روى ابن سعد والبيهقي وأحمد وغيرهم بأسانيد عن جمع من الصحابة دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: وبعث رسول الله  عبد الله بن حذافة السهمي، وهو أحد الستة، إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام وكتب معه كتابا، قال عبد الله: فدفعتُ إليه كتاب رسول الله ، ثم أخذه فمزَّقه، فلما بلغ ذلك رسول الله  قال: (( اللهم مزِّق ملكه ))(1 )، وكتب كسرى إلى باذان عامله على اليمن أن ابعث من عندك رجلين جلْدين إلى هذا الرجل الذي بالحجاز فلْيَأتياني بخبره، فبعث باذان قهرمان ورجلا آخر، وكتب معهما كتابا، فقدِما المدينة، فدفعا كتاب باذان إلى النبي ، فتبسم رسول الله  ودعاهما إلى الإسلام وفرائصهما ترعد، وفي رواية: فلما رأى شَواربهما مفتولة وخدودهما محلوقة، أشاح عنهما وقال: (( وَيْحَكُما مَن أمركما بهذا )) قالا: أمَرنا ربنا ـ يعنيان كسرى ـ فقال النبي : (( ولكني أمرني ربي  أن أُعفِيَ لحيتي وأن أُحفي شاربي ))، وقال:
(( ارجعا عني يومكما هذا حتى تأتياني الغد فأخبركما بما أريد ))، فجاءاه
من الغد فقال لهما: (( أَبْلغا صاحبكما أن ربي قد قتل ربه كسرى في هذه الليلة ))، فوجدوه كما قال(2 ).
وفي هذه القصة أن النبي  علِم هلاك كسرى لَمّا تجرَّأ على رسالته، ولم يُراع له حرمته؛ لأن الله قضى بقطع دابر شانيء رسوله وتعجيل بتره فقال: {إنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ}. ومن حسن الموافقة أن قاتل كسرى ابنُه، كما ذكر ذلك الحافظ في » الفتح «(3 )، وهو من تمام الإعجاز في إلقاء العداوة بين أفراد الأمة الواحدة، كيف وهي عداوة أهل بيت واحد؟! تحقيقاً لقول الله تعالى: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ}.
وقارن قصة كسرى هذه بقصة قيصر التي رواها البخاري وغيره، وفيها قول قيصر لأبي سفيان في رسول الله : "... فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدميّ هاتين، وقد كنتُ أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخْلُص إليه لتَجَشَّمْتُ لقاءه، ولو كنتُ عنده لغسلتُ عن قَدمه ...".
قال ابن تيمية: " وقد كتب النبي  إلى كسرى وقيصر، وكلاهما لم يُسْلم، لكن قيصر أكرمَ كتاب النبي  وأكرم رسوله، فثبَت ملكُه، فيقال: إن الملك باقٍ في ذريته إلى اليوم، وكسرى مزَّق كتاب رسول الله  واستهزأ برسول الله ، فقتله الله بعد قليل ومزَّق ملكه كل ممزق ولم يبق للأكاسرة ملك، وهذا ـ والله أعلم ـ تحقيق لقوله تعالى: {إنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر}، فكلُّ مَن شنَأه وأبغضه وعاداه فإن الله يقطع دابره ويمحق عينه وأثره، وقد قيل: إنها نزلت في العاص بن وائل أو في عقبة بن أبي معيط أو في كعب بن الأشرف، وقد رأيتَ صنيع الله بهم، ومن الكلام السائر:
( لحوم العلماء مسمومة )، فكيف بلحوم الأنبياء عليهم السلام؟!"(4 ).
قلت: تأمل قوله: " إن المُلْك باقٍ في ذرِّيَّته إلى اليوم "، مع قول هرقل بعد قراءته كتاب رسول الله  في الرواية السابقة: " يا معشر الروم! هل لكم في الفلاح والرشد وأنْ يثبت مُلْكُكُم فتُبايِعوا هذا النبي؟..".
وقال ابن تيمية: " ونظير هذا ما حدّثَناه أعداد من المسلمين العدول أهل الفقه والخبرة عما جرَّبوه مرات متعددة في حصر الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية، لما حصَر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا، قالوا: كنا نحن نحصر الحصن أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتنع علينا حتى نكاد نيأس، إذ تعرَّض أهله لسبّ رسول الله  والوقيعة في عرضه فعجلنا فتحه وتيسر، ولم يكد يتأخر إلا يوما أو يومين أو نحو ذلك، ثم يفتح المكان عنوة، ويكون فيهم ملحمة عظيمة، قالوا حتى إن كنّا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه، مع امتلاء القلوب غيظا عليهم بما قالوه فيه،كما حدّثني بعض الأصحاب الثقاة أنّ المسلمين من أهل الغرب حالهم مع النصارى كذلك، ومن سنّة الله أن يعذّب أعداءه تارة بعذاب من عنده، وتارة بأيدي عباده المؤمنين "(5 ).
وقال ابن تيمية: " سورة الكوثر: ما أجلّها من سورة! وأغزر فوائدها على اختصارها! وحقيقة معناها تُعْلم من آخرها، فإنه سبحانه وتعالى بَتَر شانيء رسوله من كل خير، فيَبتر ذكره وأهله وماله فيخسر ذلك في الآخرة، ويبتر حياته فلا ينتفع بها، ولا يتزوّد فيها صالحا لمعاده، ويبتر قلبه فلا يعي الخير، ولا يؤهِّله لمعرفته ومحبته والإيمان برسله، ويبتر أعماله فلا يستعمله في طاعة، ويبتره من الأنصار فلا يجد له ناصرا ولا عونا، ويبتره من جميع القرب والأعمال الصالحة فلا يذوق لها طعما ولا يجد لها حلاوة، وإن باشرها بظاهره فقلبه شارد عنها، وهذا جزاء من شنَأ بعض ما جاء به الرسول  وردَّه لأجل هواه أومتبوعه أو شيخه أو أميره أو كبيره، كمن شنأ آيات الصفات وأحاديث الصفات، وتأوَّلها على غير مراد الله ورسوله منها، أو حملها على ما يوافق مذهبه ومذهب طائفته، أو تمنَّى ألا تكون آيات الصفات أنزلت، ولا أحاديث الصفات قالها رسول الله  ... ومن أقوى علامات شناءته لها وكراهته لها أنه إذا سمعها حين يَستدل بها أهلُ السنة على ما دلت عليه من الحق اشمأز من ذلك، وحاد ونفر من ذلك، لِما في قلبه من البغض لها والنفرة عنها، فأي شانيء للرسول أعظم من هذا ... وكذا مَن آثر كلام الناس وعلومهم على القرآن والسنة، فلولا أنه شانيء لِما جاء به الرسول ما فعل ذلك، حتى إن بعضهم لينسى القرآن بعد أن حفظه، ويشتغل بقول فلان وفلان ...
فالحذرَ الحذرَ! أيها الرجل من أن تكره شيئا مما جاء به الرسول  أو تردّه لأجل هواك، أو انتصارا لمذهبك أو لشيخك، أو لأجل اشتغالك بالشهوات أو بالدنيا؛ فإن الله لم يوجب على أحد طاعة أحد إلا طاعة رسوله والأخذ بما جاء به، بحيث لو خالف العبد جميع الخلق واتبع الرسول ما سأله الله عن مخالفة أحد، فإن من يطيع أو يطاع إنما يطاع تبعا للرسول، وإلا لو أمر بخلاف ما أمر به الرسول ما أطيع. فاعلم ذلك واسمع وأطع، واتبع ولا تبتدع، تكن أبتر مردودا عليك عملُك، بل لا خير في عمل أبتر من الاِتّباع، ولا خير في عامله، والله أعلم "(6 ).
.............................. .............................. .............................. .............................. .............................. .............
(1 ) إلى هنا رواية البخاري في » صحيحه «، لكن زيادة هذا الدعاء هي عنده مرسلة.
(2 ) انظر » الصحيحة « للألباني (1429)، وتخريجه على » فقه السيرة « للغزالي (388ـ389).
(3 ) (7/733ـ734).
(4 ) » الصارم المسلول « ص (164ـ165)، وانظر (( الفتح )) لابن حجر (1/44).
(5 ) المصدر السابق ص (117).
(6 ) » مجموع الفتاوى « (16/526ـ529).

-من كتاب ( مدارك النظر )