في أول حوار بعد عاصفة مقالته..د.الأحمر لـ(الدين والحياة) 1/2: مَن هؤلاء الذين يعترضون على الديموقراطية في مواجهة ابن باز؟
في أول رد فعل للمفكر الإسلامي د.محمد الأحمري على ما جوبهت به مقالته "انتصار الديمقراطية على الوثنية" والتي كانت حديث الوسط الشرعي الفكري في الساحة المحلية، وأثارت عاصفة من الردود المتباينة، وكان معظمها من الشرعيين الذي تحفظوا على كثير مما جاء فيها، وربما كان أبرز الذين قاموا بالرد على تلك المقالة الدكتور ناصر العمر، والباحث بندر الشويقي.


ملحق (الدين والحياة) أجرى حوارا مستفيضا مع د.الاحمري سينشر في حلقتين، وردّ فيها الضيف على كثير من الشبه التي أوردها المعترضون على رؤيته، ووصفهم ـ على طريقته الجديدة الساخنة ـ بأن لدى أحدهم ذاكرة تفتقد للوعي، وتفتقد حتى لمميزات ذاكرة الكومبيوتر المنظمة!، وإلى تفاصيل الحوار المثير، الذي تنشره العصر، في جزئه الأول، بنصه كاملا:


* سنبدأ من انتخاب الشعب الأمريكي لأوباما رئيساً لهم مؤشر على رغبة الشعب الأمريكي في التغيير والإصلاح، ألا يملك الغرب آليات ومقومات إصلاح مشاكله الداخلية وتجديد فكره وفلسفته بما يبقيه قوة عظمى في العالم؟


** الغرب يتميز بشجاعة التخيل، والبحث عن أهل الخيال والإبداع، وليس البحث عن الأصلاء والمؤصلين، لأن التأصيل أسهل عندهم، وليسوا حريصين عليه، بل يبحثون عن من يقفز بهم في غير المعروف وغير المجرب، أذكر مرة أن شركة ميكروسوفت أو شركة إتش بي جاءت لجامعة في أوائل عهد صناعة الكومبيوتر وجمعت طلاباً من الجامعة ومدرسين وقالوا لهم اذكروا لنا ما تريدون ان يفعل لكم الكومبيوتر مستقبلا، فقال أحدهم: أريد أن اتحدث للكومبيوتر وهو يكتب كلامي، وبعد سنوات تحقق ذلك، من خلال "ميز الصوت" فالغرب الناجح من أهم ملامح نجاحه أنه مجتمع مفتوح للنقاش، نقاش كل شيء، ليس هناك محظورات، وهذا الانفتاح يجعل من السهل الوصول للحلول، أما المجتمع المنغلق فلا يسمح له بسماع خبر المشكلة، ولو خرج الخبر فيمارس عليه أقصى أساليب التعمية والإغواء عن حقيقة ما حدث، ومن لديه حل، فإنه لا يجد طريقاً لإبلاغه، أو يخاف من ممارسة معرفته ويخاف من ذكائه، لأن الذكاء عدو للانغلاق. وقوة الغرب تكمن في أمور منها القدرة على تجديد ونقد الذات.


ولعل من أهم أمثلة الحيوية الرأسمالية أنها في أوج عداوتها للشيوعية وللنظام في روسيا زحفت في نظمها وتفكيرها نحو أخذ الكثير من محاسن الثورة الروسية، فكادت أوربا أن تكون اشتراكية من حيث ضمان رواتب للفقراء، وللعاطلين عن العمل، ومجانية التعليم ومجانية الطب، وكانت أعلى نماذج ذلك شمال أوربا كالسويد والنرويج (علما بأن هناك من يعيد السبب لعوامل دينية كالفينية بحتة، وليست لأفكار شيوعية) لا يهمنا هنا مصادر الحماية الشعبية للفقراء، ولكن من المهم أن نزيد على هذا روحاً أخرى للرأسمالية تبعث فيها الحياة وعاملاً آخر وهو أن المجتمعات المسيحية ترسخت فيها ثقافة المعونات والصدقات، أكثر مما هي راسخة في المجتمعات المسلمة، فكثيراً ما تجد ما يزيد عن نفقات الأسرة المسيحية الغربية يذهب مباشرة لمؤسسة أو كنيسة أو جمعية سياسية أو حزب سياسي (حملة أوباما أنموذجاً بأكثر من ستمائة مليون دولار تبرعات) أو اجتماعية أو صحية، أو حتى عسكرية (هناك جمعيات خيرية تجمع تبرعات حتى للجيش الإسرائيلي) وهذا عكس تعامل أكثر المسلمين مع الثروة فهو لا يدفع ما زاد عن حاجاته -ولا أقول ضرورياته- لأبواب النفع العام بل يبحث عن كماليات لا تنتهي، وتتغذى شهوة الكماليات على عقد النقص في المجتمع.


ـ حضارة الجدل:


* كيف تقرأ ترشيح أوباما لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية وهو إفريقي الأصل من جد مسلم؟ وهل يمكن إحداث اختراق في المجتمع الأمريكي لصالح المسلمين والمستضعفين في العالم عموماً؟


** أحد نقاد الأدب الأمريكي قال لو قيل لي ما هي الحضارة الأمريكية لقلت إنها حضارة الجدل، أي عرض الفكرة بوضوح في جمع من الناس، واستعراض قوة الاقناع بها، ثم قبول القول بالفكرة المضادة وحق صاحبها في استكمال البلاغ بها، وفن الخطابة يدرس في مستويات التعليم الثانوي، لا كما حولنا الخطابة إلى محسنات بديعية، بل إلى حجج علمية وعقلية في سياق عاطفي وتأثيري شامل، بما فيه اللغة، وأوباما امتلك ناصية البيان، وعقل القانوني، والنزعة القيادية، وقدرة المثقف الشمولي، وفي بيئة الجدل يصعد هذا النوع، وهذا ما جعله مؤثراً، إضافة إلى الأزمة القائمة والحاجة للتغيير، وصعود شباب يكره التزمت المسيحي اليهودي الذي مارسته إدارة بوش، وزيادة عدد السكان من مهاد ثقافي مختلف سيكون له دوره المستقبلي.


أما الجانب الإسلامي، فإن المسلمين الآن كجالية تعيش زمنا معقولاً قياساً بأيام بوش السوداء في ولايته الأولى، وقد دمرت مؤسساتهم، واتهمت قياداتهم، وحوصروا حصاراً مرعباً، ولكنه بدأ ينفرج الأمر منذ الدورة الثانية لبوش، وخاصة أنه لم يعد بحاجة للمتاجرة بترعيبهم ولا بمطاردتهم، وبعد سقوط رموز اليهودية في البيت الأبيض. أما مسألة المستضعفين في العالم فإن زعيماً من أصل مستضعف لا يبدو أنه قادر على إحداث شيء كثير ولأنه أيضا ينتظر جولة أخرى، واقتصاد بلاده ضعيف، والداخل يحتاج لحلول كثيرة، ولن يحك جلدك مثل ظفرك، فالأولى عدم تعليق الآمال على غير أهلها.


ـ أصداء المقالة:


* لعلنا ندخل هنا مباشرة دكتور محمد في هذه العاصفة التي أثارتها مقالتك الأخيرة " انتصار الديمقراطية على الوثنية" والذي أثار ردود فعل متباينة،وقد مجدت فيه الديمقراطية الأمريكية التي يصعد فيها "الأكفأ والعملي"، وأنت تعلم أنه لا يفوز بهذه الانتخابات إلا من يتقن الخداع الجماهيري، ويسخر الأموال والدعاية وغير ذلك من العيوب التي بدأ النقاد يبحثونها ويبرزونها؟


** الحديث عن الديمقراطية كان في الغرب فترة من الزمن من المحرمات الفكرية، وكان من يرفع هذه الشعارات يعد في الطبقات المجرمة والمعتدية، ولكنها منذ قرنين من الزمان أصبحت من أعلى طموحات الإنسانية، وفضيلة خلقية واجتماعية لا تنازع، وأصبح الكاذبون والديكتاتوريون المستغلون يرفعون شعارها حتى وهم يسرون بل وعلنا يمارسون استغلالها، أما عن عيوبها فلا يشك عاقل طرفة عين في مصائبها، والذين يناقشون من الغربيين مصائبها يناقشونها كما يناقشون حوادث السيارات والطائرات، ومصائب أخطاء الأطباء في المستشفيات، ليس ليلغوا الطب والمستشفيات بل ليصلحوها، ولا ليتراجعوا عن تقدمهم وتحضرهم ويرجعوا لعصر الدكتاتورية، وكذا إذا ذمّ الناس السيارة والطائرة فليس ليعودوا إلى عصر الحمار، ولهذا ينتقدون الديمقراطية ليطوروا هذه الآلية التي هي أحسن نظام إنساني للحكم طوره الناس في زماننا، ولعل من أسباب سقوط الخلافة الراشدة أنها لم تنتقد ولم تطور في حال قوتها وفترة حكمها، أما عن سبب تسمية غيرها بالوثنية فعلى منتقدي أن يوجهوا نقدهم وعيبهم لعبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي سماها كسروية وقيصرية وهذا فهمي من كلامه بأن القيصرية والكسروية أراد بها النظم الوثنية التي جاء الإسلام لإزالتها، فإن كان أخطأ عبد الله بن عمر فخطأي من خطئه.


* وماذا عن جانب المال والإعلام؟


** من يلمز حول استخدام المال والدعاية، فأرجو أن يتذكر هؤلاء الصراع الإخواني السلفي في انتخاب البلديات في المملكة، وأن يروا صراع الإسلاميين في الكويت، فإن كانت هذه جرائم فإن القوائم الذهبية التي أصدرها الإسلاميون والدعايات والأكلات كانت من واجهة صراع الإسلاميين، وتبرعوا وأُنفقت أموال في مصارفها ولم يتساءلوا عن شرعيتها، ولم يعترض عليها هؤلاء فكيف يعترضون على غيرهم من غير المسلمين ويريدون أن يرتكس العالم في مصيبة ديكتاتورية بوش وبلير؟ ألا يذكر هؤلاء أن الله تعالى بدأ سورة الروم بقوله: (الم، غلبت الروم، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون)، الروم 1-4، فسيفرح مؤمنو مكة وكانوا مسلمين على عهد الرسالة ولم يكن الصحابة سلفيين بانتصار قادم للأقل كفرا و وثنية على الأكثر وثنية عبدة النار! فهذا فرق بين عقل تاريخي وبين العقل الإسلامي الأمثل الذي يعي الواقع وسياسة العالم، ولم تقل الآيات أنّ الروم أسلموا، ولم أقل أنّ أوباما تقي ولا مسلم، ولكن الفقه معرفة شر الشرين ومعرفة خير الخيرين، ولما غاب عن الإخوة المتسلّفة فقه السيرة وفقه الكتاب، وتجمدت العقائد ؛ماتت السياسة ومات الفكر، بل أصبح وللأسف هناك من يرى الفكر لا شيء، ويرى الحفظ والإعادة كل شيء!


كان الفكر عند عمر حيا نابها وعند الصحابة، أما متسلفة زماننا فأصبح احدهم ذاكرة تفتقد للوعي وتفتقد حتى لمميزات ذاكرة الكومبيوتر المنظمة!


ـ المال لاعب رئيسي:


* لكن دكتور محمد تعرف أن المال هو عامل رئيسي في اللعبة الديموقراطية، وهو ما كتب عنه بعض معارضيك وأشاروا له؟


** المال مضر جدا بالديمقراطية، كضرر حوادث السيارات، ولكن هذه المفسدة لا تلغي فوائدها العظمى، لأن الديكتاتورية تهدر المال أكثر من الديمقراطية وتحرم المحاسبة وتبيد المعارضة، وتدمر الروح والكرامة والخلق في الأمم المنكوبة بها. ونعلم أنه ربما لو لم يجمع هذا الرئيس القادم ما هو أكثر من ستمائة مليون لم يفز، ولكن بلاده تخلصت وهي تكاد تحكم العالم من شر نتيجة اختيار أخرى، وبالمال وبالدعاية نفسها التي يستخدمها خصومه، من استمرار حرب شرسة توجهها عقليات متطرفة مسيحية وقد يكون هذا أضر، ولكننا حاولنا أن نقول لعل هذا أقل تطرفا دينيا، وقد لا يكون، وهناك عامل آخر، وهو أن مبدأ تطبيق التكافؤ الإنساني مطلب بشري نادى به الإسلام وكان الإنجاز جزئيا، ولم نبلغ بعد في تطبيقات حياتنا هذا الحد، ونداء الشرع قائم، فلما نجح غيرنا هل نقول هذا خطأ؟ مثلا الغرب حرّم استعباد للناس، وقد قال فقهاء الإسلام "الإسلام متشوف للحرية" ألما حرم الغرب العبودية نعيدها؟ بينما ديننا متشوف لها، والكفارات تبدأ غالبا بها، واقتحام العقبة "فك رقبة" أي عتقها من أعلى ما يصنع المسلم. فلما نرى هذا تحقّق و وقعت مصلحة عالمية إنسانية حقيقية ألا نفرح؟ أنا كنت من مستغربي نجاحه لما أعرفه من ثقافة عنصرية ضد السود والملونين والنساء والكاثوليك واليهود والمسلمين! ولكن الثقافة الديمقراطية كما يقول روبرت دال: "إنها تسمح بظهور نخب سياسية جديدة" بعضنا يعرف من الموضوع طرفه فيسيء له كله، ومن هؤلاء من يسمع نقد الديمقراطية فيتوقع أنهم يرقبون منه حلا؟ وهو لا يتصور حلا فضلا عن أن يعرف آلية تصحيح الديمقراطية لنفسها، والديمقراطية شر ولكنها أخف شرا من غيرها!


* ولكني أكرّر عليك بأن موضوع المال والدعاية بدأ النقاد يبرزونها..


** أنا أعجب من قولك بدأ النقاد يعرفونها ويبرزونها؟ ليس الأمر كذلك، بل مبدأ الانتخاب يلزم بالدعاية للفضائل وللدور وللمواهب وللشخص ولكل وسيلة مقنعة، حتى مسيرة الشخص مقارنة بسابقه، وهذا ظهر في انتخابات السقيفة لأبي بكر، ولم تظهر شرور الانتخابات التالية، لأنها لم تستمر ولم تتطور عندنا، وأتمنى كأي عاقل أن تكون انتخابات كما يتمناها الغرب دون هذه المشكلات المالية والدعائية، لأنها ستفيد البشر جميعا، ولو كانت في المراكز الاستعمارية، وأوربا لم تزل أقل ولوجا في مصائب الديمقراطية الأمريكية ولكنها على الدرب، وإسلاميونا في انتخاباتهم قفزوا لآخر نقطة للسيطرة على أصغر هدف! فكيف لأكبر من ذلك ومن يردون علي في مواقعهم كان بعضهم وراء القوائم، وعصبياتهم الحركية المالية شاركت، فكيف أصبحت حلالا لهم حراما على الأمريكان والعالم كله! هل الإشكالية تأصيل لفظي !


ـ جلد الذات:


* هل هذا الإعجاب بالديمقراطية هو من باب "ليس حباً في زيد وإنما بغضاً لعمرو"، وأن "ضغط الواقع" هو ما جعلك تشيد بالتجربة الأمريكية وتنتقد بعض مثقفينا ومفكرينا "المنهارون عقلياً" بشدة لدرجة وصفت "بجلد الذات"؟


** الإنسان ابن بيئته، ليس له أن يزعم أنه قد تجرد من عواملها السيئة والحسنة، وقد ساءني جداً اختزال الحديث عن الديمقراطية إلى مسألة شخصية، هذا تفكير كارثي، وكنت للأسف أتوقعه وأن الرد علي سيكون في تشخيص النتائج حول شخصية أوباما وحذرت من تشخيص الفكرة، في آخر سطر في المقال، فكان توقعي في بعض قرائي أعلى من الذي ردّوا بكثير للأسف ، فبدلا من لفت النظر إلى التشخيص هناك حاولوا قتل الفكرة، وقتل النماذج، وحاولوا الإساءة لمبلغ الفكرة، وهكذا تجد بيئة فكرية غير معقولة أبدا، زد على ذلك أن يعقب علي بحق أو بباطل شيخ يحترمه بعض القرّاء، فهؤلاء القرّاء لا يقرأون الفكرة، ولكن جوابهم إن ما قال حبيبنا حق، وما قال صاحبكم باطل، منطق جاهلي قديم يلبس لباسا إسلاميا: "كذاب ربيعة خير من صادق مضر" نحن بهذه الطريقة لا نتعامل مع أفكار، ولا مع دين، نتعامل مع تشخيصات حذّر منها مالك بن نبي رحمه الله، وذكر أنها داء فينا وملازمة للضعف الفكري لدى مسلمي زمانه، فها نحن نكتشف أنه بعد كلامه بأربعين عاما لم نبعد كثيراً!


وهؤلاء لا يمارسون كلاما يرددونه كل يوم: "الحكمة ضالة المؤمن" لا بل ثقافتهم هي أن من أكد أفكاري فهو مصيب، ومن خالفها فهو مخطئ! ومن الأفكار الخاطئة التي كتبتها منذ سنوات أن أمريكا ليست جاهزة لحكم أسود أو إمرأة، ولكن الواقع خالف توقعي، وهناك تطورات كبيرة لم أواكبها، وبالرغم من نصوص قرأتها لشلاسنجر قبل وفاته أكدها، وهي نزعة الخلاص من رئيس الحرب ومن ثقافة الحرب بعد الحرب في الثقافة الأمريكية، وللأسف لم أكد أتراجع حتى رأيت الحقيقة أمام العين! فلم لا يصدق إخواننا وبعضهم طيبون ومخلصون وصادقون ويتنازلون عن ثقافة ليست شرعية إسلامية ولا واقعية, بل مجرد تراث تاريخي يتوقعونه إسلاما، وليس كذلك. والذي أتمنّاه مرة أخرى أن يطالبوا أنفسهم بعدم التهجم على ما لا يحسنون. كما أطالب نفسي أولا.


ـ مشروعية الديموقراطية:


* هناك من معارضي مقالتك كتبوا حول مشروعية الديموقراطية، هلا أجليت لنا رأيك؟


** مشروعية الديمقراطية، لا ينتهي عجبي من المعترضين على قولي فيها، لأن الأصل عندهم مخالفة الأنموذج النبوي ومعمل الصحابة في الثقة بالمجتمع المسلم وبما يختار ويرى فهم أوصياء على الناس، المجردين من العقول ومن الأمانة، ولهذا يرد عليهم الحكام والناس بتجريدهم من الميزتين اللتين يرونهما خاصة بهم، ولأنهم لم يكلفوا أنفسهم أن يقرأوا كلام القرضاوي والغنوشي، ولا عمل الزنداني ولا عمل المودودي، مع بعض الاضطراب عنده بين التطبيق عن التنظير، ولكن جماعته تصوّت منذ ستين عاما وتبحث عن مكان انتخابي في ديموقراطية باكستان، ثم عن هؤلاء السلفيين نشروا رسالة الشيخ سفر التي طالب فيها اليمنيين أن يصوّتوا في انتخابات اليمن لحزب الإصلاح، وكأنهم لم يروا ولم يسمعوا بعباسي مدني ولا بلحاج ولا محمد السعيد، الذين خاضوا الديمقراطية ولم يحسنوا التعامل معها، ويستنكرون الانتخابات داخل الجماعات الإسلامية وبعضهم شاب فيها،والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يرأسه القرضاوي يعتمد التصويت فيه، ويصوت معهم مذاهب أخرى، وماذا يقول الناقدون أيضا لتأييد الشيخين سفر الحوالي وسلمان العودة لانتخابات الجزائر، وتنكروا للشيخ السلفي الكبير عبدالعزيز بن باز وقد أصدر تأييده للمشاركة في مجلس الأمة الكويتي قال هذا حديثا وكُتب ونشر وكان المستفتون أربعة من دكاترة الشريعة: د.الطبطبائي النائب الكويتي، و د. عبد الرزاق الشايجي كان مدير حملته، ود. ناصر الحنيني، ومعهم رابع، وكلهم أحياء شهود نقلوا الحديث تسجيلا وكتابة.


والشيخ ابن باز أبرز رجال السلفية منذ قرون وأوعاهم بالمقاصد العملية أو "البراجماتية" للشريعة، فإذا كان هؤلاء أصابهم هوس كما زعم من رد عليّ، فليكن، ما دام علماء وعقلاء المسلمين مصابين بهوس الديمقراطية فأمرهم لله! ومن هؤلاء المعترضون في مواجهة من ذكرت! هذا سؤال أتنزل به على طريقتهم، ولا أراه مناسبا لي طريقا للحجاج، بل أقول إن لهم الحق والحرية في اعتقاد ما شاءوا ولكن أليسوا هم أصحاب الديكتاتورية الفكرية؟ حتى لما يختزلون القضايا الكبرى للأمة إلى مجرد "ديكتاتورية إدارية"! أو تبسيط الأمر إلى موقف فردي من ديكتاتورية إدارية !


ـ طريقة الصدمات القاسية:


* يادكتورمحمد، أخذ عليك بعض أحبائك بان طريقتك في الصدمات الفكرية قاسية ، وعباراتك شديدة.


** نعم الصدمات الفكرية مؤذية، والأسلوب المناسب لمثقفينا الذي اعتادوه هو الاحتيال عليهم، وخداعهم، وهذا ما اعتادوه فهو يريحهم تماما، والمثال السابق كاف في خداع النفس، وسيقولون عباراتك شديدة وأسلوبك قاس، نعم ربما كنت أحتاج أن أقدم بمقدمة أسب فيها الديمقراطية، وأقدح فيها ثلاثة أرباع المقال، والقدح فيها دائما صحيح، -فهي تقدم المفضول على الفاضل –وأستخدم مصطلحات مألوفة لأصحابنا، ثم أتحدث بحسنات صغيرة جدا لها، راجيا مراعاتها، ونختم بخداع لم يذوقوا فيه طعم الصراحة، لأن الفكر الهاجع -إن وجد- فهو لا يحتمل صراحة الحق ولا يعي قوة الباطل. إنهم يبحثون عن لغة "تُسِرُ حسواً في ارتغاء" يقال المثل في من يقول إنه فقط يشرب الرغوة التي فوق اللبن بينما الحقيقة إنه يحسو اللبن الصراح. فلو دمرت أفكارهم بالتواءات نصوصية، وتهويشات توثيقية، لقبلوا ولكن الصدمة بالحقيقة كثيرا ما تكون مقيتة. إن موضوع الدين والديمقراطية لا يختزل بهذه الطريقة، ولكن هذا إصراركم. لو حرّم المعارضون المشاركة في انتخابات البلديات وابتعدوا عنها لصدقناهم..ولكن!!


ـ أجاب الدكتور محمد الأحمري عن سؤال حول أي ديموقراطية تريدون، والتي احتج بها عليه بعض الذين كتبوا ضده، فأجاب بقوله " أختصر القول هنا بأن كل انتخابات في بلاد إسلامية أو غيرها فغايتها حكم الشعب بما يدين به الشعب، فإن كان مسيحيا أنتج مسيحية سياسية، وإن كان سلفيا أنتجها نظاما وتنفيذا، وإن كان إماميا فهاهو أمامكم ينفذ احترازاته على الديمقراطية ـ من خلال ثلاث مؤسسات ـ ولكنه في النهاية سوف يسقط احترازاته غير بعيد، ليكون ديموقراطيا فعلا، أو يتراجع عنها ليرتكس في وثنية أخرى. (إن القانون في كل بلد له علاقة وثيقة بنظامه الخلقي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي) كما يقول المودودي، في (نظرية الإسلام وهديه) فالديمقراطية ترعى المجتمع وعقائده، أما الديكتاتورية فهي تمتهن الإنسان وكل ما يدين به وتؤمن بشيء واحد "هو ألوهية الحاكم".


أما كتاب الدكتور، سامي الدلال، عن الإسلاميين وسراب الديمقراطية، فجهد مشكور جانبه الصواب، وقد بينت موقفي في أول يوم رأيت عدداً من المثقفين يتداولونه، ورجوت وقتها لو خرج عليه رد، لأن واقع الإسلاميين ضده، فهم كغيرهم طلاب سلطة، وهم يطاردون الانتخابات في كل مدرسة وكلية، فضلا عن مجالس تشريعية، فكيف بهم في انتخاب دولة! أما كون الانتخابات في العالم العربي سرابا فهذا أكثره صحيح، ولكن الغابات فيها ماء، وليس الانتخابات كلها سراب في صحراء.


إن الفكرة الجيدة تحتاج رعاية لا تكذيبا ولو كانت بعيدة التحقيق، والذين يضرون الأمة، حكومات وشعوبا، هم من سخروا أنفسهم لمطاردة كل فكرة مفيدة، أو ثبتت فائدتها عالميا، وقد يناسبهم أن يقترحوا تصحيحا أو تعديلا ولا يكون من منعة الخير، فالاختيار خير للجميع، وإذا تحولت المجالس العليا في المجتمعات العربية ومجالس الشورى في بلادهم إلى انتخابات، فهل سيفسقونها ويكفرونها ويرونها غربية، أم سيدعون الوعاظ للخطابة في خيام وقاعات انتخاباتهم, ويأخذون المال ولو من نصيب الأحق ويسخرونه لدعاياتهم وحفلاتهم الانتخابية! ثم رأينا "مدرسة سراب الديمقراطية" السلفية تتحاطم على السراب، وتنافس الإخوان، وتنسّق معهم ليحرمون غيرهم، ويفوزوا في حلبة الديمقراطية المقزّمة جدا، وإذا الشيوخ يخطبون في الانتخابات، ولما هلكوا من ممارسة هوس كانوا قد سموه سرابا فتبعوا هم الناس يطاردون السراب، ويتمنونه وسيعودون مرات ومرات، لو تيسرت فرصة، ولو بلا نتيجة، وسيخرجون بعد ذلك يهجون ويشتمون شعوبا تحقق فعلا ما يرونه هم سرابا أو هوسا، إن الإخوان منسجمين مع أنفسهم في مطاردة السراب، وغيرهم يلهثون وراءه ويجرّمونه فهلّا عقلوا!


إنكم لو حرمتم المشاركة في انتخابات البرلمانات والبلديات ثم ابتعدتم عنها وقدمتم برنامجا آخر، لصدقناكم، ألا ترون محاربة كلامكم لعملكم "لم تقولون مالا تفعلون"!


تمنيت صراحة أكثر للحقيقة ولكن آذانهم وأذواقهم جدّ ناعمة ورقيقة!

مجلة العصر
http://www.alasr.ws/index.cfm?method...******id=10473