زيارة القبور والرحلة إليها ؛ لا إفراط ولا تفريط!
النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: زيارة القبور والرحلة إليها ؛ لا إفراط ولا تفريط!

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    62

    Exclamation زيارة القبور والرحلة إليها ؛ لا إفراط ولا تفريط!

    إنباءُ الأنام عمّا فيْ شدّ الرِّحالِ لزيَارَة القُبورِ مِنْ أحكام



    الحمد لله ربّ العالمين ، اللهم صلِّ وسلّم على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين و على آله الطيبين ، أمّا بعد :
    فإني أسوق إليك ، أخي المؤمن ، جملةَ أحكام نقلها علماؤنا عن أسلافهم من التابعين والصحابة الكرام ، مما عقلوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة القبور وأحكامها ، راجياً من الله أن يوفقني في عرضها على وجهٍ يزيل الإلباس ، وأسأل الله تعالى أن ينفعني وإياك بها وأن يبصّرنا الحق .
    أولاً ؛ القبر: المكان الذي يدفن فيه الميت ، وهو آخر منزلٍ ينزله الإنسان في هذه الحياة الدنيا فإذا صار إليه انقطعَ عن الأحياء خبرُه ، ودخل في عالم المغيّبات أمره .
    وقد فتَنَ الشيطانُ الأممَ التي قبلنا وزَيَّن لها باطِلَه ، واتّخذ القبور وسيلة من وسائله لإضلالهم وصرفهم عن الحق الذي يأتيهم من عند الله . وببعثة خير البشر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رَحِمَ الله الأمّة ، وكشف عنها الجهل والجاهلية ، فبين لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أحكام القبور وما يجوز فيها وما لا يجوز ، ثمّ نهاهم عن زيارة القبور ليقطع عنهم علائق الجاهلية وعقائد الشرك والضلال ووساوس الشيطان . فلمّا استقرّت عقيدتهم في آخر الأمر قال لهم : ((نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها )) رواه مسلم .
    ثمّ قال لهم : ((لعن الله اليهود والنّصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) متفق عليه .
    ثمّ أمر بتسويتها ، كما في مسلم ، ثم ّ نهى أن يجصّصَ القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه . رواه مسلم .
    ثمّ قال لهم : ((لا تجلسوا على القبور ولاتصلّوا إليها )) رواه مسلم .
    وقال : ((لعن الله زوّارات القبور )) رواه أحمد و الترمذي .
    وهناك أحاديث كثيرة يبيّن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم شرع الله تعالى في مسألة الدفن وهيئة القبر وضوابط الزيارة .
    ثانيًا ؛ زيارة القبور : تقدّم معنا أن الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم كان قد نهى عن زيارة القبور ثمّ رخّص في زيارتها و بيَّن الحكمة من ذلك في قوله : ((فزورا القبور فإنها تذكّرُ الموتَ)) رواه مسلم .
    قال القاضي عياض في شرح الحديث:" .. و علّة الإباحة أن تكون الزيارة للاعتبار لا للفخر ولا للمباهاة والنوح، كما قال :((فزوروها و لا تقولوا هُجراً)) كما في الموطأ وأحمد والنسائي .
    وقال القاضي ابن العربي المالكي:"لا أعلم لزيارة القبور وجهاً إلا أنها تذكّر الآخرة".[انظر شرح مسلم للأُبِّي 3/396 كتاب الجنائز] .
    إذن فالحكمة من زيارة القبور هي الموعظة والاعتبار وليس التبرّك أو الافتخار. وقد وضّح ذلك القاضي عياض في شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم : ((استأذنتُ ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي)).رواه مسلم.
    قال القاضي:"سبب زيارته صلى الله عليه وسلم قبرها أنه قصد قوَّةَ الموعظة بمشاهدته قبرها ومصرعها ، وشكر الله على ما منّ عليه به و حُرِمَتْهُ". انتهى [شرح مسلم للأبي 3/395]

    ثالثًا ؛ أمّا آداب الزيارة فقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نسلّم على أهل القبور وكيف نستغفر وندعو لهم ، في هذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول : ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غداً ، مُؤَجَّلُون وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون. اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد)) رواه مسلم .
    وكذلك عندما علَّمَ السيّدة عائشة ما تقول إذا زارت القبور فقال: ((قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين يرحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين ، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون . وفي رواية : أسأل الله لنا ولكم العافية)) . رواه مسلم .
    · هكذا علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمّا الشيطان فيزيِّن لِمَنْ حَادَ عن السنّة وتنكّب الصراط المستقيم أن يقولوا إذا أتوا القبور : المدد يا سيدي فلان (الميت) المدد !! ويسألونه حوائجهم وما إلى ذلك . وإنّا لله وإنا إليه راجعون .
    رابعًا ؛ إذن مَنْ تمسَّك بحديث ((زوروا القبور)) يلزمه العلّة من ذلك ألا وهي الموعظة والاعتبار لقوله : ((فإنها تذكر الموت)) وهذه الموعظة تحصل بزيارة أي قبر سواء كان قبر قريب أو بعيد ، فالغرض من الزّيارة هو الاعتبار بأن نهاية الإنسان إلى هذه الحفرة في التراب ، والتي إمّا أن يوسِّعَ اللهُ لصاحبها فيها إن كان مؤمنًا موحِّداً ، وإمّا أن تضغط عليه ويُضيَّق عليه فيها إن كان عاصيًا مشركًا . فلا مسوّغ عندها للرحيل إلى أماكن بعيدة وشدّ الرّحال لزيارة قبور نائية أو في بلاد بعيدة ، لأنّ الموعظة تحصل بالوقوف على أيّ قبر . نعم قد تكون الموعظة أقوى إذا زار المرء قبر والديه أو أحد أبنائه بدليل حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمّهِ فبكى و أبكى من حوله فقال : ((استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يُؤذن لي و استأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي ، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت )) رواه مسلم .
    جاء في شرح الحديث عند عياض والنووي : وخصّ قبرها لمكانها منه بدليل قوله في آخر الحديث ((فزوروا القبور فإنها تذكر الموت)) وفي الحديث جواز زيارة المشركين في الحياة لأنها إذا جازت زيارته بعد الموت ففي الحياة أولى وفي الحديث النهي عن الاستغفار للكفّار . وقوله : فبكى وأبكى ، قال عياض :"بكاؤه صلى الله عليه وسلم على أن لم تدرك أيّامه و تؤمن به ". انتهى [ شرح مسلم ج3 كتاب الجنائز] .
    · أمّا قول القائل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور شهداء أُحُد ، أليس هذا من شدّ الرحال؟
    · فالجواب : لا ! لأنّ جبل أُحد من جبال المدينة وقبور الشهداء فيه قريبة من المدينة ولا تحتاج إلى شدّ الرحال ولا يقال لمن ذهب من المدينة إلى أُحد إنه مسافر! ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إليهم قبل وفاته ليودِّعهم وليستغفر لهم كما جاء في صحيح البخاري عن عقبة بن عامر قال : ((صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أُحد بعد ثماني سنين كالمودّع للأحياء والأموات ...)) الحديث . [رواه البخاري كتاب المغازي] .
    · وكذلك فإنّ زيارته صلى الله عليه وسلم لأهل البقيع كانت بأمر من الله ليستغفر لهم كما في حديث السيّدة عائشة الطويل وفيه : ((قال : فإنّ جبريل أتاني .. فقال : إنّ ربَّكَ يأمُرُك أنْ تأتيَ أهلَ البقيع فتستغفر لهم)) . رواه مسلم .
    إذن فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بالخروج إليهم وذلك ليستغفر لهم ، لا ليتبرّك بهم ويسألهم *حوائجه**********، وليس في خروجه سفر ولا شدّ للرحال ، ولم يَرِد في أي كتاب من كتب السنّة والسيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شدّ رحله لزيارة أي قبر سواء قبر سيدنا إبراهيم أو موسى أو غيرهما من الأنبياء ، مع أنّه أُطلِعَ على أماكن قبورهم ، وكذلك لم يبلغنا أن أحداً من الصحابة الكرام كان يفعل ذلك ، كيف ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي قال : (( لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد ))! وإليك كلام العلماء من المذاهب الأربعة بخصوص معنى هذا الحديث و ما يستنبط منه وكذلك فتاويهم في مسائل القبور والبناء عليها :
    · جاء في كتاب "المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب" للإمام أحمد بن يحي الونشريسي . وهو من أهم كتب الفتوى الجامعة في المذهب المالكي 11/152
    قال : (ومن البدع البناء على القبور وتجصيصها و شدّ الرحال إلى زيارتها). انتهى
    · و روى الإمام مالك ، رحمه الله ، في الموطأ قال : عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : (خرجتُ إلى الطور فلقيت كعبَ الأحبار فجلست معه ، فحدَّثني عن التوراة وحدَّثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ............ قال أبو هريرة : فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري فقال : من أين أقبلت؟ فقلتُ : من الطور، فقال: لو أدركْتُك قبل أن تخرج إليه ما خرجتَ إليه ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :(( لا تُعْمَل المَطِيّ إلا إلى ثلاثة مساجد : إلى المسجد الحرام ، وإلى مسجدي هذا وإلى مسجد إيلياء ، أو بيت المقدس )) ....................... الحديث
    هذا الحديث صحيح باتفاق العلماء وقد رواه أيضًا الإمام أحمد في المسند والطحاوي وابن حبان وابن الأثير والضياء المقدسي وله طرق أخرى عند الحُميدي والنسائي وأبي نُعيم والبخاري في التاريخ الكبير وعبد الرزاق والبزار .
    · قال السندي في شرح الحديث : قوله: (لا تُعمَل) .. أي لا تركب المطي إلى مسجدٍ إلا إلى ثلاثة مساجد ، وأبو هريرة قصدَ الصلاةَ في الطور فصار سفره كالسفر إلى المسجد ، و إلا فالحديث لا يمنع السفر إلى البلاد و غيره . انتهى
    · و جاء في كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود لأبي الطّيب العظيم آبادي 4/ 135 عند شرح حديث لا تشد الرحال :
    .... قال الشيخ الأجل عبد العزيز الدهلوي في شرح حديث لا تشد الرحال تعليقاً على البخاري : المستثنى منه المحذوف في هذا الحديث ، إما جنسٌ قريب ، أو جنسٌ بعيد ، فعلى الأول تقديرُ الكلام لا تشد الرحال إلى المساجد إلا إلى ثلاثة مساجد ، و حينئذ ما سوى المساجد مسكوتٌ عنه ، وعلى الوجه الثاني لا تشد الرحال إلى موضع يُتقرَّب به إلا إلى ثلاثة مساجد ، فحينئذٍ شدُّ الرحال إلى غير المساجد الثلاثة المعظّمة منهيٌ عنه بظاهر سياق الحديث . و يٌؤيِّدُه ما روى أبو هريرة عن بصْرَة الغفاري حين رجع من الطور، وتمامه في الموطأ ، و هذا الوجه قويٌ من جهة مدلول حديث بصرة ... انتهى .
    وقال الشيخ ولي الله (في حجة الله البالغة) : قوله صلى الله عليه وسلم : " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ... " أقول : كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظّمة بزعمهم يزورونها ويتبركون بها ، وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى ، فسدَّ النبيُ صلى الله عليه وسلم الفسادَ لئلا يلتحق غيرُ الشعائرِ بالشعائر ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله . والحق عندي أن القبر و محل عبادة ولي من الأولياء و الطور كل ذلك سواء في النهي ..انتهى
    · جاء في كتاب (المسوّى في شرح الموطّا) للإمام ولي الله الدهلوي عند شرحه لهذا الحديث : مدلول هذا الحديث أن يكونَ شدُّ الرحل إلى غيرها ، لمعنى القربى وتخصيص المكان ، منهياً عنه . ولعلّ الحكمة فيه الصدّ عمّا كان أهل الجاهلية يفعلونه من اختراعِ مواضعَ يعظِّمونها برأيهم .انتهى
    · قال الإمام ابن حجر العسقلاني في كتابه (فتح الباري) عند شرحه لهذا الحديث : واختُلِفَ في شدّ الرحال إلى غيرها كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياءً وأمواتاً وإلى المواضع الفاضلة لقصد التبرّك بها والصلاة فيها فقال الشيخ أبو محمد الجويني : يحرم شدّ الرحال إلى غيرها (أي المساجد الثلاثة ) عملاً بظاهر هذا الحديث ، وأشار القاضي حسين إلى اختياره ، وبه قال عياض وطائفة ، ويدل عليه ما رواه أصحاب السنن من إنكار بصرة الغفاري على أبي هريرة خروجه إلى الطور وقال له : لو أدركتك قبل أن تخرج ما خرجت واستَدَلَّ بهذا الحديث فدلّ على أنّه يرى حمل الحديث على عمومه ، ووافقه أبو هريرة.انتهى
    · ثمّ قال ابن حجر في الموضع نفسه روى أحمد من طريق شِهْر بن حوشب قال : سمعت أبا سعيد وذُكرَتْ عنده الصلاةُ في الطّور فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا ينبغي للمصلّي أن يشدّ رحله إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي)) وشِهرٌ حسن الحديث. انتهى
    ·إذن فشدّ الرحال لموضعٍ معيّن ؛ جبلٍ أو قبرٍ أو نخلةٍ ؛ بقصد التبرّك به أو التقرّب إلى الله بالوقوف في ذلك الموضع لا يجوز ، لأنّ إعطاء القدسية للأماكن والأزمان لا يكون إلا بأمرٍ من الله تعالى ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تشدّ الرّحال إلا إلى ثلاثة مساجد ...)) وليس لأحدٍ من البشر أن يمنحَ القُدسية لأي موضع ومَنْ يفعل ذلك فهو ينازعُ الله في دينه ، والعياذ بالله ، ولا يسعنا إلا أن نتبرّأ من فعله ونبيّنَ خطأه . ثمّ إن الحديث في الحقيقة لا يستثني شيئاً من شيء بل يحصرُ ويقصُرُ شدّ الرِّحال على تلك المساجد الثلاثة فقط ، كقوله تعالى {وما محمد إلا رسول} فهل في الآية مستثنىً ومستثنىً منه؟ طبعاً لا ، فالآية تقول : محمدٌ رسول ، ثمّ أكّد المعنى باستخدام أسلوب الحصر أو القصر فصار وما محمد إلا رسول . وكذلك الأمر في الحديث فالأصل فيه : تشدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد فقط *******. فلمّا أُريدَ تأكيدُ هذا المعنى صار : لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد *، إذن ليس هناك مستثنىً ومستثنىً منه . ومع ذلك فإنّ الذين يقولون إن في الحديث تركيب استثناء يقولون هو استثناءٌ مفرَّغ أو منقطع ولا بدّ فيه من تقدير مستثنىً منه ولكن من جنسٍ بعيد وليس من جنسٍ قريب فيكون معنى الحديث : لا تشدّ الرحال إلى أي موضعٍ للتقرب فيه إلى الله أو مظنّة البركة فيه إلا إلى ثلاثة مساجد..
    · فإذا كان شدّ الرحال للصلاة في مسجد غير المساجد الثلاثة لا يجوز فكيف بشدّ الرحال لمسجد بُنِيَ على قبر ، أو حُفِرَ فيه قبر ؟!
    · وقد عنوَنَ الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم فقال :
    بابُ النَّهي عن بناء المساجد على القبور ، واتخاذ الصور فيها ، والنهي عن اتخاذ القبور مساجد . ثمّ ذكر هذه الأحاديث : عن عائشة أنّ أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسةً رأينها بالحبشة، فيها تصاوير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :((إنّ أولئك إذا كان فيهم الرّجل الصالح فمات بَنَوْا على قبره مسجداً ، و صوّروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة)) .
    وعن جندب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس ، وهو يقول : ((.... ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك)) . رواه مسلم
    قال في الشرح : النهي عن اتخاذ قبره صلى الله عليه وسلم أو قبر غيره مسجداً هو خوف المبالغة في التعظيم فيؤدي الحال إلى الكفر كما اتفق في الأمم الخالية . و قوله (أنهاكم عن ذلك) أكّد النهي عن ذلك ، خوفَ أن يتغالى في تعظيم قبره صلى الله عليه وسلم حتى يخرج من حدّ المبرّة إلى حد المنكر فيعبدَ من دون الله.انتهى [شرح مسلم كتاب المساجد] .
    وجاء أيضاً في شرح صحيح مسلم عند باب الأمر بتسوية القبور :
    وأفتى ابن رشد : بوجوب هدم ما يبنى في مقابر المسلمين من السقائف والقبب والروضات . وقال ابن عبد الحكم : لا تنفذ الوصية بالبناء على القبر . وقال القاضي ابن العربي : تكره الصلاة في القبور ، وتحرم الصلاة إليها وهو كفر من فاعله. انتهى[الأُبّي]
    · جاء في كتاب المجموع للنووي 2/194
    : ( يُكره أن يتخذ على القبر مسجد للأحاديث المشهورة في ذلك ، و أمّا حفر القبر في المسجد فحرامٌ شديد التحريم .)
    · وجاء في كتاب "الزواجر عن اقتراف الكبائر" للهيتمي الشافعي 1/148-149
    الكبيرة الثالثة و4و5و6و7و8، والتسعون : اتخاذ القبور مساجد وإيقاد السُّرُج عليها واتخاذها أوثاناً والطواف بها واستلامها والصلاة إليها . و بعد أن ساق العديد من الأحاديث التي تحذِّر من ذلك ، قال : ومن ثَمَّ قال أصحابنا :" تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركاً وإعظاماً" فاشترطوا شيئين : أن يكون قبرَ معظّم وأن يقصد بالصلاة إليه ، ومثلها الصلاة عليه ، التبرك والإعظام ، وكون هذا الفعل كبيرة ظاهرٌ من الأحاديث المذكورة لما علمتَ ..... ثم قال : نعم قال بعض الحنابلة قصدُ الرجل الصلاة عند القبور متبركاً بها عين المحادّة لله ولرسوله وإبداع دين ٍلم يأذن به الله للنهي عنها ثم إجماعاً، فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد أو بناؤها عليها .
    والقول بالكراهة (يعني قول الإمام النووي السابق) محمولٌ على غير ذلك إذ لا يُظن بالعلماء تجويزُ فعلٍ تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم لَعْنُ فاعله !!، و تجب المبادرة لهدمها وهدمِ القباب التي على القبور إذ هي أضرُّ من مسجد ضرار لأنها أُسست على معصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه نهى عن ذلك ، و أمر صلى الله عليه وسلم بهدم القبور المشرفة ، و تجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر ولا يصح وقفه ونذره . انتهى
    · و جاء في كتاب "عون المعبود شرح سنن أبي داود 6/129
    عند شرح حديث أبي هيّاج الأسدي قال بعثني عليّ قال لي : (أبعثُك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن لا أدعَ قبراً مشرفاً إلا سويته ، و لا تمثالاً إلا طمسته) . قال الإمام الشوكاني :
    ..... و الحديث فيه دلالة على أن السنّة أن القبر لا يرفع رفعاً كثيراً ، من غير فرق بين من كان فاضلاً ومن كان غير فاضل ، والظاهر أن رفع القبور زيادةً على القدر المأذون فيه محرّم ، وقد صرح بذلك أصحاب أحمد وجماعة من أصحاب الشافعي و مالك . و القول بأنه غير محظور لوقوعه من السلف والخلف بلا نكير لا يصح ، وهو من اتخاذ القبور مساجد ، وقد لعنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فاعلَ ذلك ، وكم قد سَرَى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام ، منها : اعتقادُ الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام وعَظُمَ ذلك ؛ فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر ، فجعلوها مقصداً لطلب قضاءِ الحوائج وملجأ لنجاح المطالب ، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم ، و شدّوا إليها الرحال، وتمسَّحوا بها واستغاثوا ، وبالجملة أنهم لم يَدَعُو شيئاً مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون . ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب لله و يغار حميَّة للدِّين الحنيف ، لا عالماً و لا متعلماً ، ولا أميراً ولا وزيراً ولا ملكاً ، وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا شك معه أن كثيراً من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجَّهَتْ عليه يمينٌ من جهة خصمه حَلَفَ بالله فاجراً ، فإذا قيل له بعد ذلك احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق ، و هذا من بين الأدلة الدّالة على أن شِرْكهم قد بلغ فوق شرك من قال : إن الله ثاني اثنين ، أو ثالث ثلاثة، فيا علماء الدين ، ويا ملوك المسلمين ، أيُّ رُزْءٍ للإسلام أشد من الكفر ؟ و أيُّ بلاءٍ لهذا الدِّين أضرُّ عليه من عبادة غير الله؟ وأيُّ مصيبةٍ يُصاب بها المسلمون تعدِلُ هذه المصيبة ؟ و أي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البيِّن واجباً ؟ .... انتهى
    قال الشارح بعد هذا النقل :وكلامه هذا حسن جداً لا مزيَّة على حُسنه جزاه الله خيراً .
    وقال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد : قدوم وفود العرب : "وهذا حال المَشاهدِ المبنيَّة على القبور التي تُعبد من دون الله و يشرَكُ بأربابها مع الله ، لا يحلُّ إبقاؤها في الإسلام ويجب هدمها ، ولا يصح وقفها ولا الوقف عليها ، للإمام أن يقطعَها وأَوْقَافَها لجُندِ الإسلام ويستعينَ بها على مصالح المسلمين ، وكذلك ما فيها من الآلات والمتاع والنذور التي تساق إليها، يضاهى بها الهدايا التي تساق إلى البيت (يعني الكعبة) ، للإمام أخذُها وصرفها في مصالح المسلمين ، كما أخذَ النبُي صلى الله عليه وسلم أموال بيوت هذه الطواغيت وصرَفها في مصالح الإسلام ، وكان يُفْعَلُ عندها ما يُفعل عند هذه المشاهد سواء من النذور لها والتبرك بها وتقبيلها واستلامها ، هذا كان شركُ القوم بها ولم يكونوا يعتقدون أنها خَلقت السماوات والأرض ، بل كان شركهم بها كشرك أهل الشرك من أرباب المشاهد بعينه ….انتهى
    قال المنذري و الحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
    · و بعد : فإني أعتقد أن هذا القدرَ من كلام العلماء الأئمة كافٍ لمن يريد معرفة القول المعتمد في مسألة زيارة القبور لدى جمهور علماء المسلمين .
    · مسألة: قد يقصدُ أحدُ الناس قبرَ حبيبٍ له أو صديق حميم ، لا للموعظة وتذكر الموت وإنّما بدافع الشوق والحنين والمودّة التي دامت بينهم سنين وهو لا يدّعي أنه يتقرّب إلى الله بهذه الزيارة ، أو أن قبر هذا الميت مباركٌ أو غير ذلك فما الحكم في هذه الحالة ؟ .
    _ إنه من الواضح أننا لا نستطيع أن نسمي هذا الفعل سُنّةً (وفي حديث زيارة النبي لقبر أمّه ما يفهم منه إباحة ذلك) ، وكذلك لا نستطيع أن نحكم عليه بأنه بدعة منكرة ، والأمر يبدو أنه على أصل الإباحة ، وقد يرى البعض منع ذلك سدّاً للذريعة . والمهم في مسألة القبور هو قصدها أو شدّ الرحال إليها بغرض التبرك بها والتعظيم لها والاعتقاد بأن ذلك هو من القُرَب وصالح الأعمال ، وقد بيّن لنا العلماء أنّ ذلك لا يجوز وهو من البدع المنكرة في الدين ، والأمر المسنون هو زيارتها بقصد الموعظة و الاعتبار .
    · و هنا تبرز مسألة هامّة وهي زيارةُ قبرِ سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم .
    فإنه لا يستطيع أحدٌ أن ينكر أن زائريه إنما حَمَلَهم على زيارته الشوقُ إلى لقائه ، وأنَّ واحدهم يتمنّى لو أنه أدركه فرآه وفاز بصحبته وكان في خدمته ، يغذّي روحه بالنظر إلى وجهه المنير عليه أفضل الصلاة والتسليم ، ولكن رسول الله انتقل إلى الرفيق الأعلى فلم يعد بالإمكان إلا الوقوف على قبره والسلام عليه ، والشعور بالعرفان لما قدّمه لنا عليه الصلاة والسلام من نصح وإرشاد ، ولصبره ومعاناته حتى أنقذنا من الشرك وهدانا للتوحيد، فالحمد لله على هذا النبي الكريم . ثم ّ يسكب العبرات حزناً على المصاب الأليم بوفاته عليه الصلاة والسلام ، وانقطاع الوحي من السماء ، وصدق سيدنا أنس رضي الله عنه عندما قال : (( لمّا كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاءَ منها كلُّّ شيء ، فلمّا كان اليوم الذي مات فيه ؛ أظلمَ منها كل شيء ، ولمّا نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيدي ، و إنّا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا ))([1]). رواه الترمذي
    ثم يرتعش البدن في هذا الموقف المهيب ، عندما يتذكر المرء جهاد النبي صلى الله عليه وسلم وجوعه وآلامه وشدة العيش في سبيل هذا الدين وهداية الأمّة والعالمين ، وما آلت إليه أحوالنا من ترفٍ ونعيم وركون إلى الدنيا ، فيكدّه العرق خجلاً من رسول الله ... و الحديث عن المشاعر التي تختلج نفس الزائر يطول .....
    ولا شك أن هذه الزيارة مشروعة ولها أثرها العظيم في نفس الزائر ، ولم يمنع أحدٌ من علماء المسلمين هذه الزيارة أو هوّن من شأنها ، ولكنّهم كانوا في الوقت نفسه يضعون نصب أعينهم وصيّة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: ((لا تجعلوا قبري عيداً)) رواه أبو داود ؛ وعندما قال: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)) رواه مالك وأحمد.
    ويحرصون على تنفيذ وصيّته صلى الله عليه وسلم في منع الناس من الغلو في قبره الشريف ، وقد صنّفوا في ذلك كتباً ورسائل في آداب زيارة قبره صلى الله عليه وسلم ، وتحذير الناس من بدع هذه الزيارة . فمن ذلك ما ذكره الإمام النووي رحمه الله في كتابه ( الإيضاح في مناسك الحج ) ص501 قال :
    " .. لا يجوز أن يُطاف بقبر النبي صلى الله عليه وسلم ، ويكره إلصاق البطن والظهر بجدار القبر قاله الحَليمي وغيره ، ويكره مَسْحُه باليد وتقبيله بل الأدب أن يبعد منه كما يبعد منه لو حضر في حياته صلى الله عليه وسلم هذا هو الصواب وهو الذي قاله العلماء وأطبقوا عليه وينبغي أن لا يغترّ بكثير من العوام في مخالفتهم ذلك ، فإن الاقتداء والعمل إنما يكون بأقوال العلماء ولا يُلتفت إلى محدثات العوام وجهالاتهم ولقد أحسن السيد الجليل أبو علي الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى في قوله ما معناه :( اتّبعْ طُرُق الهدى ولا يضرُّك قلّة السالكين ، وإيّاك و طُرُق الضلالة ولا تغترّ بكثرة الهالكين ). ومَنْ خطر بباله أنّ المسحَ باليد ونحوَه أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع و أقوال العلماء وكيف يُبتغى الفضل في مخالفة الصواب ؟ انتهى كلام النووي
    وقال ابن حجر الهيتمي في حاشيته على كلام النووي : ".. و مِنْ ثَمَّ قال في الإحياء مسّ المَشاهد و تقبيلها عبادة النصارى واليهود وقال الزعفراني ذلك من البدع التي تنكر شرعاً، وروى أنسٌ أنه رأى رجلاً وضع يده على القبر الشريف فنهاه وقال :ما كنا نعرف هذا ، أي الدنو منه إلى هذا الحد .وعُلم مما تقرر كراهة مسِّ مَشاهد الأولياء و تقبيلها ....ويكره أيضاً الانخفاض للقبر الشريف وأقبح منه تقبيل الأرض له ، لكن قال غيره هذا في الانحناء بمجرّد الرأس و الرقبة أمّا بالركوع فهو حرام وأمّا تقبيل الأرض له فهو أشبه شيء بالسجود بل هو هو فلا ينبغي التوقف في تحريمه ".انتهى
    _ وقال المناوي في (فيض القدير) عند شرحه لحديث ((لا تجعلوا قبري عيداً ، وصلّوا عليَّ ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم )): وقيل : العيد ما يعاد إليه ، أي لا تجعلوا قبري عيداً تعودون إليه متى أردتم أن تصلّوا عليَّ، فظاهره منهي عن المعاودة والمراد المنع عمّا يوجبه ، وهو ظنّهم بأن دعاء الغائب لا يصل إليه ويؤيده قوله ((وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)) أي لا تتكلّفوا المعاودة إليّ فقد استغنيتم بالصلاة عليّ ، ثم قال المناوي : ويؤخذ منه أن اجتماع العامة في بعض أضرحة الأولياء في يومٍ أو شهر مخصوص من السَّنة ، ويقولون : هذا يوم مولد الشيخ ، ويأكلون ويشربون وربّما يرقصون فيه ، منهيٌ عنه شرعاً ، وعلى ولي الشرع ردعهم عن ذلك وإنكاره عليهم وإبطاله ..انتهى
    _ثم إن العلماء إنما يذكرون زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ضمن كتاب الحج والعمرة عند كلامهم على زيارة المدينة النبوية وما ينبغي للزّائر أن يصنع فيها ، ولا يفصلون بين زيارة المسجد النبوي وزيارة القبر الشريف . قال النووي في كتابه الإيضاح : المسألة الثانية _ يُستحب للزائر أن ينويَ مع زيارته صلى الله عليه وسلم التقرّب إلى الله تعالى بالمسافرة إلى مسجده صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه.انتهى
    و قال الإمام العظيم آبادي في شرح سنن أبي داود في كتاب المناسك :
    "واعلم أن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم أشرف من أكثر الطاعات ، و أفضل من كثير من المندوبات ، لكن ينبغي لمن يسافر أن ينويَ زيارة المسجد النبوي ، ثم يزورُ قبرَ النبي و يصلي ويسلّم عليه ".انتهى

    ـ مسألة : أثار بعض الناس شبهةً يزعم من خلالها أن الرسول الكريم أمرَ الصحابةَ بشدّ الرحال لزيارة قبره الشريف . وهذه الشبهة هي هذا الحديث : روى الإمام أحمد في مسنده عن معاذ بن جبل قال : لمّا بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن خَرَجَ معه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصيه ، ومعاذ راكب ورسول الله يمشي تحت راحلته ، فلمّا فَرَغَ ، قال : ((يا معاذ ، إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا ، و لعلّك أن تمرَّ بمسجدي هذا و قبري )) فبكى معاذ جشعاً لفراق رسول الله صلى الله عليه و سلم ، ثم التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة فقال : ((إن أولى الناس بي المتّقون ، من كانوا وحيث كانوا)).
    هذا الحديث صحيح ، ومعناه واضح ، ولكنّ الذي أثارَ الشبهة كي ينصُر رأيه العجيب الداعي لتعظيم القبور وشدّ الرحال إليها، يقول للناس : إنّ لعلَّ في قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ : ((ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري)) تفيدُ الترجّي لأنها دخلت على أنْ ، ولا تفيد التوقعوهذه قاعدة عربية معروفة ، هكذا يزعم !! ثم يقول : إذاً فرسول الله يأمر معاذاً أن يزوره !! لأن لعلَّ هنا للترجي لا للتوقع!!
    و في الرد على هذا الزعم أقول :
    1ً- مِنْ أين أتى هذا الشخص بهذه القاعدة العربية؟ ليته يدلنا على مرجعه الفريد في القواعد العربية!.
    2ً- كيف يسمح لنفسه أن يفسر كلام رسول الله من عند نفسه تفسيراً لم يخطر ببال أحدٍ من الأئمة ؟! .
    3ً_ و لبيان بُعْد فَهْم هذا الشخص عن مراد النبي صلى الله عليه وسلم إليكم بيان معنى الترجي في اللغة العربية
    · ذكر ابن هشام في كتابه "مغني اللبيب" الحرف (لعلَّ) فقال : ولها معانٍ : أحدها التوقع ، وهو: ترجِّي المحبوب والإشفاق من المكروه ، نحو (لعلَّ الحبيب واصل ، ولعلَّ الرقيبَ حاصل) وتختص بالممكن ...
    الثاني : التعليل ....
    الثالث : الاستفهام ... ا.هـ
    · وجاء في معجم ألفاظ القرآن الكريم : لعلك : وتفيد الترجي {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك} [هود : 12] انتهى . انتبه لمعنى الآية لترى معنى الترجي.
    · و جاء في معجم اللسان : قال الجوهري : لعلَّ كلمة شكٍّ ، وأصلها عَلَّ ، واللام في أولها زائدة . وقد تكرر في الحديث ذكر لعلَّ وهي كلمة رجاء و طمع وشك .
    · وجاء في المعجم الوسيط : لعلَّ : و لها معان أشهرها :
    1- الترجي : وهو ترقُّب شيء لا وثوق بحصوله ، ويدخل فيه الطمعُ ، وهو ترقب شيء محبوب ، نحو : لعلّ الجوّ معتدل غداً ، ولعلَّ الحبيب قادم . والإشفاقُ ، وهو ترقب شيء مكروه ، نحو لعلَّ الجواد يكبو، ولعلَّ المريض يقضي . والفرق بين الترجي والتمني أن التمني هو محبة حصول الشيء ، سواء أكنت تتوقع حصوله أم لا ،وأنه يكون في الممكن نحو: ليت المسافر قادم ، والمُحال نحو: ليت الشباب يعود ؛ بخلاف الترجي فيهما .
    والترجي في (لعلَّ) هو المعنى الذي اتفق عليه جميع النحاة .
    2- وقد تجيء للتعليل ...
    3- وقد تجيء للاستفهام ...
    وهي تدخل على الجملة الاسمية ، فتنصب المبتدأ و ترفع خبره . و يقترن خبرها الفعلي بأنْ كثيراً .. انتهى
    إذن فالترجي هو التوقع ! ومعنى الحديث : يا معاذ ، تَرَقَّب ألاّ تلقاني بعد عامي هذا ، وترقّبْ أن تمرّ بمسجدي هذا وقبري .
    وفي العبارتين : الترقُب هو لشيء مكروه (ألا وهو موته صلى الله عليه وسلم) فهو يفيد الإشفاق ولذلك بكى معاذ رضي الله عنه لأنه فهم هذا المعنى . ثم إن الحديث ليس فيه شدٌّ للرحال ، وإنما هو وصف لما سيكون عند عودة معاذ للمدينة .
    وبهذا يتبيّن سقوط تلك الشبهة ، والحمد لله ربّ العالمين.
    ـ و أمّا ما يثيره بعض الناس من دعوى أن قبره صلى الله عليه وسلم قد أُدخل في مسجده في القرون الأولى المشهودِ لها بالخير ، من غير نكير وأنّ في ذلك دلالة على أن حديث ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) ليس على الوجه الذي فهمه علماؤنا ، ومن ثمَّ فلا داعي للإنكار على بناء المساجد على القبور وتعظيم القبور، وفتحوا الباب على مصراعيه فأجازوا كل ما نُهينا عنه وأعادوا الناس إلى الجاهلية الأولى ، وتأوّلوا الأحاديث على نحو باطل وحرّفوا التاريخ وصاغوه على الوجه الذي يخدم أغراضهم ، فإن هذه الدعوى غير صحيحة****** من عدّة وجوه :
    أولها _ أنه في زمن القرون الأولى المشهود لها بالخير قد حصلت مخالفات كثيرة لا يقرّها الشرع واضطرّ العلماء للسكوت عنها ظاهراً ، درءاً للفتنة ، وتجنباً لطغيان السلطان ، كما حصل من تأخير صلاة الجماعة في المساجد إلى آخر وقتها (وذلك في عهد الأمويين) ، فهل يسوغ لقائلٍ أن يقول إن هذا الفعل حسنٌ وقد سكت عنه علماء ذلك العصر ففي ذلك دليلٌ على جوازه و استحبابه؟!!
    ثانيها _ القول بأن العلماء في ذلك الحين لم ينكروا ذلك غير صحيح وسيأتيك بيان ذلك :
    روى الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الجنائز الحديث 1389 : عن عائشة رضي الله عنها : ((إنْ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليَتَعذّرُ في مرضه : أين أنا اليوم؟ ، أين أنا غداً؟ استبطاءً ليوم عائشة ، فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري ، ودُفِن في بيتي)).
    · إذن فقبره عليه الصلاة والسلام في بيت عائشة رضي الله عنها حيث كانت تبيت وأمضت فيه حياتها حتى ماتت رضي الله عنها . فكيف يسوغ للبعض أن يروي أخباراً عن بعض الصحابة أو التابعين من جلوسهم عند القبر أو استنادهم على حجر عند القبر أو ارتمائهم على القبر أو ذهابهم إلى القبر في أي وقت شاءوا؟!
    والقبر كما ذكرت موجودٌ في حجرة عائشة في القسم المسقوف منها لأن بيته عليه الصلاة والسلام كان بعضه مسقوفاً وبعضه مكشوفاً وكانت الشمس تنزل فيه كما ثبت في الصحيحين ولم تزل الحجرة كذلك حتى زاد الوليد بن عبد الملك في المسجد ... [ ذكر ذلك ابن كثير]
    · وكان قبره عليه الصلاة والسلام مسطحاً على الأرض هذا هو الصحيح وما روي عن سفيان التمَّار أنه رأى قبر النبي عليه الصلاة والسلام مسنّماً فقد علق عليه القسطلاني قائلاً :"وقول سفيان التمّار لا حجة فيه كما قال البيهقي : لاحتمال أن قبره صلى الله عليه وسلم وقبرَي صاحبيه لم تكن في الأزمنة الماضية مسنّمة".انتهى
    أقول وسفيان بن دينار التمّار من كبار التابعين لكنه لم يُعرف له رواية عن صحابي فيحتمل أن يكون رأى القبر بعدما هدموا الحجرة و ضموها إلى المسجد .
    وروى أبو داوود بإسناد صحيح أن القاسم بن محمد بن أبي بكر قال : دخلتُ على عائشة فقلتُ : يا أُمّه اكشفي لي عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العَرَصة الحمراء.
    يستفادُ من هذا الحديث عدّة أمور :
    أولهاـ أن القبور الثلاثة كانت مستوية على الأرض وأنّ عائشة رضي الله عنها كانت تغطيها بغطاء كحصير أو غيره .
    ثانيهاـ أن الداخل على السيدة عائشة هو ابن أخيها ومع ذلك استأذن منها أن تكشف له عن القبور .
    ثالثها ـ وهو تأكيد لما ذكرتُه آنفا أنه لا يمكن أن نصدق ما يقال من أن فلانا كان يجلس عند قبر النبي أو يرتمي عليه أو يستند إلى حجر عليه و يراه الناس أيضا!! والقبر كما علمنا في بيت عائشة و مستور بغطاء!
    واستمرّ حال القبر كذلك إلى أن دخلت سنة ثمان وثمانين للهجرة فقد ذكر ابن جرير الطبري في تاريخه ما يلي :
    ( ... وفيها أمر الوليد بن عبد الملك بهدم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدم بيوت أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإدخالها في المسجد ؛ فذكر محمد بن عمر أن محمد ابن جعفر بن وردان البنّاء قال : رأيت الرسولَ الذي بعثه الوليد بن عبد الملك قَدِم في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثمانين ، قدم معتجراً ([2]) ، فقال الناس : ما قدم به الرسول؟ فدخلَ على عمر بن عبد العزيز بكتاب الوليد يأمُره بإدخال حُجَرِ أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد رسول الله ، وأن يشتري ما في مؤخره ونواحيه حتى يكون مئتي ذراع في مئتي ذراع ، ويقول له : قدِّم القبلة إن قدرت ، وأنت تقدر لمكان أخوالك فإنهم لا يخالفونك ، فمن أبى منهم فمُرْ أهل المصْر فليقوّموا له قيمة عدلٍ ، ثم اهدم عليهم ، وادفع إليهم الأثمان ، فإن لك في ذلك سلف صدقٍ عمر وعثمان . فأقرأهم كتاب الوليد وهم عنده فأجابَ القومُ إلى الثمن فأعطاهم إياه ، وأخذ في هدم بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وبناء المسجد فلم يمكث إلا يسيراً حتى قَدِم الفَعَلَةُ بعث بهم الوليد . قال محمد بن عمر: وحدثني موسى بن يعقوب عن عمه قال رأيت عمر بن عبد العزيز يهدم المسجد ومعه وجوه الناس القاسم وسالمٌ وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وخارجة بن زيد و عبد الله بن عبد الله بن عمر يُرونه أعلاماً في المسجد و يقدّرونه ، فأسسوا أساسه.انتهى
    وذكر الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية في قصة توسعة المسجد :" فجمع عمر بن عبد العزيز وجوه الناس والفقهاء العشرة وأهل المدينة وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين الوليد فشق عليهم ذلك وقالوا : هذه حجر قصيرة السقوف ، وسقوفها من جريد النخل وحيطانها من اللبن ، وعلى أبوابها المسوح ، وتَرْكُها على حالها أولى لينظر إليها الحجاج والزوار والمسافرون ، وإلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم فينتفعوا بذلك و يعتبروا به ويكون ذلك أدعى لهم إلى الزهد في الدنيا فلا يعمرون فيها إلى بقدر الحاجة وهو ما يَسْتُر ويُكِنّ ، ويعرفون أن هذا البنيان العالي إنما هو من أفعال الفراعنة والأكاسرة وكل طويل الأمل راغبٍ في الدنيا وفي الخلود فيها . فعند ذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى الوليد بما أجمع عليه الفقهاء العشرة المتقدم ذكرهم ، فأرسل إليه يأمره بالخراب وبناء المسجد على ما ذُكر ، وأن يُعلي سقوفه!!
    فلم يجد عمر بداً من هدمها ، ولما شرعوا في الهدم صاح الأشرافُ ووجوه الناس من بني هاشم وغيرهم ، وتباكوا مثل يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم ، و أجاب من له ملك متاخم للمسجد فاشترى منه وشرع في بنائه وشمّر عن إزاره و اجتهد في ذلك ، وأرسل الوليد إليه فعولاً كثيرة ، فأدخل فيه الحجرة النبوية ـ حجرة عائشة ـ فدخلَ القبرُ في المسجد ، وكانت حدُّه من الشرق وسائر حجر أمهات المؤمنين كما أمر الوليد ، و روينا أنهم لما حفروا الحائط الشرقي من حجرة عائشة بدت لهم قدم فخشوا أن تكون قدم النبي صلى الله عليه وسلم حتى تحققوا أنها قدم عمر رضي الله عنه ، ويحكى أن سعيد بن المسيب أنكر إدخال حجرة عائشة في المسجد كأنه خشي أن يتخذ القبر مسجداً والله أعلم.انتهى
    · مما سبق يُعلم أن إدخال القبر إلى المسجد النبوي كان بعد وفاته عليه الصلاة والسلام بثمانٍ وسبعين سنة وبأمر من الوليد بن عبد الملك ، رغم معارضة فقهاء المدينة العشرة لهدم بيوت أزواج النبي وما جاورها ورغم إنكار شيخ التابعين سعيد بن المسيب من إدخال حجرة عائشة التي فيها القبر في المسجد.
    وبذلك يُعلم أن قول من قال إن إدخال القبر إلى المسجد كان بإقرار ورضًا من علماء المسلمين إذ ذاك غير صحيح وإنما كان ذلك بغير رضاهم وخلاف ما أرادوا .
    · و روى الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الجنائز :"عن هشام بن عروة عن أبيه قال : لما سقط عليهم الحائط في زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه ، فبدت لهم قدمٌ ، ففزعوا و ظنوا أنها قدم النبي صلى الله عليه وسلم فما وجدوا أحداً يعلم ذلك حتى قال لهم عروة : لا والله ما هي قدم النبي صلى الله عليه وسلم ما هي إلا قدم عمر رضي الله عنه".
    قال القسطلاني في شرح الحديث : .... الحائط أي حائط حجرة عائشة رضي الله عنها في زمان إمرة الوليد بن عبد الملك بن مروان حين أمر عمر بن عبد العزيز برفع القبر الشريف ، حتى لا يصلي إليه أحد ، إذ كان الناس يصلّون إليه .. أخذوا في بنائه فبدت أي ظهرت قدم بساقٍ وركبة ، كما رواه أبو بكر الآجرّي .. في القبر لاخارجه ........إلخ .
    · يُستفاد من هذا الحديث أن القبور الثلاثة لم تكن معلَّمة ولا يعرفها أهل المدينة والذي يعرفونه فقط أن القبور الثلاثة موجودة ضمن الحجرة بدليل أنهم حفروا فوق أحد القبور ولو كانوا يعلمون أنه قبر لما حفروا فوقه ثم لمّا انكشفت لهم الساق والقدم لم يعرفوا قدمُ مَنْ هذه ، وهذا أيضاً يدل على أن القبور كانت غير معلَّمة ولا مميزة .
    · ويُستفاد من كلام الشارح القسطلاني أن الناس في ذاك الزمان صاروا يصلّون إلى القبر وأن العلماء قد ساءهم ذلك وأفتوا بوجوب رفع الجدار بين القبر والمسجد ويؤيده ما ذكره الأُبّي المالكي في شرحه لصحيح مسلم فقد نقل عن القاضي عياض عند شرحه الحديث عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه : ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) قالت فلولا ذاك أُبرز قبره ، غير أنه خُشيَ أن يُتّخذَ مسجداً . قال القاضي عياض " ... و احتيج إلى الزيادة في المسجد وامتدت الزيادة حتى أدخلت فيه بيوت أزواجه صلى الله عليه وسلم ومن جملتها حُجرة عائشة التي دُفن فيها صلى الله عليه وسلم ، أُدِيرَ على القبر المشرف حائطٌ مرتفع كي لا يظهر القبرُ في المسجد فيصلّي إليه العوام فيقعوا في اتخاذ قبرهِ مسجداً ، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحَرَفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من جهة الشمال حتى لا يُمَكَّن من استقبال القبر في الصلاة ولذا قالت لولا ذلك لبرز قبره .انتهى [2/424]

    · من كل ما سبق يُعلم أن علماء المسلمين المحبّين للنبي صلى الله عليه وسلم والغيورين على سنته والحريصين على إنفاذ وصيته صلى الله عليه وسلم منذ عهد التابعين كانوا متنبّهين لخطورة اتخاذ العوام للقبر مسجداً فلمّا اعترضوا وأنكروا على الوليد بن عبد الملك ضمَّهُ لحجرة عائشة إلى المسجد ولم يستجب لهم عمدوا إلى اتخاذ الاحتياطات المناسبة وسَعَوا لمعالجة هذه النازلة بالسُبل التي كانت متاحة لديهم ، فلماذا تُنسى هذه الحقائق وتُحرّف ، ثم يُعترض على بعض علماء المسلمين في هذا الزمان إذا نبهوا الناس على ذلك؟!
    · وقد ذكر القاضي عياض في كتابه الشفا في حكم زيارة قبره صلى الله عليه وسلم :
    "وكَرِهَ مالكٌ أن يُقال زرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم" ، قال القاضي وكراهة مالك له لإضافته([3]) لقبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه لو قال زرت النبي صلى الله عليه وسلم لم يكرهه لقوله صلى الله عليه وسلم ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد بعدي اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) فحمى إضافة اللفظ إلى القبر والتشبه بفعل أولئك ، قطعاً للذريعة وحسماً للباب. والله أعلم .
    · وقال مالك ، كما في المبسوط : لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ، ولكن يسلّم ويمضي .
    · وقال مالك في المبسوط : وليس يَلزَمُ من دَخَل المسجدَ وخرج منه من أهل المدينة الوقوفُ بالقبر ، وإنما ذلك للغرباء .
    فقيل له : فإن ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر و لا يريدونه ، يفعلون ذلك في اليوم مرةً أو أكثر ، وربّما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة و المرتين أو أكثر عند القبر فيسلِّمون و يَدْعون ساعة !!!
    فقال:لم يبلغني هذا عن أحدٍ من أهل الفقه ببلدنا، و تَرْكُه واسع ولا يُصلِحُ آخرَ هذه الأمة إلا ما أَصْلَحَ أوّلها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمّة و صدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده.انتهى

    _ فهذه فتاوى علمائنا الأكابر من المذاهب المعتمدة وكلهم مجمعون على الحُكم نفسه ويستندون على أدلة صحيحة و واضحة ولا مخالف لهم من وزنهم .

    · وأسوق لك الآن مواقفَ لأئمةٍ من أهل بيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، تُصدّق كل ما ذُكر من فتاوى العلماء . والغرضُ من ذِكر مواقفهم أنهم من أشدّ الناس حبّاً لجدهم صلى الله عليه وسلم .
    · روى البخاري في "تاريخه"(2/186) ، والضياء المقدسي في (المختارة) وأبو يعلى والقاضي إسماعيل عن الإمام علي زين العابدين بن الحسين أنه رأى رجلاً يجيء إلى فُرجةٍ كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فيدخل فيها فيدعو ، فنهاه وقال : ألا أحدّثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((لا تتخذوا قبري عيداً ، ولا بيوتكم قبوراً ، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم)) .
    · وقال سعيد بن منصور في سننه : حدثنا عبد العزيز بن محمد قال أخبرني سهل بن سهيل قال : رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشّى ، فقال : هلمّ على العشاء ، فقلت لا أريده ، فقال ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت : سلّمت على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : إذا دخلتَ المسجد فسلّم ، ثمّ قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((لا تتخذوا قبري عيداً ، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم ، لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) ، ما أنتم ومَنْ بالأندلس إلا سواء.انتهى
    · وذكر القصة أيضاً الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة الإمام الجليل الحسن المثنّى بن الحسن السبط بن عليّ .

    هذه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع شروح لأكابر علماء المسلمين ومن أصح الكتب مع بيانٍ لما رأيته يُفهم منها ، والله الموفق للصواب ، وما كان من خطأً فمني ومن الشيطان ، والحمد لله في البدء وفي الختام.


    د. خلدون مكّي الحَسَني دمشق 19/ رجب /1425



    ********** ********


    [1] ـ ورواه الدارمي بإسنادٍ صحيح عن أنس قال : ((شهدته يوم دخل المدينة فما رأيتُ يوماً قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشهدته يوم موته فما رأيتُ يوماً كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم)) .

    [2]ـ الاعتجار : لفُّ العمامة على الرأس دون امرارها تحت الذقن . وقيل تدويرها حول الرأس مع ترك فتحة في الرأس. وكلتا الهيأتين خلاف السنّة .


    [3]ـ الإضافة هي النسبة . يريد لنسبته الزيارة إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    340

    افتراضي رد: زيارة القبور والرحلة إليها ؛ لا إفراط ولا تفريط!

    جزاكم الله خيرا فضيلة الشيخ على هذا البحث الشائق..
    قرأت بعضه الآن، وأعجبتني النقول، ولي عودة إن شاء الله.

    لكن رأيت كأنكم أجملتم القول أولاً بإطلاق مشروعية زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، دون الكلام عن شد الرحل بدايةً، ثم ذكرتم بعد ذلك أن شد الرحل يكون تابعا لزيارة المسجد النبوي ضمن الحج والعمرة، فهل هذا تقييدٌ للأول؟
    زادكم الله من فضله وخيره.

  3. #3
    أبو الفداء غير متواجد حالياً مشرف سابق
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    5,249

    افتراضي رد: زيارة القبور والرحلة إليها ؛ لا إفراط ولا تفريط!

    بارك الله فيكم د. خلدون..
    لم أقرأ البحث بعد، ولكن لفت نظري في عنوانه عبارة "شدّ الرِّحالِ لزيَارَة القُبورِ "
    فالعنوان يا شيخنا يظهر فيه ما يوحي باعتبار زيارة القبور مما يشد له الرحال، وهذا كما تعلمون مخالف لقوله عليه السلام : "لا تشد الرحال الا لثلاثة ..." الحديث، فأخشى أن يقع الايهام والالتباس على القارئ من ذلك..
    ملحوظة: مأخذي هذا كان على العنوان تحديدا وما يوحي به، ولما أقرأ البحث بعد .. ولعلي أنشط لذلك فيما بعد ان شاء الله ..
    بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا.
    أبو الفداء ابن مسعود
    غفر الله له ولوالديه

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    337

    افتراضي رد: زيارة القبور والرحلة إليها ؛ لا إفراط ولا تفريط!

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,
    من باب الفائدة واثراء الموضوع,
    توجد بعض الكتب الجيدة والمفيدة في هذا الباب:
    1-حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته في ضوء الكتاب والسنة-للشيخ محمد بن خليفة التميمي
    http://www.saaid.net/book/open.php?cat=94&book=1749
    2- دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية .. عرض ونقد-للشيخ عبدالله الغصن
    http://www.saaid.net/book/open.php?cat=88&book=1622
    3- دعاوي المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله للشيخ عبدالعزيز العبداللطيف
    http://www.saaid.net/book/open.php?cat=7&book=980
    4-رسالة ماجستير باسم احكام المقابر في الاسلام-لا اذكر الان المؤلف!
    5-كتاب الصارم المنكي-لابن عبدالهادي رحمه الله.
    6- تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد-للشيخ الالباني رحمه الله
    http://www.saaid.net/book/open.php?cat=1&book=554
    7-رسالة للشيخ مقبل رحمه الله في موضوع بناء قبر النبي صلى الله عليه وسلم-لا اذكر اسمها الان!
    مجانبة أهل الثبور ، المصلين في المشاهد وعند القبور -للشيخ عبدالعزيز بن فيصل الراجحي
    http://www.saaid.net/book/open.php?cat=1&book=1800

    8-كتاب احكام الجنائز للشيخ الالباني رحمه الله.


    -للمزيد ينظر في المراجع التي ذكرت في الكتب المذكورة, وبالله التوفيق.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    62

    Lightbulb رد: زيارة القبور والرحلة إليها ؛ لا إفراط ولا تفريط!

    أيها الإخوة السلام عليكم ورحمة الله

    بدايةً أشكر الأخ الفاضل محمد زياد التكلة على مشاركته الكريمة ؛ وفي الحقيقة يا أخي أنا لم أجمل إطلاق الزيارة ولم أقيدها! والذي فعلته هو : أنني عندما كتبت هذه الرسالة لم أشأ أن تكون تكرارًا لغيرها وإنما لا بد أن يكون فيها جديد يستفيد منه القارئ لها، وبخاصة الذين يستشكلون هذه المسألة. فأحببت أن أبيّن لهم أنّها مسألة قديمة وقد تعرّض للحديث عنها الصحابة الكرام وأئمة التابعين ، ثم الذين من بعدهم من الأئمة الكبار! لا كما يروج بعض الملبِّسين أنها مسألة ظهرت في القرن الثامن! وأنّ الأمّة كانت متفقة على خلاف ما ظهر في القرن الثامن!!
    وأحببت أن أبيّن لهم كلام العلماء من المذاهب الأربعة في هذا الخصوص حتى يعلموا أنّ التصدي لهذه المسألة ليس محصورًا في تيار أو مذهب خاص كما يروج لذلك المخالف!
    وأحببتُ أن أعرض لهم كيف بدأت القضيّة من عدة جوانب وكيف عالج علماؤنا الجوانب جميعها، وأتيتُ بكلامهم من المراجع المشهورة.
    وأهم ما في الموضوع هو بيان المعنى الذي فهموه من حديث (لا تشد الرحال) والضوابط التي وضعوها في ذلك الخصوص. ومِنْ ثَمَّ يظهر للقارئ ما أجملوه من إطلاق إباحة زيارة القبور ، ثمّ القيد الذي وضعوه لتلك الزيارة!
    والقيد الذي وضعوه في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس أن تكون تابعة للحج أو العمرة ؛ وإنما هو بعدم اعتقاد الزائر في قصده للزيارة خصوصية الزيارة لقضاء الحاجة أو استجابة الدعاء أو غير ذلك مما هو موضح في الرسالة.
    وبيّنت أيضًا حقيقة مكان قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكيف كان حاله قبل ضمّه إلى المسجد ، وأنّ الآمر بذلك هو الوليد بن عبد الملك وليس عمر بن عبد العزيز كما يدلّس البعض على الناس! بالإضافة إلى أشياء أخرى ونقول مفيدة تجدها ضمن الرسالة التي تحرَّيت أن تكون مختصرة وموضحة لأساسيات الموضوع.
    ويسرني أن أسمع رأيك وملاحظاتك ، بارك الله فيكم وأحسن إليكم.
    وأشكر الأخ (أبو الفداء) على مشاركته الكريمة ، وأقول : نعم يا أخي ربما يقع التباس لدى البعض أو يتوهّم شيئًا مما ذكرت ، ولكنه إذا قرأ الرسالة فسرعان ما يتبدد وهمه ويرتفع الالتباس عنه إن شاء الله. جزاكم الله خيرًا وأحسن إليكم.
    وأشكر أيضًا الأخ عبد الرزاق الحيدر على مشاركته وجهده ، بارك الله فيكم . والسلام عليكم.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    May 2008
    المشاركات
    170

    افتراضي رد: زيارة القبور والرحلة إليها ؛ لا إفراط ولا تفريط!

    جزاكم الله الخيرات وننتظر منكم المزيد وأنعم بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم .

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    1,281

    افتراضي رد: زيارة القبور والرحلة إليها ؛ لا إفراط ولا تفريط!

    سؤالي بعد قراءة هذا البحث المفيد:
    ما دام أن علماء الإسلام متّفقون على هذا الأمر، فما معنى قولهم (وهابية) إذن؟!!

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    337

    افتراضي رد: زيارة القبور والرحلة إليها ؛ لا إفراط ولا تفريط!

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,
    وفيك بارك يا شيخ خلدون ووفقك الله الى ما يحب ويرضى,

    لعلي ازيد بعض الكتب الآن ولاحقا-ان شاء الله-, منها:

    كتاب نافع جدا في هذا الباب:
    -المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الاجماع-جمعا ودراسة-اعداد- خالد الجعيد, وعلي العلياني, وناصر الجهني-اشراف د/عبدالله الدميجي.(وهي عبارة عن ثلاث رسائل ماجستير).

    -وبالمناسبة:
    رسالة الشيخ مقبل اسمها:حكم القبة المبنية على قبر الرسول صلى الله عليه وسلم-من منشورات دار الحرمين بالقاهرة-وقد استطرد الشيخ رحمه الله في الرسالة وتطرق لعدة مواضيع في هذا الباب تمهيدا لعنوان الرسالة واتى بفوائد جمة.

    -كتاب-أحكام المقابر في الشريعة الاسلامية-للشيخ عبدالله السحيباني.(ذكرته سابقا ولكني اخطأت في الاسم).

    _ملاحظة: لم اذكر كتب شيخ الاسلام ابن تيمية وابن القيم لانها من ضمن المراجع التي ذكرت في الكتب.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •