفلات من حكم الشريعة، وصار الإنسان بهذا العمل متتبعاً للرخص، أي متتبعاً لهواه هذه واحدة.
    وأمر آخر: وهو أن الشريعة من حيث العموم والإجمال قد وضعت على خلاف داعية الهوى، فإذا التبس عليك أمر فانظر إلى الهوى أين يتجه؟ فغالباً تجد أن حكم الشريعة مخالف لداعية الهوى؛ لأن الشريعة إنما وضعت لانتشال المكلف وانتزاعه ورفعه من داعية هواه ليتخلص من رق الهوى، ومن عبادة النفس والشيطان إلى عبادة الملك الديان -جل جلاله-.
    فأقول: هذه قضية أصلية، فإذا كان الإنسان متتبعاً للرخص فهو في الواقع يدور مع هواه حيث دار، وصار مخالفاً لقصد الشارع بوضع الشريعة، وبتكليفه بها، أي أن الشارع قصد انتشال المكلف من داعية الهوى، فإذا تتبع الإنسان الرخص صار دائراً مع هواه حيث دار.
    وأمر آخر: أن تتبع الرخص مؤذن بسقوط التكاليف، فهذا الإنسان الذي يتبع الرخص ينظر في كل مسألة ما هو الأخف؟ وما هو الأيسر؟ وما هو الذي أيسر في العمل؟ وما هي الفتيا التي ترخص له في مقارفة هذا الحرام؟ فيفعل هذه الأشياء فيكون ذلك سبباً في سقوط التكليف أصلاً، فمثلاً الآن لو جاءنا إنسان وأخذ برخصة بعض أهل العلم في أن الأغاني حلال بالمعازف هذه واحدة، ثم جاء إلى مسائل العورات فقال: الفخذ ليس بعورة كما قال بعض أهل العلم، فصار الفخذ ليس بعورة، فلبس سراويلات قصيرة، وصار يسمع الأغاني، وجاء إلى فتوى من أفتى بأن اللحية لا يجب إعفائها، وإنما هي سنة فأخذ بهذا القول، وجاء إلى من قال: بأن التدخين حلال، وصار يدخن، وجاء إلى فتيا من أفتى بأن القات -وهو نوع من المخدر- أنه زاد الصالحين، كما يقول بعضهم، فصار يأكل من هذا القات، أو كما يقال: خزن من هذا القات، وجاء إلى فتيا مفتٍ آخر يعلل لنفسه وهو يدرس أصول الفقه، يقول: تعليمي لكم الأصول واجب، ولا أتمكن إلا بالتدخين، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فيجوز للإنسان أن يدخن بهذا الاعتبار، فصار يرخص لنفسه أن يفعل ذلك، وأخذ بقول من قال: بأن صلاة الجماعة ليست بواجبة، وأخذ بقول من قال: بأن المتعة أن يتفق مع امرأة -على خلافٍ في التفاصيل- فيتزوجها ساعة، عقد لمدة ساعة أو يوم أو نصف يوم أو ساعتين بحسب الحاجة، ثم ينفسخ العقد تلقائياً بعد انتهاء المدة، نكاح المتعة المعروف، فأخذ بقول من أجازه من العلماء، ثم جاء إلى قول أهل الكوفة في مسألة النبيذ المسكر فأخذ به فصار يشرب المسكرات من غير عصير العنب بزعمه أن ذلك يجوز، وأنه أفتى به بعض السلف، فصار الرجل يخرج سكران، وعليه سراويلات قصيرة، ويسمع الأغاني، ويحلق لحيته، ويأخذ في مسألة الربا -في باب الصرف- بقول طائفة السلف في هذه المسألة، ثم هو يدخن، ويأكل القات، ويبيع المخدرات على غير المسلمين، يأخذ بقول من قال: إنه لا بأس ببيع الخمور والمخدرات والسموم ونحوها لغير المسلمين ممن يتعاطونها ويأكلونها ولا يرون بها بأساً، لا مانع من الاتجار بها، وجمّع المليارات من هذه التجارة، ما تقولون في هذا الإنسان؟ هذا خرج من التكليف تماماً، هل هذا إنسان مكلف؟! هذا إنسان غير مكلف.
    فأقول: تتبع الرخص هو في الواقع تمرد على التكليف، تمرد على الشريعة، خروج عنها، وهذا الخروج بزعمه أنه بفتاوى، وهذه الفتاوى لا تنفعه عند الله -تبارك وتعالى-، وإنما هو أراد أن يبرر لنفسه أمراً، والله -عز وجل- الموعد.
    وأمر آخر: أن العلماء قد أجمعوا على أن من تتبع الرخص فهو فاسق، من تتبع رخص الفقهاء فهو فاسق، والشارع قصد إثبات العدالة للمسلم، ونهاه عن كل موجب للفسق، فالفسق إنما يجر إليه فعل المحرمات، وترك الواجبات، فتتبع الرخص نقل غير واحد من العلماء أنه أمر يوجب فسق من فعله، وقد قال ذلك الإمام أحمد -رحمه الله- والمروزي، ونقل الإجماع على فسقه ابن حزم وابن عبد البر وأبو الوليد الباجي من المالكية، وقال الأوزاعي -رحمه الله -: "من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام".وأمر آخر: وهو أن الواجب على المسلم في حال الاختلاف أن يرجع إلى من؟ أن يرجع إلى الله وإلى رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فالله يقول: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}[(10) سورة الشورى] ويقول: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}[(65) سورة النساء] يعني: فيما اختلفوا فيه: {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}[(65) سورة النساء] فالواجب في حال الاختلاف أن يرجع الإنسان إلى الله وإلى رسوله -صلى الله عليه وسلم-، والرجوع إلى الله رجوع إلى كتابه، والرجوع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجوع إلى سنته -عليه الصلاة والسلام-، هذا هو الواجب على المسلم، وهذا هو الذي أمر الله به، فإذا تتبع الإنسان الرخص فهو في الواقع قد رجع إلى أين؟ يكون قد رجع إلى هوى النفس وشهوتها ومطلوباتها ومحبوباتها، ولم يكن محتكماً إلى الله -عز وجل- وإلى رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وبالتالي لم يكن مستجيباً لنداء الله -تبارك وتعالى- وأمره وتوجيهه في مثل هذه المقامات.
    فالحاصل أن من أخذ أحد هذين القولين لمجرد التشهي فهو متبع للهوى، وليس متبعاً للكتاب والسنة، وإن زعم أنه متبع لكتاب الله وسنة رسول -صلى الله عليه وسلم-.
    ثم إن أتباع هذه الرخص سبب لذهاب هيبة الدين، والتهاون بحرمات الشرع، ولو حدثتكم عن هذا لحدثتكم طويلاً عن أمثلة يتلاعب فيها الناس بالشريعة، المثال الذي ذكرته آنفاً هذا الرجل الذي يدخن وهو يدرس أصول الفقه ويقول: تدريسي واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أليس ذلك يكون سبباً لذهاب هيبة الشرع؟ لا شك أنه كذلك.
    جاء رجل لبعض الفقهاء وقد استأجر أرضاً إجارة مشاعة، واستأجر رجل آخر جزءً آخر من هذه الأرض ومسألة الشفعة إنما هي فيما يملك الإنسان، وقد اختلف العلماء في المستأجر هل فيه شفعه أو لا؟ فالحاصل أن هذا الرجل سافر إلى بلد أو كان في ناحية فذهب الرجل الذي استأجر الناحية الأخرى إلى قاضيٍ أو عالم أو فقيه ممن يفتي بالرخص فذهب إليه فحكم له بأنه لا شفعه، لما سمع أن ذلك الرجل المسافر يريد أن يستصدر حكماً بالقول بالشفعة في هذه الأرض، ذهب واستصدر حكماً من فقيه بأنه لا شفعة في الإجارة، فلما قدم هذا الرجل من السفر ذهب إلى هذا الفقيه وعرض عليه المسألة فقال: هو أنت؟ لو علمت أنه أنت لقلت بقول أشهب، يقول: إنما أفتيته بقول الإمام مالك أنه لا شفعه في الإجارة، ولو علمت أنه أنت -يعني صاحب الشق الآخر من الأرض- لأفتيته بقول أشهب حيث أن أشهب -رحمه الله- من علماء المالكية- يقول بجواز الشفعة في الإجارة في المؤجَر واضح؟ فهو لما عرفه وكان صاحباً له، وكان بينه وبينه مودة قال: لو علمت أنه أنت لقلت في المسألة بقولٍ آخر.
    ولها أمثلة كثيرة جداً، ومن ذلك أن أحد الكبراء كان له قصر، وكان هذا القصر يشرف على مستشفى فيه المرضى، ولربما بعض المجانين، فكان هذا الرجل الكبير يتأذى من رؤية المرضى كلما أطل من هذا القصر، وهذه الأرض التي فيها المستشفى كانت موقوفة وقفاً، وكان المذهب في ذلك البلد تجري الفتوى فيه على قول المالكية، فالحاصل أن هذا الرجل الكبير عرض هذه المسألة على طائفة من الفقهاء، فأفتوا بقول الإمام مالك -رحمه الله-، وأن الموقوفات من العقارات والأراضي لا يجوز نقلها بحال من الأحوال، فجاء رجل من الفقهاء وقال: المشارقة يقولون بجواز نقل الأوقاف، أراد أن يتقرب إلى هذا الكبير بفتوى لا يدين الله بها، وإنما أراد أن يتقرب إليه، فجاء بهذا القول، وبهذه الفتيا التي لا يعمل بها في بلده من أجل التقرب إلى هذا الإنسان، وكتب بهذه الفتيا، وخالف جميع الفقهاء في بلده، ثم كان ذلك سبباً لحظوته وتقديمه وأشياء أخرى لا حاجة لذكرها، فعلى كل حال هذا الرجل إنما أفتى بهواه.
    فأقول: هذا الإنسان إنما هو متبع للهوى، قد تمرد على الشريعة، ثم أيضاً هو متناقض مع نفسه، الناس الآن الذين يتبعون الرخص إذا جئت في مسائل فيها حيل على الربا قالوا: فلان أفتى بها، وإذا جئت في مسائل المسح على الخفين قالوا: العالم الفلاني الكبير الفقيه الزاهد العابد الورع يفتي بأن الخف المخرق لا حرج بالمسح عليه، لماذا تأخذون بفتياه في مسألة المسح على الخفين ولا تأخذون بفتياه في مسائل أخرى لكم فيها هوى؟ ما الذي حلّل لكم هذا؟ هذا لا يسقط التبعة عند الله -تبارك وتعالى-، فينبغي للإنسان أن يحترز.
    والكلام في هذه المسألة بقي فيه بقية، لا أطيل عليكم، أتركها في مرة قادمة، وأسأل الله -عز وجل- أن يفقهنا وإياكم في الدين، وأن يجعلنا وإياكم هداةً مهتدين، وأن يرينا وإياكم الحق حقاً وأن يرزقنا إتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
    المجلس الثاني
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
    كنا نتحدث عن تتبع الرخص، وخطورة ذلك على دين الإنسان، وما يحصل به من التفلت من أحكام الشريعة والخروج على نظامها، وذكرنا في المرة الماضية جملة من العلل والأسباب التي تدعو لمجانبة هذا المسلك والحذر منه، وكان مما ذكرنا أن الشريعة اشتملت أحكامها على مصالح، وقد بُنيت هذه الشريعة على الحكم، فالله إنما يشرع شيئاً لحكمة، فإذا تتبعنا هذه الرخص معنى ذلك أنا قد أفسدنا حكمة التشريع، وأبطلنا المصالح التي راعاها الشارع حينما شرع لنا هذه التكاليف.
    وذكرنا أمراً آخر: وهو أن هذه الشريعة قد وضعت على خلاف داعية الهوى، وأن من مقاصد الشريعة في تكليف المكلفين بها أن ينتشل المكلف من داعية هواه، فإذا استرسل مع الهوى، وصار يتتبع الرخص فمعنى ذلك أن مقصود الشارع لم يتحقق.
    وذكرنا أيضاً أن إتباع هذه الرخص يؤدي إلى سقوط التكاليف، ومثلنا لذلك بجملة من الأمثلة، فالعبد يخرج عن التكليف الذي قد شق عليه، أو قد ثقل عليه، أو قد كرهه، أو خالف هواه، يخرج عنه بتتبع رخص العلماء، فإذا كان له شهوة في أمر ما وجد عالماً قد رخص له في هذا الأمر فأتبعه، فمعنى ذلك أنه قد خرج من ربقة التكليف في هذه القضية، فإذا كان له شهوة في أمر آخر اتبع رخصة أو قولاً ولو كان شاذاً، ثم بعد ذلك يكون قد تنصل من التزام هذا التكليف وهكذا فكلما كثر تتبعه للرخص كان ذلك أدعى لخروجه من ربقة التكليف والعبودية لله -تبارك وتعالى-، فيصير عبداً لهواه.
    وذكرنا أيضاً أن العلماء قد أجمعوا على منع تتبع الرخص، وقد نصوا على فسق من فعل ذلك، وتحراه وتلمسه، ونقلنا قول جملة من العلماء في هذه القضية، لاسيما من نقلوا الإجماع على هذا المعنى، وذكرنا أيضاً أن العبد يجب عليه في حال الاختلاف أن يرجع إلى الكتاب والسنة، أن يرجع إلى الله وإلى رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فإذا تتبع الرخص كان راجعاً في الواقع إلى هواه، ولم يكن محتكماً إلى نصوص الكتاب والسنة، كما أمر الله -عز وجل-، فاختيار الأقوال بمجرد التشهي إنما هو إتباع للهوى، وليس عبودية للرب المالك المعبود -جل جلاله-.
    وأيضاً تتبع هذه الرخص يكون سبباً لذهاب هيبة الدين، واستهانة بمحرمات الشريعة، وذلك أن الإنسان الذي يتتبع هذه الرخص هو في الواقع يكون متلاعباً بحدود الله -تبارك وتعالى-، كما فعل بنوا إسرائيل حينما احتالوا على الخروج من أحكام الله -عز وجل-، فحرم الله -تبارك وتعالى- عليهم الصيد، أو العمل في يوم السبت، ثم هم قد احتالوا على ذلك بأن نصبوا الشباك في يوم الجمعة، ثم استخرجوها في يوم الأحد، فهذا في الواقع استخفاف بالتشريع، وخروج عن نظامه، وتلاعب بأحكام الله -تبارك وتعالى-.
    فأقول: هذا الإنسان الذي يتتبع الرخص -رخص العلماء-، أو يتتبع بعض الفتاوى الضعيفة الشاذة، أو المبنية على مثل هذه الحيل هو في الواقع متلاعب بالتشريع، فإذا أخذ رخصة هذا العالم في جواز سماع الأغاني والموسيقى والمعازف، وأخذ رخصة ذلك العالم في أن الفخذ ليس بعورة، وأخذ رخصة العالم الآخر بأن اللحية لا يجب إعفاؤها كما قال بعضهم: "لما رأيت ذلك الأمر قد عم، ووقع فيه كثير من الفضلاء أردت أن أخرجه على شيء تبرأ فيه ذممهم" أراد أن يخرج لهم فتوى بطريقة فلم يجد قولاً لأحد من أهل العلم المعتبرين يرخص في حلق اللحية، فيقول: "نظرت إلى قول عند الأصوليين وهو قول ضعيف، وهو: أن الأمر يدل على الاستحباب، ومن المعروف والمشهور عند الأصوليين: أن الأمر يدل على الوجوب، فقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((أعفوا اللحى))( ) هذا أمر والأمر يدل على الوجوب، فهذا يدل على وجوب إعفاء اللحية، فهناك قول لبعض الأصوليين في مسألة الأمر، وهو أن الأمر يدل على القدر المجزوم به وهو الاستحباب، فيقول: نظرت في هذا فخرجت عليه الأمر بإعفاء اللحية، فيمكن أن يقال بهذا الاعتبار: إن الأمر بإعفائها على سبيل الاستحباب، ويقال ببساطة لهذا الإنسان: إن الله يقول: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ}[(43) سورة البقرة] ويمكن أن تخرج على طريقتك هذه أن الأمر للاستحباب إذاً الصلاة مستحبة وليست واجبة، وهكذا في الزكاة وهكذا في غيرها، فهذا عبث بالشريعة، هذا الإنسان حينما أراد أن يُخرّج لهؤلاء تخريجاً يخرجهم فيه من التبعة تلاعب بهذا التلاعب.
    وذكرنا لكم مثالاً آخر في ذلك الرجل الذي عرضت عليه قضية، وهي قضية شفعة في إجارة في أرض، فلما كان صاحب الحق مسافراً سأل الطرف الآخر، سأل هذا الرجل فأفتاه بأن لا شفعة في الإجارة، فلما قدم صاحب الحق، وقابل هذا المسئول، قال له: لو علمت أنك صاحب القضية لحكمت لك بقول أشهب -من علماء المالكية- فهو يقول بوقوع الشفعة أو بصحة الشفعة فيما يتعلق بالإجارة.
    وكان بعضهم يتفنن ويتبجح ويقول: إذا كان لصديق لي قضية من القضايا أفتيته بما يكون سهلاً ورخصة، فهو يرى أن هذا من القدرات التي يتمكن بها من خدمة أصحابه أو قرابته أو معارفه، ولا شك أن هذا عبث في الشريعة، ثم إن هذا الذي يتتبع الرخص هو متناقض في نفسه، ولذلك فإن عبد الله بن المبارك حينما جاء إلى الكوفة وكانوا يرخصون في النبيذ المسكر، كانوا يقولون: بأن المسكر المحرم إنما هو من عصير العنب خاصة؛ لأنه هو الذي كان يشرب في وقت نزول القرآن، فيقولون: هذا هو الحرام، أما المسكرات من الأشياء الأخرى فإنها لا تحرم، فلما قدم عليهم ابن المبارك -رحمه الله- اجتمعوا عليه، وعرضوا عليه هذه المسألة فأخبرهم بأن ذلك لا يحل، فقالوا: قد رخص فيه فلان وفلان وفلان، وذكروا جماعة من علماء التابعين، فقال لهم: دعونا من تسمية الرجال، وأنتم ما تقولون: في فلان وفلان وفلان؟ وذكر لهم عطاء الخرساني، وذكر لهم طاووس بن كيسان، وذكر لهم جابر بن زيد، وذكر هم جملة من علماء التابعين، فقال: ما تقولون في هؤلاء؟ فقالوا: هؤلاء علماء وأئمة، ولهم قدرهم ومنزلتهم، قال: فما تقولون في بيع الدينار بالدينارين والدرهم بالدرهمين؟ فقالوا: رباً لا يجوز، قال: إن هؤلاء يرخصون فيه، فما تقولون؟ فإن قلتم: هؤلاء علماء فهؤلاء أيضاً علماء، فإذا استرخصتم في شيء تشتهونه وهو شرب بعض المسكر؛ لأن هؤلاء العلماء أفتوا بجوازه فأيضاً رخصوا في الأشياء الأخرى، لماذا تقولون: إنها حرام؟
    ثم أيضاً هناك أمر آخر يترتب على تتبع هذه الرخص: أن هذا الإنسان الذي يتتبع الرخص هو في الواقع يؤول الأمر به إلى الخروج عن قول الجميع، فعلى سبيل المثال: رجل أخذ بقول الإمام مالك -رحمه الله- بأن القهقهة لا تبطل الصلاة، أو أنها لا تنقض الوضوء، والأحناف يقولون: بأن القهقهة تبطل الوضوء وبالتالي تبطل معها الصلاة، فإذا أخذ بهذا القول وهو مثلاً من الأحناف، ومذهبهم أنها تبطل الصلاة، وتبطل الوضوء فهو أخذ بقول الإمام مالك، ثم هو أيضاً أخذ بقول آخر في أن الوضوء يكفي فيه مسح ثلاث شعرات -مسح الرأس-، ومعلوم أن هذا القول أيضاً لبعض الفقهاء، وأخذ أيضاً بقول آخر هو أنه يكفي في الرجلين المسح فقط، وهذا قال به أيضاً بعض الفقهاء أخذاً بقراءة الجر في قوله -تبارك وتعالى-: {وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ}[(6) سورة المائدة] فتصور هذا الإنسان الذي يمسح على رجليه في الوضوء، ويمسح في رأسه ثلاث شعرات فقط، ويرى أن القهقهة مثلاً -وهي كذلك- لا تبطل الوضوء، فهو في الواقع خرج على قول الجميع، فجميع العلماء لا يقولون: بأن هذه القضايا مجتمعة غير مؤثرة؛ لكن بعضهم يرى أن هذه القضية غير مؤثرة، والآخر يرى أن القضية الأخرى غير مؤثرة، والثالث يرى أن القضية الثالثة غير مؤثرة، لكن ما أحد منهم يقول: إن هذه القضايا جميعاً إذا اجتمعت في إنسان فإن صلاته صحيحة، إذا اجتمعت فيه فصلاته باطلة عند الجميع وهكذا.
    فهذا الذي يتتبع الرخص في الواقع يكون خارجاً على قول الجميع، ولو نظرنا إلى هؤلاء الناس الذين يتتبعون الرخص ما هي حجتهم؟ لربما يحتجون بيسر الشريعة، وأن الله -عز وجل- قال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[(78) سورة الحـج]، وبقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((يسروا ولا تعسروا))( ) أخرجه الشيخان، فيقال لهؤلاء الناس: هذه الشريعة بنيت على التسهيل والتيسير، وهي شريعة ميسرة؛ ولكن التيسير والتسهيل إنما هو مضبوط مزموم بحكم الشرع لا بالتشهي والهوى، ليس معنى يسر الشريعة أنك تشرع لنفسك، وأنك تتخير بحسب أهوائك، فتخرج عن أحكام التكليف، إنما معنى يسر الشريعة أن الله لم يكلفنا ما لا نطيق، وأن الله -عز وجل- في حال الحرج والمشقة الكبيرة فإن الله -تبارك وتعالى- ييسر علينا، ويخفف عنا الأحكام، فمثلاً في السفر يجوز لك الفطر، وإذا سافرت فإن الصلاة الرباعية تقصر إلى ركعتين، وكذلك من لا يطيق الحج فإنه يسقط عنه، من لا يستطيع القيام بالصلاة فإنه يصلي وهو قاعد، من لا يستطيع الصلاة وهو قاعد فإنه يصلي على جنب، إذا قال له الطبيب: إن العين تتضرر من السجود والركوع فيمكنه الإيماء، هذا معنى يسر هذه الشريعة، فهي شريعة سهلة، شريعة ميسرة بضوابطها الشرعية، أما أن يفهم الإنسان أن يسر الشريعة يعني أن نتلاعب بأحكام الله -عز وجل- كيفما أردنا، وأننا نتخير من أقوال العلماء الشاذة ما نجعله ديناً لنا نتدين الله -تبارك وتعالى- به فهذا غير صحيح، وأما المشقات فإن المعتبر منها هي المشقات التي لا تكون محتملة، أو تكون معتبرة بالشرع، هذه التي يترتب عليها التيسير كما هي القاعدة: (أن المشقة تجلب التيسير)، و(أن الأمر إذا ضاق اتسع) هذا معنى هذه القواعد، أما المشقة التي تكون باعتبار مخالفة الهوى فهذه مشقة ليست معتبرة، كالذي يقول مثلاً: إن هواه يخالف قيامه من نومه لصلاة الفجر، فهذه مشقة غير معتبرة، وآخر يقول: يشق عليّ الوضوء، فأني لا أحتمل الماء مثلاً، فأريد أن أتيمم وأنا في البلد، فنقول: هذه مشقة غير معتبرة، والأخر يقول: أنا أكسل عن غسل جنابة مثلاً، فنقول: هذه مشقة غير معتبرة؛ لأنها مخالفة للهوى، وهكذا الذي يقول: أنا يشق عليّ الصيام، فنقول: إن كانت هذه المشقة معتبرة كأن يكون الإنسان مريضاً أو يكون قد تقدم به السن بحيث أنه يعجز عن الصيام، أو أن الصيام يضره، أو كانت المرأة حاملاً أو نحو ذلك، فهذا يرخص له في الفطر، أما إذا كان مجرد أنه يجوع، أو يحرم نفسه غداءه، أو نحو ذلك، فهذه مشقة غير معتبرة، هذا ضابط المشقات.
    ولربما يحتج بعضهم أيضاً بأن الخلاف رحمة، ويحتجون بقول بعض السلف: "خلاف أمتي رحمة"، وبقول عمر بن عبد العزيز: "ما أحب أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يختلفوا، إنهم لو لم يختلفوا لما كان توسعة لمن بعدهم"، فالمقصود بمثل هذه الأشياء أن الخلاف رحمة بمعنى أن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- لما اختلفوا كان ذلك مسوغاً لمن كان جاء بعدهم أن يجتهد، وأن يتلمس الأحكام، وأن يتعرف عليها، فهو قد يخطئ وقد يخالفه غيره، فلا يكون ذلك سبباً للحوق الحرج فيه، ولا يكون ذلك داخلاً في توعد الله -عز وجل- للمختلفين: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[(105) سورة آل عمران] فلا يكون داخلاً بسبب هذه القضية؛ لأن الصحابة -رضي الله عنهم- حصل منهم اجتهاد، وبالتالي حصل بينهم خلاف، فكان ذلك مسوغاً لمن جاء بعدهم من العلماء أن يجتهدوا، وأن يتعرفوا على الأحكام، وأن يحاولوا أن يقفوا عليها، ولو حصل خلاف بينهم، فإن الحرج لا يكون لاحقاً لهم، هذا معنى كون خلاف الأمة رحمة، وليس كما فهمه بعضهم.
    ولهذا يقول الإمام إسماعيل القاضي المالكي من علماء القرن الثالث الهجري: "إنما التوسعة في اختلاف أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توسعة في اجتهاد الرأي، فأما أن يكون توسعة لأن يقول بقول واحد منهم من غير أن يكون الحق عنده فيه فلا؛ ولكن اختلافهم يدل على أنهم اجتهدوا فاختلفوا"، وقد علق الإمام ابن عبد البر -رحمه الله- على قول الإمام إسماعيل القاضي -رحم الله الجميع- من علمائنا، علق عليه بأنه قول جيد جداً.
    هذا ما يتعلق بشبهات هؤلاء الذين يتتبعون الرخص، والواقع أنهم مع شبهاتهم هذه إنما يتبعون أهواءهم، ولذلك تجد الرجل الذي يرخص للناس ولربما يتمسخر في الصحف وفي الفضائيات من العلماء المتزمتين المتحجرين، أصحاب النظرة الأحادية، الذين لا يفقهون شيئاً في هذا العصر، الذي يضيقون على الناس ويحرجون عليهم، وما شابه ذلك من العبارة الفجة التي يقولها عن علماء الأمة، مثل هذا تجد أن الجماهير تنظر إليه، وتطلع إلى كلامه، وهم في الواقع إنما يتبعون وهماً، وإنما يتبعون جاهلاً صاحب هوى لا يدلهم على الطريق السوية المستقيمة، وهم في ذلك الفعل لا يكونون معذورين عند الله -تبارك وتعالى-؛ لأنهم إنما يتبعون أهواءهم: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ}[(50) سورة القصص] أصبحنا نرى بعض المعممين يتبجح في الفضائيات أن عنده دش، وآخر يتبجح حينما تقابله مذيعة شبه عارية، أمام الناس، أمام العالمين، يتبجح في مقابلة أخرى يسأل هل ندمت على هذا اللقاء مع فلانة؟ فيقول: لو عادت لعدت، وآخر رأيت له في الليلة الماضية صورة وهو في عمامته بين طابور من النساء والرجال، والنساء أشبه بالعرايا، وقد وقف في عمامته في الوسط بين هؤلاء النساء اللاتي قد لبسن إلى أنصاف الفخذين، فمثل هذا يخرج أمام الناس باعتبار أنه يطرح طرحاً ميسراً، طرحاً عصرياً يتلاءم مع الناس، وأصبحنا نرى بلاءً عظيماً، أصبحناً نرى بعض من ينتسب إلى الدعوة إلى الله -عز وجل- يطرح مشاريع لهؤلاء الناس الذين يذهبون إلى السياحة في بلاد الغرب، مثلاً فيطرح لهم أنه هو الذي يذهب بهم، أو أنه يطرح لهم في مجلة أو غير ذلك الأماكن السياحية الجيدة في البلد الفلاني أو البلد الفلاني أو البلد الفلاني، باعتبار أنه يريد أن يركب القطار قبل أن يغادر، فهذا يريد أن يركب هذا القطار ولو كان إلى جهنم، ولو كان إلى الفساد، فيريد أن يوجه هو هؤلاء الذين يريدون أن يذهبوا إلى بلاد الكفار يوجههم إلى الأماكن السياحية الجيدة التي يذهبون إليها في شرق الأرض وفي غربها، في بلاد غير المسلمين، وأصبحنا نرى أشياء كثيرة جداً من هذا القبيل، لا ندري ما الذي أصاب الناس في هذا الزمان؟!
    فأقول: ينبغي على الإنسان أن يتقي الله -عز وجل-، وأن ينظر فيما ينجيه، وهذه هي القضية التي سنتحدث عنها -إن شاء الله-، ما هو الواجب على المكلف إذا رأى العلماء قد اختلفوا في قضية من القضايا؟
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
    المجلس الثالث
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
    لا زال حديثنا معكم عن موضوع تتبع الرخص، وبقي في الحديث عنه قضيتان:
    القضية الأولى: وهي ذكر بعض ما جاء عن العلماء -رضي الله عنهم- في ذم هذا المسلك.
    والقضية الثانية: وهي في بيان الواجب على المكلف إذا اختلف العلماء، أو اختلفت أقوال العلماء أمامه، ما الذي يجب عليه أن يفعله؟
    أما ما يتعلق بالقضية الأولى: فأذكر لكم بعضاً مما ورد في ذلك، وما أكثر ما ورد عنهم في ذم هذا المسلك فمن ذلك ما قاله الإمام سليمان التيمي -رحمه الله- المتوفى في سنة ثلاث وأربعين ومائة يقول: "لو أخذتَ برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله"، وعقب هذا القول الحافظ ابن عبد البر -رحمه الله- بقوله: "هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً"، أي أنه لا يجوز تتبع الرخص، وأن ذلك مظنة لاجتماع الشر في الإنسان، وقد مثلنا لذلك من قبل.
    وهذا الأوزاعي المتوفى سنة سبع وخمسين ومائة -عليه رحمه الله- يقول: "من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام"، ويقصد بنوادر العلماء أي بشذوذاتهم، ويقول أيضاً: "نتجنب من قول أهل العراق خمساً" يعني أن العلماء في العراق كانت لهم مسائل قد شذت أقوالهم فيها، كما أن علماء الحجاز في ذلك الزمان لهم مسائل قد شذت أقوالهم فيها وهكذا، فهو يقول: "نتجنب من قول أهل العراق -يعني علماء العراق، من علماء الكوفة- خمساً، ومن قول أهل الحجاز خمساً، يقول في بيان المسائل التي تجتنب من أهل العراق: "شرب المسكر" لأن أهل الكوفة في ذلك الوقت كان كثير من علمائهم يقولون: لا بأس بالنبيذ من غير عصير العنب باعتبار أن الخمر التي جاء تحريمها، ونزل ذلك في القرآن كانت مما يتخذ من عصير العنب، فكانوا يترخصون في ذلك النبيذ، فيقول: "لا نوافقهم على هذا القول"، قال: "والأكل عند الفجر في رمضان -يعني بعد طلوع الفجر- فقد جاءت جملة من الآثار عن السلف -رضي الله عنهم- أو بعض السلف، حيث إن بعضهم كان يترخص في الأكل حتى الإسفار، فهذا مشكل، فلا ينبغي أن يتابع القائل بذلك على هذا القول، قال: "ولا جمعة إلا في سبعة أمصار، يعني هذا قولهم فهم لا يتابعون عليه، قال: "وتأخير العصر حتى يكون ظل كل شيء أربعة أمثاله" ولا شك أن العصر تصلى في أول الوقت قبل اصفرار الشمس، قال: "والفرار يوم الزحف فهو من الكبائر" فهم لا يتابعون في هذه الخمس، قال: "ومن قول أهل الحجاز: استماع الملاهي، فقد نقل هذا عن بعض علماء المدينة في زمان التابعين، قال: والجمع بين الصلاتين من غير عذر بناءً على حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جمع بين الصلاتين من غير مرض..، قال: "والمتعة بالنساء" يعني أن يتزوج أمرآة بعقد مؤقت، أن يعقد بينه وبينها عقداً على يوم أو على ساعة أو نحو ذلك بمقابل شيء من العطاء، بمهر يسميه، بثوب أو بدينار أو نحو ذلك، فهو ينكحها بهذه الطريقة، ثم بعد ذلك ينقضي هذا العقد بانقضاء المدة من غير طلاق، فهذا لا يجوز، وكان ذلك مرخصاً فيه في أول الأمر، ثم بعد ذلك نسخ، ولا زال بعض العلماء بعد نسخه يقولون: إنه لم ينسخ، لم يعلموا بالناسخ، فمن تابع هؤلاء على هذا القول وقع في الزنا، قال: "والدرهم بالدرهمين، والدينار بالدينارين يداً بيد" نحن تكلمنا في بعض الليالي الماضية عن الربا وقلنا: إنه لابد في الأموال الربوية كالذهب والفضة وغيرها لا بد فيها من التقابض، ولا بد إذا اتحد فيها الجنس من التساوي، فكان بعض علماء الحجاز يرخص إذا كان ذلك على سبيل التقابض، يرخص بالدرهم في مقابل الدرهمين والدينار في مقابل الدينارين، وذكر خامسة لا أريد أن أذكرها، كان بعضهم يترخص بها، وقال الإمام أحمد -رحمه الله- المتوفى سنة إحدى وأربعين بعد المائتين: "لو أن رجلاً عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ -يعني المسكر- وأهل المدينة في السماع -يعني سماع المعازف- وأهل مكة في المتعة -التي وصفنا لكم- كان فاسقاً" ويقول الإمام إسماعيل القاضي المالكي المتوفى سنة اثنتين وثمانين بعد المائتين: "دخلت على المعتضد -يعني الخليفة- في أيام خلافته فرفع إلى كتاباً لأنظر فيه، وقد جمع فيه المؤلف الرخص من زلل العلماء -يعني هذا كتاب قد جمعت فيه الرخص والأقوال الشاذة المرخِصة من أقوال أهل العلم وأعطي لهذا الخليفة-، يقول: "وما احتج به كل منهم، فقلت: مصنف هذا زنديق" هذا رجل أراد أن يتقرب إلى الخليفة بجمع هذه الرخص له، فقال الإمام إسماعيل: "مصنف هذا زنديق"، ثم قال: "لم تصح هذه الأحاديث على ما رويت؛ ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة -يعني يقول: هذا الذي جمع لك هذه الأشياء هي بمجموعها لا يقول بها عالم، وإنما بعض العلماء شذ في مسألة، والآخر شذ في مسألة، والثالث شذ في مسألة، والرابع شذ في مسألة، ولا أحد منهم أبداً يرخص في هذه الأشياء مجتمعة، وقد جمعت إليك في كتاب، يقول: "ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء، ثم أخذ بها ذهب دينه"، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب.
    ويقول الحافظ بن حزم -رحمه الله- المتوفى سنة ستة وخمسين بعد الأربعمائة في بيان طبقت المختلفين: "وطبقة أخرى وهم قوم بلغت بهم رقة الدين وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهوائهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة من قول كل عالم مقلدين له غير طالبين ما أوجبه النص عن الله تعالى وعن رسوله -صلى الله عليه وسلم-"، وقد حكي ابن حزم -رحمه الله- الإجماع على أن تتبع رخص المذاهب بغير مستند شرعي فسق لا يحل.
    ويقول أبو الوليد الباجي المالكي المتوفى سنة أربع وتسعين بعد الأربعمائة مبنياً ما وقع في زمانه من عموم هذه البلوى، ومن فشوها وانتشارها حيث إن العامة صاروا يسألون العلماء عن المسألة فإذا أفتوهم قالوا: ألا يوجد قول آخر؟ أليس في المسألة رخصة؟ فاجترأ هؤلاء العامة على العلماء بسبب أن بعض العلماء فتح لهم هذا الباب، يقول: "وكثيراً ما يسألني من تقع له مسألة من الأيمان ونحوها -رجل يحلف-: لعل فيها رواية أو لعل فيها رخصة" يعني لعل فيها قولاً آخر عن الإمام أو رواية عنه، أو لعل فيها رخصة، يقول: "وهم يرون أن هذا من الأمور الشائعة الجائزة، ولو كان تكرر عليهم إنكار العلماء لمثل هذا لما طالبوا به"، يقول: لو أن الفقهاء ينكرون عليهم مثل هذه المطالبات لما اجترءوا عليها، ولا طلبوه مني و لا من سواي، وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممن يعتد به في الإجماع أنه لا يجوز ولا يسوغ ولا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا بالحق الذي يعتقد أنه حق، رضي بذلك من رضيه، وسخطه من سخطه، وإنما المفتي مخبر عن الله تعالى في حكمه، فكيف يخبر عنه إلا بما يعتقد أنه حكم به وأوجبه؟!
    والله تعالى يقول لنبيه -عليه الصلاة والسلام-: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ}[(49) سورة المائدة] فكيف يجوز لهذا المفتي أن يفتي بما يشتهي؟ أو يفتي زيداً بما لا يفتي به عمراً لصداقة تكون بينهما أو غير ذلك من الأغراض؟ وإنما يجب على المفتي أن يعلم أن الله أمره أن يحكم بما أنزل الله من الحق، فيجتهد في طلبه، ونهاه أن يخالفه وينحرف عنه، وكيف له بالخلاص؟".. إلى آخر ما ذكر -رحمه الله-.
    فهذه بعض أقوال العلماء في التحذير من تتبع الرخص، بقيت القضية الأخيرة، وهي موقف المكلف إذا اختلفت أمامه الأقوال، وتباينت الآراء، ما الذي عليه أن يفعله؟ وأترك ذلك في ليلة قادمة.
    وأسأل الله -عز وجل- أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، اللهم ارحم موتانا، واشف مرضانا، وعافي مبتلانا، واجعل أخرتنا خير من دنيانا.
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
    المجلس الرابع
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
    فهذا هو المجلس الأخير الذي نتحدث فيه -إن شاء الله- عن هذه الآفة التي حدثناكم عنها في المجالس الماضية، وهي تتبع الرخص، بقي في الحديث الكلام على الواجب على المكلف حينما يطلب الحكم في مسألة من المسائل، فأقول:
    الواجب عليه في هذه الحالة الرد إلى الله -تبارك وتعالى-، والرجوع إلى الكتاب والسنة، فيطلب الحكم الشرعي منهما إن كان أهلاً للنظر والاستنباط، واستخراج الأحكام، وإن لم يكن أهلاً لذلك فإن العلماء هم الذين يبينون الأحكام من الكتاب والسنة، وهم الذي يستخرجون ذلك، هذا هو الواجب على المكلف لا أن يتتبع الرخص؛ لأنه يكون راجعاً في هذه الحالة إلى هواه لا إلى الكتاب والسنة، والله -عز وجل- يقول: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}[(10) سورة الشورى] ويقول: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}[(65) سورة النساء].
    يقول الخطابي -رحمه الله- بعدما ذكر الخلاف في مسألة المسكر من غير عصير العنب، يقول عن بعض الناس الذين يفتون الناس بالرخص، أو يبحثون عن الرخص لأنفسهم، فينفلت من أحكام الشريعة، يقول هذا القائل: "إن الناس لما اختلفوا في الأشربة، وأجمعوا على تحريم خمر العنب، واختلفوا فيما سواه حرمنا ما اجتمعوا على تحريمه، وأبحنا ما سواه" يريد أن يقول: نحن نبقى على الأمر المتفق عليه، وأما الأمور المختلف فيها فنحن نتخير فيها ما نشاء.
    يقول الخطابي -رحمه الله-: "وهذا خطأ فاحش، وقد أمر الله تعالى المتنازعين أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول" يقول الخطابي -رحمه الله-: "ولو لزم ما ذهب إليه هذا القائل للزم مثله في الربا والصرف -أي بيع الدرهمين بالدرهم وبيع الدينارين بالدينار- فقد رخص بهذا بعض الفقهاء"، يقول: "ونكاح المتعة فقد جاء أيضاً عن بعض السلف القول بجوازه فلم يبلغهم النسخ"، يقول: "لأن الأمة قد اختلفت فيها"، إلى أن قال: "وليس الاختلاف حجة، وبيان السنة حجة على المختلفين من الأولين والآخرين، فلا يحتج أحد بأن هذه المسألة خلافية، ثم يتخير بعد ذلك من الأقوال ما شاء" هذه نقطة أساسية ينبغي أن ندركها وأن نعرفها.
    الأمر الآخر: هو أن وجود الخلاف -كما سبق- لا يسوغ لك أن تأخذ بأي الأقوال شئت، يقول الخطيب البغدادي -رحمه الله-: "فإن قال قائل: فكيف تقول في المستفتي من العامة إذا أفتاه الرجلان واختلفا، فهل له التقليد؟" هذا إنسان عامي لا يستطيع أن يستخرج الأحكام من الكتاب والسنة، فهذا قال له: يجوز، وهذا قال له: لا يجوز، يقول: "نقول له -إن شاء الله-: هذا على وجهين، أحدهما: إن كان العامي يتسع عقله، ويكمل فهمه إذا عقل أن يعقل، وإذا فهم أن يفهم، فعليه أن يسأل المختلفين عن مذاهبهم، وعن حججهم، فيأخذ بأرجحها عنده، فإن كان عقله يقصر عن هذا، وفهمه لا يكمل له، وسعه التقليد لأفضلهما عنده"، ويقول ابن عبد البر -رحمه الله-: "والواجب عند اختلاف العلماء طلب الدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس على الأصول منها، وذلك لا يعدم، فإذا استوت الأدلة وجب الميل مع الأشبه بما ذكرنا من الكتاب والسنة، فإذا لم يَبِن ذلك وجب التوقف ولم يجز القطع إلا بيقين، فإذا اضطر أحد إلى استعمال شيء من ذلك في خاصة نفسه جاز له ما يجوز للعامة من التقليد، واستعمل عند إفراط التشابه والتشاكل وقيام الأدلة على كل قول بما يعضده قوله -صلى الله عليه وسلم-، يعني استعمل قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر))( ).
    والأمر الثالث: على هذا الإنسان إذا اختلفت أمامه الأقوال، واحتاج إلى معرفة الحكم عليه أن يسأل من هو مستوفٍ لشروط الإفتاء، لا يسأل كل أحد، نحن نشاهد الإنسان إذا أصابه مرض في بدنه يسأل هذا الطبيب ويسأل الطبيب الآخر، ويبحث عن تقرير ثالث، ولا يكتفي بقول طبيب واحد، هذا إذا مرض بدنه، فكيف إذا طلب واحتاج إلى حكم يتعرف به على قضية من قضايا الشرع؟ فإن تطلب العالم الورع التقي الذي يصح أن يفتي هذا هو الواجب على هذا الإنسان.
    ولهذا يقول بعض العلماء: بأن المفتي من استكمل ثلاثة أمور: هذا الذي نسأله ونرجع إليه عندما نحتاج إلى مسألة من المسائل هو الذي يتوفر فيه ثلاثة أمور:
    الأمر الأول: الاجتهاد أن يكون عالماً مؤهلاً للاجتهاد، لا يكون من الجاهلين.
    والثاني: العدالة: فلا يكون هذا الإنسان فاسقاً كأن يكون حليق اللحية مثلاً ويفتي، أو يكون هذا الإنسان مثلاً ممن يتعاطى المحرمات، أو يتبجح بها في الصحف، ويذكر مثلاً أنه يشاهد القنوات الفضائية، ويحب استماع أغنية أم كلثوم مثلاً، ويسمع الموسيقى الهادئة في أوقات التعب بعدما يتعب من التأليف والكتابة كما يقول بعضهم متبجحاً بذلك في الصحف، أو في القنوات التي تجرى له مقابلات فيها، فمثل هذا لا يكون عدلاً، وإنما فاسقاً ومجاهراً بفسقه، فهذا حقه أن يعزر لا أن يستفتى ويسأل ويتعرف على الأحكام الشرعية عن طريقه، فلا بد في المفتي أن يكون عدلاً.
    والشرط الثالث: الكف عن الرخص، وعن التساهل فيما يجريه على نفسه، أو فيما يفتي به للعامة، فإنه إذا كان معروفاً بتتبع الرخص والتساهل والبحث عما يسوغ للناس، وعما يصلح لهم مما يجري على وفق أهوائهم فإن هذا لا يستحق بحال من الأحوال أن يستفتى، سواء كان تساهل هذا الإنسان في الفتيا عن طريق التساهل في معرفة الحكم فهو يبادر إلى الجواب دون نظر ولا تمهل ولا تمعن في المسألة، ودون الرجوع إلى الأدلة المعتبرة مثلاً فيها، فهو يبادر في الجواب لسبب أو لآخر، أو كان تساهله عن طريق تتبع الرخص.وأمر رابع: ينبغي أن يراعي في هذا الباب هو أن على العبد إذا اختلفت أمامه الأقوال أن يكثر من التضرع إلى الله -تبارك وتعالى-، ويكثر من سؤال ربه -جل وعلا- أن يهديه إلى الصواب، فيما اختلف فيه بإذنه، ويدعو هذا الدعاء الوارد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيقول: ((اللهم رب جبرائيل وميكائيل واسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، أهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، أنك تهدي من تشاء الله إلى صراط مستقيم))( ).
    وأمر خامس: وهو أنه يندب هذا الإنسان إلى التورع والاحتياط فلا يتعجل أو يميل إلى الأقوال التي توافق هواه، ويكفينا في ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث النعمان بن بشير -رضي الله تعالى عنه- مرفوعاً إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المشهور: ((الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشبهات، لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقي الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه))( ) .. الحديث.
    فأقول: ينبغي للإنسان أن يحذر؛ لأن هذا الذي يحوم حول الشبهات هو يحوم حول الحرام، وإن أفتاه الناس وأفتوه، كما أخرج الإمام أحمد والدرامي والترمذي والحاكم بإسناد صحيح من حديث الحسن بن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))( ) الشيء الذي تتشكك فيه، ولا تطمئن إلى الفتوى فيه دعه، وابحث عن شيء واضح؛ لتكن على جادة؛ ولتكن على بينه من أمرك، قبل أن تقع في الأمر الذي تؤاخذ به وتؤخذ: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة))( ) وكون الصدق طمأنينة، والكذب ريبة معناه: إذا وجدت نفسك ترتاب في الشيء فاتركه، فإن نفس المؤمن كما قال بعض العلماء: تطمئن إلى الصدق، وترتاب في الكذب، فارتيابك من الشيء منبئٌ عن كونه مظنة للباطل فاحذره، وطمأنينتك للشيء مشعر بحقيقته فتمسك به.
    ويقول بعض أهل العلم في معنى الريبة هنا يقول: "هي قلق النفس واضطرابها، فإن كون الأمر مشكوكاً فيه مما تقلق له النفس، وكونه صحيحاً صادقاً مما تطمئن إليه النفس"، وقد أخرج الإمام مسلم -رحمه الله- في صحيحه من حديث النواس بن سمعان -رضي الله عنه- قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن البر والإثم، فقال: ((البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس))( ) يقول المناوي -رحمه الله تعالى- في معنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((وكرهت أن يطلع عليه الناس)): "أي وجوههم أو أماثلهم الذين يستحيا منهم" يعني لا الأراذل، أو الناس الذين قد ألفتهم، وسقطت كلفتك عنهم، لا وإنما المقصود وجوه الناس، وأماثل الناي الذين يستحيا من مثلهم.
    ويقول ابن رجب في تفسير قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((الإثم ما حاك)).. الحديث، يقول: "هو إشارة إلى أن الإثم ما أثر في الصدر حرجاً وضيقاً وقلقاً واضطراباً، فلم ينشرح له الصدر، ومع هذا فهو عند الناس مستنكر، بحيث ينكرونه عند إطلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب الإثم عند الاشتباه، وهو ما استنكره الناس فاعله وغير فاعله، أي أن فاعله يستنكر ذلك في نفسه، وغير فاعله يستنكر ذلك على من رآه قد فعله، يقول: "ومن هذا المعنى قول ابن مسعود -رضي الله عنه-: ما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحاً فهو عند الله قبيح"( ).
    ومما جاء في هذا المعنى أيضاً حديث وابصة بن معبد عند الإمام أحمد والدارمي والطبراني في الكبير بإسناد صحيح -إن شاء الله- قال: أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((جئت تسأل عن البر والإثم؟)) قلت: نعم، قال: ((استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك))( ) يقول ابن رجب -رحمه الله-: "وأما ما ليس فيه نص من الله ولا رسوله ولا عمن يقتدى بقوله من الصحابة وسلف الأمة" يعنى متى يستفتي الإنسان قلبه؟ يستفتي قلبه إذا لم يجد في المسألة دليلاً من الكتاب ولا من السنة ولا من أقوال الصحابة، وليس فيها شيء يمكن أن يعول عليه، يقول: "فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئن قلبه بالإيمان -يعني لا المؤمن الذي يتتبع الأهواء- المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين" يقول يعني إذا وقع منه شيء وحك في صدره في شبهة موجودة، ولم يجد من يفتي بالرخصة إلا من يخبر عن رأيه، وهو ممن لا يوثق بعلمه ودينه، يقول: إذا ما وجدت أحد تثق في فتواه في هذه الحالة، وليس في المسألة دليل لا من الكتاب ولا من السنة ولا من أقوال السلف -رضي الله عنهم- يقول: "بل هو معروف -يعني هذا المفتي- بإتباع الهوى فهنا يرجع المؤمن إلى ما حاك في صدره، وأن أفتاه هؤلاء المفتون" يعني الذين يتساهلون في الفتاوى.
    وفي قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((وإن أفتاك المفتون)) يقول ابن رجب: "يعني أن ما حاك في صدر الإنسان فهو إثم، وأن أفتاه غيره أنه ليس بإثم، فهذا مرتبة ثانية، وهو أن يكون الشيء مستنكر عند فاعله دون غيره، وقد جعله أيضاً إثماً، وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه مما شُرح صدره للإيمان، وكان المفتي يفتي بمجرد ظن أو ميل إلى هوى من غير دليل شرعي، فأما ما كان مع المفتي به دليل شرعي فالواجب على المستفتي الرجوع إليه، وإن لم ينشرح له صدره"، يعني قد يفتي العالم لهذا الإنسان فتوى بدليل شرعي ولا يطمئن هذا المُفتَى فهنا عدم الاطمئنان ليس معتبراً، يقول ابن رجب: "وهذا كالرخصة الشرعية مثل الفطر في السفر والمرض وقصر الصلاة في السفر ونحو ذلك مما لا ينشرح به صدر كثير من الجهال، فهذا لا عبره به"، يريد أن يقول: بأن بعض العامة إذا كان مريضاً مرضاً يصح معه الفطر أو يوجب معه الفطر فأفتاه العالم وقال: ليس عليك صيام مع هذا المرض، فإن بعض العامة لا تطيب نفسه بهذه الفتيا، يقول: هذا لا يعتبر، وهذا الحرج الذي وجد في نفس هذا العامي لا يعتد به، وإنما يرجع الإنسان إلى ما حاك في صدره، وأن أفتاه المفتون حينما لا يكون عندهم دليل في المسألة، ولاسيما إذا كانوا يتتبعون الرخص ويتساهلون، أو أنه سأل رجل ليس أهل للفتيا، فأين هذا ممن يبحثون عمن كان على هذه الشاكلة ابتداءً ويتركون من يقول: قال الله قال رسوله؛ لأن هذا الذي يقول: قال الله قال رسوله قال الصحابة هذا في نظر كثير من هؤلاء -أعني أصحاب الأهواء- هؤلاء ممن يتشددون، وممن أصابهم التحجر، وممن لا زالوا يعيشون في عقلية القرون الوسطى؛ ونحن في كل يوم نقرأ ونسمع أقواماً يتكلمون بمثل هذا الكلام.
    هذا اليوم قرأت لكاتب من الكتاب يعيب رجل تكلم بكلام حق حينما أفتى حينما تكلم بتحريم الموسيقى، وتحريم ظهور النساء على الشاشة الفضية، يتهكم به يقول: هذا تكلم بعقلية القرون الوسطى، لا زال يعيش عصوراً قد عفا عليها الدهر، وتجاوزها الناس، هذا في نظر هذا الكاتب إنسان متحجر لا يُرجع إليه، ولا يسمع لفتواه، وأن جاء بألف دليل من الكتاب والسنة، فالحق في نظر هؤلاء من المتبعين للأهواء هو ما وافق أهواءهم.
    وطائفة أخرى الحق عندها ما كان متمشياً مع معطيات العصر كما يقولون؛ ومع العقلية الغربية التي لا تفهم إلا الأمور المادية، أما الذي يتحدث عن الدليل ويتكلم عن الأحكام الشرعية سواء كانت مدركة من جهة التعليل، أو كانت غير مدركة، فإن هذا في نظرهم لا يصح أن يفتي؛ ولا يصح أن يرجع إليه في الفتيا.
    أقول: هذه الأمور التي سمعتموها تورث من سمعها بإذن الله -عز وجل- معرفة بمن يصح أن يُستفتَى، ومن لا يصح أن يستفتى، ومن الذي يؤخذ قوله؟ ومن الذي لا يؤخذ قوله وكلامه وفتياه؟ فينبغي على العاقل المؤمن أن يتبصر، وأن يعتبر، وأن ينظر في الأمر الذي ينجيه عند الله -تبارك وتعالى-، فهو مهما أتبع أقوال هؤلاء المرخصين فإن ذلك لا يطلقه عند الله -عز وجل-، ولا يبرئ ذمته، وإنما الذي يبرئ الذمة هو أن يَستفتي العامي من يثق بعلمه ودينه وورعه.
    هذا وأسأل الله -عز وجل- أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداه مهتدين.
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    127

    افتراضي رد: سلسة التحذير من متتبعي الرخص 1- مقدمة للشيخ خالد السبت

    جزاك الله خيراً على نقل كلام الشيخ الفاضل خالد السبت بارك الله فيه ونفع الله به المسلمين ..

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المشاركات
    1,276

    افتراضي رد: سلسة التحذير من تتبع الرخص 1- مقدمة للشيخ خالد السبت

    و إياك

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    13,560

    افتراضي

    التحذير من تتبع الرخص 4

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
    فهذا هو المجلس الأخير الذي نتحدث فيه -إن شاء الله- عن هذه الآفة التي حدثناكم عنها في المجالس الماضية، وهي تتبع الرخص، بقي في الحديث الكلام على الواجب على المكلف حينما يطلب الحكم في مسألة من المسائل، فأقول:
    الواجب عليه في هذه الحالة الرد إلى الله -تبارك وتعالى-، والرجوع إلى الكتاب والسنة، فيطلب الحكم الشرعي منهما إن كان أهلاً للنظر والاستنباط، واستخراج الأحكام، وإن لم يكن أهلاً لذلك فإن العلماء هم الذين يبينون الأحكام من الكتاب والسنة، وهم الذي يستخرجون ذلك، هذا هو الواجب على المكلف لا أن يتتبع الرخص؛ لأنه يكون راجعاً في هذه الحالة إلى هواه لا إلى الكتاب والسنة، والله -عز وجل- يقول:
    وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّه10 سورة الشورى، ويقول: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا65 سورة النساء.
    يقول الخطابي -رحمه الله- بعدما ذكر الخلاف في مسألة المسكر من غير عصير العنب، يقول عن بعض الناس الذين يفتون الناس بالرخص، أو يبحثون عن الرخص لأنفسهم، فينفلت من أحكام الشريعة، يقول هذا القائل: "إن الناس لما اختلفوا في الأشربة، وأجمعوا على تحريم خمر العنب، واختلفوا فيما سواه حرمنا ما اجتمعوا على تحريمه، وأبحنا ما سواه" يريد أن يقول: نحن نبقى على الأمر المتفق عليه، وأما الأمور المختلف فيها فنحن نتخير فيها ما نشاء.
    يقول الخطابي -رحمه الله-: "وهذا خطأ فاحش، وقد أمر الله تعالى المتنازعين أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول" يقول الخطابي -رحمه الله-: "ولو لزم ما ذهب إليه هذا القائل للزم مثله في الربا والصرف -أي بيع الدرهمين بالدرهم وبيع الدينارين بالدينار- فقد رخص بهذا بعض الفقهاء"، يقول: "ونكاح المتعة فقد جاء أيضاً عن بعض السلف القول بجوازه فلم يبلغهم النسخ"، يقول: "لأن الأمة قد اختلفت فيها"، إلى أن قال: "وليس الاختلاف حجة، وبيان السنة حجة على المختلفين من الأولين والآخرين، فلا يحتج أحد بأن هذه المسألة خلافية، ثم يتخير بعد ذلك من الأقوال ما شاء" هذه نقطة أساسية ينبغي أن ندركها وأن نعرفها.
    الأمر الآخر: هو أن وجود الخلاف -كما سبق- لا يسوغ لك أن تأخذ بأي الأقوال شئت، يقول الخطيب البغدادي -رحمه الله-: "فإن قال قائل: فكيف تقول في المستفتي من العامة إذا أفتاه الرجلان واختلفا، فهل له التقليد؟" هذا إنسان عامي لا يستطيع أن يستخرج الأحكام من الكتاب والسنة، فهذا قال له: يجوز، وهذا قال له: لا يجوز، يقول: "نقول له -إن شاء الله-: هذا على وجهين، أحدهما: إن كان العامي يتسع عقله، ويكمل فهمه إذا عقل أن يعقل، وإذا فهم أن يفهم، فعليه أن يسأل المختلفين عن مذاهبهم، وعن حججهم، فيأخذ بأرجحها عنده، فإن كان عقله يقصر عن هذا، وفهمه لا يكمل له، وسعه التقليد لأفضلهما عنده"، ويقول ابن عبد البر -رحمه الله-: "والواجب عند اختلاف العلماء طلب الدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس على الأصول منها، وذلك لا يعدم، فإذا استوت الأدلة وجب الميل مع الأشبه بما ذكرنا من الكتاب والسنة، فإذا لم يَبِن ذلك وجب التوقف ولم يجز القطع إلا بيقين، فإذا اضطر أحد إلى استعمال شيء من ذلك في خاصة نفسه جاز له ما يجوز للعامة من التقليد، واستعمل عند إفراط التشابه والتشاكل وقيام الأدلة على كل قول بما يعضده قوله -صلى الله عليه وسلم-، يعني استعمل قوله -صلى الله عليه وسلم-:
    (البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر)[1].
    والأمر الثالث: على هذا الإنسان إذا اختلفت أمامه الأقوال، واحتاج إلى معرفة الحكم عليه أن يسأل من هو مستوفٍ لشروط الإفتاء، لا يسأل كل أحد، نحن نشاهد الإنسان إذا أصابه مرض في بدنه يسأل هذا الطبيب ويسأل الطبيب الآخر، ويبحث عن تقرير ثالث، ولا يكتفي بقول طبيب واحد، هذا إذا مرض بدنه، فكيف إذا طلب واحتاج إلى حكم يتعرف به على قضية من قضايا الشرع؟ فإن تطلب العالم الورع التقي الذي يصح أن يفتي هذا هو الواجب على هذا الإنسان.
    ولهذا يقول بعض العلماء: بأن المفتي من استكمل ثلاثة أمور: هذا الذي نسأله ونرجع إليه عندما نحتاج إلى مسألة من المسائل هو الذي يتوفر فيه ثلاثة أمور:

    الأمر الأول:الاجتهاد أن يكون عالماً مؤهلاً للاجتهاد، لا يكون من الجاهلين.


    والثاني:العدالة: فلا يكون هذا الإنسان فاسقاً كأن يكون حليق اللحية مثلاً ويفتي، أو يكون هذا الإنسان مثلاً ممن يتعاطى المحرمات، أو يتبجح بها في الصحف، ويذكر مثلاً أنه يشاهد القنوات الفضائية، ويحب استماع أغنية أم كلثوم مثلاً، ويسمع الموسيقى الهادئة في أوقات التعب بعدما يتعب من التأليف والكتابة كما يقول بعضهم متبجحاً بذلك في الصحف، أو في القنوات التي تجرى له مقابلات فيها، فمثل هذا لا يكون عدلاً، وإنما فاسقاً ومجاهراً بفسقه، فهذا حقه أن يعزر لا أن يستفتى ويسأل ويتعرف على الأحكام الشرعية عن طريقه، فلا بد في المفتي أن يكون عدلاً.


    والشرط الثالث: الكف عن الرخص، وعن التساهل فيما يجريه على نفسه، أو فيما يفتي به للعامة، فإنه إذا كان معروفاً بتتبع الرخص والتساهل والبحث عما يسوغ للناس، وعما يصلح لهم مما يجري على وفق أهوائهم فإن هذا لا يستحق بحال من الأحوال أن يستفتى، سواء كان تساهل هذا الإنسان في الفتيا عن طريق التساهل في معرفة الحكم فهو يبادر إلى الجواب دون نظر ولا تمهل ولا تمعن في المسألة، ودون الرجوع إلى الأدلة المعتبرة مثلاً فيها، فهو يبادر في الجواب لسبب أو لآخر، أو كان تساهله عن طريق تتبع الرخص.

    وأمر رابع: ينبغي أن يراعي في هذا الباب هو أن على العبد إذا اختلفت أمامه الأقوال أن يكثر من التضرع إلى الله -تبارك وتعالى-، ويكثر من سؤال ربه -جل وعلا- أن يهديه إلى الصواب، فيما اختلف فيه بإذنه، ويدعو هذا الدعاء الوارد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيقول: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل واسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، أهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، أنك تهدي من تشاء الله إلى صراط مستقيم)[2].
    وأمر خامس: وهو أنه يندب هذا الإنسان إلى التورع والاحتياط فلا يتعجل أو يميل إلى الأقوال التي توافق هواه، ويكفينا في ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث النعمان بن بشير -رضي الله تعالى عنه- مرفوعاً إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المشهور:
    (الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشبهات، لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقي الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه)[3] .. الحديث.
    فأقول: ينبغي للإنسان أن يحذر؛ لأن هذا الذي يحوم حول الشبهات هو يحوم حول الحرام، وإن أفتاه الناس وأفتوه، كما أخرج الإمام أحمد والدرامي والترمذي والحاكم بإسناد صحيح من حديث الحسن بن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-:
    (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)[4]الشيء الذي تتشكك فيه، ولا تطمئن إلى الفتوى فيه دعه، وابحث عن شيء واضح؛ لتكن على جادة؛ ولتكن على بينه من أمرك، قبل أن تقع في الأمر الذي تؤاخذ به وتؤخذ: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة)[5] وكون الصدق طمأنينة، والكذب ريبة معناه: إذا وجدت نفسك ترتاب في الشيء فاتركه، فإن نفس المؤمن كما قال بعض العلماء: تطمئن إلى الصدق، وترتاب في الكذب، فارتيابك من الشيء منبئٌ عن كونه مظنة للباطل فاحذره، وطمأنينتك للشيء مشعر بحقيقته فتمسك به.
    ويقول بعض أهل العلم في معنى الريبة هنا يقول: "هي قلق النفس واضطرابها، فإن كون الأمر مشكوكاً فيه مما تقلق له النفس، وكونه صحيحاً صادقاً مما تطمئن إليه النفس"


    يقول بعض أهل العلم في معنى الريبة هنا يقول: "هي قلق النفس واضطرابها، فإن كون الأمر مشكوكاً فيه مما تقلق له النفس، وكونه صحيحاً صادقاً مما تطمئن إليه النفس"


    ، وقد أخرج الإمام مسلم -رحمه الله- في صحيحه من حديث النواس بن سمعان -رضي الله عنه- قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن البر والإثم، فقال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس)[6] يقول المناوي -رحمه الله تعالى- في معنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وكرهت أن يطلع عليه الناس): "أي وجوههم أو أماثلهم الذين يستحيا منهم" يعني لا الأراذل، أو الناس الذين قد ألفتهم، وسقطت كلفتك عنهم، لا وإنما المقصود وجوه الناس، وأماثل الناي الذين يستحيا من مثلهم.
    ويقول ابن رجب في تفسير قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (
    الإثم ما حاك).. الحديث، يقول: "هو إشارة إلى أن الإثم ما أثر في الصدر حرجاً وضيقاً وقلقاً واضطراباً، فلم ينشرح له الصدر، ومع هذا فهو عند الناس مستنكر، بحيث ينكرونه عند إطلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب الإثم عند الاشتباه، وهو ما استنكره الناس فاعله وغير فاعله، أي أن فاعله يستنكر ذلك في نفسه، وغير فاعله يستنكر ذلك على من رآه قد فعله، يقول: "ومن هذا المعنى قول ابن مسعود -رضي الله عنه-: ما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحاً فهو عند الله قبيح"[7].
    ومما جاء في هذا المعنى أيضاً حديث وابصة بن معبد عند الإمام أحمد والدارمي والطبراني في الكبير بإسناد صحيح -إن شاء الله- قال: أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال:
    (جئت تسأل عن البر والإثم؟) قلت: نعم، قال: (استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك)[8] يقول ابن رجب -رحمه الله-: "وأما ما ليس فيه نص من الله ولا رسوله ولا عمن يقتدى بقوله من الصحابة وسلف الأمة" يعنى متى يستفتي الإنسان قلبه؟ يستفتي قلبه إذا لم يجد في المسألة دليلاً من الكتاب ولا من السنة ولا من أقوال الصحابة، وليس فيها شيء يمكن أن يعول عليه، يقول: "فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئن قلبه بالإيمان -يعني لا المؤمن الذي يتتبع الأهواء- المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين" يقول يعني إذا وقع منه شيء وحك في صدره في شبهة موجودة، ولم يجد من يفتي بالرخصة إلا من يخبر عن رأيه، وهو ممن لا يوثق بعلمه ودينه، يقول: إذا ما وجدت أحد تثق في فتواه في هذه الحالة، وليس في المسألة دليل لا من الكتاب ولا من السنة ولا من أقوال السلف -رضي الله عنهم- يقول: "بل هو معروف -يعني هذا المفتي- بإتباع الهوى فهنا يرجع المؤمن إلى ما حاك في صدره، وأن أفتاه هؤلاء المفتون" يعني الذين يتساهلون في الفتاوى.
    وفي قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:
    (وإن أفتاك المفتون)يقول ابن رجب: "يعني أن ما حاك في صدر الإنسان فهو إثم، وأن أفتاه غيره أنه ليس بإثم، فهذا مرتبة ثانية، وهو أن يكون الشيء مستنكر عند فاعله دون غيره، وقد جعله أيضاً إثماً، وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه مما شُرح صدره للإيمان، وكان المفتي يفتي بمجرد ظن أو ميل إلى هوى من غير دليل شرعي، فأما ما كان مع المفتي به دليل شرعي فالواجب على المستفتي الرجوع إليه، وإن لم ينشرح له صدره"، يعني قد يفتي العالم لهذا الإنسان فتوى بدليل شرعي ولا يطمئن هذا المُفتَى فهنا عدم الاطمئنان ليس معتبراً، يقول ابن رجب: "وهذا كالرخصة الشرعية مثل الفطر في السفر والمرض وقصر الصلاة في السفر ونحو ذلك مما لا ينشرح به صدر كثير من الجهال، فهذا لا عبره به"، يريد أن يقول: بأن بعض العامة إذا كان مريضاً مرضاً يصح معه الفطر أو يوجب معه الفطر فأفتاه العالم وقال: ليس عليك صيام مع هذا المرض، فإن بعض العامة لا تطيب نفسه بهذه الفتيا، يقول: هذا لا يعتبر، وهذا الحرج الذي وجد في نفس هذا العامي لا يعتد به، وإنما يرجع الإنسان إلى ما حاك في صدره، وأن أفتاه المفتون حينما لا يكون عندهم دليل في المسألة، ولاسيما إذا كانوا يتتبعون الرخص ويتساهلون، أو أنه سأل رجل ليس أهل للفتيا، فأين هذا ممن يبحثون عمن كان على هذه الشاكلة ابتداءً ويتركون من يقول: قال الله قال رسوله؛ لأن هذا الذي يقول: قال الله قال رسوله قال الصحابة هذا في نظر كثير من هؤلاء -أعني أصحاب الأهواء- هؤلاء ممن يتشددون، وممن أصابهم التحجر، وممن لا زالوا يعيشون في عقلية القرون الوسطى؛ ونحن في كل يوم نقرأ ونسمع أقواماً يتكلمون بمثل هذا الكلام.
    هذا اليوم قرأت لكاتب من الكتاب يعيب رجل تكلم بكلام حق حينما أفتى حينما تكلم بتحريم الموسيقى، وتحريم ظهور النساء على الشاشة الفضية، يتهكم به يقول: هذا تكلم بعقلية القرون الوسطى، لا زال يعيش عصوراً قد عفا عليها الدهر، وتجاوزها الناس، هذا في نظر هذا الكاتب إنسان متحجر لا يُرجع إليه، ولا يسمع لفتواه، وأن جاء بألف دليل من الكتاب والسنة، فالحق في نظر هؤلاء من المتبعين للأهواء هو ما وافق أهواءهم.
    وطائفة أخرى الحق عندها ما كان متمشياً مع معطيات العصر كما يقولون؛ ومع العقلية الغربية التي لا تفهم إلا الأمور المادية، أما الذي يتحدث عن الدليل ويتكلم عن الأحكام الشرعية سواء كانت مدركة من جهة التعليل، أو كانت غير مدركة، فإن هذا في نظرهم لا يصح أن يفتي؛ ولا يصح أن يرجع إليه في الفتيا.
    أقول: هذه الأمور التي سمعتموها تورث من سمعها بإذن الله -عز وجل- معرفة بمن يصح أن يُستفتَى، ومن لا يصح أن يستفتى، ومن الذي يؤخذ قوله؟ ومن الذي لا يؤخذ قوله وكلامه وفتياه؟ فينبغي على العاقل المؤمن أن يتبصر، وأن يعتبر، وأن ينظر في الأمر الذي ينجيه عند الله -تبارك وتعالى-، فهو مهما أتبع أقوال هؤلاء المرخصين فإن ذلك لا يطلقه عند الله -عز وجل-، ولا يبرئ ذمته، وإنما الذي يبرئ الذمة هو أن يَستفتي العامي من يثق بعلمه ودينه وورعه.
    هذا وأسأل الله -عز وجل- أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداه مهتدين.
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.


    ___________________
    1- أخرجه أحمد (4/ 227- 18028) والطبراني في الكبير (22/ 148- 403) وقال الألباني: "حسن لغيره" انظر صحيح الترغيب والترهيب (2/ 151- 1734).
    2- أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه (1/ 534- 770).
    3- أخرجه البخاري في كتاب الإيمان باب فضل من استبرأ لدينه (1/ 28- 52) وفي كتاب البيوع باب الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات (2/ 723- 1946).
    4- أخرجه الترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع (4/ 668- 2518) والنسائي في كتاب الأشربة الحث على ترك الشبهات (8 /327 – 5711) وأحمد (3/ 153- 12572) والدارمي في كتاب البيوع باب: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (2/ 319- 2532)، والحاكم في المستدرك (4/ 110- 7046)، وصححه الألباني في صحيح الجامع: حديث رقم:(3377).
    5- أخرجه أحمد (1/ 200- 1723) وصححه الألباني في صحيح الجامع: حديث رقم: (3378).
    6- أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب باب تفسير البر والإثم (4/ 1980 –2553).
    7- أخرجه الطبراني في الكبير (9 / 112- 8583).
    8- أخرجه أحمد (4/ 227- 18028) والطبراني في الكبير (22/ 148- 403) وقال الألباني: "حسن لغيره" انظر صحيح الترغيب والترهيب (2/ 151- 1734).






  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    13,560

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •