مبحث دقيق عن الاختلاف المحمود والمذموم
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: مبحث دقيق عن الاختلاف المحمود والمذموم

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    127

    افتراضي مبحث دقيق عن الاختلاف المحمود والمذموم

    بسم الله الرحمن الرحيم
    ثم إن أنواع الافتراق والاختلاف في الأصل قسمان: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد:
    واختلاف التنوع على وجوه:
    منه ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقا مشروعا، كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة رضي الله عنهم، حتى زجرهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: " كلاكما محسن "، ومثله اختلاف الأنواع في صفة الأذان، والإقامة، والاستفتاح، ومحل سجود السهو، والتشهد، وصلاة الخوف، وتكبيرات العيد، ونحو ذلك، مما قد شرع جميعه، وإن كان بعض أنواعه أرجح أو أفضل.
    ثم تجد لكثير من الأمة في ذلك من الاختلاف ما أوجب اقتتال طوائف منهم على شفع الإقامة وإيتارها ونحو ذلك ! وهذا عين المحرم. وكذا تجد كثيرا منهم في قلبه من الهوى لأحد هذه الأنواع، والإعراض عن الآخر والنهي عنه -: ما دخل به فيما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم.
    ومنه ما يكون كل من القولين هو في المعنى القول الآخر، لكن العبارتان مختلفتان، كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود، وصوغ الأدلة، والتعبير عن المسميات، ونحو ذلك. ثم الجهل أو الظلم يحمل على حمد إحدى المقالتين وذم الأخرى والاعتداء على قائلها ! ونحو ذلك.
    وأما اختلاف التضاد، فهو القولان المتنافيان، إما في الأصول، وإما في الفروع عند الجمهور الذين يقولون: المصيب واحد. والخطب في هذا أشد، لأن القولين يتنافيان، لكن نجد كثيرا من هؤلاء قد يكون القول الباطل الذي مع منازعه فيه حق ما، أو معه دليل يقتضي حقا ما، فيرد الحق مع الباطل، حتى يبقى هذا مبطلا في البعض، كما كان الأول مبطلا في الأصل، وهذا يجري كثيرا لأهل السنة.
    وأما أهل البدعة، فالأمر فيهم ظاهر. ومن جعل الله له هداية ونورا رأى من هذا ما يبين له منفعة ما جاء في الكتاب والسنة من النهي عن هذا وأشباهه، وإن كانت القلوب الصحيحة تنكر هذا، لكن نور على نور.
    والاختلاف الأول، الذي هو اختلاف التنوع، الذم فيه واقع على من بغى على الآخر فيه. وقد دل القرآن على حمد كل واحدة من الطائفتين في مثل ذلك، إذا لم يحصل بغي، كما في قوله تعالى: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله}(1). وقد كانوا اختلفوا في قطع الأشجار، فقطع قوم، وترك آخرون. وكما في قوله تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين}{ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما}(2) فخص سليمان بالفهم وأثنى عليهما بالحكم والعلم.
    وكما في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم يوم بني قريظة لمن صلى العصر في وقتها، ولمن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة.
    وكما في قوله: « إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر».
    والاختلاف الثاني، هو ما حمد فيه إحدى الطائفتين، وذمت الأخرى، كما في قوله تعالى: {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر}(3). وقوله تعالى: {هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار}(4) الآيات.
    وأكثر الاختلاف الذي يئول إلى الأهواء بين الأمة - من القسم الأول، وكذلك إلى سفك الدماء واستباحة الأموال والعداوة والبغضاء. لأن إحدى الطائفتين لا تعترف للأخرى بما معها من الحق، ولا تنصفها، بل تزيد على ما مع نفسها من الحق زيادات من الباطل، والأخرى كذلك. [ ولذلك](5) جعل الله مصدره البغي في قوله: {وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم}(6). لأن البغي مجاوزة الحد، وذكر هذا في غير موضع من القرآن ليكون عبرة لهذه الأمة.
    وقريب من هذا الباب ما خرجاه في الصحيحين، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: « ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». فأمرهم بالإمساك عما لم يؤمروا به، معللا بأن سبب هلاك الأولين إنما كان كثرة السؤال ثم الاختلاف على الرسل بالمعصية.
    __________
    (1) الحشر، آية: 5
    (2) الأنبياء: 78 - 79
    (3) البقرة: 253
    (4) الحج: 19
    (5) في الأصل: (وكذلك)، ولعل الصواب ما أثبتناه من سائر النسخ. ن
    (6) البقرة: 213
    المصدر : شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (1/345)

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    127

    افتراضي رد: مبحث دقيق عن الاختلاف المحمود والمذموم

    والاختلاف على ما ذكره الله في القرآن قسمان :
    أحدهما : يذم الطائفتين جميعا ، كما في قوله : { ولا يزالون مختلفين }{ إلا من رحم ربك } فجعل أهل الرحمة مستثنين من الاختلاف ، وكذلك قوله تعالى : { ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد } وكذلك قوله : { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم } وقوله : { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات } وقوله : { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء } .
    وكذلك وصف اختلاف النصارى بقوله : { فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون } .
    ووصف اختلاف اليهود بقوله : { وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله } وقال : { فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون } .
    وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما وصف أن الأمة تفترق على ثلاث وسبعين فرقة ؛ قال : « كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة » ، وفي الرواية الأخرى : « من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي » .
    فبين : أن عامة المختلفين هالكون من الجانبين ، إلا فرقة واحدة ، وهم أهل السنة والجماعة .
    وهذا الاختلاف المذموم من الطرفين يكون سببه تارة : فساد النية ؛
    لما في النفوس من البغي والحسد وإرادة العلو في الأرض ، ونحو ذلك ، فيجب لذلك ذم قول غيرها ، أو فعله ، أو غلبته ليتميز عليه ، أو يحب قول من يوافقه في نسب أو مذهب أو بلد أو صداقة ، ونحو ذلك ، لما في قيام قوله من حصول الشرف والرئاسة ، وما أكثر هذا من بني آدم ، وهذا ظلم .
    ويكون سببه - تارة - جهل المختلفين بحقيقة الأمر الذي يتنازعان فيه ، أو الجهل بالدليل الذي يرشد به أحدهما الآخر ، أو جهل أحدهما بما مع الآخر من الحق : في الحكم ، أو في الدليل ، وإن كان عالما بما مع نفسه من الحق حكما ودليلا .والجهل والظلم : هما أصل كل شر ، كما قال سبحانه : { وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا } .
    أما أنواعه : فهو في الأصل قسمان : اختلاف تنوع واختلاف تضاد .
    واختلاف التنوع على وجوه
    :
    منه : ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقا مشروعا ، كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة ، حتى زجرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : « كلاكما محسن » .
    ومثله اختلاف الأنواع في صفة الأذان ، والإقامة ، والاستفتاح ، والتشهدات ، وصلاة الخوف ، وتكبيرات العيد ، وتكبيرات الجنازة ، إلى غير ذلك مما قد شرع جميعه ، وإن كان قد يقال إن بعض أنواعه أفضل .
    ثم نجد لكثير من الأمة في ذلك من الاختلاف ؛ ما أوجب اقتتال طوائف منهم على شفع الإقامة وإيثارها ، ونحو ذلك ، وهذا عين المحرم ومن لم يبلغ هذا المبلغ ؛ فتجد كثيرا منهم في قلبه من الهوى لأحد هذه الأنواع والإعراض عن الآخر أو النهي عنه ، ما دخل به فيما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم .
    ومنه : ما يكون كل من القولين هو في معنى قول الآخر ؛ لكن العبارتان مختلفتان ، كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود ، وصيغ الأدلة ، والتعبير عن المسميات ، وتقسيم الأحكام ، وغير ذلك ثم الجهل أو الظلم يحمل على حمد إحدى المقالتين وذم الأخرى .
    ومنه ما يكون المعنيان غيرين ، لكن لا يتنافيان ؛ فهذا قول صحيح ، وهذا قول صحيح ، وإن لم يكن معنى أحدهما هو معنى الآخر ، وهذا كثير في المنازعات جدا .
    ومنه ما يكون طريقتان مشروعتان ، ورجل أو قوم قد سلكوا هذه الطريق ، وآخرون قد سلكوا الأخرى ، وكلاهما حسن في الدين .ثم الجهل أو الظلم : يحمل على ذم إحدهما أو تفضيلها بلا قصد صالح ، أو بلا علم ، أو بلا نية وبلا علم .
    وأما اختلاف التضاد فهو : القولان المتنافيان : إما في الأصول وإما في الفروع ، عند الجمهور الذين يقولون : " المصيب واحد " ، وإلا فمن قال : " كل مجتهد مصيب " فعنده : هو من باب اختلاف التنوع ، لا اختلاف التضاد فهذا الخطب فيه أشد ؛ لأن القولين يتنافيان ؛ لكن نجد كثيرا من هؤلاء قد يكون القول الباطل الذي مع منازعه فيه حق ما ، أو معه دليل يقتضي حقا ما ، فيرد الحق في الأصل هذا كله ، حتى يبقى هذا مبطلا في البعض ، كما كان الأول مبطلا في الأصل ، كما رأيته لكثير من أهل السنة في مسائل القدر والصفات والصحابة ، وغيرهم .
    وأما أهل البدعة : فالأمر فيهم ظاهر وكما رأيته لكثير من الفقهاء ، أو لأكثر المتأخرين في مسائل الفقه ، وكذلك رأيت الاختلاف كثيرا بين بعض المتفقهة ، وبعض المتصوفة ، وبين فرق المتصوفة ، ونظائره كثيرة .
    ومن جعل الله له هداية ونورا رأى من هذا ما يتبين له به منفعة ما جاء في الكتاب والسنة : من النهي عن هذا وأشباهه ، وإن كانت القلوب الصحيحه تنكر هذا ابتداء ، لكن نور على نور .
    وهذا القسم - الذي سميناه : اختلاف التنوع - كل واحد من المختلفين مصيب فيه بلا تردد ، لكن الذم واقع على من بغى على الآخر فيه ، وقد دل القرآن على حمد كل واحد من الطائفتين في مثل ذلك إذا لم يحصل بغي كما في قوله : { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله } .
    وقد كانوا اختلفوا في قطع الأشجار فقطع قوم وترك آخرون .
    وكما في قوله : { وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم }{ وكنا لحكمهم شاهدين }{ ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما } فخص سليمان بالفهم وأثنى عليهما بالعلم والحكم .
    وكما في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم - يوم بني قريظة - لمن صلى العصر في وقتها ، ولمن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة .
    وكما في قوله صلى الله عليه وسلم : « إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر » . . ونظائره كثيرة .
    وإذا جعلت هذا قسما آخر صار الاختلاف ثلاثة أقسام .
    وأما القسم الثاني من الاختلاف المذكور في كتاب الله : فهو ما حمد فيه إحدى الطائفتين ، وهم المؤمنون ، وذم فيه الأخرى ، كما في قوله تعالى : { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } إلى قوله : { ولو شاء الله ما اقتتل }{ الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا } .
    فقوله : { ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر } حمد لإحدى الطائفتين - وهم المؤمنون - وذم للآخرى ، وكذلك قوله : { هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار } إلى قوله : { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات } مع ما ثبت في الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه : " أنها نزلت في المقتتلين يوم بدر : علي وحمزة وعبيدة ، والذين بارزوهم من قريش وهم : عتبة وشيبة والوليد .
    وأكثر الاختلاف الذي يؤول إلى الأهواء بين الأمة من القسم الأول ، وكذلك آل إلى سفك الدماء ، واستباحة الأموال ، والعداوة والبغضاء ؛ لأن إحدى الطائفتين لا تعترف للأخرى بما معها من الحق ولا تنصفها بل تزيد على ما مع نفسها من الحق زيادات من الباطل والأخرى كذلك .
    وكذلك جعل الله مصدره البغي في قوله : { وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم } ؛ لأن البغي : مجاوزة الحد .
    وذكر هذا في غير موضع من القرآن ليكون عبرة لهذه الأمة .
    وقريب من هذا الباب : ما خرجاه في الصحيحين عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم » فأمرهم بالإمساك عما لم يؤمروا به معللا : بأن سبب هلاك الأولين إنما كان كثرة السؤال ، ثم الاختلاف على الرسل بالمعصية ، كما أخبرنا الله عن بني إسرائيل من مخالفتهم أمر موسى في الجهاد وغيره ، وفي كثرة سؤالهم عن صفات البقرة .
    لكن هذا الاختلاف على الأنبياء : هو - والله أعلم - مخالفة الأنبياء ، كما يقول : اختلف الناس على الأمير إذا خالفوه .
    والاختلاف الأول : مخالفة بعضهم بعضا وإن كان الأمران متلازمين أو أن الاختلاف عليه هو الاختلاف فيما بينهم ، فإن اللفظ يحتمله .
    ثم الاختلاف كله قد يكون في التنزيل والحروف ، كما في حديث ابن مسعود وقد يكون في التأويل كما يحتمله حديث عبد الله بن عمرو ، فإن حديث عمرو بن شعيب يدل على ذلك ، إن كانت هذه القصة قال أحمد في المسند : حدثنا إسماعيل ، حدثنا داود بن أبي هند عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده « أن نفرا كانوا جلوسا بباب النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم : ألم يقل الله كذا وكذا؟ وقال بعضهم : ألم يقل الله كذا وكذا؟ فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان ! فقال : " أبهذا أمرتم؟ أو بهذا بعثتم : أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا ؛ إنكم لستم مما ههنا في شيء ، انظروا الذي أمرتم به فاعملوا به ، والذي نهيتم عنه فانتهوا عنه » وقال : ( حدثنا يونس حدثنا حماد بن سلمة ، عن حميد ، ومطر الوراق ، .............................. .................. . وداود بن أبي هند : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه ، وهم يتنازعون في القدر - فذكر الحديث )
    وقال أحمد :
    حدثنا أنس بن عياض ، حدثنا أبو حازم عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : « لقد جلست أنا وأخي مجلسا ما أحب أن لي به حمر النعم : أقبلت أنا وأخي ، وإذا مشيخة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس عند باب من أبوابه ، فكرهنا أن نفرق بينهم فجلسنا حجرة ، إذ ذكروا آية من القرآن فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا ، قد احمر وجهه يرميهم بالتراب ، ويقول : " مهلا يا قوم ، بهذا أهلكت الأمم من قبلكم : باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض ، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا ، وإنما أنزل يصدق بعضه بعضا ، فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه » .

    المصدر اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية (1/136-146)

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    12

    افتراضي رد: مبحث دقيق عن الاختلاف المحمود والمذموم

    و الاختلاف نوعين :(2)

    اختلاف تنوع – لا يُذم أي من أطرافه
    واختلاف تضاد – يكون فيه أحد الطرفين المختلفين مجانباً للصواب .
    وذلك على التفصيل التالي :
    النوع الأول : اختلاف التـنوع :-
    وهو ما حُمد فيه كل من الطائفتين فكل واحد من المختلفين مصيب بلا تردد ، لكن الذم واقع على من بغى عل الآخر فيه ، وقد دل القرآن على حمد كل واحدة من الطائفتين في مثل هذا إذا لم يحصل بغي من أحدهما .
    مثال ذلك : من القرآن الكريم
    1- قوله تعالى: ﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبأذن الله ﴾ وقد كان الصحابة في حصار بني النضير اختلفوا في قطع الأشجار والنخيل فقطع قوم وترك آخرون .
    2- وكما في قوله تعالى :
    ﴿ وداوُد وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حُكماً وعلماً﴾ فخص سليمان بالفهم وأثنى عليهما بالعلم والحكم .
    3- وكما في القراءات الصحيحة المختلفة في القرآن الكريم .
    ومن السنة المطهرة
    - كما في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم – يوم بني قـُريظة ) وقد كان أمر المنادي ينادي "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قـُريظة " من صلى العصر في وقتها ، ومن أخرها إلى أن وصل إلى بني قـُريظة .
    النوع الثاني :- اختلاف التضاد
    وهو – كما يُعبّـر عنه أسمه – ما حُمد فيه إحدى الطائفتين و ذُم فيه الأخرى . ودرجة الذم ّ تختلف حسب نوع المسألة و موضع الاختلاف حيث قد يكون الاختلاف في التوحيد أو قد يكون في أمر يتعلق بأصول سنة الاعتقاد أو يكون متعلقاً بالشرائع وأحكام الفقه .
    1- فإذا كان اختلاف التضاد في التوحيد :-
    فالطائفة المحمودة هي طائفة المسلمين الموحدين والطائف المذمومة هي المشركة الكافرة مثال ذلك :-
    قوله تعالى :-
    ﴿ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ﴾البقرة : 253.
    وكذلك قوله تعالى :-
    ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم ، فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يُصبُ من فوق رؤوسهم الحميم يُصهرُ به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد . كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق إن الله يُدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات ﴾الحج :19-23.
    ومن المعوم أن هذه الآيات الكريمات نزلت في المقتتلين يوم بدر عليّ وحمزة و عبيدة بن الحارث لما بارزوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة .
    فالمخالف في التوحيد هو الكافر المشرك والكافر
    2- وإذا كان اختلاف التضاد في شيء من أصول سنة الاعتقاد :-
    فالطائفة محل المدح هي الـموافقة لأصول أهل السن والجماعة والطائفة محل الذم هي المخالفة لأي من هذه الأصول .
    والمثال البارز المشهور للطوائف المخالفة هم سائر أهل الفرق والأهواء من خوارج ومعتزلة ومرجئة وجهمية وشيعة وقدرية وغيرهم .
    وهذه الفرق تعد – بما خالفته من أصول اعتقاد أهل السنة – مبتدعة ما لم تضيف إلى بدعتها ما يعد كفراً بصريح نص القرآن أو السنة .
    وتكفير هذه الفرق أو الطوائف محل اجتهاد العلماء بعد البيان لخفاء المسائل التي أحدثوا فيها أو تأولوا فيها بالإضافة لعدم ورود النص القاطع بتكفير المخالف . لذا كان القدر المتفق عليه بالنسبة لهم أنهم مبتدعة وأهل أهواء بسبب ما أحدثوه من تأويلات فاسدة فلم يعذروا بتأويلاتهم الفاسدة ولكن لم يكفروا لعدم قطعية النص على كفرهم فكان محل اجتهاد العلماء وبالتالي محل اختلافهم .
    3-وأما إذا كان اختلاف التضاد في أمور الشريعة وأحكام الفقه :-
    فالمخطئ فيها :
    - إما عالم بذل جهده واستفرغ وسعه في استنباط حكم الشرع من أدلته التفصيلية غير أنه جانبه الصواب فهو معذور مأجور بإذن الله لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد ولم يُصب فله أجر ".
    - وإما إذا كان عامياً متجراً على أحكام الشريعة ويخوض في دين الله بغير علم فهو آثم غير معذور .
    لقوله تعالى :﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ﴾ الحج :8.
    وقوله تعالى : ﴿ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سُلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ الأعراف :33.
    والتعرف على أنواع الاختلاف وحكم كل نوع هام جداً في تقييم وضع المخالف وحقيقة حكمه وما يحتمل الاختلاف فيه وما لا يحتمل ومتى يعد الخلاف مكفراً ومتى لا يعد كذلك والله تعالى أعلى وأعلم نعوذ به سبحانه من الخلاف و الاختلاف ونسأله التوفيق و الاجتماع والرشاد . آمـــين
    نقل من كتاب حجة الله البالغة لعبد الرحمن شاكر نعم الله " الجزء الأول "

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    12

    افتراضي رد: مبحث دقيق عن الاختلاف المحمود والمذموم

    و الاختلاف نوعين :(2)

    اختلاف تنوع – لا يُذم أي من أطرافه
    واختلاف تضاد – يكون فيه أحد الطرفين المختلفين مجانباً للصواب .
    وذلك على التفصيل التالي :
    النوع الأول : اختلاف التـنوع :-
    وهو ما حُمد فيه كل من الطائفتين فكل واحد من المختلفين مصيب بلا تردد ، لكن الذم واقع على من بغى عل الآخر فيه ، وقد دل القرآن على حمد كل واحدة من الطائفتين في مثل هذا إذا لم يحصل بغي من أحدهما .
    مثال ذلك : من القرآن الكريم
    1- قوله تعالى: ﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبأذن الله ﴾ وقد كان الصحابة في حصار بني النضير اختلفوا في قطع الأشجار والنخيل فقطع قوم وترك آخرون .
    2- وكما في قوله تعالى :
    ﴿ وداوُد وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حُكماً وعلماً﴾ فخص سليمان بالفهم وأثنى عليهما بالعلم والحكم .
    3- وكما في القراءات الصحيحة المختلفة في القرآن الكريم .
    ومن السنة المطهرة
    - كما في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم – يوم بني قـُريظة ) وقد كان أمر المنادي ينادي "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قـُريظة " من صلى العصر في وقتها ، ومن أخرها إلى أن وصل إلى بني قـُريظة .
    النوع الثاني :- اختلاف التضاد
    وهو – كما يُعبّـر عنه أسمه – ما حُمد فيه إحدى الطائفتين و ذُم فيه الأخرى . ودرجة الذم ّ تختلف حسب نوع المسألة و موضع الاختلاف حيث قد يكون الاختلاف في التوحيد أو قد يكون في أمر يتعلق بأصول سنة الاعتقاد أو يكون متعلقاً بالشرائع وأحكام الفقه .
    1- فإذا كان اختلاف التضاد في التوحيد :-
    فالطائفة المحمودة هي طائفة المسلمين الموحدين والطائف المذمومة هي المشركة الكافرة مثال ذلك :-
    قوله تعالى :-
    ﴿ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ﴾البقرة : 253.
    وكذلك قوله تعالى :-
    ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم ، فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يُصبُ من فوق رؤوسهم الحميم يُصهرُ به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد . كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق إن الله يُدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات ﴾الحج :19-23.
    ومن المعوم أن هذه الآيات الكريمات نزلت في المقتتلين يوم بدر عليّ وحمزة و عبيدة بن الحارث لما بارزوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة .
    فالمخالف في التوحيد هو الكافر المشرك والكافر
    2- وإذا كان اختلاف التضاد في شيء من أصول سنة الاعتقاد :-
    فالطائفة محل المدح هي الـموافقة لأصول أهل السن والجماعة والطائفة محل الذم هي المخالفة لأي من هذه الأصول .
    والمثال البارز المشهور للطوائف المخالفة هم سائر أهل الفرق والأهواء من خوارج ومعتزلة ومرجئة وجهمية وشيعة وقدرية وغيرهم .
    وهذه الفرق تعد – بما خالفته من أصول اعتقاد أهل السنة – مبتدعة ما لم تضيف إلى بدعتها ما يعد كفراً بصريح نص القرآن أو السنة .
    وتكفير هذه الفرق أو الطوائف محل اجتهاد العلماء بعد البيان لخفاء المسائل التي أحدثوا فيها أو تأولوا فيها بالإضافة لعدم ورود النص القاطع بتكفير المخالف . لذا كان القدر المتفق عليه بالنسبة لهم أنهم مبتدعة وأهل أهواء بسبب ما أحدثوه من تأويلات فاسدة فلم يعذروا بتأويلاتهم الفاسدة ولكن لم يكفروا لعدم قطعية النص على كفرهم فكان محل اجتهاد العلماء وبالتالي محل اختلافهم .
    3-وأما إذا كان اختلاف التضاد في أمور الشريعة وأحكام الفقه :-
    فالمخطئ فيها :
    - إما عالم بذل جهده واستفرغ وسعه في استنباط حكم الشرع من أدلته التفصيلية غير أنه جانبه الصواب فهو معذور مأجور بإذن الله لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد ولم يُصب فله أجر ".
    - وإما إذا كان عامياً متجراً على أحكام الشريعة ويخوض في دين الله بغير علم فهو آثم غير معذور .
    لقوله تعالى :﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ﴾ الحج :8.
    وقوله تعالى : ﴿ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سُلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ الأعراف :33.
    والتعرف على أنواع الاختلاف وحكم كل نوع هام جداً في تقييم وضع المخالف وحقيقة حكمه وما يحتمل الاختلاف فيه وما لا يحتمل ومتى يعد الخلاف مكفراً ومتى لا يعد كذلك والله تعالى أعلى وأعلم نعوذ به سبحانه من الخلاف و الاختلاف ونسأله التوفيق و الاجتماع والرشاد . آمـــين
    نقل من كتاب حجة الله البالغة لعبد الرحمن شاكر نعم الله " الجزء الأول "

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    127

    افتراضي رد: مبحث دقيق عن الاختلاف المحمود والمذموم

    في كتاب فقه الرد على المخالف للدكتور خالد بن عثمان السبت كانت له وقفات بديعة حول هذا المبحث

    ذم الخلاف لا يعني ذم المختلفين بإطلاق :

    قال الدكتور : " عندما نقرر أن الخلاف مذموم فإن ذلك لا يعني بالضرورة ذم المختلفين , ذلك أن الخلاف على نوعين :

    الأول :ما كان محتملاً لوجود ما يبرره , وذلك في المسائل التي لا يوجد فيها إجماع أو نص صحيح صريح لا معارض له من جنسه , مع استفراغ الوسع , والتجرد من الهوى والتعصب , ففي هذه الحال إذا اختلفت الأقوال والاجتهادات فإن أصحابها معذورون , من أصاب فله أجران , ومن أخطأ فله أجر واحد , كما يعذر من قلدهم من العامة إذا استفتى من يثق بدينه وعلمه ما لم يكن متتبعاً للرخص متمشياً مع أهواء النفس , ذلك أن كل واحد من هؤلاء العلماء قد استفرغ وسعه في طلب الحق فقام بما أوجب الله عليه في ذلك , فهو معذور من هذه الجهة – وإن كان مخطئاً – مع أن الحق في نفس الأمر واحد , ويستوي في ذلك مسائل العقيدة ومسائل الشريعة , وسواء كانت اجتهادية : كأن لم يرد فيها دليل أصلاً , أو ورد دليل خفي مأخذه , أو تقابلت فيها الأدلة , أو كانت من المسائل الخلافية التي يُعذر العالم فيها لكون الدليل لم يبلغه , أو لم يصح عنده , أو كان الدليل محتملاً للقولين , أو غير ذلك من أسباب الخلاف المعتبرة , وقد نبه العلماء عليها وبينوها كما هو معروف .
    وقد تنازع الصحابة رضي الله عنهم في قضايا علمية وعملية , واستفرغوا وسعهم في طلب الحق , وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم الفريقين على ما أداهم إليه اجتهادهم في بعض المسائل التي بغلهم خلافهم فيها , كما أنهم اتفقوا في بعض المسائل التي تنازعوا فيها على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم , كل ذلك مع بقاء الألفة والمحبة والولاء بينهم , إذ إن الجميع يطلب الحق ويستفرغ لذلك وسعه , والله لا يكلف نفساً إلا وسعها , كما لا يؤاخذه على الخطأ , فمن ذمهم ولامهم على ما لم يؤاخذهم عليه فقد اعتدى وجار وظلم .
    الأدب المتعين إزاء هذا النوع من الخلاف :
    1- ينبغي إحسان الظن بالمخالف , ولايجوز بحال أن يكون الخلاف سبباً لتبادل التهم , أو استحلال الأعراض , وذكر المخالف على وجه الذم والتأثيم لأن الله غفر له خطأه , بل تحفظ له حقوقه ويُثنى عليه ويُدعى له , ويُيحب لما فيه من الإيمان ..
    2- يسوغ لأهل العلم عند هذه النوع من الخلاف المذاكرة , والمناصحة , والمناظرة , والرد مع بقاء الألفة والمودة كما كان هدي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم , خلافاً لمن ضاق عطنه كما روى ابن بطة رحمه الله بسنده عن بعضهم أنه قال : "من لم يكن معنا فهو علينا "
    3- ليس لأحد أن يطالب الآخرين أن يُلغوا عقولهم وأفهامهم ويوافقوه على اجتهاده , فضلاً عن أن يلزمهم بذلك مهما كانت مرتبته سواء كان حاكماً أو محكوماً ... "

    ثم قال : " الثاني من نوعي الخلاف : وهو الخلاف غير المعتبر بل هو خلاف مذموم وأهله كذلك , وهو قسمان :

    القسم الأول : خلاف مذموم في أصله ( وهو خلاف أهل الأهواء والبدع ) , ويدخل تحته :
    1- من خالف القرآن الكريم والسنة المستفيضة , أو ما أجمع عليه السلف خلافاً لايُعذر فيه فإنه يعامل بما يعامل به أهل البدع .
    2- أصحاب الخوض الباطل في المسائل التي لاينبغي الخوض فيها , وسيأتي مزيد إيضاح لذلك .
    3- من تتبع صعاب المسائل واشتغل بالأغاليط , وسيأتي مزيد إيضاح لذلك إن شاء الله .

    القسم الثاني : خلاف مذموم بوصفه ( أي : أن الخلاف سائغ كما هو شأن المسائل الشرعية في مسائل الفقه والأحكام ولكن طرأ عليه الذم لوصف قام بصاحبه ) . ويدخل تحته : كل من خالف لهوى في نفسه , لا عن تحري لقصد الشارع , وذلك كمن ينتقل من قول إلى قول لمجرد عادة أو اتباع هوى وليس طلباً للصواب واتباعاً للدليل , وهكذا المتتبع للرخص , أو من يأخذ بأخف القولين لمجرد هواه أو هوى غيره , وكذا من التزم مذهباً معيناً وخالف ذلك المذهب في بعض المسائل من غير عذر شرعي يبيح له ما فعله , فإنه في هذه الحال يكون متبعاً لهواه .

    فهولاء جميعاً موصوفون بالذم , إذ إن خلافهم مهما تعددت أسبابه فهو راجع إلى شيء واحد وهو اتباع الهوى والإعراض عن الحق ذلك أن الله تعالى جعل القسمة ثُنائية في قوله تعالى : يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ وقوله : ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِم نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلى الأَرْضِ وَاتـَّــبَعَ هَوَاهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يلهث .. ﴾ [الأعراف/175-176-177]. وقوله تعالى : فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ وقوله تعالى : أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم فليس ثمة إلا اتباع للحق أو الميل مع الهوى ."

    ثم قال : " وأما من تجرد من الهوى , وطلب الحق , واستفرغ وسعه في ذلك لعدم بلوغ الدليل , أو غير ذلك مما يُعذر به مثله فإنه لا يلحقه إثم ولا مؤاخذه , لكونه فعل ما يقدر عليه , والله لا يكلف نفساً إلا وسعها . "

    ثم قال : " ثم إن المخالفين من أهل الأهواء وإن كانوا موصوفين بالذم في الجملة إلا أنهم يتفاوتون في ذلك بحسب قدر المخالفة ونوعها , فالمخالف في الأصول الثابتة في الكتاب والسنة ثبوتاً لا مطعن فيه , أو الكليات المجمع عليها – مع التمكن من معرفة الحق فيها – ليس كمالمخالف فيما دونها من الجزئيات والأمور المتفرعة عنها , وسواء في ذلك مسائل العقيدة أو مسائل الشريعة كما سبق , مع أنه ورد ذم الفريقين إلا أن ذمهم للمخالفين في مسائل الاعتقاد كان أشهر للأمور التالية :

    1- قلة أو ندرة مسائل الاعتقاد المحتملة للخلاف السائغ , بخلاف الأحكام الشرعية العملية , ذلك أن عامة مسائل الاعتقاد ثابتة بأدلة قطعية بخلاف مسائل الشريعة العملية إذ إن الكثير منها يحتمل الخلاف السائغ .
    2- أن عامة خلاف أهل الأهواء إنما كان في مسائل الاعتقاد .
    3- أن جناية المخالفة في مسائل الاعتقاد تكون في الغالب أعظم من جناية المخالفة في مسائل الشريعة العملية .

    وما يؤيد ذم السلف للفريقين أنهم أدخلوا بعض مسائل الشريعة العملية في كتب الاعتقاد حين اشتهر مخالفة بعض أهل الأهواء فيها , كالمسح على الخفين , والجهاد مع الإمام والصلاة خلفه براً كان أم فاجراً , وما أشبه ذلك من مسائل الشريعة العملية . "

    ثم ذكر الدكتور خالد بن عثمان السبت موقف السلف من الخلاف المذموم وبرع في تفصيله يرجع إليه لمن أراد الاستزادة ..

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •