هل صح نسبة هـذا القول إلى عبيد الله العنبري وأبي حامد الغزالي .
النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: هل صح نسبة هـذا القول إلى عبيد الله العنبري وأبي حامد الغزالي .

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    752

    افتراضي هل صح نسبة هـذا القول إلى عبيد الله العنبري وأبي حامد الغزالي .

    هذه مسألة أطرحها على الأخوة الكرام رجاء أن يفيدونا في بيانها سواء من جهة ثبوتها وصحة الحكم الصحيح فيها .
    يقول الإمام الشاطبي رحمه الله : ( وعبيد الله بن الحسن العنبري كان من ثقة أهل الحديث، ومن كبار العلماء العارفين بالسنة، إلا أن الناس رموه بالبدعة بسبب قول حكى عنه من أنه كان يقول: بأن كل مجتهد من أهل الأديان مصيب، حتى كفَّره القاضي أبو بكر وغيره، وحكى القتيبي عنه كان يقول: إنَّ القرآن يدل على الاختلاف فالقول بالقدر صحيح وله أصل في الكتاب والقول بالإجبار صحيح وله أصل في الكتاب، ومن قال بهذا فهو مصيب لأن الآية الواحدة ربما دلت على وجهين مختلفين وسئل يومًا عن أهل القدر وأهل الإجبار؟ قال: كلٌّ مصيب، هؤلاء قومٌ عظَّموا الله، وهؤلاء قومٌ نزهوا الله فقال: وكذلك القول في الأسماء، فكل من سمَّى الزاني مؤمنًا فقد أصاب، ومن سماه كافرًا فقد أصاب. ومن قال هو فاسق وليس بمؤمن ولا كافر فقد أصاب، ومن قال هو كافر وليس بمشرك فقد أصاب لأن القرآن يدل على كل هذه المعاني. قال: وكذلك السنن المختلفة كالقول بالقرعة وخلافه، والقول بالسعاية وخلافه، وقتل المؤمن بالكافر، ولا يقتل مؤمن بكافر، وبأي ذلك أخذ الفقيه فهو مصيب. قال: ولو قال قائل: إن القاتل في النار كان مصيبًا، ولو قال: في الجنة كان مصيبًا، ولو وقف وأرجأ أمره كان مصيبًا إذا كان إنما يريد بقوله إنَّ الله تعبده بذلك وليس عليه علم الغيب.
    قال ابن أبي خيثمة: أخبرني سليمان بن أبي شيخ قال كان عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن أبي الحريقي العنبري البصري اتهم بأمر عظيم، وروى عنه كلام ردئ.
    قال بعض المتأخرين: هذا الذي ذكره ابن أبي شيخ عنه قد روى أنه رجع عنه لما تبين له الصواب، وقال: إذًا أرجع وأنا من الأصاغر ولأن أكون ذنبًا في الحق، أحبُّ إليَّ أن أكون رأسًا في الباطل.
    فإن ثبت عنه ما قيل فيه فهو على جهة الزلة من العالم، وقد رجع عنها رجوع الأفاضل إلى الحق، لأنه بحسب ظاهر حاله فيما نقل منه إنما اتبع ظواهر الأدلة الشرعية فيما ذهب إليه، ولم يتبع عقله، ولا صادم الشرع بنظره، فهو أقرب من مخالفة الهوى، ومن ذلك الطريق _ والله أعلم _ وفق إلى الرجوع إلى الحق ) إهـ الإعتصام (1/146) .
    ----------------------------------
    ويقول القاضي عياض رحمه الله : ( وذهب عبيد الله بن الحسن العنبري إلى تصويب أقوال المجتهدين في أصول الدين فيما كان عرضه للتأويل ، و فارق في ذلك فرق الأمة ، إذ أجمعوا سواه على أن الحق في أصول الدين في واحد ، و المخطئ فيه آثم عاص فاسق ، و إنما الخلاف في تكفيره . و قد حكى القاضي أبو بكر الباقلاني مثل قول عبيد الله عن داود الأصبهاني ،
    قال : و حكى قوم عنهما أنهما قالا ذلك في كل من علم الله سبحانه من حاله استفراغ الوسع في طلب الحق من أهل ملتنا أو من غيرهم .
    وقال نحو هذا القول الجاحظ ، و ثمامة ، في أن كثيراً من العامة و النساء و البله و مقلدة النصارى و اليهود و غيرهم لا حجة لله عليهم ، إذ لم تكن لهم طباع يمكن معها الاستدلال .
    و قد نحا الغزالي من هذا المنحى في كتاب التفرقة .
    و قائل هذا كله كافر بالإجماع على كفر من لم يكفر أحداً من النصارى و اليهود و كل من فارق دين المسلمين ، أو وقف في تكفيرهم ، أو شك .
    قال القاضي أبو بكر : لأن التوقيف و الإجماع على كفرهم ، فمن وقف في ذلك فقد كذب النص ، و التوقيف ، أو شك فيه . و التكذيب أو الشك فيه لا يقع إلا من كافر . ) إهـ الشفا بتعريف حقوق المصطفى .
    ------------------------
    ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( وَالْقَوْلُ الْمَحْكِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ هَذَا مَعْنَاهُ : أَنَّهُ كَانَ لَا يُؤَثِّمُ الْمُخْطِئَ مِنْ الْمُجْتَهِدِين َ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، لَا فِي الْأُصُولِ ، وَلَا فِي الْفُرُوعِ ؛ وَأَنْكَرَ جُمْهُورُ الطَّائِفَتَيْن ِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالرَّأْيِ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ هَذَا الْقَوْلَ ؛ وَأَمَّا غَيْرُ هَؤُلَاءِ فَيَقُولُ : هَذَا قَوْلُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى ، كَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، ودَاوُد بْنِ عَلِيٍّ ، وَغَيْرِهِمْ ؛ لَا يؤثمون مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا فِي الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ ، وَلَا فِي الفروعية ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُمْ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا يَقْبَلُونَ شَهَادَةَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إلَّا الْخَطَابِيَّة ، وَيُصَحِّحُونَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُمْ . وَالْكَافِرُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُصَلَّى خَلْفَهُ ) إهـ
    --------------------------------
    قال العلامة بدر الدين الزركشي رحمه الله : ( مَسْأَلَةٌ ادَّعَى الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حُكْمٌ كَانَ ذَلِكَ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّهِ وَحَقِّ مَنْ قَلَّدَهُ حَتَّى لَوْ اعْتَقَدَ خِلَافَ الْإِجْمَاعِ لِدَلِيلٍ كَانَ حُكْمَ اللَّهِ فِي حَقِّهِ إلَى أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى مُخَالَفَتِهِ الْإِجْمَاعَ .
    وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ فِي سِيَرِ الْوَاقِدِيِّ " - وَهُوَ مِنْ كُتُبِ " الْأُمِّ " مِنْ أَوَاخِرِهَا - : فَإِذَا قَدِمَ الْمُرْتَدُّ لِيُقْتَلَ فَشَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَقَتَلَهُ بَعْضُ الْوُلَاةِ فَاَلَّذِينَ لَا يَرَوْنَ أَنْ يُسْتَتَابَ الْمُرْتَدُّ فَعَلَى قَاتِلِهِ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ ، وَلَوْلَا الشُّبْهَةُ لَكَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ .. ) إهـ
    ويقول رحمه الله : ( قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ قَاضِي الْبَصْرَةِ : كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْأُصُولِ مُصِيبٌ ، وَنُقِلَ مِثْلُهُ عَنْ الْجَاحِظِ ، وَيَلْزَمُ مِنْ مَذْهَبِ الْعَنْبَرِيِّ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدٌ مِنْ الْمُخَالِفِينَ فِي الدِّينِ مُخْطِئًا .وَأَمَّا الْجَاحِظُ فَجَعَلَ الْحَقَّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَاحِدًا ، وَلَكِنَّهُ يَجْعَلُ الْمُخْطِئَ فِي جَمِيعِهَا غَيْرَ آثِمٍ .
    أَمَّا رَأْيُ الْعَنْبَرِيِّ فَبَيَّنَ الِاسْتِحَالَةَ ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ أَنَّ
    الْعَالَمَ قَدِيمٌ وَأَنَّهُ مُحْدَثٌ ، وَأَمَّا رَأْيُ الْجَاحِظِ فَبَاطِلٌ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَاتَلَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ ، وَلَوْلَا أَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ .
    قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ : وَكَانَ ابْنُ الْعَنْبَرِيِّ يَقُولُ فِي مُثْبِتِي الْقَدَرِ : هَؤُلَاءِ عَظَّمُوا اللَّهَ ، وَفِي نَافِي الْقَدَرِ : هَؤُلَاءِ نَزَّهُوا اللَّهَ ، وَقَدْ اُسْتُبْشِعَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَصْوِيبَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَسَائِرِ الْكُفَّارِ فِي اجْتِهَادِهِمْ ، قَالَ : وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أُصُولَ الدِّيَانَاتِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الْقِبْلَةِ ، كَالرُّؤْيَةِ وَخَلْقِ الْأَفْعَالِ وَنَحْوِهِ .
    وَأَمَّا مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ ، كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس ، فَهَذَا مِمَّا يُقْطَعُ فِيهِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ .
    قُلْت : وَهَذَا أَحَدُ الْمَنْقُولَاتِ عَنْهُ .
    قَالَ الْقَاضِي فِي " مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ " : اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ الْعَنْبَرِيِّ فَقَالَ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْن ِ : إنَّمَا أُصَوِّبُ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِي الدِّينِ تَجْمَعُهُمْ الْمِلَّةُ .
    وَأَمَّا الْكَفَرَةُ فَلَا يُصَوِّبُونَ .
    وَغَلا بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْهُ فَصَوَّبَ الْكَافِرِينَ الْمُجْتَهِدِين َ دُونَ الرَّاكِنِينَ إلَى الْبِدْعَةِ .
    وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ مَعَهُمَا مُخْتَصَرًا فَنَقُولُ : أَنْتُمَا أَوَّلًا : مَحْجُوجَانِ بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَكُمَا وَبَعْدَكُمَا .
    وثَانِيًا : إذَا أَرَدْتُمَا بِذَلِكَ مُطَابَقَةَ الإعْتِقَادِ لِلْمُعْتَقِدِ فَقَدْ خَرَجْتُمَا عَنْ حَيِّزِ الْعُقَلَاءِ وَانْخَرَطْتُمَ ا فِي سِلْكِ الْأَنْعَامِ .
    وَإِنْ أَرَدْتُمَا الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ وَنَفْيِ الْحَرَجِ - كَمَا نُقِلَ عَنْ الْجَاحِظِ - فَالْبَرَاهِينُ الْعَقْلِيَّةُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ الْخَارِجَةِ عَنْ حَدِّ الْحَصْرِ تَرُدُّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ .
    وَأَمَّا تَخْصِيصُ التَّصْوِيبِ بِالْمُجْمِعِين َ عَلَى الْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّ ةِ فَنَقُولُ : مِمَّا خَاضَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَعْظُمُ خَطَرُهُ .
    وَأَجْمَعُوا قَبْلَ الْعَنْبَرِيِّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ إدْرَاكُ بُطْلَانِه.
    وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمَنْخُولِ " : لَعَلَّهُ أَرَادَ خَلْقَ الْأَفْعَالِ وَخَلْقَ الْقُرْآنِ ، إذْ الْمُسْلِمُ لَا يُكَلَّفُ الْخَوْضَ فِيهِ ، بِخِلَافِ قِدَمِ الْعَالَمِ وَنَفْيِ النُّبُوَّاتِ ، وَهُوَ مَعَ هَذَا فَاسِدٌ ، فَإِنَّ اعْتِقَادَ الْإِصَابَةِ الْمُحَقَّقَةِ عَلَى هَذَا مُحَالٌ .
    وَقَالَ إلْكِيَا : ذَهَبَ الْعَنْبَرِيُّ إلَى أَنَّ الْمُصِيبَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ ، وَلَكِنْ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَصْدِيقِ الرُّسُلِ وَإِثْبَاتِ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ ، فَالْمُخْطِئُ فِيهِ غَيْرُ مَعْذُورٌ .
    وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَدَرِ وَالْجَبْرِ وَإِثْبَاتِ الْجِهَةِ وَنَفْيِهَا فَالْمُخْطِئُ فِيهِ غَيْرُ مَعْذُورٍ وَلَوْ كَانَ مُبْطِلًا فِي اعْتِقَادِهِ بَعْدَ الْمُوَافَقَةِ بِتَصْدِيقِ الرُّسُلِ وَالْتِزَامِ الْمِلَّةِ ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْخَلْقَ مَا كُلِّفُوا إلَّا اعْتِقَادَ تَعْظِيمِ اللَّهِ وَتَنْزِيهِهِ مِنْ وَجْهٍ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَبْحَثْ الصَّحَابَةُ عَنْ مَعْنَى الْأَلْفَاظِ الْمُوهِمَةِ لِلتَّشْبِيهِ عِلْمًا مِنْهُمْ بِأَنَّ اعْتِقَادَهَا لَا يَجُرُّ حَرَجًا .
    وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ : لَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي اجْتِهَادِهِ ، وَلَكِنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالْمُصِيبِ .
    وَاَلَّذِي نَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنْهُمَا الْجَوَازُ فِي الْأُصُولِ مُطْلَقًا بِمَعْنَى حَطِّ الْإِثْمِ ، لَا بِمَعْنَى الْمُطَابَقَةِ لِلْحَقِّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، إذْ فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ ، وَهُوَ مُحَالٌ .
    وَمَا ذَكَرَاهُ لَيْسَ بِمُحَالٍ عَقْلًا ، لَكِنَّهُ مُحَالٌ شَرْعًا ، لِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَخْلِيدِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ ، وَلَوْ كَانُوا غَيْرَ آثِمِينَ لَمَا سَاغَ ذَلِكَ .
    وَأَمَّا ابْنُ فُورَكٍ فَنُقِلَ عَنْهُ ذَلِكَ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّأْوِيلُ ، نَحْوُ الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ وَالْإِرْجَاءِ .
    وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي " الشِّفَاءِ " : ذَهَبَ الْعَنْبَرِيُّ إلَى تَصْوِيبِ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِين َ فِي أُصُولِ الدِّينِ فِيمَا كَانَ عُرْضَةً لِلتَّأْوِيلِ وَحَكَى الْقَاضِي ابْنُ الْبَاقِلَّانِي ِّ مِثْلَهُ عَنْ دَاوُد بْنِ عَلِيٍّ الْأَصْفَهَانِي ِّ ، وَحَكَى قَوْمٌ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا ذَلِكَ فِيمَنْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْ حَالِهِ اسْتِفْرَاغَ الْوُسْعِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِنَا وَغَيْرِهِمْ ، وَقَالَ الْجَاحِظُ نَحْوَ هَذَا الْقَوْلِ : وَتَمَامُهُ فِي أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْعَامَّةِ وَالنِّسَاءِ وَالْبُلْهِ مُقَلِّدَةِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ لَا حُجَّةَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ ، إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ طِبَاعٌ يُمْكِنُ مَعَهَا الِاسْتِدْلَال ، وَقَدْ نَحَا الْغَزَالِيُّ قَرِيبًا مِنْ هَذَا الْمَنْحَى فِي كِتَابِ " التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالزَّنْدَقَةِ " وَقَائِلُ هَذَا كُلِّهِ كَافِرٌ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى كُفْرِ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ أَحَدًا مِنْ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ ، وَكُلُّ مَنْ فَارَقَ دِينَ الْمُسْلِمِينَ وَوَقَفَ فِي تَكْفِيرِهِمْ أَوْ شَكَّ ، لِقِيَامِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى كُفْرِهِمْ ، فَمَنْ وَقَفَ فِيهِ فَقَدْ كَذَّبَ النَّصَّ .
    انْتَهَى .
    وَمَا نَسَبَهُ لِلْغَزَالِيِّ غَلَطٌ عَلَيْهِ ، فَقَدْ صَرَّحَ بِفَسَادِ مَذْهَبِ الْعَنْبَرِيِّ ، كَمَا سَبَقَ عَنْهُ ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ وَاَلَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ فِي كِتَابِ " التَّفْرِقَةِ " هُوَ قَوْلُهُ : إنَّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ مِنْ نَصَارَى الرُّومِ أَوْ التُّرْكِ أَنَّهُمْ مَعْذُورُونَ ، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْوِيبُهُمْ ، وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ وَعَانَدَ ، وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَى هَذَا لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ .
    وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : مَا نُقِلَ عَنْ الْعَنْبَرِيِّ وَالْجَاحِظِ إنْ أَرَادَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُجْتَهِدِين َ مُصِيبٌ لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا ، لِأَنَّ الْحَقَّ مُتَعَيَّنٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَالْمُتَفَاضِل َانِ لَا يَكُونَانِ حَقَّيْنِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ .
    وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ مَنْ بَذَلَ الْوُسْعَ وَلَمْ يُقَصِّرْ فِي الْأُصُولِيَّات ِ أَنَّهُ يَكُونُ مَعْذُورًا غَيْرَ مُعَاقَبٍ هَذَا أَقْرَبُ وَجْهًا ، لِكَوْنِهِ نَظَرِيًّا ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يُعْقَدُ فِيهِ أَنَّهُ لَوْ عُوقِبَ وَكُلِّفَ بَعْدَ اسْتِفْرَاغِهِ غَايَةَ الْجَهْدِ لَزِمَ تَكْلِيفُهُ لِمَا لَا يُطَاقَ .
    وَقَالَ فِي " شَرْحِ الْإِلْمَامِ " : يُمْكِنُ أَنْ يُجِيبَ الْعَنْبَرِيُّ عَمَّا رُدَّ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ تَبْيِيتِ الْمُشْتَرَكِين َ وَاغْتِرَارِهِم ْ وَعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُعَانِدِ وَغَيْرِهِ ، فَلَهُ أَنْ يَقُولَ : الْمُكَلَّفُ مِنْهُ مَعَ إمْكَانِ النَّظَرِ بَيْنَ مُعَانِدٍ وَمُقَصِّرٍ ، وَأَنَا أَقُولُ بِهَلَاكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، هَذَا إنْ كَانَ مَا قَالَا بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .
    وَأَمَّا الَّذِي حُكِيَ عَنْهُ مِنْ الْإِصَابَةِ فِي الْعَقَائِدِ الْقَطْعِيَّةِ فَبَاطِلٌ قَطْعًا ، وَلَعَلَّهُ لَا يَقُولُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
    وَأَمَّا الْمُخْطِئُ فِي الْأُصُولِ وَالْمُجَسِّمَة ِ : فَلَا شَكَّ فِي تَأْثِيمِهِ وَتَفْسِيقِهِ وَتَضْلِيلِهِ .وَاخْتُلِفَ فِي تَكْفِيرِهِ .
    وَلِلْأَشْعَرِي ِّ قَوْلَانِ .
    قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَغَيْرُهُمَا : وَأَظْهَرُ مَذْهَبَيْهِ تَرْكُ التَّكْفِيرِ ، وَهـُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ " إكْفَارِ الْمُتَأَوِّلِي نَ " : وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : رَجَعَ الْأَشْعَرِيُّ عِنْد مَوْتِهِ عَنْ تَكْفِيرِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ ، لِأَنَّ الْجَهْلَ بِالصِّفَاتِ لَيْسَ جَهْلًا بِالْمَوْصُوفَا تِ .
    وَقَالَ : اخْطَفْنَا فِي عِبَارَةٍ وَالْمُشَارُ إلَيْهِ وَاحِدٌ .
    وَالْخِلَافُ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ ، وَكَانَ الْإِمَامُ أَبُو سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيُّ : لَا يُكَفِّرُ ، قِيلَ لَهُ : أَلَا تُكَفِّرُ مَنْ يُكَفِّرُك ؟ فَعَادَ إلَى الْقَوْلِ بِالتَّكْفِيرِ.
    وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ ، فَهُمْ يُكَفِّرُونَ خُصُومَهُمْ وَيُكَفِّرُ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ الْآخَرَ .
    قَالَ الْإِمَامُ : وَمُعْظَمُ الْأَصْحَابِ عَلَى تَرْكِ التَّكْفِيرِ .
    وَقَالُوا : إنَّمَا نُكَفِّرُ مَنْ جَهِلَ وُجُودَ الرَّبِّ ، أَوْ عَلِمَ وُجُودَهُ وَلَكِنْ فَعَلَ فِعْلًا ، أَوْ قَالَ قَوْلًا ، أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصْدُرُ ذَلِكَ إلَّا عَنْ كَافِرٍ .
    وَمَنْ قَالَ بِتَكْفِيرِ الْمُتَأَوِّلِي نَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُكَفِّرَ أَصْحَابَهُ فِي نَفْيِ الْبَقَاءِ أَيْضًا ، كَمَا يُكَفَّرُ فِي نَفْيِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا .
    قُلْت : وَقَدْ أَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَكْفِيرَ الْقَائِلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ ، لَكِنَّ جُمْهُورَ أَصْحَابِهِ تَأَوَّلُوهُ عَلَى كُفْرَانِ النِّعْمَةِ ، كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ . ) إهـ البحر المحيط
    ننتظر منكم التوضيح بارك الله فيكم .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    752

    افتراضي رد: هل صح نسبة هـذا القول إلى عبيد الله العنبري وأبي حامد الغزالي .

    هل من مجيب يا أحباب ؟؟؟

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    المشاركات
    3

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الإمام الدهلوي مشاهدة المشاركة
    هل من مجيب يا أحباب ؟؟؟
    قول عبيد الله بن حسن العنبري الذي نقلة عنه شيخ الاسلام ابن تيمية في منهاج السنة النبوية40/5طبعة دار الحديث وهو يتكلم عن حال المجتهد في حالة الخطأ هل ياثم ذكر ثلاثة مذاهب نسب الاول الي المعتزلة والقدريه ونسب الثاني الي الجهمية والاشعرية ونسب الثالث الي عبيد الله بن حسن العنبري وقال هذا هو مذهب السلف وائمة الفتوي كابي حنيفة والشافعي والثوري وداود وغيرهم لا يؤثمون مجتهدا مخطئا لا في المسائل الاصولية ولا الفروعية فارجو مراجعت البحث في منهاج السنة النبوية لشيخ الاسلام واما من نسب الي عبيد الله بن حسن العنبري القول بانه يقول كل مجتهد مصيب فقد بين ذلك شيخ الاسلام بيانا جليا حيث قال في مجموع الفتاوي 125/13 وحكوا عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه قال: كل مجتهد مصيب ومراده أنه لا يأثم. وهذا قول عامة الأئمة كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما انتهي .. وانظر الي من طعن علي عبيد الله بن حسن العمبري واعرف مذهبه العقائدي تجدهم اشعرية وغيرهم فارجو قراءة بحث شيخ الاسلام في منهاج السنة ان شاء الله يتجلي لك الامر وقال شيخ الاسلام في مجموع الفتاوي 183/19 ومن حكى عن أحد من علماء المسلمين - سواء كان عبيد الله بن الحسن العنبري؛ أو غيره - أنه قال: كل مجتهد في الأصول مصيب؛ بمعنى أن القولين المتناقضين صادقان مطابقان؛ فقد حكي عنه الباطل بحسب توهمه .انتهي ..
    هذا وان كان من توفيق فمن الله وحده وان كان من خطأ فمني ومن الشيطان والله اعلم

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Sep 2008
    المشاركات
    3

    افتراضي

    قال شيخ الاسلام في منهاج السنة النبوية 5/40 وما بعدها
    [الكلام في تصويب المجتهدين وتخطئتهم وتأثيمهم في مسائل الفروع والأصول]
    ونحن نذكر قاعدة جامعة في هذا الباب لهم ولسائر الأمة فنقول: لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزيئات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات وجهل وظلم في الكليات [فيتولد فساد عظيم]
    فنقول : الناس قد تكلموا في تصويب المجتهدين وتخطئتهم وتأثيمهم وعدم تأثيمهم في مسائل الفروع والأصول. ونحن نذكر أصولا جامعة نافعة.
    الأصل الأول :أنه هل يمكن كل أحد أن يعرف باجتهاده الحق في كل مسألة فيها نزاع؟ وإذا لم يمكنه فاجتهد واستفرغ وسعه فلم يصل إلى الحق، بل قال ما اعتقد أنه هو الحق في نفس الأمر، ولم يكن هو الحق في نفس الأمر: هل يستحق أن يعاقب أم لا؟ .
    هذا أصل هذه المسائل، وللناس في هذا الأصل ثلاثة أقوال ; كل قول عليه طائفة من النظار.
    الأول: قول من يقول: إن الله قد نصب على الحق في كل مسألة دليلا يعرف به، يمكن كل من اجتهد واستفرغ وسعه أن يعرف الحق، وكل من لم يعرف الحق في مسألة أصولية أو فروعية، فإنما هو لتفريطه فيما يجب عليه، لا لعجزه. وهذا القول هو المشهور عن القدرية والمعتزلة: وهو قول طائفة من أهل الكلام غير هؤلاء. ثم قال هؤلاء: أما المسائل العلمية فعليها أدلة قطعية تعرف بها، فكل من لم يعرفها فإنه لم يستفرغ وسعه في طلب الحق فيأثم.
    وأما المسائل العملية الشرعية فلهم فيها مذهبان: أحدهما: أنها كالعلمية، وأنه على كل مسألة دليل قطعي، من خالفه فهو آثم.
    وهؤلاء الذين يقولون: المصيب واحد في كل مسألة أصلية وفرعية، وكل من سوى المصيب فهو آثم لأنه مخطئ، والخطأ والإثم عندهم متلازمان. وهذا قول بشر المريسي وكثير من المعتزلة البغداديين.
    الثاني: أن المسائل العملية إن كان عليها دليل قطعي فإن من خالفه آثم مخطئ كالعلمية، وإن لم يكن عليها دليل قطعي فليس لله فيها حكم في الباطن، وحكم الله في حق كل مجتهد ما أداه اجتهاده إليه. وهؤلاء وافقوا الأولين في أن الخطأ والإثم متلازمان ، وأن كل مخطئ آثم، لكن خالفوهم في المسائل الاجتهادية، فقالوا: ليس فيها قاطع.وهذا القول قول أبي الهذيل العلاف ومن اتبعه كالجبائي وابنه، وهو أحد قولي الأشعري وأشهرهما، وهو اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي حامد الغزالي، وأبي بكر بن العربي، ومن اتبعهم،
    والمخالفون لهم كأبي إسحاق الإسفراييني وغيره من الأشعرية، وغيرهم، يقولون: هذا القول أوله سفسطة وآخره زندقة. وهذا قول من يقول: إن كل مجتهد في المسائل الشرعية الاجتهادية العملية فهو مصيب باطنا وظاهرا، ولا يتصور عندهم أن يكون مجتهدا مخطئا إلا بمعنى أنه خفي عليه بعض الأمور، وذلك الذي خفي عليه ليس هو حكم الله لا في حقه ولا في حق أمثاله. وأما من كان مخطئا وهو المخطئ في المسائل القطعية فهو آثم عندهم.
    والقول الثاني : في أصل المسألة: إن المجتهد المستدل قد يمكنه أن يعرف الحق، وقد يعجز عن ذلك، لكن إذا عجز عن ذلك فقد يعاقبه الله تعالى، وقد لا يعاقبه، فإن له أن يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء بلا سبب أصلا، بل لمحض المشيئة وهذا قول الجهمية والأشعرية، وكثير من الفقهاء أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم.
    ثم قال هؤلاء: قد علم بالسمع أن كل كافر فهو في النار، فنحن نعلم أن كل كافر فإن الله يعذبه، سواء كان قد اجتهد وعجز عن معرفة صحة دين الإسلام أو لم يجتهد. وأما المسلمون المختلفون فإن كان اختلافهم في الفروعيات، فأكثرهم يقول: لا عذاب فيها، وبعضهم يقول: لأن الشارع عفا عن الخطأ فيها، وعلم ذلك بإجماع السلف على أنه لا إثم على المخطئ فيها. وبعضهم يقول: لأن الخطأ في الظنيات ممتنع، كما تقدم ذكره عن بعض الجهمية والأشعرية. وأما القطعيات فأكثرهم يؤثم المخطئ فيها، ويقول: إن السمع قد دل على ذلك. ومنهم من لا يؤثمه.
    والقول المحكي عن عبيد الله بن الحسن العنبري هذا معناه أنه كان لا يؤثم المخطئ من المجتهدين من هذه الأمة: لا في الأصول ولا في الفروع. وأنكر جمهور الطائفتين من أهل الكلام والرأي على عبيد الله هذا القول.
    وأما غير هؤلاء فيقول : هذا قول السلف وأئمة الفتوى، كأبي حنيفة والشافعي والثوري وداود بن علي وغيرهم، لا يؤثمون مجتهدا مخطئا لا في المسائل الأصولية ولا في الفروعية، كما ذكر ذلك عنهم ابن حزم وغيره. ولهذا كان أبو حنيفة والشافعي وغيرهما يقبلون شهادة أهل الأهواء، إلا الخطابية ، ويصححون الصلاة خلفهم. والكافر لا تقبل شهادته على المسلمين، ولا يصلى خلفه.
    وقالوا: هذا هو القول المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين: إنهم لا يكفرون ولا يفسقون ولا يؤثمون أحدا من المجتهدين المخطئين، لا في مسألة عملية ولا علمية.
    قالوا: والفرق بين مسائل الأصول والفروع إنما هو من أقوال أهل البدع
    من أهل الكلام من المعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم. وانتقل هذا القول إلى أقوام تكلموا بذلك في أصول الفقه. ولم يعرفوا حقيقة هذا القول ولا غوره.
    قالوا: والفرق في ذلك بين مسائل الأصول والفروع كما أنه بدعة محدثة في الإسلام، لم يدل عليها كتاب ولا سنة ولا إجماع ، بل ولا قالها أحد من السلف والأئمة، فهي باطلة عقلا ...........ولكن من شأن أهل البدع أنهم يبتدعون أقوالا يجعلونها واجبة في الدين، بل يجعلونها من الإيمان الذي لا بد منه ويكفرون من خالفهم فيها، ويستحلون دمه كفعل الخوارج والجهمية والرافضة والمعتزلة وغيرهم. وأهل السنة لا يبتدعون قولا ولا يكفرون من اجتهد فأخطأ، وإن كان مخالفا لهم مكفرا لهم مستحلا لدمائهم، كما لم تكفر الصحابة الخوارج، مع تكفيرهم لعثمان وعلي ومن والاهما، واستحلالهم لدماء المسلمين المخالفين لهم. .............وهذا فصل الخطاب في هذا الباب.فالمجتهد المستدل من إمام وحاكم وعالم وناظر ومناظر ومفت وغير ذلك إذا اجتهد واستدل فاتقى الله ما استطاع، كان هذا هو الذي كلفه الله إياه، وهو مطيع لله مستحق للثواب إذا اتقاه ما استطاع، ولا يعاقبه الله البتة، خلافا للجهمية المجبرة ، وهو مصيب بمعنى أنه مطيع لله، لكن قد يعلم الحق في نفس الأمر، وقد لا يعلمه، خلافا للقدرية والمعتزلة في قولهم: كل من استفرغ وسعه علم الحق، فإن هذا باطل كما تقدم؛ بل كل من استفرغ وسعه استحق الثواب.
    قال ابن تيمية :
    وأما السلف والأئمة الأربعة والجمهور فيقولون: بل الأمارات بعضها أقوى من بعض في نفس الأمر وعلى الإنسان أن يجتهد ويطلب الأقوى فإذا رأى دليلا أقوى من غيره ولم ير ما يعارضه عمل به ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها وإذا كان في الباطن ما هو أرجح منه كان مخطئا معذورا وله أجر على اجتهاده وعمله بما بين له رجحانه ، وخطؤه مغفور له وذلك الباطن هو الحكم؛ لكن بشرط القدرة على معرفته فمن عجز عن معرفته لم يؤاخذ بتركه.
    فإذا أريد بالخطأ الإثم فليس المجتهد بمخطئ؛ بل كل مجتهد مصيب مطيع لله فاعل ما أمره الله به ، وإذا أريد به عدم العلم بالحق في نفس الأمر فالمصيب واحد وله أجران كما في المجتهدين في جهة الكعبة إذا صلوا إلى أربع جهات فالذي أصاب الكعبة - واحد وله أجران لاجتهاده وعمله –
    . وقد تبين أن جميع المجتهدين ............... بعضهم قد يكون عنده علم ليس عند الآخر؛ إما بأن سمع ما لم يسمع الآخر وإما بأن فهم ما لم يفهم الآخر كما قال تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين}
    {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} . وهذه حال أهل الاجتهاد والنظر والاستدلال في الأصول والفروع
    ولم يفرق أحد من السلف والأئمة بين أصول وفروع. بل جعل الدين " قسمين " أصولا وفروعا لم يكن معروفا في الصحابة والتابعين ولم يقل أحد من السلف والصحابة والتابعين إن المجتهد الذي استفرغ وسعه في طلب الحق يأثم لا في الأصول ولا في الفروع ولكن هذا التفريق ظهر من جهة المعتزلة وأدخله في أصول الفقه من نقل ذلك عنهم وحكوا عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه قال: كل مجتهد مصيب ومراده أنه لا يأثم. وهذا قول عامة الأئمة كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما..مجموع الفتاوي 13/125
    وقال شيخ الاسلام في مجموع الفتاوي 183/19 ومن حكى عن أحد من علماء المسلمين - سواء كان عبيد الله بن الحسن العنبري؛ أو غيره - أنه قال: كل مجتهد في الأصول مصيب؛ بمعنى أن القولين المتناقضين صادقان مطابقان؛ فقد حكي عنه الباطل بحسب توهمه .انتهي .
    قال ابن حزم :في الاحكام في أصول الأحكام
    الباب الأربعون وهو باب الكلام في الاجتهاد ما هو وبيانه ومن هو معذور باجتهاده ومن ليس معذورا به ومن يقطع على أنه خطأ عند الله تعالى فيما أراد إليه اجتهاده ومن لا يقع على أنه مخطىء عند الله عز وجل وإن خالفناه


    قال أبو محمد فالواجب أن ننظر في أقسام المجتهدين فنظرنا في ذلك فوجدنا أقسام المجتهدين بقسمة العقل الضرورية لا تخرج عن ثلاثة أقسام عندنا وأما عند الله تعالى فقسمان لا ثالث لهما
    فالقسمان اللذان عند الله تعالى إما مصيب أو مخطىء ..............
    وأما الثلاثة أقسام التي عندنا فمصيب تقطع على صوابه عند الله عز وجل أو مخطىء نقع على خطئه عند الله عز وجل أو متوقف فيها لا ندري أمصيب عند الله تعالى أو مخطىء .........إذا قال البرهان عند المرء على صحة قوله ما قياما صحيحا فحقه التدين به والعمل به والدعاء إليه والقطع أنه الحق عند الله عز وجل .........
    وقد عملنا أنه لا يمكن أن يخفى الحق في الدين على جميع المسلمين بل لا بد أن تقع طائفة من العلماء على صحة حكمه بيقين لما قدمنا في كتابنا في هذا من أن الدين مضمون بيانه ورفع الإشكال عنه بقول الله تعال تبيانا لكل شيء وبقوله تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم
    ولكن قد قال الله تعالى وليس عليكم جناح فيما اخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم فصح بالنص أن الخطأ مرفوع عنا فمن حكم بقول ولم يعرف أنه خطأ وهو عند الله تعالى خطأ فقد أخطأ ولم يتعمد الحكم بما يدري أنه خطأ فهذا لا جناح عليه في ذلك عند الله تعالى
    وهذه الآية عموم دخل فيه المفتون والحكام والعاملون والمعتقدون فارتفع الجناح عن هؤلاء بنص القرآن فيما قالوه أو عملوا به مما هم مخطئون فيه وصح أن الجناح إنما هو على من تعمد بقلبه الفتيا أو التدين أو الحكم أو العمل بمن يدرى أنه ليس حقا أوبما لم يقدم إليه دليل أصلا وصح بهذه الآية أن من قام عنده برهان على بطلان قول فتمادى عليه فهو في جناح لأنه قد تعمد بقلبه ذلك
    وكذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإذا اجتهد فأصاب فله أجران ..........فنص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الحاكم إذا أخطأ في اجتهاده فله أجر فيما أداه اجتهاده إلى أنه حق عنده وأسقط عنه بذلك الإثم وإن كان مخطئا في الحقيقة عند الله تعالى

    قال أبو محمد واعتقاد الشيء والعمل به والفتيا به حكم به فدخل هؤلاء تحت لفظ الحديث المذكور وعمومه فصح ما ذكرناه وبالله تعالى التوفيق

    قال أبو محمد ثم ينقسم المخطىء المجتهد قسمين لا ثالث لهما
    إما مخطىء معذور كما قلنا وإما مخطىء غير معذور على ما شهد به قول الله تعالى وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم أن المخطىء المعذور هو الذي يتعمد الخطأ وهو الذي يقدر أنه على حق اجتهاده وأن المخطىء وغير المعذور هو من تعمد بقلبه ما صح عنده أنه خطأ أو قطع بغير اجتهاده
    ............فإن كل من خالف قرآنا أو سنة صحيحة أو إجماعا متيقنا وهو لا يلوح له أنه مخالف لشيء من ذلك فليس كافرا ولا عاصيا ولا فاسقا بل هو مأجور أجرا واحدا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن اجتهد فأخطأ ولا خطأ في شيء من الشريعة إلا في خلاف قرآن أو سنة صحيحة فهذا برهاننا من السنة
    أما من القرآن فقوله تعالى
    وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان لله غفورا رحيما}
    ومن الإجماع أنه لا خلاف بين أحد من الأمة أن من قرأ فبدل من القرآن بلفظ آخر أو أسقط كلاما أو زاد ساهيا مخطئا فإنه لا يكفر ولا يبتدع ولا يفسق ولا يعصي وإنما الشأن فيمن قامت عليه الحجة فعَنَد وخالف الآية بعد أن وُقِفَ عليها مقلدا أو متبعا لهواه أو خالف السنة بعد أن عرفها كذلك فهؤلاء هم الذين يقع عليهم التكفير والتفسيق على حسب خلافهم لذلك إن استحلوا خلاف ذلك كفروا وإن خالفوه معاندين غير مستحلين فسقوا وهكذا القول في الشريعة كلها ووطء الفرج الحرام وأكل الحرام واستباحة العرض الحرام والبشرة الحرام ونحو ذلك كل هذا من فعله مخطئا غير عالم أنه خالف ما جاء من عند الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فلا يكفر ولا يفسق ولا يعصي ومن فعله عامدا غير معتقد لإباحة ما حرم الله تعالى من ذلك فهو فاسق ومن فعله عامدا مستحلا خلاف الله تعالى فهو كافر

    قال الخطيب البغدادي في كتاب الفقية والمتفقة 2/115:114
    باب الكلام في أقوال المجتهدين , للشافعي في ذلك قول واحد , وهو أن الحق في واحد من الأقوال المختلفين,وما عداه خطأ, إلا أن الإثم موضوع عن المخطئ فيه
    وروي عن علي بن الحسن بن شقيق , قال: سألت عبد الله يعني: ابن المبارك عن اختلاف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم , كله صواب؟ فقال: «الصواب واحد , والخطأ موضوع عن القوم , أرجو» قلت: فمن أخذ بقول من الأقاويل فهو أيضا موضوع عنه , قال «نعم , أرجو إلا أن يكون رجل اختار قولا حتما , ثم نزل به شيء , فتحول إلى غيره , ترخصا للشيء الذي نزل به» سنده صحيح 2/114
    وحكى أبو إبراهيم المزني: أن هذا مذهب مالك بن أنس , والليث بن سعد
    قال الخطيب :قول الله سبحانه وتعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث} إلى قوله: {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} [الأنبياء: 79] فأخبر: أن سليمان هو المصيب وحمده على إصابته , وأثنى على داود في اجتهاده , ولم يذمه على خطئه , وهذا نص في إبطال قول من قال: إذا أخطأ المجتهد يجب أن يكون مذموما , ويدل عليه أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم المشهور: إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران , وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ...... وفيه دليل على أن المجتهد بين الإصابة والخطأ.......... فجعل له أجر اجتهاده , ولم يؤثمه مع خطئه وأما التأثيم , فلا يجوز لأن الشرع ورد بالعفو عنه , وإثابتُه على قصده ونيته والوعد والوعيد , والعفو والتأثيم طريقه الشرع , وقد ورد الشرع بالعفو عن خطئه كما ورد بالعفو عن الخاطئ والناسي والمكره , يدل عليه قول الله تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث} إلى قوله تعالى: {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} [الأنبياء: 79] فأثنى عليهما جميعا , وأخبر بإصابة سليمان , ولم يؤثم داود , وكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا اجتهد الحاكم فأخطأ , فله أجر " فجعل له أجر اجتهاده , ولم يؤثمه مع خطئه .انتهي بتصرف 2/126:125

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •